← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

القبورة مملوءة ظلمة" إلى آخر الخبر، قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر. ومن أدلتهم أيضًا: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - ﷺ - صلى على قبر. ومن أدلتهم: ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة ﵄ وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى القبور وصحتها؛ لا مطلق صحتها دون الجواز. ومن أدلتهم: ما ذكره البخاري تعليقًا عن عمر بن الخطاب ﵁ بلفظ: "ورأى عمر أنس بن مالك ﵁ يصلي عند قبر؛ فقال: القبر القبر ولم يأمره بالإعادة" اه. وقال ابن حجر في الفتح: أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولًا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري. ولفظه: "بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر! فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى". وله طرق أخرى بينتها في تغليق التعليق؛ منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه: فقال بعض من يليني: إنما يعني القبر فتنحيت عنه. وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير. وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادى أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه.

стр. 1332

قال مقيده -عفا الله عنه-: هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معًا. أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت، وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت، فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود. ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس. أما الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل الدال على الجواز. وللمخالف أن يقول: لا يتعارض عام وخاص. فحديث "لا تصلوا إلى القبور" عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت، والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة، والخاص يقضي به على العام، فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقًا للعنه - ﷺ - لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة، وأن الصلاة على قبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع

стр. 1333

والسجود تصح؛ لفعله - ﷺ - الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، ويومئ لهذا الجمع حديث "لعن متخذي القبور مساجد" لأنه أماكن السجود، وصلاة الجنازة لا سجود فيها؛ فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود. تنبيه اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النبي - ﷺ - كان فيه قبور المشركين -في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله. أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: "وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار"؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة، إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي - ﷺ - إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: "لنتخذن عليهم مسجدًا" بقوله

стр. 1334

- ﷺ - في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". الحديث. يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق - ﷺ - كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه - ﷺ - فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. ولهذا صرح ابن مسعود ﵁ بأن الواصلة والواشمة ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة التي قالت له: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد: إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله - ﷺ -، وأنه لا دليل في آية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾. وأما الاستدلال بأن مسجد النبي - ﷺ - بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر، لأن النبي - ﷺ - أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها. ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر - ﷺ - بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلًا؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى اه.

стр. 1335

والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها؛ كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي: أن عليًا ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ - ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". ولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضًا عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". فهذا النهي ثابت عنه - ﷺ -، وقد قال: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" وقال جل وعلا: ﴿مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقد تبين مما ذكرنا حكم الصلاة في مواضع الخسف، وفي المقبرة، وإلى القبر، وفي الحمام. وأما أعطان الإبل فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أيضًا النهي عن الصلاة فيها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ" قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم توضأ من لحوم الإبل". قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وأخرج الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلوا في

стр. 1336

مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل". وأخرج النسائي، والبيهقي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة في أعطان الإبل. وقال النووي في (شرح المهذب): إن الإسناد الذي أخرجه به البيهقي حسن. وأخرج أبو داود في سننه في (باب الوضوء) من لحوم الإبل، وفي (باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل) عن البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين". وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: "صلوا فيها فإنها بركة". وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "صلوا في مراح الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل". وأخرج ابن ماجه عن سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يصلى في أعطان الإبل، ويصلى في مراح الغنم". وترجم البخاري ﵀ في صحيحه لهذه المسألة، فقال: (باب الصلاة في مواضع الإبل) ثم قال: حدثنا صدقة بن الفضل قال: أخبرنا سليمان بن حيان، قال حدثنا عبيد الله، عن نافع قال: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال: رأيت النبي - ﷺ - يفعله.

стр. 1337

وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذه الترجمة التي لم يأت البخاري بحديث يطابقها ما نصه: كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، ولكن لها طرق قوية، منها حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه، وفي معظمها التعبير بمعاطن. الإبل. ووقع في حديث جابر بن سمرة والبراء "مبارك الإبل" ومثله في حديث سليك عند الطبراني، وفي حديث سبرة، وكذا في حديث أبي هريرة عند الترمذي "أعطان الإبل" وفي حديث أسيد بن حضير عند الطبراني "مناخ الإبل" وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد "مرابد الإبل" فعبر المصنف بالمواضع لأنها أشمل، والمعاطن أخص من المواضع؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصة. وقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل، وقيل: مأواها مطلقًا، نقله صاحب المغني عن أحمد -اه كلام ابن حجر. وقال ابن حزم: إن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في صحة الصلاة في أعطان الإبل. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تصح فيها، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وعليه جل أصحابه.

стр. 1338

قال صاحب (الإنصاف): هذا المذهب وعليه الأصحاب. وفي الفروع هو أشهر وأصح في المذهب. وقال المصنف وغيره: هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات. وممن قال بهذا القول (ابن حزم). وذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة، وأنه لو صلى فيها لصحت صلاته. وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة. واعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل. فقيل: لأنها خلقت من الشياطين، كما تقدم في الحديث عن النبي - ﷺ -، وهذا هو الصحيح في التعليل؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين" وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص، ومسلك الإيماء، والتنبيه. وقال جماعة من أهل العلم: معنى كونها "خلقت من الشياطين" أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته، أو أذاه، أو تشوش خاطره. وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطانًا، والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة، فتسميتها باسم الشياطين مطابق للغة العرب. والعرب تقول: خلق من كذا للمبالغة، كما يقولون: خلق هذا من الكرم، ومنه قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ على أصح التفسيرين.

стр. 1339

وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: "لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئاتها إذا نفرت". وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره. اه كلام الشوكاني. ومن هذا التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة. وقيل: العلة أن أصحاب الإبل يتغوطون في مباركها بخلاف أهل الغنم. وقيل: العلة أن الناقة تحيض، والجمل يمني. وكلها تعليلات لا معول عليها، والصحيح التعليل المنصوص عنه - ﷺ - بأنها خلقت من الشياطين. والعلم عند الله تعالى. تنبيه فإن قيل: ما حكم الصلاة في مبارك البقر؟ فالجواب: أن أكثر العلماء يقولون: إنها كمرابض الغنم. ولو

стр. 1340

قيل: إنها كمرابض الإبل لكان لذلك وجه. قال ابن حجر في فتح الباري: وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - كان يصلي في مرابض الغنم، ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر. قال: وسنده ضعيف، فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم الإبل، بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم. اه كلام ابن حجر. وما يقوله أبو داود ﵀ من أن العمل بالحديث الضعيف خير من العمل بالرأي له وجه وجيه. والعلم عند الله تعالى. أما الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله الحرام فدليل النهي عنها هو ما تقدم من حديث زيد ابن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر عنه - ﷺ -، وقد قدمنا ما في إسناده من الكلام. وأما الصلاة إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، فلما روي من النهي عن ذلك عن بعض الصحابة ﵃. قال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ "نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش " أخرجه ابن عدي. قال العراقي: ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال: لا يصلى إلى الحش. وعن علي قال: لا يصلي تجاه حش. وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ثلاثة أشياء. . فذكر منها الحش.

стр. 1341

وفي كراهته استقباله خلاف بين العلماء اه كلام الشوكاني. والمراد بالحش -بضم الحاء وفتحها- بيت الخلاء. وأما الصلاة في الكنيسة والبيعة -والمراد بهما متعبدات اليهود والنصارى- فقد كرهها جماعة من أهل العلم. قال النووي في شرح المهذَّب: حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومالك ﵃. قال الشوكاني: وقد رويت الكراهة أيضًا عن الحسن. قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن ما روي من ذلك عن عمر، وابن عباس ليس على إطلاقه، وإنما هو في الكنائس والبيع التي فيها الصور خاصة. ومما يدل على ذلك ما ذكره البخاري ﵀ في صحيحه قال: (باب الصلاة في البيعة) وقال عمر ﵁: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور". وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وقال ابن حجر في الفتح: إن الأثر الذي علقه البخاري عن عمر وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر، والأثر الذي علق عن ابن عباس وصله البغوي في الجعديات اه. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما هو ثابت عنده. ورخص في الصلاة في الكنيسة والبيعة جماعة من أهل العلم، منهم أبو موسى، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي،

стр. 1342

وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين، والنخعي والأوزاعي، وغيرهم. وقال العلامة الشوكاني ﵀: ولعل وجه الكراهة هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد؛ لأنه يصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك. قال مقيده -عفا الله عنه-: ويحتمل أن تكون العلة أن الكنيسة والبيعة موضع يعصى الله فيه ويكفر به فيه، فهي بقعة سخط وغضب. وأما النهي عن الصلاة إلى التماثيل فدليله ثابت في الصحيح. فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، قال: (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير: هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك) حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﷺ -: "أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي". وقال البخاري أيضًا في كتاب اللباس: (باب كراهية اللباس في التصاوير): حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي - ﷺ -: "أميطي عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ". وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير

стр. 1343

ممدود إلى سهوة، فكان النبي - ﷺ - يصلي إليه فقال: "أخريه عني" قالت: فأخرته فجعلته وسائد. والثوب في هذه الرواية هو القرام المذكور، والقرام -بالكسر-: ستر فيه رقم ونقوش، أو الستر الرقيق، ومنه قول لبيد في معلقته يصف الهودج: من كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها وقول الآخر يصف دارًا: على ظهر جرعاء العجوز كأنها ... دوائر رقم في سراة قرام والكلة في بيت لبيد: هي القرام إذا خيط فصار كالبيت. فهذه النصوص الصحيحة تدل على أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل. ومما يدل لذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله - ﷺ -، فقال يا رسول الله - ﷺ -: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصورا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة". اه هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري قريب منه اه. أَما بطلان صلاة من صلّى إلى التماثيل ففيه اختلاف بين العلماء، وقد أشار له البخاري بقوله الذي قدمنا عنه (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير هل تفسد صلاته) إلخ. وقد قدمنا أن منشأ الخلاف في البطلان هو الاختلاف في

стр. 1344

انفكاك جهة النهي عن جهة الأمر. والعلم عند الله تعالى. وأما منع تصوير الحيوان وتعذيب فاعليه يوم القيامة أشد العذاب، وأمرهم بإحياء ما صوروا، وكون الملائكة لا تدخل محلًا فيه صورة أو كلب، فكله معروف ثابت عن رسول الله - ﷺ -. وأما الصلاة في المكان المغصوب فإِنّها لا تجوز بإجماع المسلمين؛ لأن اللبث فيها حرام في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى. وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لو صلى في أرض مغصوبة فصلاته صحيحة؛ لانفكاك الجهة لأنه آثم بغصبه، مطيع بصلاته كالمصلي بحرير. وذهب الإمام أحمد في أصح الروايات عنه، والجبائي وغيره من المعتزلة إلى أنها باطلة؛ لعدم انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي كما قدمنا وقد قدمنا أقوال عامة العلماء في هذه المسألة في أبيات مراقي السعود التي استشهدنا بها. وأما النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث فدليله ما أخرجه أبو داود في سننه قال: (باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام) حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له -يعني لعمر بن عبد العزيز-: حدثني عبد الله بن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: "لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث" اهـ.

стр. 1345

وهذا الحديث لا يخفى ضعفه؛ لأن الراوي في هذا الإسناد عن محمد بن كعب لا يدرى من هو كما ترى. وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا زيد ابن الحباب، حدثني أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي خلف المتحدث أو النائم". وإسناد ابن ماجه هذا لا يحتج به أيضًا؛ لأن الراوي فيه عن محمد بن كعب أبو المقدام، وهو هشام بن زياد بن أبي يزيد، وهو هشام بن أبي هشام، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني، وهو لا يحتج بحديثه. قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال عبد الله بن أحمد، وأبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ومرة ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقوي، وكان جارًا لأبي الوليد فلم يرو عنه وكان لا يرضاه. ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن فروى عن الحسن، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة. قلت: وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: ضعيف، وترك ابن المبارك حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو بكر بن

стр. 1346

خزيمة: لا يحتج بحديثه. وقال العجلي: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف لا يفرح بحديثه اه كلام ابن حجر. وبه تعلم أن الصلاة إلى النائم والمتحدث لم يثبت النهي عنها من طريق صحيح. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الصلاة إلى النائم ثبت عن النبي - ﷺ - أنه فعلها. قال البخاري في صحيحه (باب الصلاة خلف النائم) حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا هشام قال: حدثني أبي عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يصلي، وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. وقال ابن حجر في الفتح: أورد فيه حديث عائشة أيضًا من وجه آخر، بلفظ آخر للإشارة إلى أنه قد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى. وكأنه أشار أيضًا إلى تضعيف الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، فقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث ابن عباس. وقال أبو داود: طرقه كلها واهية -يعني حديث ابن عباس اه. وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي، وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط وهما واهيان أيضًا. وكره مجاهد وطاوس، ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدر منه ما يلهي المصلي عن صلاته. وظاهر تصرف المصنف أن عدم الكراهة حيث يحصل الأمن

стр. 1347

من ذلك- انتهى كلام ابن حجر في (فتح الباري). قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه لم يثبت نص خاص في النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، ولكن ذلك لا ينافي أخذ الكراهة من عموم نصوص أخر، كتعليل كراهة الصلاة إلى النائم بما ذكر من خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته؛ لأن النائم لا يدري عن نفسه، وكتعليل كراهية الصلاة إلى المتحدث بأن الحديث يشوش على المصلي في صلاته. والله تعالى أعلم. وأما كراهة الصلاة في بطن الوادي، فيستدل لها بما جاء في بعض روايات حديث زيد بن جبيرة المتقدم في المواضع التي نهى عن الصلاة فيها "وبطن الوادي" بدل "المقبرة" قال الشوكاني: قال الحافظ: وهي زيادة باطلة لا تعرف. وقال بعض العلماء: كراهة الصلاة في بطن الوادي مختصة بالوادي الذي حضر فيه الشيطان النبي - ﷺ - وأصحابه، فناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأمرهم النبي - ﷺ - بأن يتأخروا عن ذلك الموضع الذي حضرهم فيه الشيطان. ويجاب عن هذا: بأن الشيطان يمكن أن يكون ذهب عن الوادي. والله تعالى أعلم. وأما النهي عن الصلاة في مسجد الضرار فدليله قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾

стр. 1348

الآية. وقوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية. فهذه الآيات تدل على التباعد عن موضع ذلك المسجد، وعدم القيام فيه كما هو ظاهر. وأما كراهة الصلاة إلى التنور فلما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن محمد ابن سيرين: أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: هو بيت نار. وظاهر صنيع البخاري أَنَ الصلاة إلى التنور عنده غير مكروهة، وأن عرض النار على النبي - ﷺ - في صلاته يدل على عدم الكراهة. قال البخاري في صحيحه (باب من صلى وقدامه تنور أو نار، أو شيء مما يعبد فأراد به الله) وقال الزهري: أخبرني أنس قال: قال النبي - ﷺ - "عرضت علي النار وأنا أصلي" حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس فصلى رسول الله - ﷺ - ثم قال: "رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع" اه. وعرض النار عليه - ﷺ - وهو في صلاته دليل على عدم الكراهة؛ لأنه لم يقطع. وقد دل بعض الروايات الثابتة في الصحيح على أن النار عرضت عليه من جهة وجهه، لا من جهة اليمين ولا الشمال، ففي بعض الروايات الصحيحة أنهم قالوا له بعد أن انصرف: يا رسول

стр. 1349

الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت -أي تأخرت إلى خلف؟ وفي جوابه: أن ذلك بسبب كونه أري النار .. إلخ. فهذا هو حاصل كلام العلماء في الأماكن التي ورد عن الصلاة فيها، التي لها مناسبة بآية الحجر التي نحن بصددها -والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر -وهم ثمود- آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه، كأنه مشتق من العرض -بالضم- وهو الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه، بل يثني عطفه ملتفتًا صادًا. ولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء، وبراء، جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعًا، وكثرة شربها؛ كما قال تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ وقال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾. فإذا علمت ذلك فاعلم أن مما يبين قوله هنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ قوله: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا

стр. 1350

شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وبين إعراض قوم صالح عن تلك الآيات في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ الآية. وقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح كانوا آمنين في أوطانهم، وكانوا ينحتون الجبال بيوتًا. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ

стр. 1351

جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ أي قطعوا الصخر بنحته بيوتًا. • قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق؛ أي ليدل بذلك على أنه المستحق لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الخلق ويجازيهم على أعمالهم. فدلت الآية على أنه لم يخلق الخلق عبثًا ولا لعبًا ولا باطلًا. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو "إن" وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر. وذلك يدل على أمرين:

стр. 1352

أحدهما: إتيان الساعة لا محالة. والثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني. وأوضح هذين الأمرين في آيات أخر، فبين أن الساعة آتية لا محال في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. وبين جل وعلا إنكار الكفار لها في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ أمر الله جل وعلا نبيه ﵊ في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل: أي بالحلم والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب.

стр. 1353

وأمره ﷺ يشمل حكمه الأمة؛ لأنه قدوتهم والمشرع لهم، وبين تعالى ذلك المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: هذا الأمر بالصفح منسوخ بآيات السيف وقيل: هو غير منسوخ. والمراد به حسن المخالقة، وهي المعاملة بحسن الخلق. قال الجوهري في صحاحه: والخلق والخلق: السجية، يقال خالصِ المؤمن، وخالقِ الفاجر. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه الخلاق العليم. والخلاق العليم كلاهما صيغة مبالغة. والآيةُ تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلّاق بكونه خلاقًا إلا وهو عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه أن يخلقه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ

стр. 1354

الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ وقوله تعالى مجيبًا للكفار لما أنكروا البعث وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ مبينًا أن العالم بما تمزق في الأرض من أجسادهم قادر على إحيائهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أتى نبيه ﷺ سبعًا من المثاني والقرآن العظيم. ولم يبين هنا المراد بذلك. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة إِنْ كان لها بيان في كتاب الله غير واف بالمقصود أننا نتمم ذلك البيان من السنة، فنبين الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان القرآن المبين باسم الفاعل. فإذا علمت ذلك فاعلم أن النبي ﷺ بين في الحديث الصحيح أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة هو فاتحة الكتاب، ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك بإيضاح النبي ﷺ لذلك في الحديث الصحيح. قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيت فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ " فقلت: كنت أصلي. فقال: "ألم يقل

стр. 1355

الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ -ثم قال: - ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد" فذهب النبي - ﷺ - ليخرج فذكرته فقال: "الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم". فهذا نص صحيح من النبي - ﷺ - أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم فاتحة الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال: إنها السبع الطوال غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه - ﷺ -. ومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة. والعلم عند الله تعالى. وقيل لها: "مثاني" لأنها تثنى قراءتها في الصلاة. وقيل لها: "سبع" لأنها سبع آيات. وقيل لها: "القرآن العظيم" لأنها هي أعظم سورة؛ كما ثبت عن النبي - ﷺ - في الصحيح المذكور آنفًا. وإنما عطف القرآن العظيم على السبع المثاني مع أن المراد بهما واحد، وهو الفاتحة؛ لما علم في اللغة العربية من أن الشيء الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما على الأخرى تنزيلًا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ ومنه قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ

стр. 1356

الْمَرْعَى (٤)﴾، وقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ لما بين تعالى أنه أتى النبي ﷺ السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في (طه): ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ والمراد بالأزواج هنا: الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله نهى نبيه ﷺ عن الحزن على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام. ويدل لذلك كثرة ورود هذا المعنى في القرآن العظيم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ

стр. 1357

رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والمعنى: قد بلغت ولست مسئولًا عن شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء. • قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أمر الله جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بخفض جناحيه للمؤمنين. وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع، ومنه قول الشاعر: وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعه أجدلا وبين هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في الشعراء: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾، وكقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة -أعني مفهوم مخالفتها- أن غير المؤمنين لا يخفض لهم الجناح، بل يعاملون بالشدة والغلظة. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ كما قدمناه فى المائدة. • قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ في المراد

стр. 1358

بالمقتسمين أقوال للعلماء معروفة، وكل واحد منها يشهد له قرآن؛ إلا أن في الآية الكريمة قرينة تضعف بعض تلك الأقوال: الأول: أن المراد بالمقتسمين: الذين يحلفون على تكذيب الرسل ومخالفتهم، وعلى هذا القول فالاقتسام افتعال من القسم بمعنى اليمين، وهو بمعنى التقاسم. ومن الآيات التي ترشد لهذا الوجه قوله تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية. أي: نقتلهم ليلًا، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه؛ فسموا مقتسمين. القول الثاني: أن المراد بالمقتسمين: اليهود والنصارى. وإنما وصفوا بأنهم مقتسمون؛ لأنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها. ويدل لهذا القول قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآية. القول الثالث: أن المراد بالمقتسمين: جماعة من كفار مكة اقتسموا القرآن بأقوالهم الكاذبة، فقال بعضهم: هو شعر. وقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين. وقال بعضهم: اختلقه محمد، - ﷺ -.

стр. 1359

وهذا القول تدل له الآيات الدالة على أنهم قالوا في القرآن تلك الأقوال المفتراة الكاذبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والقرينة في الآية الكريمة تؤيد هذا القول الثالث، ولا تنافي الثاني بخلاف الأول؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أظهر في القول الثالث، لجعلهم له أعضاء متفرقة بحسب اختلاف أقوالهم الكاذبة، كقولهم: شعر، سحر، كهانة الخ. وعلى أنهم أهل الكتاب -فالمراد بالقرآن كتبهم التي جزءوها فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، أو القرآن، لأنهم آمنوا بما وافق هواهم منه وكفروا بغيره. وقوله: ﴿عِضِينَ (٩١)﴾ جمع عضة، وهي العضو من الشيء، أي جعلوه أعضاء متفرقة. واللام المحذوفة أصلها واو. قال بعض العلماء: اللام المحذوفة أصلها هاء، وعليه فأصل العضة عضهة. والعضه السحر؛ فعلى هذا القول فالمعنى جعلوا القرآن سحرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والعرب تسمي الساحر عاضها، والساحرة عاضهة، والسحر عضها. ويقال: إن ذلك لغة قريش، ومنه قول الشاعر:

стр. 1360

أعوذ بربي من النافثا ... ت في عقد العاضة المعيضه تنبيه فإن قيل: بم تتعلق الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾؟ فالجواب: ما ذكره الزمخشري في كشافه قال: فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم: "سورة البقرة" لي، ويقول الآخر: "سورة آل عمران" لي (إلى أن قال). الوجه الثاني: أن يتعلق بقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ أي: وأنذر قريشًا مثل ما أنزلناه من العذاب على المقتسمين (يعني اليهود)، وهو ما جرى على قريظة والنضير. جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان. انتهى محل الغرض من كلام صاحب الكشاف. ونقل كلامه بتمامه أبو حيان في "البحر المحيط" ثم قال أبو حيان: أما الوجه الأول وهو تعلق "كما" بـ "آتيناك" فذكره أبو البقاء

стр. 1361

على تقدير، وهو أن يكون في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: آتيناك سبعًا من المثاني إيتاءكما كما أنزلنا، أو إنزالًا كما أنزلنا؛ لأن "آتيناك" بمعنى أنزلنا عليك. • قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فاجهر به وأظهره؛ من قولهم: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، كقولك: صرح بها. وهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه ﷺ بتبليغ ما أمر به علنًا في غير خفاء ولا مواربة. وأوضحِ هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه قوله: ﴿فَاصْدَعْ﴾ قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: ترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض لبته صديع أي: فجر. والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علنًا على رءوس الأشهاد، وتقول العرب: صدعت الشيء: أظهرته؛ ومنه قول أبي ذؤيب: وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع

стр. 1362

قاله صاحب اللسان. وقال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى التفريق والشق في الشيء الصلب كالزجاج والحائط. ومنه بمعنى التفريق: قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾ أي: يتفرقون: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ ومنه قول غيلان ذي الرمة: عشية قلبي في المقيم صديعه ... وراح جناب الظاعنين صديع يعني أن قلبه افترق إلى جزءين: جزء في المقيم، وجزء في الظاعنين. وعلى هذا القول: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فرق بين الحق والباطل بما أمرك الله بتبليغه. وقوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ يحتمل أن تكون "ما" موصولة، ويحتمل أن تكون مصدرية، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل المبني للمفعول، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية. قال أبو حيان في (البحر): والصحيح أن ذلك لا يجوز. • قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء: أحدهما: أن معنى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ أي: لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا يصعب عليك ذلك؛ فالله حافظك منهم. والآية على هذا التأويل معناها: فاصدع بما تؤمر، أي بلغ:

стр. 1363

رسالة ربك، وأعرض عن المشركين، أي: لا تبال بهم ولا تخشهم. وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. الوجه الثاني: وهو الظاهر في معنى الآية: أنه كان في أول الأمر مأمورًا بالإعراض عن المشركين، ثم نسخ ذلك بآيات السيف. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه كفى نبيه ﷺ المستهزئين الذين كانوا يستهزئون به وهم قوم من قريش. وذكر في مواضع أخر أنه كفاه غيرهم؛ كقوله في أهل الكتاب: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمستهزئون المذكورون: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس السهمي، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب. والآفات التي سبب هلاكهم مشهورة في التاريخ. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ .

стр. 1364

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه ﷺ يضيق صدره بما يقوله الكفار فيه: من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئًا من ذلك في الأنعام. • قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾. والثاني: قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾. وقد كرر تعالى في كتابه الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأصل التسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح: نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.

стр. 1365

وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: في حال كونك متلبسًا بحمد ربك، أي: بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال؛ لأن لفظة: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا، فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين: أحدهما: التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح. والثاني: التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد؛ فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وِبحمده، سبحان الله العظيم" وكقوله في الثاني وهو السجود: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة. وقالت جماعة من العلماء: المراد بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صل له، وعليه فقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ من عطف الخاص على العام والصلاة، فتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ أي: من المصلين، سواء قلنا: إن المراد بالتسبيح الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء خلافًا لمن زعم

стр. 1366

أنه موضع سجود. قال القرطبي في تفسيره: قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرآى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء. قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة، ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة -انتهى كلام القرطبي. وقد تقدم معنى السجود في سورة الرعد. وعلى أن المراد بالتسبيح الصلاة، فالمسوغ لهذا الإطناب الذي هو عطف الخاص على العام هو أهمية السجود؛ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه في حال كونه في السجود. قال مسلم في صحيحه: وحدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء". تنبيه اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره - ﷺ - بسبب ما يقولون له من السوء -دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه؛ ولذا كان - ﷺ - إذا حزبه أمر

стр. 1367

بادر إلى الصلاة. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية. ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث نعيم بن عمار ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها. • قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ بأن يعبد ربه، أي: يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع. وجُلّ القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الاثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع أنواع العبادات؛ قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة جدًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن؛ وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: اليقين: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ

стр. 1368

الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ وهو الموت. ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار) أن رسول الله - ﷺ - لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما يدريك أن الله قد أكرمه"؟ فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن يكرمه الله! ؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير" الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت. وقول من قال: إن المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقينًا. ولقد أجاد التهامي في قوله: والعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري وقال صاحب الدر المنثور: أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أوحي إلى أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".

стр. 1369

وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما أوحي إلى أن أكون تاجرًا ولا أجمع المال متكاثرًا، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". تنبيهان الأول: هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حيًا، وله عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته، فإن لم يستطع الصلاة قائمًا فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾. وقال البخاري في صحيحه: "باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب" وقال عطاء: إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه. حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" اه ونحو هذا معلوم؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال - ﷺ - "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" الحديث. التنبيه الثاني: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض

стр. 1370

الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف = من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبرة عنها باليقين = أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف، لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة. إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلًا، بل يسمى لعبًا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابهم هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفًا منه وطمعًا في رحمته، وقد قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ والعلم عند الله تعالى.
следующие страницы →