← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية، ووبخ في سورة "الأعراف" من لم يمتثل هذا الأمر، وهدد بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله جل وعلا أن ينظر فيه؛ لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله- جل وعلا- وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ﴾ الآية. تنبيه آية "الأعراف" هذه التي ذكرنا تدل دلالة واضحة على أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين، خلافًا لجماعة من الشافعية وغيرهم. • قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ الآية. أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ الآية. أوضح معناه أيضًا بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾ . لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين، كقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة وقوله:

стр. 1122

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ إلى آخرها، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. انتهى الجزء الثاني من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى وأوله سورة "هود" وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 1123

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة هود

стр. 1124

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ . اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافًا كثيرًا، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحدًا من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل وعلا نستعين. قال بعض العلماء: هي مما استأثر الله تعالى بعلمه، كما بينا في "آل عمران" وممن روي عنه هذا القول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ وعامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل: هي أسماء السور التي افتتحت بها؛ وممن قال بهذا القول: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم. قال الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "ألم السجدة" و"هل أتى على الإنسان".

стр. 1125

ويدل له أيضًا قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله ﵄ يوم الجمل، وهو شريح بن أبي أوفى العبسي، كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن: يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلًا: إنه الذي قتل محمد بن طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف: أنه المدلج ابن كعب السعدي، ويقال: كعب بن مدلج. وذكر الزبير بن بكار: أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني: وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله: وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعًا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني حاميم. . البيت. اه من فتح الباري. فقوله: "يذكرني حاميم" -بإعراب "حاميم" إعراب ما لا ينصرف- فيه الدلالة على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة. وقيل: هي من أسماء الله تعالى. وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس ﵄. وعنه أيضًا: أنها أقسام أقسم الله بها، وهي من أسمائه. وروي نحوه عن عكرمة. وقيل: هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسمائه جل

стр. 1126

وعلا، فالألف من "الم" مثلا: مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي العالية. واستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز: قلت لها: قفي فقالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف فقوله: "قاف" أي: وقفت. وقول الآخر: بالخير خيرات وإن شرًا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين. قال القرطبي: وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث. قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق، إلى غير ما ذكرنا من الأقوال في فواتح السور، وهي نحو ثلاثين قولًا. أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس

стр. 1127

ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائمًا دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق. قال تعالي في البقرة: ﴿الم (١)﴾ وأتبع ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقال في آل عمران: ﴿الم (١)﴾ وأتبع ذلك بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. وقال في الأعراف: ﴿المص (١)﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. وقال في سورة يونس: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ وقال في هذه السورة الكريمة التي نحن بصددها -أعني سورة هود-: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ وقال في يوسف: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية. وقال في الرعد: ﴿المر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ وقال في سورة إبراهيم: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ الآية؛ وقال في الحجر: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ وقال في سورة طه: ﴿طه (١)﴾ ثم قال: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ وقال في الشعراء: ﴿طسم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)

стр. 1128

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآية. وقال في النمل: ﴿طس﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ وقال في القصص: ﴿طسم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ الآية. وقال في لقمان: ﴿الم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ وقال في السجدة: ﴿الم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ وقال في يس: ﴿يس (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ الآية. وقال في ص: ﴿ص﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ الآية. وقال في سورة المؤمن: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ الآية. وقال في فصلت: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الآية. وقال في الشورى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. وقال في الزخرف: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية. وقال في الدخان: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية. وقال في الجاثية: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وقال في الأحقاف: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. وقال في سورة ق: ﴿ق﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾. وقد قدمنا كلام الأصوليين في الاحتجاج بالاستقراء بما أغنى عن إعادته هنا.

стр. 1129

وإنما أخرنا الكلام على الحروف المقطعة مع أنه مرت سور مفتتحة بالحروف المقطعة في القرآن المكي غالبًا، والبقرة وآل عمران مدنيتان، والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود؛ لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ بعد قوله: ﴿الر﴾ واضح جدًا فيما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ . هذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها: هي أن يعبد الله جل وعلا وحده، ولا يشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية -صريح في أن آيات هذا الكتاب فصلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن يعبد الله وحده. سواء قلنا: إن "أن" هي المفسرة. أو أن المصدر المنسبك منها ومن صلتها مفعول من أجله؛ لأن ضابط "أن" المفسرة أن يكون ما قبلها متضمنًا معنى القول، ولا يكون فيه حروف القول. ووجهه في هذه الآية أن قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فيه معنى قول الله تعالى لذلك الإحكام والتفصيل دون حروف القول، فيكون تفسير ذلك هو: ألا تعبدوا إلا الله. وأما على القول بأن المصدر المنسبك من "أن" وصلتها مفعول له فالأمر واضح. فمعنى الآية: أن حاصل تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء، ونظير هذا المعنى قوله

стр. 1130

تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ ومعلوم أن لفظة "إنما" من صيغ الحصر، فكأنَ جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى "لا إله إلا الله" وقد ذكرنا في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" أن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى "لا إله إلا الله" لأن معناها خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية. والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنستقصي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة "الناس"، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى. • قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله

стр. 1131

تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع من فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه. والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وقوله تعالى عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ . يبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر، وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ وقوله جل

стр. 1132

وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى. تنبيه مهم اعلم أن الله ﵎ ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظًا أكبر، ولا زاجرًا أعظم مما تضمنه هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم مثلًا ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا أن ملكًا قَتّالًا للرجال، سفاكًا للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلمًا، وسيّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دمًا، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحدًا من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟ ! لا، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم خوفًا من بطش ذلك الملك. ولا شك -ولله المثل الأعلى- أن رب السموات والأرض جل وعلا أشد علمًا، وأعظم مراقبة، وأشد بطشًا، وأعظم نكالًا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه محارمه، فإذا

стр. 1133

لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لان قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جلا وعلا. ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أَنّ الله ﵎ صرح بأن الحكمة التي خُلِقَ الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملا، ولم يقل: أيهم أكثر عملا، فالابتلاء في إحسان العمل، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الآية. وقال في الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾. ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن يبتلى، أي: يختبر؛ بإحسان العمل فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النبي - ﷺ - عن هذا ليعلمه لأصحاب النبي - ﷺ - فقال: "أخبرني عن الإحسان" أي: وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختبار فيه، فبين النبي - ﷺ - أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه، فقال له: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك". واختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وفي مرجع

стр. 1134

الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾. فقال بعض العلماء: معنى "يثنون صدورهم" يَزوَرّون عن الحق، وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازوّرَ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه. بهذا فسره الزمخشري في الكشاف. قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا المعنى معروف في كلام العرب، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه. فمن الأول قول، ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب: خليليَّ عوجا بارك الله فيكما ... على دارمي من صدور الركائب تكن عوجة يجزيكما الله عنده ... بها الأجر أو تقضى ذمامة صاحب يعني: اثنيا صدور الركائب إلى دارمي. ومن الثاني قول الشنفرى: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل وقول الآخر: أقول لأم زنباع: أقيمي ... صدور العيس شطر بنى تميم وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي

стр. 1135

حليف بني زهرة. كان حلو المنطق، يلقى رسول الله ﷺ بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي ﷺ ثنى صدره وظهره، وطوطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبي ﷺ فيدعوه إلى الإيمان. حُكي معناه عن عبد الله بن شداد. وعن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب، يستحيون من الله. وقال بعض العلماء: معنى ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلامِ الله، كقوله تعالى عن نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ الآية. وقيل: كانوا إذا عملوا سوءًا ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم، يظنون أنهم إن فعلوا أخفوا به عملهم على الله جل وعلا. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية. وقرأ ابن عباس هذه الآية الكريمة "ألا إنهم تثنوني صدورهم" وتثنوني مضارع اثنونى، ووزنه افعوعل من الثني، كما تقول: احلولى من الحلاوة "وصدورهم" في قراءة ابن عباس بالرفع فاعل تثنوني، والضمير في قوله: "منه" عائد إلى الله تعالى في أظهر القولين. وقيل: راجع إليه ﷺ كما مر في الأقوال في الآية. • قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .

стр. 1136

صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق، ولم يخلقهما عبثًا ولا باطلًا. ونزه نفسه تعالى عن ذلك، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم بالنار، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآية. المراد بالأمة هنا: المدة من الزمن. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الآية. أي تذكر بعد مدة. تنبيه استعمل لفظ "الأمة" في القرآن أربعة استعمالات: الأول: هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في البرهة من الزمن. الثاني: استعمالها في الجماعة من الناس، وهو الاستعمال الغالب، كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1137

الثالث: استعمال "الأمة" في الرجل المقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ الآية. الرابع: استعمال "الأمة" في الشريعة والطريقة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملًا يريد به الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ ولكنه تعالى بين في سورة بني إسرائيل تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية. وقد أوضحنا هذه المسألة غاية الإيضاح في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في الكلام على هذه الآية الكريمة، ولذلك اختصرناها هنا. • قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن لا يكفر به أحد كائنًا من كان إلا دخل النار. وهو صريح في عموم رسالة نبينا ﷺ إلى جميع الخلق. والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله

стр. 1138

تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية. • قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن الشك في هذا القرآن العظيم، وصرح أنَّه الحق من الله. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدًا، كقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية وقوله: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات. والمرية: الشك. • قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وبين ذلك أيضًا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، يضاعف لهم العذاب يوم القيامة؛ لأنهم يعذبون على ضلالهم، ويعذبون أيضًا على إضلالهم غيرهم، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 1139

زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾. وبين في موضع آخر: أن العذاب يضاعف للأتباع والمتبوعين، وهو قوله في الأعراف: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ . في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه، بعضها يشهد له القرآن: الأول -وهو اختيار ابن جرير الطَّبري في تفسيره، ونقله عن ابن عبَّاس، وقَتَادة-: أن معنى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ الآية -أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع، ولا أن يبصروه إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين عن استعمال جوارحهم في طاعة الله تعالى، وقد كانت لهم أسماع وأبصار. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. الثاني -وهو أظهرها عندي-: أن عدم الاستطاعة المذكور في الآية إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ونحو ذلك من الآيات. وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم

стр. 1140

على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم، كما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية -إلى غير ذلك من الآيات. الثالث: أن المعنى ما كانوا يستطيعون السمع، أي: لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له، ويشهد لهذا القول قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ الآية. الرابع: أن "ما" مصدرية ظرفية، أي يضاعف لهم العذاب مدة كونهم يستطيعون أن يسمعوا ويبصروا، أي يضاعف لهم العذاب دائمًا. الخامس: أن "ما" مصدرية في محل نصب بنزع الخافض، أي يضاعف لهم العذاب بسبب كونهم يستطيعون السمع والإبصار في دار الدنيا، وتركوا الحق مع أنهم يستطيعون إدراكه بأسماعهم وأبصارهم. وقد قدمنا في سورة النساء قول الأخفش الأصغر بأن النصب بنزع الخافض مقيس مطلقًا عند أمن اللبس.

стр. 1141

السادس: أن قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ من صفة الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، فيكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وتكون جملة: ﴿يضُاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ اعتراضية. وتقرير المعنى على هذا القول: وما كان لهم من دون الله من أولياء، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، أي: الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، وما لا يسمع ولا يبصر لا يصح أن يكون وليًا لأحد. ويشهد لمعنى هذا القول قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية الكريمة قد تكون فيها أقوال، وكلها يشهد له قرآن فنذكر الجميع، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للكافر بالأعمى والأصم، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير، وبين أنهما لا يستويان، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا يستوي الأصم والسميِع. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ الآية.

стр. 1142

وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الملأ من قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك منا إلَّا الأسافل والأراذل. وذكر في سورة الشعراء أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ وبين في هذه السورة الكريمة: أن نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أَبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضًا بقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح: أنَّه قال لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّى﴾ أي: على يقين ونبوة صادقة لاشك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلى من التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنَّه حق، أيمكنني أن ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهدى وإن كان

стр. 1143

واضحًا جليًا لا لبس فيه إن لم يهدكم الله جل وعلا إليه. وهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضًا في هذه السورة الكريمة بقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أنَّه أخبر قومه أنَّه لا يسألهم مالًا في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير العظيم مجانًا من غير أخذ أجرة في مقابله. وبين في آيات كثيرة: أن ذلك هو شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه كقوله فى سبأ عن نبينا ﷺ : ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ والآية. وقوله فيه أيضًا في آخر صَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾. وقوله في الطور والقلم: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. وقوله في الفرقان: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾. وقوله في الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.

стр. 1144

وقوله عن هود في سورة هود: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية. وقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩)﴾. وقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ الآية. وقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة، وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾. ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا من غير أخذ عوض عن ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام. ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي، والروياني في مسنده عن أبي بنُ كعب ﵁ قال: علمت رجلًا القرآن، فأهدى لي قوسًا، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "إن أخذتها أخذت قوسًا من نار" فرددتها. قال البيهقي وابن عبدِ البر في هذا الحديث: هو منقطع، أي: بين عطية الكلاعي، وأبي بنُ كعب، وكذلك قال المزي، وتعقبه

стр. 1145

ابن حجر بأن عطية ولد في زمن النبي - ﷺ -، وأعله ابن القطان بأن راويه عن عطية المذكور هو عبدِ الرحمن بنُ سلم وهو مجهول، وقال فيه ابن حجر في التقريب: شامي مجهول، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وله طرق عن أبي. قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء. قال الحافظ: وفيما قاله نظر. وذكر المزي في الأطراف له طرقًا منها: أن الذي أقرأه أُبي هو الطفيل بنُ عمرو، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بنُ عمرو الدوسي قال: أقرأني أبي بنُ كعب القرآن فأهديت له قوسًا فغدا إلى النبي - ﷺ - وقد تقلدها فقال النبي - ﷺ -: "تقلدها من جهنم" الحديث، وقال الشوكاني أيضًا: وفي الباب عن معاذ عند الحاكم، والبزار بنحو حديث أبي. وعن أبي الدرداء عند الدارمي بإسناد على شرط مسلم بنحوه أيضًا. ومن ذلك ما رواه أَبو داود وابن ماجَهْ عن عبادة بنُ الصامت ﵁ قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوسًا فقلت: ليست بمال أرمي بها في سبيل الله ، لآتين رسول الله - ﷺ - فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، أهدى إلى رجل قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال أرمي عليها في سبيل الله؛ فقال: "إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها"، وفي إسناده المغيرة بنُ زياد الموصلي. قال الشوكاني: وثقه وكيع ويحيى بنُ معين، وتكلم فيه جماعة، وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أَبو زرعة الرازي: لا يحتج بحديثه اهـ. وقال فيه ابن حجر في التقريب المغيرة بنُ زياد

стр. 1146

البجلي أَبو هشام، أو هاشم الموصلي صدوق له أوهام. وهذا الحديث رواه أَبو داود من طريق أخرى ليس فيها المغيرة المذكور. حدَّثنا عمرو بنُ عثمان وكثير بنُ عبيد قالا: ثنا بقية، حدثني بشر بنُ عبدِ الله بنُ بشار. قال عمرو: وحدثني عبادة بنُ نسي عن جنادة بنُ أبي أمية عن عبادة بنُ الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله - ﷺ -؟ فقال: "جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها" اهـ منه بلفظه. وفي سند هذه الرواية بقية بنُ الوليد وقد تكلم فيه جماعة، ووثقه آخرون إذا روى عن الثقات، وهو من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقًا. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء. والظاهر أن أعدل الأقوال فيه أنَّه إن صرح بالسماع عن الثقات، فلا بأس به، مع أن حديثه هذا معتضد بما تقدم وبما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي عن عمران بنُ حصين ﵄ عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "اقرأوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قومًا يقرءون القرآن يسألون به الناس" قال التِّرمِذي في هذا الحديث: ليس إسناده بذلك. ومنها ما رواه أَبو داود في سننه: حدَّثنا وَهْب بنُ بقية، أخبرنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بنُ المنكدر، عن جابر ابن عبدِ الله قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: "اقرءوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه".

стр. 1147

حدَّثنا أحمد بنُ صالح، حدَّثنا عبدِ الله بنُ وَهْب، أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن بكر بنُ سوادة، عن وفاء بنُ شريح الصدفي، عن سهل بنُ سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نقتري فقال: "الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله" اهـ. ومنها ما رواه الإمام أحمد، عن عبدِ الرحمن بنُ شبل، عن النبي - ﷺ - قال: "اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به" قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في هذا الحديث: قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات. ومنها ما أخرجه الأثرم في سننه عن أبي ﵁ قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة، قد احتبس في بيته اقرئه القرآن؛ فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي شيء فذكرته للنبي - ﷺ - فقال: "إن كان ذلك الطَّعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله" اهـ بواسطة نقل ابن قدامة في المغني والشوكاني في نيل الأوطار. فهذه الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليها. وممن قال بهذا: الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأَبو حنيفة، والضحاك بنُ قيس، وعطاء، وكره الزُّهْريّ وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبدِ الله بنُ شقيق: هذه الرغف التي يأخذها

стр. 1148

المعلمون من السحت. وممن كره أجرة التعليم مع الشرط: الحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخعي. قاله في المغني، وقال: إن ظاهر كلام الإمام أحمد جواز أخذ المعلم ما أعطيه من غير شرط، وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب مالك، والشَّافعي. وممن رخص في أجور المعلمين: أَبو قلابة، وأَبو ثور، وابن المنذر. ونقل أَبو طالب عن أحمد أنَّه قال: التعليم أحب إلى من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحب إلي. وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة، لا للتحريم. قاله ابن قدامة في المغني. واحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث سهل بنُ سعد الساعدي ﵁: أن النبي - ﷺ - جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؛ فقال - ﷺ -: "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلَّا إزاري، فقال النبي - ﷺ - "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك" فالتمس شيئًا، فقال: ما أجد شيئًا، فقال:

стр. 1149

"التمس ولو خاتمًا من حديد" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي - ﷺ -: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال نعم، سورة كذا وكذا يسميها، فقال النبي - ﷺ -: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" وفي رواية "قد ملكتكها بما معك من القرآن" فقالوا: هذا الرجل أباح له النبي - ﷺ - أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضًا عن صداقها. وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز. وما رد به العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنَّه - ﷺ - زوجه إياها بغير صداق إكرامًا له لحفظه ذلك المقدار من القرآن، ولم يجعل التعليم صداقًا لها -مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أنَّه - ﷺ - قال: "انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن" وفي رواية لأبي داود "علمها عشرين آية وهي امرأتك". واحتجوا أيضًا بعموم قوله - ﷺ - الثابت في صحيح البخاري من حديث ابن عبَّاس: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" قالوا: الحديث وإن كان واردًا في الجعل في الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب. واحتمال الفرق بين الجعل على الرقية وبين الأجرة على التعليم ظاهر. قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة

стр. 1150

على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية. ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه أمر نبيه نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين، وبين في سورة قد أفلح المؤمنون: أنَّه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها، فدل ذلك على أن فيها بيوتًا يدخل فيها الراكبون؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ومعنى "السلك" أدخل فيها من كل زوجين اثنين؛ تقول العرب: سلكت الشيء في الشيء، أدخلته فيه، وفيه لغة أخرى، وهي: أسلكته فيه، رباعيًا بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن؛ كقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية. وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِين (٢٠٠)﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِين (٢٠٠)﴾ وقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾ الآية؛ ومنه قول الشاعر: وكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب ومن الرباعية قول عبدِ مناف بنُ ربع الهذلي: حتَّى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي أن أصل السلك

стр. 1151

الذي هو الخيط، فعل بمعنى مفعول، كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول؛ لأن الخيط يسلك أي يدخل في الخرز لينظمه؛ كما قال العباس بنُ مرداس السلمي: عين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورًا وينحدر كأنه نظم در عند ناظمه ... تقطع السلك منه فهو منتثر والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنَّه أمر نوحًا أن يحمل في السفينة أهله إلَّا من سبق عليه القول، أي: سبق عليه من الله القول بأنه شقي، وأنه هالك مع الكافرين. ولم يبين هنا من سبق عليه القول منهم، ولكنه بين بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته. قال في ابنه الذي سبق عليه القول: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ ﴿- إلى قوله - ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية. وقال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ -إلى قوله- مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾

стр. 1152

ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أمر أصحابه الذين قيل له: احملهم فيها أن يركبوا فيها قائلًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوها. وبين في سورة الفلاح: أنَّه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله الذي نجاهم من القوم الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلًا مباركًا؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾. وبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن وغيرها بقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾. ومعنى قوله: ﴿مُقْرِنينَ﴾ أي مطيقين، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا وقول الآخر: ركبتم صعبتى أشر وجبن ... ولستم للصعاب بمقرنينا وقول ابن هرمة:

стр. 1153

وأقرنت ما حملتني ولقلما ... يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر • قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ الآية. ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ماء عظيم، أمواجه كالجبال. وبين جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) وقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾. وبين في موضع آخر: أن أمواج البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه كالجبال أيضًا بقوله: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ والطود الجبل العظيم. • قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ الآية. لم يبين هنا أمره الذي جاء الذي نجى منه هودًا والذين آمنوا معه عند مجيئه، ولكنه بين في مواضع أخر: أنَّه الإهلاك المستأصل بالريح العقيم التي أهلكهم الله بها فقطع دابرهم؛ كقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾. وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ

стр. 1154

لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ الآية. بين هذا الأمر الذي جاء بقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ ونحوها من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾ الآية. لم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت بها رسل الملائكة إبراهيم، ولكنه أشار بعد هذا إلى أنَّها البشارة بإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم والأب، كما يدل لذلك قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾. وقيل: البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه فالآيات المبينة لها كقوله هنا في السورة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾.

стр. 1155

والظاهر القول الأول: وهذه الآية الأخيرة تدل عليه؛ لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى؛ لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي "لما" كما ترى. • قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن إبراهيم لما سلم على رسل الملائكة وكان يظنهم ضيوفا من الآدميين، أسرع إليهم بالإتيان بالقِرَى - وهو لحم عجل حنيذ -أي منضج بالنار- وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، فقالوا: لا تخف وأخبروه بخبرهم. وبين في الذاريات: أنَّه راغ إلى أهله -أي مال إليهم- فجاء بذلك العجل وبين أنَّه سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ وأنه أوجس منهم خيفة، وذلك في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الآية. تنبيه يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة. منها: تعجيل القرى لقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾. ومنها: كون القرى من أحسن ما عنده؛ لأنهم ذكروا أن الذي

стр. 1156

عنده البقر وأطيبه لحمًا الفتي السمين المنضج. ومنها: تقريب الطَّعام إلى الضيف. ومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. ومعنى قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد، وقد جمعهما قول الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلَّا الشيب والصلعا وروي عن يونس: أن أبا عمرو بنُ العلاء حدثه: أنَّه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ بين الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿فِى صَرَّةٍ﴾ أي ضجة وصيحة. وقوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي لطمته. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾. لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية. فحاصل جداله لهم أنَّه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد

стр. 1157

من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية. ونظير ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ . هذا العذاب الذي صرح هنا بأنه آت قوم لوط لا محالة، وأنه لا مرد له بينه في مواضع متعددة، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وقوله في الحجر: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾، وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ . ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن لوطًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا

стр. 1158

يوم عصيب أنَّه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط؛ لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة، فمن ذلك قوله هنا: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾. وقوله في الحجر: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾. وقوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل: فجاءوا يهرعون وهم أسارى ... تقودهم على رغم الأنوف وقوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي، والاسم منه: الخزي -بكسر الخاء وإسكان الزاي-؛ ومنه قول حسان في عتبة بنُ أبي وقاص: فأخزاك ربي يا عتيب بنُ مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق وقال بعض العلماء: قوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة؛ أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببًا في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورًا وحشيًا

стр. 1159

تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل: حتَّى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب خزاية أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطًا بها الغضب يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف الهروب فكر راجعًا إليها، ومنه قوله الآخر: أجاعلة أم الثوير خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس والفعل منه: خزي يخزى، كرضي يرضى. ومنه قول الشاعر: من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحَلْي جيدها وقول الآخر: وأني لا أخزى إذا قيل: مملق ... سخي وأخزى أن يقال: بخيل وقوله: ﴿لَعَمُركَ﴾ معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلَّا نبينا - ﷺ -، وفي ذلك من التشريف له - ﷺ - ما لا يخفى. ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله - ﷺ -: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". وقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمي. وسمع عن العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها: رعملك، ومنه قول الشاعر: رعملك إن الطائر الواقع الذي ... تعرض لي من طائر لصدوق

стр. 1160

وقوله: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي عماهم وجهلهم وضلالهم، والعمه: عمى القلب، فمعنى: ﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يترددون متحيرين لا يعرفون حقًا من باطل، ولا نافعًا من ضار، ولا حسنًا من قبيح. واختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِى﴾ في الموضعين على أقوال: أحدها: أنَّه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة، وأَبو عبيدة. الثاني: أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى: دعوا فاحشة اللواط، وأزوجكم بناتي. وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزًا في شرعه، كما كانت بنات نبينا - ﷺ - تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب بنت رسول الله - ﷺ - عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد ﵂ إلى زوجها أبي العاص بنُ الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافرًا يوم بدر، والقصة مشهورة، وقد عقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة بدر: وابن الربيع صهر هادي الملة ... إذ في فداه زينب أرسلت بعقدها الذي به أهدتها ... له خديجة وزففتها سرحه بعقدها وعدا ... إليه أن يردها له غدًا. الخ القول الثالث: أن المراد بالبنات: جميع نساء قومه؛ لأن نبي القوم أب ديني لهم، كما يدل له قوله تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿النَّبِيُّ
следующие страницы →