← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

سُلْطَانٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام، اسم فاعل، وقرأه نافع والكوفيون بفتح اللام، بصيغة اسم المفعول. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾. وذكر في مواضع آخر صفات ثوابهم، وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب الجزيل، كقوله في الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ وقوله في الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ وقوله في الطور: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ وقوله في القمر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ وقوله في المرسلات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ

стр. 1297

تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أنّ الشيء الذي له أوصاف متعددة في القرآن نبين أوصافه عند ذكر بعضها، كما تقدم مثاله مرارًا وكما هنا. والمتقي اسم فاعل الاتقاء، وأصل مادة الاتقاء (وق ى) لفيف مفروق، فاؤه واو، وعينه قاف، ولامه ياء، فدخله تاء الافتعال فصارت وقى أو تقى، فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء للقاعدة المقررة في التصريف أَنّ كلَّ واو هي فاء الكلمة إذا دخلت عليها تاء الافتعال يجب إبدالها، أعني الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال، نحو اتصل من الوصل، واتزن من الوزن، واتحد من الوحدة واتقى من الوقاية، وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله: ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا ... وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا والاتقاء في اللغة: اتخاذ الوقاية دون المكروه، ومنه قول نابغة ذبيان: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها؛ لأنها تستره بها، وقول الآخر: فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم والتقوى في اصطلاح الشرع: هي اتخاذ الوقاية دون عذاب

стр. 1298

الله وسخطه، وهي مركبة من أمرين: هما امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. • قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّه نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في حال كونهم إخوانًا، وبين هذا المعنى في الأعراف وزاد أنهم تجري من تحتهم الأنهار في نعيم الجنة وذلك في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم أهل الجنة يوم القيامة يكونون على سرر، وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض، ووصف سررهم بصفات جميلة في غير هذا الموضع. منها أنها منسوجة بقضبان الذهب، وهي الموضونة، قال في الواقعة: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ وقيل: الموضونة المصفوفة كقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ الآية. ومنها أنها مرفوعة، كقوله في الغاشية: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ الآية، وقوله في الواقعة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب، وهو التعب

стр. 1299

والإعياء، وقوله: نصب، نكرة في سياق النفي، فتعم كل نصب فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة، وأكد هذا المعني في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ لأن اللغوب هو التعب والإعياء أيضًا، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب". • قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يخرجون منها، وأكد نفي إخراجهم منها بالباء في قوله: بمخرجين، فهم دائمون في نعيمها أبدًا بلا انقطاع. وأوضح هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة، كقوله في هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ كما تقدم، وقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾ لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة هل رد إبراهيم السلام

стр. 1300

الملائكة أو لا؟ لأنه لم يذكر هنا رده السلام عليهم، وإنما قال عنه: إنه قال لهم: إنا منكم وجلون، وبين في هود والذاريات أنه رد ﵈ بقوله في هود: ﴿قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ وقوله في الذاريات: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ وبين أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة بعينها في هود: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ وقوله في الذاريات: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وقد قدمنا أن من أنواع البيان في هذا الكتاب بيان اللفظ بمرادف له أشهر منه كما هنا لأن الخوف يرادف الوجل وهو أشهر منه، وبين أن سبب خوفه هو عدم أكلهم بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾. • قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم، ونظير ذلك قوله تعالى أيضًا في الذاريات: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ وهذا الغلام بين تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في الذاريات: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ لأن كونها أقبلت في صَرّة؛ أي: صيحة وضجة وصكت وجهها، أي: لطمته قائلة: إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور هي أمه كما لا يخفى ويزيده إيضاحًا تصريحه تعالى ببشارتها هي بأنها تلده مصرحًا باسمه واسم ولده يعقوب، وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾

стр. 1301

وأما الغلام الذي بشر به إبراهيم الموصوف بالحلم المذكور في الصافات في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الآية. فهو إسماعيل. وسترى إن شاء الله تعالى في سورة الصافات دلالة الآيات القرآنية على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق على وجه قاطع للنزاع، والغلام يطلق في لغة العرب على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ، ومن إطلاقه على البالغ قول علي ﵁ يوم النهروان: أنا الغلام القرشي المؤتمن ... أبو حسين فاعلمن والحسن وقول صفوان بن المعطل السلمي لحسان ﵄: تلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف: إذا نزل الحجاج أرضًا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها وربما قالوا للأنثى: غلامة، ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسًا: ومركضة صريحي أبوها ... يهان لها الغلامة والغلام • قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إنه وقت البشرى بإسحاق مسه الكبر، وصرح في هود بأن امرأته أيضًا قالت: إنه

стр. 1302

شيخ كبير في قوله عنها: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن، وذلك كقوله في هود: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ الآية، وقوله في الذاريات: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله له ولده إسماعيل أنه كبير السن أيضًا، وذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾ الظاهر أن استفهام نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للملائكة بقوله فبم تبشرون استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى، ويدل لذلك أنه تعالى ذكر أن ما وقع له وقع نظيره لامرأته حيث قالت: أألد وأنا عجوز وقد بين تعالى أن ذلك الاستفهام لعجبها من ذلك الأمر الخارق للعادة في قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ويدل له أيضًا وقوع مثله من نبي الله زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآية ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ عجب من كمال قدرة الله تعالى فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ الآية وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾ قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بفتح النون مخففة، وهي نون الرفع، وقرأه نافع بكسر النون مخففة، وهي نون الوقاية مع حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها، وقرأه ابن كثير بالنون المكسورة المشددة مع المد، فعلى قراءة ابن كثير لم تحذف نون الرفع، ولا المفعول به، بل نون الرفع مدغمة في نون الوقاية، وياء المتكلم

стр. 1303

هي المفعول به، وعلى قراءة الجمهور فنون الرفع ثابتة، والمفعول به محذوف على حد قول ابن مالك: وحذف فضلة أجز إن لم يضر ... كحذف ما سيق جوابًا أو حصر وعلى قراءة نافع فنون الرفع محذوفة؛ لاستثقال اجتماعها مع نون الوقاية. تنبيه حذف نون الرفع له خمس حالات: ثلاثٌ منها يجب فيها حذفها، وواحدة يجوز فيها حذفها وإثباتها، وواحدة يقصر فيها حذفها على السماع. أما الثلاث التي يجب فيها الحذف فالأولى منها إذا دخل على الفعل عامل جزم، والثانية إذا دخل عليه عامل نصب، والثالثة إذا أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة نحو لتبلون. وأما الحالة التي يجوز فيها الإثبات والحذف فهي ما إذا اجتمعت مع نون الرفع نون الوقاية؛ لكون المفعول ياء المتكلم، فيجوز الحذف والإثبات، ومن الحذف قراءة نافع في هذه الآية فَبِمَ تبشرون بالكسر وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ بكسر النون مع التخفيف في الجميع، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية، بالكسر مع التخفيف أيضًا، وكلها قرأها بعض القراء بالتشديد لإثبات نون الرفع وإدغامها في نون الوقاية. وأما الحالة الخامسة المقصورة على السماع فهي حذفها لغير

стр. 1304

واحد من الأسباب الأربعة المذكورة، كقول الراجز: أبيتُ أسري وتبيتِ تدلُكِي ... وجهك بالعنبر والمسك الذكي أما بقاء نون الرفع مع الجازم في قوله: لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار فهو نادر حملًا لِـ "لم" على أختها لا النافية، أو ما النافية، وقيل: هو لغة قوم كما صرح به في التسهيل، وكذلك بقاء النون مع حرف النصب في قوله: أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تشعرا أحدا فهو لغة قوم حملوا أن المصدرية على أختها ما المصدرية في عدم النصب بها، كما أشار له في الخلاصة بقوله: وبعضهم أهمل أن حملًا على ... ما أختها حيث استحقت عملا ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله قول الملائكة له فيما ذكر الله عنهم: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ بدليل قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر ولا قانط. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال للملائكة: إنه لا يقنط من رحمة الله جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق، وبين أن هذا المعنى قاله أيضًا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لبنيه في

стр. 1305

قوله: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. قال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآية: وروح الله رحمته وفرجه وتنفيسه. • قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ الآية. أشار في هذه الآية الكريمة إلى أَن المراد بهؤلاء القوم المجرمين قوم لوط الذين أرسل إليهم فكذبوه، ووجه إشارته تعالى لذلك استثناء لوط وأهله غير امرأته في قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية. وصرح بأنهم قوم لوط بقوله في هود في القصة بعينها: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ الآية. وصرح في الذاريات بأنهم أرسلوا إلى هؤلاء القوم المجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ وصرح في العنكبوت أنهم قالوا: إنهم مهلكوهم بسبب ظلمهم، ومنزلون عليهم رجزًا من السماء بسبب فسقهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أنه استثنى آل لوط من ذلك العذاب النازل بقومه، وأوضح هذا المعنى في آيات آخر، كما

стр. 1306

تقدم في هود في قوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ﴾ الآية، وقوله في العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكر في هذه الآية الكريمة من استثناء امرأته من أهله الناجين في قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ أوضحه في هذه الآيات التي ذكرناها آنفًا، ونحوها من الآيات، وبين في الذاريات أنه أنجى من كان في قوم لوط من المؤمنين، وأنهم لم يكن فيهم من المسلمين إلا بيت واحد، وهم آل لوط، وذلك في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. تنبيه في هذه الآية الكريمة دليلٌ واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء؛ لأنه تعالى استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ وبهذا تعلم أن قول ابن مالك في الخلاصة: • وحكمها في القصد حكم الأول * ليس صحيحًا على إطلاقه، وأوضح مسألة تعدد الاستثناء

стр. 1307

بأقسامها صاحب مراقي السعود في مبحث المخصص المتصل بقوله: وذا تعدد بعطف حصل ... بالاتفاق مسجلًا للأول إلا فكل للذي به اتصل ... وكلها مع التساوي قد بطل إن كان غير الأول المستغرقا ... فالكل للمخرج منه حققا وحيثما استغرق الأول فقط ... فالغ واعتبر بخلف في النمط • قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءه الملائكة المرسلون لإهلاك قومه قال لهم: إنكم قوم منكرون. وصرح في مواضع آخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم، وأنه ضاق بهم ذرعًا بذلك، كقوله في هود: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ وقوله في العنكبوت: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ الآية، وذكر تعالى في الذاريات أن نبيه إبراهيم قال لهم أيضًا: قوم منكرون، كما ذكر عن لوط هنا، وذلك في قوله: ﴿سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ قيل: معناه أنهم غير معروفين، والنكرة ضد المعرفة، وقيل: إنه رآهم في صفة شباب حسان الوجوه فخاف أن يفعل بهم قومه فاحشة اللواط، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾. وقال الزمخشري في الكشاف: منكرون، أي: تنكركم نفسي وتفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشر بدليل قوله: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، ويدل لهذا الوجه أنه بين

стр. 1308

في هود أن سبب إنكار إبراهيم لهم عدم أكلهم من لحم العجل الذي قدمه إليهم، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأن من استضاف وامتنع من الأكل خيف منه الشر، وقوله تعالى في هذه الآيات: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بإسكان النون بعد الميم المضمومة مخففًا اسم فاعل أنجى على وزن أفعل، وقرأه غيرهما من القراء بفتح النون وتشديد الجيم اسم فاعل نجى على وزن فعل بالتضعيف، والإنجاء والتنجية معناهما واحد. وقوله: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ قرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال، وقرأه غيره بتشديدها، وهما لغتان معناهما واحد. وقوله: ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ﴾ قرأه قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى، وتحقيق الثانية مع القصر والمد، وقرأه ورش بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا مع القصر والمد، وعن ورش أيضًا تحقيق الأولى، وتسهيل الثانية مع القصر والتوسط والمد، وقرأه قنبل مثل قراءة ورش إلا أنه ليس له مع التسهيل إلا القصر، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين، وكل على أصله من المد، وما ذكر من قراءة ورش وقنبل هو التحقيق عنهما. وإن قيل غيره. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾ سبب استبشار قوم لوط أنهم ظنوا الملائكة شبابًا من بني آدم فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا فاحشة اللواط، كما يشير لذلك قوله تعالى:

стр. 1309

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن فيما أوقع من النكال بقوم لوط آيات للمتأملين في ذلك تحصل لهم بها الموعظة والاعتبار والخوف من معصية الله أن ينزل بهم مثل ذلك العذاب الذي أنزل بقوم لوط لما عصوه وكذبوا رسوله، وبين هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله في العنكبوت: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ وقوله في الذاريات: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ وقوله هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ وقوله في الشعراء بعد ذكر قصة قوم لوط: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ الآية، كما صرح بمثل ذلك في إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب في الشعراء. وقوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ أصل التوسم تفعل من الوسم، وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها، يقال: توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسمه فيه، أي: علامته التي تدل عليه ومنه قول عبد الله بن رواحة ﵁ في النبي ﷺ : إني توسمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابت النظر وقال الآخر: توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت: المرء من آل هاشم هذا أصل التوسم، وللعلماء فيه أقوال متقاربة يرجع معناها

стр. 1310

كلها إلى شيء واحد، فعن قتادة: للمتوسمين، أي: المعتبرين، وعن مجاهد: للمتوسمين، أي: المتفرسين، وعن ابن عباس، والضحاك للمتوسمين، أي: للناظرين، وعن مالك عن بعض أهل المدينة للمتوسمين، أي: للمتأملين. ولا يخفى أن الاعتبار والنظر والتفرس والتأمل معناها واحد، وكذلك قول ابن زيد ومقاتل: للمتوسمين، أي: للمتفكرين، وقول أبي عبيدة: للمتوسمين، أي: للمتبصرين، فمآل جميع الأقوال راجع إلى شيء واحد، وهو أن ما وقع لقوم لوط فيه موعظة وعبرة لمن نظر في ذلك وتأمل فيه حق التأمل، وإطلاق التوسم على التأمل والنظر والاعتبار مشهور في كلام العرب، ومنه قول زهير: وفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم أي: المتأمل في ذلك الحسن، وقول طريف بن تميم العنبري: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم أي ينظر ويتأمل. وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: للناظرين، وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: للمعتبرين، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: هم المتفرسون، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾

стр. 1311

قال: هم المتفرسون، وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم معًا -في الطب- وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: "للمتفرسين" وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله" وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وينطق بتوفيق الله" وأخرج الحكيم الترمذي، والبزار، وابن السني، وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم". • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن ديار قوم لوط، وآثار تدمير الله لها بسبيل مقيم، أي: بطريق ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، يمر بها أهل الحجاز في ذهابهم إلى الشام، والمراد أن آثار تدمير الله لهم التي تشاهدون في أسفاركم فيها لكم عبرة ومزدجر، يوجب عليكم الحذر من أن تفعلوا كفعلهم، لئلا ينزل الله بكم مثل ما أنزل بهم، وأوضح هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ وقوله فيها، وفي ديار أصحاب الأيكة: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1312

• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين، وأنه جل وعلا انتقم منهم بسبب ظلمهم، وأوضح هذه القصة في مواضع آخر، كقوله في الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾ فبين في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيبهم رسولهم، وتطفيفهم في الكيل، وبخسهم الناس أشياءهم، وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبين أنه عذاب يوم عظيم، والظلة: سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارًا فأحرقتهم. والعلم عند الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير (لَيْكَةَ) في الشعراء، وص بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف. وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (الأيكةِ) بالتعريف والهمز وكسر التاء، وقرأ كذلك جميع القراء في الحجر. قال أبو عبيدة: (لَيْكة والأيكة) اسم مدينتهم كمكة وبكة، والأيكة في لغة العرب الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع الأيك، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض

стр. 1313

ورياض، ويروى أن شجرهم كان دومًا، وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة: تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد وقال الجوهري في صحاحه: ومن قرأ ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فهي الغيضة، ومن قرأ ﴿لَيْكَةَ﴾ فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة. وقال بعض العلماء: الأيكة الشجرة، والأيك هو الشجر الملتف. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ . الحجر: منازل ثمود بين الحجاز الشام عند وادي القرى. فمعنى الآية الكريمة: كذبت ثمود المرسلين، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في مواضع آخر، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾ الآيات، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وإنما قال: إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي كذبوه هو صالح وحده؛ لأن دعوة جميع الرسل واحدة، وهي تحقيق معنى "لا إله إلا الله" كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية، قال معممًا لجميعهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ

стр. 1314

الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحدًا منهم فقد كذب جميعهم، ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم فهو كافر حقًا. قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآية. وقد بينا هذه المسألة في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب". تنبيه اعلم أنه - ﷺ - مر بالحجر المذكور في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة تبوك عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي - ﷺ - بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي". هذا لفظ البخاري. وأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء أيضًا عن ابن عمر

стр. 1315

رضي الله عنهما: أن رسول الله - ﷺ - لما نزل الحجر في غزوة تبوك "أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء". ثم قال البخاري: ويروى عن سبرة بن معبد، وأبي الشموس: أن النبي - ﷺ - "أمر بإلقاء الطعام" ثم قال: وقال أبو ذر عن النبي - ﷺ -: "من اعتجن بمائه". ثم ساق بسنده عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه أخبره: أن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - أرض ثمود الحجر واستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - ﷺ - "أن يهرقوا ما استقوا من بيارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة". ثم قال: تابعه أسامة، عن نافع. ثم ساق بسنده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل". ثم ساق أيضًا بسنده عن سالم أَن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم" هذا كله لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في الفتح: أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد، عن أبيه عن جده، سبرة، وهو بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة=

стр. 1316

-الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه حين راح من الحجر: "من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة أو حاس حيسًا فليلقه" وليس لسبرة بن معبد في البخاري إلا هذا الموضع. وأما حديث أبي الشموس -وهو بمعجمة ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه- فوصله البخاري في الأدب المفرد، والطبراني، وابن منده من طريق سليم بن مطير، عن أبيه عنه قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث وفيه: فألقى ذو العجين عجينه، وذو الحيس حيسه" ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه وزاد: "فقلت: يا رسول الله - ﷺ - قد حست حيسة فألقمها راحلتي قال: نعم". وقال ابن حجر أيضًا: قوله: وقال أبو ذر عن النبي - ﷺ -: "من اعتجن بمائه" وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه: "أنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، فأتوا على واد فقال لهم النبي - ﷺ -: إنكم بواد ملعون فأسرعوا" وقال: "من اعتجن عجينة أو طبخ قدرًا فليكبها" الحديث -وقال: لا أعلمه إلا بهذا الإسناد. وأخرج البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم" وأخرج البخاري أيضًا عن ابن عمر "في كتاب الصلاة" في "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين،

стр. 1317

فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم" وبعض هذه الروايات التي ذكرناها عن البخاري أخرجه مسلم أيضًا في صحيحه، فقد اتفقا على النهي عن دخول ديارهم إلا في حال البكاء، وعلى إسراعه - ﷺ - حتى جاوز ديارهم. وفي هذه الروايات الصحيحة النهي عن الدخول إلى مواضع الخسف والعذاب إلا في حالة البكاء، وفيها الإسراع بمجاوزتها وعدم الاستسقاء من مياهها، وعدم أكل الطعام الذي عجن بها، ومن هنا قال بعض العلماء: لا يجوز التطهر بمائها، ولا تصح الصلاة فيها؛ لأن ماءها لما لم يصلح للأكل وللشرب علم أنه غير صالح للطهارة التي هي تقرب إلى الله تعالى. قال البخاري في صحيحه: "باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب" ويذكر أن عليًا ﵁ كره الصلاة بخسف بابل. وقال ابن حجر في الفتح: هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المحل -وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام- قال: "كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه، أي: تعداه" ومن طريق أخرى عن علي قال: "ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرار". والظاهر أن قوله ثلاث مرار ليس متعلقًا بالخسف؛ لأنه ليس فيها إلا خسف واحد، وإنما أراد أن عليًا قال ذلك ثلاثًا. ورواه أبو داود مرفوعًا من وجه آخر عن علي ولفظه: "نهاني حبيبي - ﷺ - أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة" في إسناده ضعف، واللائق بتعليق المصنف ما تقدم والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله تعالى في

стр. 1318

قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية. ذكر أهل التفسير والأحبار: أن المراد بذلك أن النمروذ بن كنعان بنى ببابل بنيانًا عظيمًا قال: إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع فخسف الله بهم؛ قال الخطابي: "لا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل" انتهى محل الغرض من فتح الباري. وقول الخطابي يعارضه ما رأيته عن علي ﵁، ولكنه يشهد له عموم الحديث الصحيح: "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورا". وحديث أبي داود المرفوع عن علي الذي أشار له ابن حجر أن فيه ضعفًا هو قوله: "حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليًا ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر؛ فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ منها قال: إن حبيبي - ﷺ - نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة". حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى سليمان بن داود قال: "فلما خرج" مكان "فلما برز" اه وقد يظهر للناظر في إسنادي هذا الحديث أنه لا يقل عن درجة القبول، ولكن فيه علة خفية نبه عليها ابن يونس. أما كونه لا يقل عن درجة القبول فلأن طريقه الأولى أول طبقاتها سليمان بن داود، ولا خلاف في كونه ثقة، وفي الثانية

стр. 1319

أحمد بن صالح مكان سليمان المذكور، وأحمد بن صالح ثقة حافظ. وكلام النسائي فيه غلظ مردود عليه، كما قال العراقي في ألفيته: وربما رد كلام الجارح ... كالنسائي في أحمد بن صالح وسبب غلطه في ذلك أَنّ ابن معين كذب أحمد بن صالح الشموني، فظن النسائي أن مراد ابن معين أحمد بن صالح هذا الذي هو أبو جعفر بن الطبري المصري، وليس كذلك كما جزم به ابن حبان. والطبقة الثانية في كلا الإسنادين: ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد مشهور. والطبقة الثالثة من الإسنادين: يحيى بن أزهر، وعبد الله بن لهيعة، ويحيى بن أزهر البصري مولى قريش صدوق، وعبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه. والظاهر أن اعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. ويؤيد ذلك أن راوي الحديث ابن وهب، ومعلوم أن رواية ابن وهب، وابن المبارك عن ابن لهيعة أعدل من رواية غيرهما عنه. والطبقة الرابعة في الإسناد الأول: عمار بن سعد المرادي. وفي الإسناد الثاني الحجاج بن شداد، وعمار بن سعد المرادي، ثم السلهمي، والحجاج بن شداد الصنعاني نزيل مصر كلاهما مقبول، كما قاله ابن حجر في التقريب، واعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل

стр. 1320

عن درجة الحسن. والطبقة الخامسة في كلا الإسنادين: أبو صالح الغفاري، وهو سعيد بن عبد الرحمن، وعداده في أهل مصر، وهو ثقة. والطبقة السادسة في كليهما: أمير المؤمنين علي ﵁. فالذي يظهر صلاحية الحديث للاحتجاج، ولكنه فيه علة خفية ذكرها ابن يونس، وهي أن رواية أبي صالح الغفاري، عن علي مرسلة، كما ذكره ابن حجر في التقريب. وقال البيهقي في السنن الكبرى: "باب من كره الصلاة في موضع الخسف والعذاب" أنبأ أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثم ساق حديث أبي داود المذكور آنفًا بلفظه في المتن والإسنادين. ثم قال: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العمري قال: "كنا مع علي بن أبي طالب فمر بنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه" وعن حجر الحضرمي عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرات". ثم قال البيهقي: وهذا النهي عن الصلاة فيها إن ثبت مرفوعًا ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة، فلو صلى فيها لم يعد. ثم ساق البيهقي بعض روايات حديث ابن عمر الذي قدمنا عن البخاري ومسلم. ثم قال: إن النبي - ﷺ - أحب الخروج من تلك المساكن، وكره المقام فيها إلا باكيًا فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها. اه.

стр. 1321

وهذا الذي ذكرنا هو حاصل ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف والتطهير بمياهها، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة بها صحيحة، والتطهر بمائها مجزئ. واستدلوا بعموم النصوص كقوله - ﷺ -: "وجعلت لي الأرض مسجدًا" الحديث. وكعموم الأدلة على رفع الحدث، وحكم الخبث بالماء المطلق. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تجوز الصلاة فيها، ولا تصح الطهارة بمائها، واستدلوا بحديث علي المرفوع أن حبيبه - ﷺ - "نهاه عن الصلاة في خسف بابل لأنها أرض ملعونة" قالوا: والنهي يقتضي الفساد؛ لأن ما نهى عنه - ﷺ - ليس من أمرنا، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، كما ثبت في الحديث. واحتجوا لعدم الطهارة بمائها بأن النبي - ﷺ - منع من استعماله في الأكل والشرب وهما ليسا بقربة؛ فدل ذلك على منع الطهارة به من باب أولى. قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لنا رجحانه أن من مر عليها ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج منها كفعله - ﷺ -، وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه ﵃ جميعًا، وأنه لا يدخل إلا باكيًا للحديث الصحيح، فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة على بطلانها، والحكم ببطلان العبادة يحتاج إلى نص قوي المتن والدلالة، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1322

مسائل لها تعلق بهذه الآية الكريمة قد علمت أن الحجر المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ الآية: هو ديار ثمود، وأنه ورد النبي - ﷺ - في مواضع الخسف؛ فبهذه المناسبة نذكر الأماكن التي نهى عن الصلاة فيها، ونبين ما صح فيه النهي، وما لم يصح. والمواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها تسعة عشر موضعًا ستأتي كلها. عن زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - "نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله" رواه عبد بن حميد في مسنده، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي في إسناده: ليس بذاك. وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - مثله. والحديث ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأن الإسناد الأول فيه زيد بن جبيرة، وهو متروك. قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: هو لا شيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، متروك الحديث لا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا

стр. 1323

يتابعه عليه أحد. قلت: وقال الساجي: حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جدًا، يعني حديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن. وقال الفسوي: ضعيف منكر الحديث. وقال الأزدي: متروك. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته. وقال الحاكم: روى عن أبيه داود بن الحصين وغيرهما المناكير. وقال الدارقطني: ضعيف. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف اه كلام ابن حجر. وأحد إسنادي ابن ماجه فيه أبو صالح كاتب الليث وهو كثير الغلط، وفيه ابن عمر العمري ضعفه بعض أهل العلم وأخرج له مسلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعًا -يعني الحديثين- واهيان؛ وصحح الحديث المذكور ابن السكن وإمام الحرمين. أعلم أولًا أن المواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها هي السبعة المذكورة، والصلاة إلى المقبرة، وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبيعة، وإلى التماثيل، وفي دار العذاب، وفي المكان المغصوب، والصلاة إلى النائم، والمتحدث، وفي بطن الوادي، وفي مسجد الضرار، والصلاة إلى التنور، فالمجموع تسعة

стр. 1324

عشر موضعًا. وسنبين أدلة النهي عنها مفصلة إن شاء الله تعالى. أما في مواضع الخسف والعذاب فقد تقدم حكم ذلك قريبًا. وأما الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبر فكلاهما ثبت عن النبي - ﷺ - النهي عنه. أما الصلاة في المقابر فقد وردت أحاديث صحيحة في النهي عنها: منها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - قال في مرض موته "لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره - ﷺ - غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا". وفي الصحيحين أيضًا نحوه عن أبي هريرة. وقد ثبت في الصحيح أيضًا عن ابن عباس ﵄، وفي بعض الروايات المتفق عليها "لعن الله اليهود والنصارى" وفي بعض الروايات الصحيحة الاقتصار على اليهود. والنبي - ﷺ - لا يلعن إلا على فعل حرام شديد الحرمة. وعن حديث جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" أخرجه مسلم

стр. 1325

في صحيحه بهذا اللفظ، ورواه النسائي أيضًا. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا" أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه. وقوله - ﷺ - في هذا الحديث "ولا تتخذوها قبورًا" دليل على أن القبور ليست محل صلاة. وقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون معنى الحديث صلوا ولا تكونوا كالأموات في قبورهم، فإنهم لا يصلون. وأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ورواه ابن أبي حاتم أيضًا. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن فيها، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة؛ لأن كل موضع صلى فيه يطلق عليه اسم المسجد؛ لأن المسجد في اللغة مكان السجود، ويدل لذلك قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: "وجعلت لي الأرض مسجدًا" الحديث. أي: كل مكان منها يجوز الصلاة فيه. وظاهر النصوص المذكورة العموم سواء نبشت المقبرة واختلط ترابها بصديد الأموات، أو لم تنبش؛ لأن علة النهي ليست بنجاسة المقابر، كما يقول الشافعية بدليل اللعن الوارد من النبي - ﷺ - على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة؛ لأنهم إذا

стр. 1326

عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور. فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقًا، وهو مذهب الإمام أحمد، وفي صحتها عنده روايتان وإن تحققت طهارتها. وذهب مالك إلى أن الصلاة فيها مكروهة. وذهب الشافعية إلى أنها إذا كانت نجسة؛ لاختلاط أرضها بصديد الأموات لأجل النبش فالصلاة فيها باطلة، وإن كانت لم تنبش فالصلاة فيها مكروهة عندهم. وذكر النووي عن ابن المنذر أنه قال: روينا عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة. قال: ولم يكرهها أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، والحسن البصري. ونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة وإن تحقق نبشها. وذكر ابن حزم النهي عن الصلاة في المقبرة عن خمسة من الصحابة: وهم عمر، وعلي، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس. وقال: ما نعلم لهم مخالفًا، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي، ونافع بن جبير بن مطعم، وطاوس، وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم. وقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكى أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وعن ابن جريج قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة، وأم سلمة ﵄ وسط البقيع، والإمام يوم صلينا على عائشة،

стр. 1327

أبو هريرة ﵁، وحضر ذلك عبد الله بن عمر؛ رواه البيهقي وغيره. وممن كره الصلاة في المقبرة أبو حنيفة، والثوري والأوزاعي. واحتج من قال بجواز الصلاة في المقبرة بأن النبي - ﷺ - صلى على المسكينة السوداء بالمقبرة. وسيأتي قريبًا إن شاء الله حكم الصلاة إلى جهة القبر. قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا في هذه المسألة عندي قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ لأن النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر، ولعن من اتخذ المساجد عليها، وهي ظاهرة جدًا في التحريم. أما البطلان فمحتمل؛ لأن النهي يقتضي الفساد لقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد. ويحتمل أن يقال: الصلاة من أمرنا فليست ردًا، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا. كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان: إحداهما: مأمور به منها، ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها، ككونه في موضع نهي، أو وقت نهي، أو أرض مغصوبة، أو بحرير، أو ذهب، ونحو ذلك، فإنهم يقولون: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه. ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم: الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر:

стр. 1328

ليست منفكة كالعكس، فيقول الحنبلي مثلًا: الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي، لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزًا من الفراغ ليس مملوكًا له، فنفس شغله له ببدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربة بحال. فيقول المعترض، كالمالكي والشافعي: الجهة منفكة هنا؛ لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصبًا حرام، فله صلاته وعليه غصبه، كالصلاة بالحرير. وإلى هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله: دخول ذي كراهة فيما أمر ... به بلا قيد وفصل قد حظر فنفي صحة ونفي الأجر ... في وقت كره للصلاة يجري وإن يك النهي عن الأمر انفصل ... فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل وذا إلى الجمهور ذو انتساب ... وقيل بالأجر مع العقاب وقد روى البطلان والقضاء ... وقيل ذا فقط له انتفاء مثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب ومعطن ومنهج ومقبره ... كنيسة وذي حميم مجزره وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضًا، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له

стр. 1329

أيضًا: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" والقاعدة المقررة في الأصول: أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال دليلًا منع الصلاة في المقبرة، وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من القرآن تقتضي التحريم. أما اقتضاء النهي الفساد إذا كان للفعل جهة أمر وجهة نهي، ففيه الخلاف الذي قدمناه آنفًا، وإن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد. وقال صاحب المراقي في اقتضاء النهي الفساد: وجاء في الصحيح للفساد ... إن لم يجي الدليل للسداد وقد نهى - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور وقد قال: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" وقال تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد قدمنا أن لعنه - ﷺ - من اتخذ القبور مساجد يدل دلالة واضحة على التحريم. واحتج من قال بصحة الصلاة في المقابر، وإلى القبور بأدلة: منها: عموم قوله - ﷺ - الثابت في الصحيح: "وجعلت لي الأرض مسجدًا" الحديث. قالوا: عمومه يشمل المقابر. ويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن أحاديث النهي منه - ﷺ - عن الصلاة المقبرة وإلى القبر خاصة، وحديث "جعلت لي الأرض مسجدًا" عام، والخاص يقضى به على العام، كما تقرر في الأصول عند الجمهور. والثاني: أن النبي - ﷺ - استثنى من عموم كون الأرض مسجدًا المقبرة والحمام، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن

стр. 1330

ماجه، والشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" قال ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على قول البخاري: باب "كراهية الصلاة في المقابر". في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود، والترمذي ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم، وابن حبان. وقال الشوكاني ﵀ "في نيل الأوطار": صححه الحاكم في المستدرك، وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته. قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله، وثبت موصولًا من طريق صحيحة حكم بوصله، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه؛ لأن الوصل زيادة، وزيادات العدول مقبولة؛ وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ من أدلة من قال: تصح الصلاة في القبور= ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة "أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابًا فقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات قال: أفلا آذنتموني" قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره فقال "دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها" ثم قال: "هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" وليس للبخاري "إن هذه

стр. 1331

القبورة مملوءة ظلمة" إلى آخر الخبر، قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر. ومن أدلتهم أيضًا: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - ﷺ - صلى على قبر. ومن أدلتهم: ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة ﵄ وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى القبور وصحتها؛ لا مطلق صحتها دون الجواز. ومن أدلتهم: ما ذكره البخاري تعليقًا عن عمر بن الخطاب ﵁ بلفظ: "ورأى عمر أنس بن مالك ﵁ يصلي عند قبر؛ فقال: القبر القبر ولم يأمره بالإعادة" اه. وقال ابن حجر في الفتح: أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولًا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري. ولفظه: "بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر! فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى". وله طرق أخرى بينتها في تغليق التعليق؛ منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه: فقال بعض من يليني: إنما يعني القبر فتنحيت عنه. وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير. وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادى أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه.

стр. 1332

قال مقيده -عفا الله عنه-: هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معًا. أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت، وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت، فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود. ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس. أما الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل الدال على الجواز. وللمخالف أن يقول: لا يتعارض عام وخاص. فحديث "لا تصلوا إلى القبور" عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت، والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة، والخاص يقضي به على العام، فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقًا للعنه - ﷺ - لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة، وأن الصلاة على قبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع

стр. 1333

والسجود تصح؛ لفعله - ﷺ - الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، ويومئ لهذا الجمع حديث "لعن متخذي القبور مساجد" لأنه أماكن السجود، وصلاة الجنازة لا سجود فيها؛ فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود. تنبيه اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النبي - ﷺ - كان فيه قبور المشركين -في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله. أما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: "وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار"؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة، إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي - ﷺ - إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: "لنتخذن عليهم مسجدًا" بقوله

стр. 1334

- ﷺ - في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". الحديث. يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق - ﷺ - كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه - ﷺ - فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. ولهذا صرح ابن مسعود ﵁ بأن الواصلة والواشمة ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة التي قالت له: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد: إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله - ﷺ -، وأنه لا دليل في آية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾. وأما الاستدلال بأن مسجد النبي - ﷺ - بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر، لأن النبي - ﷺ - أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها. ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁: "فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر - ﷺ - بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلًا؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى اه.

стр. 1335

والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها؛ كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي: أن عليًا ﵁ قال له: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ - ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته". ولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضًا عن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". فهذا النهي ثابت عنه - ﷺ -، وقد قال: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" وقال جل وعلا: ﴿مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقد تبين مما ذكرنا حكم الصلاة في مواضع الخسف، وفي المقبرة، وإلى القبر، وفي الحمام. وأما أعطان الإبل فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أيضًا النهي عن الصلاة فيها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ" قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم توضأ من لحوم الإبل". قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: "لا" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وأخرج الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلوا في
следующие страницы →