← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

المسألة التي قبل هذا. ومذهبه ﵀: أن الدين مانع من الزكاة في العين، وعروض التجارة إن لم يفضل عن وفائه قدر ما تجب فيه الزكاة، قال في [موطئه]: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل يكون عليه دين، وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين، ويكون عنده من الناض سوى ذلك ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا زكاة عليه، حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة، فعليه أن يزكيه. وأما الماشية والزروع والثمار فلا يسقط الدين وجوب زكاتها عنده. ومذهب الإمام الشافعي ﵀ أن الدين إذا كان حالًا على موسر مقر، أو منكر وعليه بينة فزكاته واجبة إن كان عينًا، أو عرض تجارة، وهذا قوله الجديد. وأما القديم: فهو أن الزكاة لا تجب في الدين بحال. أما إن كان الغريم معسرًا، أو جاحدًا ولا بينة، أو مماطلًا، أو غائبًا فهو عنده كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه خلاف، والصحيح الوجوب؛ ولكن لا تؤخذ منه بالفعل إلا بعد حصوله في اليد. وإن كان الدين مؤجلًا ففيه وجهان: أحدهما: لأبي إسحاق أنه كالدين الحال على فقير، أو مليء جاحد؛ فيكون على الخلاف الذي ذكرناه آنفًا.

стр. 1087

والثاني: لأبي علي بن أبي هريرة لا تجب فيه الزكاة، فإذا قبضه استقبل به الحول. والأول أصح. قاله صاحب المهذب. أما إذا كان الدين ماشية كأربعين من الغنم، أو غير لازم كدين الكتابة فلا تجب فيه الزكاة اتفاقًا عندهم. وإن كان عليه دين مستغرق، أو لم يبق بعده كمال النصاب فقال الشافعي في [القديم]: يسقط الدين المستغرق، أو الذي ينقص به المال عن النصاب وجوب الزكاة؛ لأن الملك فيه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء، وقال في [الجديد]: تجب الزكاة، ولا يسقطها الدين؛ لاختلاف جهتهما؛ لأن الزكاة تتعلق بعين المال، والدين يتعلق بالذمة. وإن حجر عليه ففيه خلاف كثير، أصحه عند الشافعية: أنه يجري على حكم زكاة المغصوب، وقد قدمنا حكمه، وللشافعية قول ثالث، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، وهي الذهب والفضة، وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة، وهي الزروع، والثمار، والمواشي، والمعادن. والفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة، وهذا هو مذهب مالك كما تقدم. ودين الآدمي، ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة. ومذهب الإمام أحمد ﵀: أن من كان له دين على مليء مقر به غير مماطل فليس عليه إخراج زكاته حتى يقبضه، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من السنين. ورُوي نحوه عن علي رضي

стр. 1088

الله عنه، وبه قال: الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه. وقال: عثمان، وابن عمر، وجابر، ﵃، وطاووس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو عبيد: عليه إخراج زكاته في الحال؛ لأنه قادر على قبضه. وقد قدمنا أنه قول مالك، والشافعي، فإن كان الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل، فروايتان: أحدهما: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به. والثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد. وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا قول مالك. ومذهب أحمد ﵀: أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، التي هي الذهب والفضة، وعروض التجارة. وهذا لا خلاف فيه عنه، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقد قدمنا نحوه عن مالك ﵀. وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الباطنة، وقد قدمناه عن الشافعي، في جديد قوليه. وأما الأموال الظاهرة؛ وهي السائمة، والثمار، والحبوب فقد

стр. 1089

اختلفت فيها الرواية عن أحمد ﵀، فرُوي عنه: أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضًا كالأموال الباطنة، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم، يبتدىء بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي. ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل، أو بقرة أو غنم، أو زرع، ولا زكاة. وبهذا قال: عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق. وروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، وبه قال الأوزاعي. وقد قدمناه عن الشافعي في [الجديد] وهو قول مالك. إذا عرفت أقوال العلماء في زكاة الدين، وهل هو مانع من الزكاة؟ ! فاعلم أن اختلافهم في الدين، هل يزكى قبل القبض، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة؟ ! أو لا بد من زكاته لما مضى من السنين؟ ! الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق المناط، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل أو لا؟ ولا نعلم في زكاة الدين نصًّا من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا كون الدين مانعًا من وجوب الزكاة على المدين إن كان يستغرق، أو ينقص النصاب إلا آثارًا وردت عن بعض السلف. ومنها ما رواه مالك في [الموطأ] عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عثمان بن عفان أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة.

стр. 1090

ومنها ما رواه مالك في [الموطأ] أيضًا عن أيوب بن أبي ثميمة السختياني، عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب في مال قبضه بعض أولاده ظلمًا يأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من السنين، ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضمارًا اهـ. وهو بكسر الضاد: أي غائبًا عن ربه لا يقدر على أخذه، ولا يعرف موضعه. المسألة السادسة: في زكاة المعادن والركاز. اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض الصور لذلك، فقال قوم: لا يجب في شيء من المعادن الزكاة إلا الذهب والفضة خاصة، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالًا من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه، ولا يستقبل به حولًا. وممن قال بهذا: مالك، والشافعي. ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما؛ إلا أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب، وفضة، وزئبق، ورصاص، وصفر، وحديد، وياقوت، وزبرجد، ولؤلؤ، وعقيق، وسبح، وكحل، وزجاج، وزرنيخ، ومغرة، ونحو ذلك، وكذلك المعادن الجارية: كالقار، والنفط، ونحوهما، ويقوم بمائتي درهم، أو عشرين مثقالًا، ما عدا الذهب والفضة، فجميع المعادن عنده تزكى، واللازم فيها ربع العشر. وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن المعدن من جملة الركاز، ففيه عنده الخمس، وهو عنده الذهب والفضة، وما ينطبع كالحديد

стр. 1091

والصفر والرصاص، في أشهر الروايتين، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن والركاز. وممن قال بلزوم ربع العشر في المعدن عمر بن عبد العزيز. وحجة من قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. وحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط أن الأصل عدم وجوب الزكاة، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما. واحتجوا أيضًا بحديث "لا زكاة في حجر" وهو حديث ضعيف، قال فيه ابن حجر في [التلخيص]: رواه ابن عدي من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواه البيهقي من طريقه، وتابعه عثمان الوقاصي، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، كلاهما عن عمرو بن شعيب، وهما متروكان. اه. وعمر بن أبي عمر الكلاعي ضعيف، من شيوخ بقية المجهولين. قاله في "التقريب". واحتج لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في [الموطأ] عن ربيعة أبي عبد الرحمن، عن غير واحد أن رسول الله - ﷺ - قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وقال ابن حجر في [التلخيص]: ورواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي موصولًا، وليست فيه زيادة: وهي من ناحية الفرع. . الخ.

стр. 1092

وقال الشافعي -بعد أن روى حديث مالك-: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولم يثبتوه، ولم يكن فيه رواية عن النبي - ﷺ - إلا إقطاعه، وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النبي - ﷺ -. وقال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد رُوي عن الدراوردي عن ربيعة، موصولًا، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في "المستدرك" وكذا ذكره ابن عبد البر، من رواية الدراوردي قال: ورواه أبو سبرة المديني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن عباس. قلت: أخرجه أبو داود، من الوجهين. اه. قال مقيده -عفا الله عنه-: الاستدلال بهذه الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في [الموطأ] فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية، والشافعية. والاستصحاب المقلوب: هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ثبوته في الزمن الماضي، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني. قال صاحب [جمع الجوامع]: أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب، وقد يقال فيه: لو لم يكن الثابت اليوم ثابتًا أمس لكان غير ثابت، فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك، فدل على أنه ثابت. وقال: في [نشر البنود]: وقد يقال في الاستصحاب المقلوب

стр. 1093

ليظهر الاستدلال به: لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس، لكان غير ثابت أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه، فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك؛ لأنه مفروض الثبوت الآن، فدل ذلك على أنه ثابت أمس أيضًا. ومثل له بعض المالكية بالوقف، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها؛ لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف. ومَثَل له المحلَيّ بأن يقال في المكيال الموجود: كان على عهده - ﷺ -، باستصحاب الحال في الماضي. ووجهه في المسألة التي نحن بصددها أن لفظ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب، أنها كانت كذلك في زمن النبي - ﷺ -؛ لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا. وقد أشار في [مراقي السعود] إلى مسألة الاستصحاب المذكور في كتاب الاستدلال بقوله: ورجحن كون الاستصحاب ... للعدم الأصلي من ذا الباب بعد قصارى البحث عن نص فلم ... يلف وهذا البحث وفقًا منحتم إلى أن قال -وهو محل الشاهد-: وما بماض مثبت للحال ... فهو مقلوب، وعكس الخالي كجري ما جهل فيه المصرف ... على الذي الآن لذاك يعرف وأما الركاز: ففيه الخمس بلا نزاع، لقوله - ﷺ -: "وفي الركاز

стр. 1094

الخمس" أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، والإمام أحمد، من حديث أبي هريرة ﵁: إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز. فذهب الجمهور منهم مالك، والشافعي، وأحمد، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية، وأنه لا يصدق على المعادن اسم الركاز. واحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ذكرنا بعضًا منه آنفًا، فإن فيه أن النبي - ﷺ - قال: "والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة. وذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن ركاز، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "وفي الركاز الخمس، قيل: يا رسول الله - ﷺ - وما الركاز؛ قال: الذهب والفضة والمخلوقات في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض". ورده الجمهور بأن الحديث ضعيف. قال ابن حجر في [التلخيص]: رواه البيهقي من حديث أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا، وتابعه حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد، وعبد الله متروك الحديث، وحبان ضعيف. وأصل الحديث ثابت في [الصحاح] وغيرها بدون الزيادة المذكورة.

стр. 1095

وقال الشافعي في [الجديد]: يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ذهبًا أو فضة دون غيرهما. وخالفه جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء: إذا كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب فيه الخمس. وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية. لا يخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية، فهي ناسخة لها. • قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ قال الشافعي، والليث: إن المراد بالرقاب: المكاتبون. وروي نحوه عن أبي موسى الأشعري، والحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد. ويدل لهذا القول قوله تعالى في المكاتبين: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وقال ابن عباس: الرقاب أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق. • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن من يؤذي رسول الله

стр. 1096

- ﷺ له العذاب الأليم. وذكر في "الأحزاب" أنه ملعون في الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾. صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم، وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث، ثم بين أنه مخرج ما كانوا يحذرونه، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وبين في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . صرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقَين ما وجدوا شيئًا ينقمونه، أي: يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيه ﷺ من الخير والبركة. والمعنى: أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب، أو ينقم بوجه من الوجوه؛ والآية كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. ونظير ذلك من كلام العرب: قول نابغة ذبيان:

стр. 1097

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وقول الآخر: ما نقموا من أمية إلا ... أنهم يضربون إن غضبوا وقول الآخر: فما بك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل • قوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة شدة حر نار جهنم -أعاذنا الله والمسلمين منها- وبين ذلك فى مواضع أخر، كقوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه اختلف العلماء في وزن جهنم بالميزان الصرفي، فذهب بعض علماء العربية إلى أن وزنه "فعنل" فالنون المضعفة زائدة، وأصل المادة:. الجيم والهاء والميم، من تجهم إذا عبس وجهه؛ لأنها تلقاهم بوجه متجهم عابس، وتتجهم وجوههم وتعبس فيها لما يلاقون من ألم العذاب.

стр. 1098

ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري: شكوت إليها حبها فتبسمت ... ولم أر شمسًا قبلها تتبسم فقلت لها: جودي فأبدت تجهمًا ... لتقتلني يا حسنها إذ تجهم وتقول العرب: جهمه إذا استقبله بوجه كريه مجتمع، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني: ولا تجهمينا أم عمرو فإنما ... بنا داء ظبي لم تخنه عوامله وقال بعض العلماء: جهنم فارسي معرب، والأصل كهنام، وهو بلسانهم النار، فعربته العرب، وأبدلوا الكاف جيمًا. • قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ عاقب الله في هذه الآية الكريمة المتخلفين عن غزوة تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيه، ولا القتال معه ﷺ لأن شؤم المخالفة يؤدي إلى فوات الخير الكثير. وقد جاء مثل هذا في آيات أخر، كقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمخالف هو الذي يتخلف عن الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان، ومنه قول الشنفرى: ولا خالفٍ داريَّةٍ مُتَرَيِّب ... يروح ويغدو داهنًا يتكحَّل

стр. 1099

• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾. ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر بالإيمان، والجهاد مع نبيه ﷺ استأذن الأغنياء من المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة عليه، وطلبوا النبي ﷺ أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو. وبين في موضع آخر أن هذا ليس من صفات المؤمنين، وأنه من صفات الشاكين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وذلك في قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ وبين أن السبيل عليهم بذلك، وأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وبين في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد، كقوله: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين

стр. 1100

الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات والفوز العظيم، وبين في مواضع أخر أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير، كقوله جل وعلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾. ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا، حيث أبغض من ﵁؛ ولا شك أن بغض من ﵁ مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان. • قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ الآية. صرح في هذه الآية الكريمة أن من الأعراب، ومن أهل المدينة منافقين لا يعلمهم رسول الله ﷺ ، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾ الآية. وذكر نظيره عن شعيب -عليهم كلهم صلوات الله وسلامه- في قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ اه. وقد أطلع الله نبيه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات

стр. 1101

الماضية، وقد أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان ﵄ بشيء من ذلك، كما هو معلوم. • قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية. لم يبين هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه، ولكنه بينها في سورة "مريم" بقوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ . أمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه ﷺ بالتوكل عليه جل وعلا، ولا شك أنه ممتثل ذلك، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله وسلامه، والتوكل على الله تعالى هو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.

стр. 1102

كما بين تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله عن هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ وقوله تعالى عن جملة الرسل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ الآية. ومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا - ﷺ - على الله قوله يوم حنين، وهو على بغلة في ذلك الموقف العظيم: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب

стр. 1103

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار، وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر، كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾. وذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد -أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك بفضله ورحمته- وذلك في قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية. وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق، كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ والغساق: صديد أهل النار -أعاذنا الله والمسلمين منها- وأصله من غسقت العين سال دمعها، وقيل: هو لغة: البارد المنتن، والحميم الآني: الماء البالغ

стр. 1104

غاية الحرارة، والمهل: دردي الزيت، أو المذاب من النحاس والرصاص، ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية: أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام، أي: يسلم بعضهم على بعض بذلك، ويسلمون على الملائكة، وتسلم عليهم الملائكة بذلك، وقد بين تعالى هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الآية، قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ومعنى السلام: الدعاء بالسلامة من الآفات. والتحية مصدر حياك الله بمعنى أطال حياتك. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّه﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الإنسان في وقت الكرب يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله، فإذا فرج الله كربه أعرض عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه قط. وبين هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية،

стр. 1105

وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة. إلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة عبادة المؤمنين بقوله في سورة هود: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ وقد قال ﷺ : "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن". • قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ الآية. أمر الله تعالى: في هذه الآية الكريمة نبيه ﷺ أن يقول: إنه ما يكون له أن يبدل شيئًا من القرآن من تلقاء نفسه، ويفهم من قوله: ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما شاء. وصرح بهذا المفهوم في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ الآَية، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ . في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة؛ لأن النبي ﷺ لم يبعث إليهم رسولًا حتى لبث فيهم عمرًا من الزمن،

стр. 1106

وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبًا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجرًا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه عن صفاته ﷺ ، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا. وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله اه. ولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه ببعض، وعما قليل ييبس، ويكون حصيدًا يابسًا كأنه لم يكن قط، وضرب لها أيضًا المثلِ المذكور في "الكهف" في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ وأشار لهذا المثل بقوله في "الزمر": ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ وقوله في "الحديد": ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ الآية.

стр. 1107

تنبيه التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب؛ لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله، وهو في إقبال وكمال، ثم عما قليل يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعًا، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وصرح في "الكهف" بأنه لا يترك منهم أحدًا بقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾. قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ الآية. صرح في هذه الآية الكريمة بأن كل نفس يوم القيامة تبلو، أي: تخبر وتعلم ما أسلفت، أي قدمت من خير وشر، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ الآية. وأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية؛ وجهان: أحدهما: أنها تتلو، بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت، فيرجع إلى الأولى.

стр. 1108

والثاني: أن كل أمة تتبع عملها، لقوله ﷺ : "لتتبع كل أمة ما كانت تعبده، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس" الحديث. • قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾. صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا هو ربهم الرازق المدبر للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا. والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا؛ ولم ينفعهم ذلك؛ لإشراكهم معه غيره فى حقوقه جل وعلا كثيرة، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّه﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾. والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتًا، وقد أوضحناه في سورة "الفاتحة" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جل وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ فإنه تجاهل عارف؛ لأنه عبد مربوب،

стр. 1109

كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. • وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾ . ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرًا، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق، ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء. وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ الآية. والآيات: في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء، مع من بيده الخير كله المتصرف

стр. 1110

بكل ما شاء، لا تصدر إلا ممن لا عقل له، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن لا يكون مفترى من دون الله مكذوبًا به عليه، وأنه لا شك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك مما لا شك أنه من الله جل وعلا: دليل على أنه غير مفترى، وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين، وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة. ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله، أقام البرهان القاطع على أنه من الله، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين، والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا، قال جل وعلا في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ وتحداهم أيضًا في سورة "البقرة" بسورة واحدة من مثله بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى

стр. 1111

عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية، وتحداهم في "هود" بعشر سور مثله بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ الآية، وتحداهم في "الطور" به كله بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾. وصرح في سورة "بني إسرائيل" بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ كما قدمنا، وبين أنهم لا يأتون بمثله أيضًا بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ الآية. التحقيق أن تأويله هنا هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة، كما قدمنا في أول "آل عمران" ويدل لصحة هذا القول في "الأعراف": ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ الآية. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ . أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكارًا لها، وإظهارًا لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ إلى

стр. 1112

قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ ونظير ذلك قول إبراهيم الخليل -وأتباعه- لقومه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. وبين تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار والأوثان والبراءة منهم؛ من فوائده تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة، وهو قوله في "مريم": ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا (٥٠)﴾. وقال ابن زيد وغيره، إن آية: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآية منسوخة بآيات السيف. والظاهر أن معناها محكم: لأن البراءة إلى الله من عمل السوء لاشك في بقاء مشروعيتها. • قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا حشروا استقلوا مدة مكثهم في دار الدنيا، حتى كأنها قدر ساعة عندهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في آخر "الأحقاف": ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَار﴾ الآية، وقوله في آخر "النازعات" ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ وقوله في آخر "الروم": ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الآية. وقد بينا بإيضاح في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] وجه الجمع بين هذه الآيات المقتضية أن الدنيا عندهم كساعة، وبين الآيات المقتضية أنها عندهم كأكثر من ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا

стр. 1113

أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ فانظره في سورة: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" في الكلام على قوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ . صرح في هذه الآية الكريمة: أن أهل المحشر يعرف بعضهم بعضًا، فيعرف الآباء الأبناء، كالعكس، ولكنه بين في مواضع أخر أن هذه المعارفة لا أثر لها، فلا يسأل بعضهم بعضًا شيئًا، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾. وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] أيضًا: وجه الجمع بين قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ في سورة: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" أيضًا. • قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بخسران المكذبين بلقائه، وأنهم لم يكونوا مهتدين، ولم يبين هنا المفعول به لقوله خسر، وذكر في مواضع كثيرة أسبابًا من أسباب الخسران، وبين في مواضع أخر المفعول المحذوف هنا، فمن الآيات المماثلة لهذه الآية قوله تعالى في "الأنعام": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى في "البقرة": ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ وقوله في

стр. 1114

"البقرة" أيضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ وقوله في "الأعراف": ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ وقوله في "الأعراف" أيضًا: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ وقوله في "الزمر": ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾. والآيات في مثل هذا كثيرة، وقد أقسم تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه إنسان إلا بأربعة أمور: الأول: الإيمان. الثاني: العمل الصالح. الثالث: التواصي بالحق. الرابع: التواصي بالصبر. وذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ إلى آخر السورة الكريمة، وبين في مواضع أخر أن المفعول المحذوف الوِاقعِ عليه الخسران هو أنفسهم، كقوله في "الأعراف": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ وقوله في "المؤمنون": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ وقوله في "هود": ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾. وزاد في مواضع أخر خسران الأهل مع النفس، كقوله في "الزمر": ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ

стр. 1115

الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ وقوله في "الشورى": ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾. وبين في موضع أخر أن خسران الخاسرين قد يشمل الدنيا والآخرة، وهو قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾. في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة لنبيه - ﷺ - أنه إما أن يريه في حياته بعض ما يعد الكفار من النكال والانتقام، أو يتوفاه قبل ذلك، فمرجعهم إليه جلا وعل لا يفوته شيء مما يريد أن يفعله بهم؛ لكمال قدرته عليهم، ونفوذ مشيئته جل وعلا فيهم، وبين هذا المعنى أيضًا في مواضع أخرِ، كقوله في سورة "المؤمن": ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ وقوله في "الزخرف": ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت في القرآن العظيم فعل مضارع بعد إن الشرطية المدغمة في ما المزيدة لتوكيد الشرط إلا مقترنًا بنون التوكيد الثقيلة، كقوله هنا: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآية: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ الآية، ﴿فَإِمَّا

стр. 1116

تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ الآية، ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية. ولذلك زعم بعض علماء العربية وجوب اقتران المضارع بالنون المذكورة في الحال المذكورة، والحق أن عدم اقترانه بها جائز، كقول الشاعر: فإما تريني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها وقول الآخر: زعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي • قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن لكل أمة رسولًا، وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد بين ﷺ أن عدد الأمم سبعون أمة في حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵃ "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله" وقد بينا هذه الآيات في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ووجه الجمع بينها وبين قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ الآية، في سورة "الرعد" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ أوضح الله تعالى معنى هذه الآية الكريمة في سورة "الزمر" بقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ

стр. 1117

وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾. • قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون في الدنيا تعجيل العذاب كفرًا وعنادًا، فإذا عاينوا العذاب آمنوا، وذلك الإيمان عند معاينة العذاب وحضوره لا يقبل منهم، وقد أنكر ذلك تعالى عليهم هنا بقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ونفى أيضًا قبول إيمانهم في ذلك الحين بقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾

стр. 1118

وقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، واستثنى الله تعالى قوم يونس دون غيرهم، بقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ الآية. ذكر تعالى عن موسى في هذه الآية أنه قال: إن الله سيبطل سحر سحرة فرعون، وصرح في مواضع أخر بأن ذلك الذي قال موسى إنه سيقع من إبطال الله لسحرهم أنه وقع بالفعل، كقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ ونحوها من الآيات. ول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية: أنه بوأ بني إسرائيل مبوأ صدق. وبين ذلك في آيات أخر، كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ إِلى قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ إلى: قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ ومعنى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ أنزلناهم منزلًا مرضيًا حسنًا. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 1119

صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له في علم الله الشقاوة لا ينفعه وضوح أدلة الحق، وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة أن إيمان قوم يونس ما نفعهم إلا في الدنيا دون الآخرة، لقوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ويفهم من مفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أن الآخرة ليست كذلك، ولكنه تعالى أطلق عليهم اسم الإيمان من غير قيد في سورة "الصافات" والإيمان منقذ من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، كما أنه بين في "الصافات" أيضًا كثرة عددهم، وكل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع

стр. 1120

أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعًا، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية، وبين ذلك أيضًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن من لم يهده الله فلا هادي له، ولا يمكن أحدًا أن يقهر قلبه على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد الله به ذلك، وأوضح ذلك المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، كما تقدم في "النساء" والظاهر أنها غير منسوخة، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى الخير إلا الله تعالى، وأظهر دليل على ذلك أن الله أتبعه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. • وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ

стр. 1121

حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية، ووبخ في سورة "الأعراف" من لم يمتثل هذا الأمر، وهدد بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله جل وعلا أن ينظر فيه؛ لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله- جل وعلا- وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ﴾ الآية. تنبيه آية "الأعراف" هذه التي ذكرنا تدل دلالة واضحة على أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين، خلافًا لجماعة من الشافعية وغيرهم. • قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ الآية. أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ الآية. أوضح معناه أيضًا بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ . لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين، كقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة وقوله:

стр. 1122

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ إلى آخرها، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. انتهى الجزء الثاني من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى وأوله سورة "هود" وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة هود

стр. 1124

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ . اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافًا كثيرًا، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحدًا من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل وعلا نستعين. قال بعض العلماء: هي مما استأثر الله تعالى بعلمه، كما بينا في "آل عمران" وممن روي عنه هذا القول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ وعامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل: هي أسماء السور التي افتتحت بها؛ وممن قال بهذا القول: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم. قال الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "ألم السجدة" و"هل أتى على الإنسان".

стр. 1125

ويدل له أيضًا قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله ﵄ يوم الجمل، وهو شريح بن أبي أوفى العبسي، كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن: يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلًا: إنه الذي قتل محمد بن طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف: أنه المدلج ابن كعب السعدي، ويقال: كعب بن مدلج. وذكر الزبير بن بكار: أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني: وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعًا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني حاميم. . البيت. اه من فتح الباري. فقوله: "يذكرني حاميم" -بإعراب "حاميم" إعراب ما لا ينصرف- فيه الدلالة على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة. وقيل: هي من أسماء الله تعالى. وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس ﵄. وعنه أيضًا: أنها أقسام أقسم الله بها، وهي من أسمائه. وروي نحوه عن عكرمة. وقيل: هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسمائه جل
следующие страницы →