Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
المسألة من الاختلاف في تحقيق مناط نص من نصوص الشرع، وذلك أنه ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" فعلم أن اختلاف الصنفين مناط جواز التفاضل، واتحادهما مناط منع التفاضل، واختلاف العلماء في تحقيق هذا المناط، فبعضهم يقول: اللحم جنس واحد يعبر عنه باسم واحد، فمناط تحريم التفاضل موجود فيه، وبعضهم يقول: هي لحوم مختلفة الجنس؛ لأنها من حيوانات مختلفة الجنس؛ فمناط منع التفاضل غير موجود. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان الذي يجوز أكله من جنسه. وهذا مذهب أكثر العلماء؛ منهم مالك، والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة ﵀: ويجوز بيع اللحم بالحيوان؛ لأن الحيوان غير ربوي، فأشبه بيعه باللحم بيع اللحم بالأثمان.
واحتج الجمهور بما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وفي "الموطأ" أيضًا عن مالك، عن داود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم بالشاة والشاتين.
وفي "الموطأ" أيضًا عن مالك، عن أبي الزناد، عن سعيد بن
стр. 1402
المسيب أنه كان يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: فقلت لسعيد بن المسيب: أرأيت رجلًا اشترى شارفًا بعشر شياه؟ فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك. قال أبو الزناد: وكل من أدركت من الناس ينهون عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل ينهون عن ذلك اه من الموطأ.
وقال ابن قدامة في المغني: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقول فقهاء المدينة السبعة.
وحكي عن مالك: أَنّه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره.
وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقًا، لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، فأشبه بيع اللحم بالدراهم، أو بلحم عن غير جنسه.
ولنا ما روي: أن النبي - ﷺ - "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، عن النبي - ﷺ -. قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده، وروي عن النبي - ﷺ - "أنه نهى أن يباع حي بميت" ذكره الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس: "أن جزورًا نحرت فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا لأبي بكر في ذلك.
стр. 1403
وقال أبو الزناد: كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز؛ كبيع السمسم بالشيرج اه.
وقال صاحب المهذب: ولا يجوز بيع حيوان يؤكل لحمه بلحمه، لما روى سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا يباع حي بميت" وروى ابن عباس ﵄: أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر ﵁؛ فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني بها لحمًا فقال أبو بكر: لا يصلح هذا" ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله، فلم يجز كبيع الشيرج بالسمسم اه.
وقال ابن السبكي في تكملته لشرح المهذب: حديث سعيد ابن المسيب رواه أبو داود من طريق الزهري عن سعيد كما ذكره المصنف، ورواه مالك في الموطأ، والشافعي في "المختصر" و"الأم" وأبو داود من طريق زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان" هذا لفظ الشافعي عن مالك، وأبي داود عن القعنبي عن مالك، وكذلك هو في موطأ ابن وهب. ورأيت في موطأ القعنبي عن بيع الحيوان باللحم، والمعنى واحد، وكلا الحديثين أعني رواية الزهري، وزيد بن أسلم، مرسل، ولم يسنده واحد عن سعيد. وقد روي من طرق أخر:
منها: عن الحسن، عن سمرة: "أن النبي - ﷺ - نهى أن تباع الشاة باللحم" رواه الحاكم في المستدرك وقال: رواته عن آخرهم
стр. 1404
أئمة حفاظ ثقات، وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة، وله شاهد مرسل في الموطأ. هذا كلام الحاكم. ورواه البيهقي في سننه الكبير، وقال: هذا إسناد صحيح. ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة عده موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد. ومنها: عن سهل بن سعد قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع اللحم بالحيوان" رواه الدارقطني وقال: تفرد به يزيد بن مروان، عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه. وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا، وذكره البيهقي في سننه الصغير، وحكم بأن ذلك من غلط يزيد بن مروان، ويزيد المذكور تكلم فيه يحيى بن معين. وقال ابن عدي: وليس هذا بذلك المعروف.
ومنها: عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - "نهى عن بيع الحيوان باللحم" قال عبد الحق: أخرجه البزار في مسنده من رواية ثابت بن زهير عن نافع، وثابت رجل من أهل البصرة منكر الحديث لا يُشتغل به، ذكره أبو حاتم الرازي. انتهى محل الغرض من كلام صاحب تكملة المجموع.
قال مقيده -عفا الله عنه-: لا يخفى أن هذا الذي ذكرنا يثبت به منع بيع اللحم بالحيوان. أما على مذهب من يحتج بالمرسل كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد فلا إشكال. وأما على مذهب من لا يحتج بالمرسل فمرسل سعيد بن المسيب حجة عند كثير ممن لا يحتج بالمرسل، ولاسيما أنه اعتضد بحديث الحسن عن سمرة. فعلى قول من يصحح سماع الحسن عن سمرة فلا إشكال في ثبوت ذلك؛ لأنه حينئذ حديث صحيح متصل، وأما على قول من لا يثبت
стр. 1405
سماع الحسن عن سمرة فأقل درجاته أنه مرسل صحيح، اعتضد بمرسل صحيح، ومثل هذا يحتج به من يحتج بالمرسل ومن لا يحتج به. وقد قدمنا في "سورة المائدة" كلام العلماء في سماع الحسن عن سمرة، وقدمنا في "سورة الأنعام" أن مثل هذا المرسل يحتج به بلا خلاف عند الأئمة الأربعة. فظهر بهذه النصوص أن بيع الحيوان باللحم من جنسه لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة. وأما إن كان من غير جنسه كبيع شاة بلحم حوت، أو بيع طير بلحم إبل فهو جائز عند مالك؛ لأن المزابنة تنتفي باختلاف الجنس، وحمل معنى الحديث على هذا وإن كان ظاهره العموم. ومذهب الشافعي مع اختلاف الجنس فيه قولان:
أحدهما: جواز بيع اللحم بالحيوان إذا اختلف جنسهما.
والثاني: المنع مطلقًا لعموم الحديث.
ومذهب أحمد في المسألة ذكره ابن قدامة في المغني بقوله: وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي: أنه لا يجوز، فإن أحمد سئل عن بيع الشاة باللحم فقال: لا يصح؛ لأن النبي - ﷺ - "نهى أن يباع حي بميت" واختار القاضي جوازه، وللشافعي فيه قولان.
واحتج من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان. وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء -انتهى كلام صاحب المغني.
стр. 1406
قال مقيده -عفا الله عنه-: قد عرفت مما تقدم أن بعض العلماء قال: إن اللحم كله جنس واحد، وبعضهم قال: إن اللحوم أجناس. فعلى أن اللحم جنس واحد فمنع بيع الحيوان باللحم هو الظاهر، وعلى أن اللحوم أجناس مختلفة فبيع اللحم بحيوان من غير جنسه الظاهر فيه الجواز؛ لقوله - ﷺ -: "فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم" والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم من جنسه: ألا يكون اللحم مطبوخًا، فإن كان مطبوخًا جاز عندهم بيعه بالحيوان من جنسه، وهو معنى قول خليل في مختصره: "وفسد منهى عنه إلا بدليل، كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ" واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه، فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ، فبيعه بالحيوان من باب أولى -هكذا يقولون، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان؛ لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفًا على الأكل: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف، ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.
وقال القرطبي في تفسيره: امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانًا عامًا بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء
стр. 1407
منه، وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير.
وقال صاحب الإنصاف: يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه، وهو الصحيح من المذهب. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلًا، ولا أعلم للتحريم مستندًا إلا عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء، كالعكس. قال البخاري في صحيحه: "باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال": حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام، لأن النبي - ﷺ - لا يلعن أحدًا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة، ولاشك أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء.
فإن قيل: يجب تقديم الآية على هذا الحديث، وما جرى مجراه من الأحاديث من وجهين:
الأول: أَنَّ الآية نص متواتر، والحديث المذكور خبر آحاد، والمتواتر مقدم على الآحاد.
الثاني: أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء، والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر، والخاص مقدم على العام.
فالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا، والذي يظهر لنا -والله
стр. 1408
تعالى أعلم- أن الآية الكريمة وإن كانت أقوى سندًا وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقوى دلالة على محل النزاع منها، وقوة الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجح من قوة السند؛ لأن قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يحتمل معناه احتمالًا قويًا: أن وجه الامتنان به أن نساءهم يتجملن لهم به، فيكون تلذذهم وتمتعهم بذلك الجمال والزينة الناشيء عن تلك الحلية من نعم الله عليهم، وإسناد اللباس إليهم لنفعهم به، وتلذذهم بلبس أزواجهم له، بخلاف الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء، ولاشك أن المتحلي باللؤلؤ مثلًا متشبه بهن؛ فالحديث يتناوله بلاشك.
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح، لورود علامات التحريم، وهو لعن من فعل ذلك. وأما قول الشافعي: "ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي النساء" فليس مخالفًا لذلك؛ لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء.
المسألة الخامسة: لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما مطلقًا. ولا يخفى أَيضًا أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. وهذا مما لا خلاف فيه، لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النبي - ﷺ - وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص الصريحة، وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك. وسنذكر طرفًا قليلًا من
стр. 1409
النصوص الكثيرة الواردة في ذلك.
أما الشرب في آنيتهما: فقد أخرج الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن عن حذيفة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" ولفظة "ولا تأكلوا في صحافها" في صحيح مسلم.
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" والأحاديث بمثل هذا كثيرة.
وأما لبس الحرير والديباج الذي هو نوع من الحرير فعن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" أخرجه الشيخان وباقي الجماعة.
وعن عمر ﵁ سمعت النبي - ﷺ - يقول: "لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" متفق عليه.
وعن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة" متفق عليه أيضًا. والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًا.
وأما لبس الذهب: فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من
стр. 1410
حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي - ﷺ - "نهاهم عن خاتم الذهب".
قال البخاري في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا أشعث بن سليم قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: "نهانا النبي - ﷺ - عن سبع: نهى عن خاتم الذهب -أو قال: حلقة الذهب- وعن الحرير، والاستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، والقسي، وآنية الفضة، وأمرنا بسبع بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم" ولفظ مسلم في صحيحه قريب منه، إلا أن مسلمًا قدم السبع المأمور بها على السبع المنهي عنها، وقال في حديثه "ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب" وهذا الحديث المتفق عليه يدل على أن لبس الذهب لا يحل للرجال؛ لأنه إذا منع الخاتم منه فغيره أولى، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة، والأحاديث فيه كثيرة.
وأما جواز لبس النساء للحرير فله أدلة كثيرة:
منها: حديث علي ﵁ أهديت للنبي - ﷺ - حلة سيراء، فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشقها خمرًا بين نسائك" متفق عليه وعن أنس بن مالك ﵁ أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - برد حلة سيراء. أخرجه البخاري، والنسائي، وأبو داود، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وإباحة الحرير للنساء كالمعلوم بالضرورة. ومخالفة عبد الله بن الزبير ﵄ في
стр. 1411
ذلك لا أثر لها؛ لأنه محجوج بالنصوص الصحيحة، واتفاق عامة علماء المسلمين.
وأما جواز لبس الذهب للنساء فقد وردت فيه أحاديث كثيرة:
منها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم وصححاه، والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها" وفي هذا الحديث كلام؛ لأن راويه عن أبي موسى -وهو سعيد بن أبي هند- قال بعض العلماء: لم يسمع من أبي موسى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: ولو فرضنا أنه لم يسمع منه فالحديث حجة؛ لأنه مرسل معتضد بأحاديث كثيرة. منها ما هو حسن، ومنها ما إسناده مقارب، كما بينه الحافظ في التلخيص وبإجماع المسلمين.
وقد قال البيهقي ﵀ في سننه الكبرى "باب سياق أخبار تدل على تحريم التحلي بالذهب" وساق أحاديث في ذلك، ثم قال: "باب سياق أخبار تدل على إباحته للنساء" ثم ساق في ذلك أحاديث، وذكر منها حديث سعيد بن أبي هند المذكور عن أبي موسى، ثم قال: ورويناه من حديث علي بن أبي طالب، وعقبة ابن عامر، وعبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -، وذكر منها أيضًا حديث عائشة قالت: قدمت على النبي - ﷺ - حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فأخذه رسول الله - ﷺ - بعود معرضًا عنه أو ببعض أصابعه؛ ثم دعا أمامة بنت أبي العاصي بنت ابنته زينب
стр. 1412
فقال: "تحلي هذا يا بنية" وذكر منها أيضًا حديث بنت أسعد بن زرارة ﵁ أنها كانت هي وأختاها في حجر النبي - ﷺ -؛ لأن أباهن أوصى إليه بهن، قالت: فكان - ﷺ - يحلينا الذهب واللؤلؤ" وفي رواية "يحلينا رعاثا من ذهب ولؤلؤ" وفي رواية "يحلينا التبر واللؤلؤ" ثم قال البيهقي: قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: وواحد الرعاث رعثة، ورعثة، وهو القرط. ثم قال البيهقي: فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة.
وقد قال بعض أهل العلم: إن موافقة الإجماع لخبر الآحاد تصيره قطعيًا لاعتضاده بالقطعي، وهو الإجماع. وقد تقدم ذلك في "سورة التوبة" والله أعلم.
فتحصل أنه لاشك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء.
المسألة السادسة: أما لبس الرجال خواتم الفضة فهو جائز بلاشك، وأدلته معروفة في السنة، ومن أوضحها خاتم رسول الله - ﷺ - من الفضة المنقوش فيه "محمد رسول الله" الذي كان يلبسه بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ حتى سقط في بئر أريس كما هو ثابت في الصحيحين.
أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله.
اعلم أولًا: أن الرجل إذا لبس من الفضة مثل ما يلبسه النساء
стр. 1413
من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه؛ لأنه تشبه بالنساء، ومن تشبه بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول الله - ﷺ - كما مر آنفًا، وكل من كان ملعونًا على لسانه - ﷺ - فهو ملعون في كتاب الله، كما قال ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وأما غير ذلك كجعل الرجال الفضة في الثوب، واستعمال الرجل شيئًا محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ممنوع، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة. والاختلاف في أشياء كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف. والاتفاق على جعل الأنف من الذهب، وربط الأسنان بالذهب والفضة. وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة في ذلك.
قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى ما نصه: "وحرم استعمال ذكر محلى، ولو منطقة، وآلة حرب؛ إلا السيف والأنف، وربط سن مطلقًا، وخاتم فضة؛ لا ما بعضه ذهب ولو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة، وفي المغشى والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان. وجاز للمرأة الملبوس مطلقًا ولو نعلًا لا كسرير". انتهى الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية. وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه: "ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة" اه.
وقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي: "فصل
стр. 1414
فيما يحل ويحرم من الحلي" فالذهبُ أَصله على التحريم في حق الرجال، وعلى الإباحة للنساء ... إلى أن قال: وأما الفضة فيجوز للرجل التختم بها، وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج؛ فيه وجهان. قطع الجمهور بالتحريم. انتهى محل الغرض من كلام النووي.
وقال ابن قدامة في المقنع في مذهب الإمام أحمد: ويباح للرجال من الفضة الخاتم، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل؛ ومن الذهب قبيعة السيف. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. انتهى محل الغرض من المقنع.
فقد ظهر من هذه النقول: أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك، إلا في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها.
وقال بعض العلماء: لا يمنع لبس شيء من الفضة. واستدل من قال بهذا بأمرين:
أحدهما: أنها لم يثبت فيها تحريم. قال صاحب الإنصاف في شرح قول صاحب المقنع. وعلى قياسها الجوشن والخوذة إلخ ما نصه: وقال صاحب الفروع فيه: ولا أعرف على تحريم الفضة نصًا عن أحمد. وكلام شيخنا يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ما دل الشرع على تحريمه. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على
стр. 1415
تحريمه، فإذا أباحت السنة خاتم الفضة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. ونصره صاحب الفروع ورد جميع ما استدل به الأصحاب. انتهى كلام صاحب الانصاف.
الأمر الثاني: حديث عن النبي - ﷺ - يدل على ذلك.
قال أبو داود في سننه: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد، عن أسيد بن أبي أسيد البراد، عن نافع ابن عياش، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارًا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها" هذا لفظ أبي داود.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث لا دليل فيه على إباحة لبس الفضة للرجال، ومن استدل بهذا الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقد غلط، بل معنى الحديث: أن الذهب كان حرامًا على النساء، وأن النبي - ﷺ - نهى الرجال عن تحلية نسائهم بالذهب، وقال لهم: "العبوا بالفضة" أي: حلوا نساءكم منها بما شئتم، ثم بعد ذلك نسخ تحريم الذهب على النساء.
والدليل على هذا الذي ذكرنا أمور:
стр. 1416
الأول: أن الحديث ليس في خطاب الرجال بما يلبسونه بأنفسهم، بل بما يحلون به أحبابهم، والمراد نساؤهم؛ لأن النّبي - ﷺ - قال فيه: "من أحب أن يحلق حبيبه" "أن يطوق حبيبه" "أن يسور حبيبه" ولم يقل: من أحب أن يحلق نفسه، ولا أن يطوق نفسه، ولا أن يسور نفسه، فدل ذلك دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المراد بقوله: "فالعبوا بها" أي: حلوا بها أحبابكم كيف شئتم؛ لارتباط آخر الكلام بأوله.
الأمر الثاني: أنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا حلق الذهب؛ ولا أن يطوقوا بالذهب، ولا يتسوروا به في الغالب، فدل ذلك على أن المراد بذلك من شأنه لبس الحلقة والطوق والسوار من الذهب، وهن النساء بلاشك.
الأمر الثالث: أن أبا داود ﵀ قال بعد الحديث المذكور متصلًا به: حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن امرأته، عن أخت لحذيفة أن رسول الله - ﷺ - قال: "يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به".
حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان بن يزيد العطار، ثنا يحيى أن محمد بن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة".
فهذان الحديثان يدلان على المراد بالحديث الأول منع
стр. 1417
الذهب للنساء، وأن قوله: "فالعبوا بها" معناه: فحلوا نساءكم من الفضة بما شئتم كما هو صريح في الحديثين الأخيرين، وهذا واضح جدًا كما ترى.
ويدل له أَن الحافظ البيهقي ﵀ ذكر الأحاديث الثلاثة المذكورة التي من جملتها "وعليكم بالفضة فالعبوا بها" في سياق الأحاديث الدالة على تحريم الذهب على النساء أولًا دون الفضة. ثم بعد ذلك ذكر الأحاديث الدالة على النسخ، ثم قال: واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. والله أعلم انتهى.
ومن جملة تلك الأحاديث المذكورة حديث: "فالعبوا بها" وهو واضح جدًا فيما ذكرنا.
فإن قيل: قوله - ﷺ - في الحديث المذكور "يحلق حبيبه" "أن يطوق حبيبه" "أن يسور حبيبه" يدل على أن المراد ذكر؛ لأنّه لو أراد الأنثى لقال: حبيبته بتاء الفرق بين الذكر والأنثى.
فالجواب: أن إطلاق الحبيب على الأنثى باعتبار إرادة الشخص الحبيب مستفيض في كلام العرب لا إشكال فيه، ومنه قول حسان بن ثابت ﵁:
منع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغار النجوم
من حبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم
ومراده بالحبيب أنثى، بدليل قوله بعده:
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
стр. 1418
وقوله كثير عزة:
لئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب
ومثل هذا كثير في كلام العرب فلا نطيل به الكلام.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه - ﷺ -: أن لبس الفضة حرام على الرجال، وأن من لبسها منهم في الدنيا لم يلبسها في الآخرة.
وإيضاح ذلك أن البخاري قال في صحيحه في باب: "لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه": حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة؛ فرماه به وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته! قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فقول النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: "الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" يدخل في عمومه تحريم لبس الفضة؛ لأن الثلاث المذكورات معها يحرم لبسها بلا خلاف، وما شمله عموم نص ظاهر من الكتاب والسنة لا يجوز تخصيصه إلا بنص صالح للتخصيص؛ كما تقرر في علم الأصول.
فإن قيل: الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة لا في لبس الفضة؟
стр. 1419
فالجواب: أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، لاسيما أن النبي - ﷺ - ذكر في الحديث مالا يحتمل غير اللبس كالحرير والديباج.
فإن قيل: جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يفسر هذا، ويبين أن المراد بالفضة الشراب في آنيتها لا لبسها؛ قال البخاري في صحيحه "باب الشرب فى آنية الذهب" حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه إلا أَنّي نهيته فلم ينته، وأن النبي - ﷺ - نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: "هن لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" "باب آنية الفضة" حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى قال: خرجنا مع حذيفة، وذكر النبي - ﷺ - قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" انتهى.
فدل هذا التفصيل -الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي عن لبس الحرير والديباج- على أن ذلك هو المراد بما في الرواية الأولى، وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة؛ لأنه تعين بهاتين الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها، لا لبسها؛ لأن الحديث حديث واحد.
فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في الشرب واللبس
стр. 1420
معًا، والروايات المقتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ذاكرة بعض أفراد العام ساكتة عن بعضها. وقد تقرر في الأصول: "أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه" وهو الحق كما بيناه في غير هذا الموضع. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما لا يخصص به العموم على الصحيح:
وذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد
الوجه الثاني: أن التفصيل المذكور لو كان هو مراد النبي - ﷺ - لكان الذهب لا يحرم لبسه، وإنما يحرم الشرب في آنيته فقط، كما زعم مدعي ذلك التفصيل في الفضة؛ لأن الروايات التي فيها التفصيل المذكور "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة" فظاهرها عدم الفرق بين الذهب والفضة، ولبس الذهب حرام إجماعًا على الرجال.
الوجه الثالث: وهو أقواها، ولا ينبغي لمن فهمه حق الفهم أن يعدل عنه لظهور وجهه، وهو: أن هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث -التي هي: الذهب، والفضة، والحرير، والديباج- صرح النبي - ﷺ - أنها للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة، فدل ذلك على أن من استمتع بها في الدنيا لم يستمتع بها في الآخرة، وقد صرح جل وعلا في كتابه العزيز بأن أهل الجنة يتمتعون بالذهب والفضة من جهتين:
إحداهما: الشرب في آنيتهما.
والثانية: التحلي بهما. وبين أن أهل الجنة يتنعمون بالحرير
стр. 1421
والديباج من جهة واحدة وهي لبسها، وحكم الاتكاء عليهما داخل في حكم لبسهما، فتعين تحريم الذهب والفضة من الجهتين المذكورتين تحريم الحرير والديباج من الجهة الواحدة، لقوله - ﷺ - الثابت في الروايات الصحيحة في الأربعة المذكورة: "هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" لأنه لو أبيح التمتع بالفضة في الدنيا والآخرة لكان ذلك معارضًا لقوله - ﷺ -: "هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى من كتاب الله جل وعلا.
اعلم أولًا: أن الديباج هو المعبر عنه في كتاب الله بالسندس والإستبرق، فالسندس: رقيق الديباج، والإستبرق غليظه.
فإذا علمت ذلك فاعلم أَنّ الله جل وعلا بين تنعم أهل الجنة بلبس الذهب والديباج الذي هو السندس والإستبرق في "سورة الكهف" في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن لبس الذهب والديباج في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في "الكهف".
وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الحرير والذهب في "سورة الحج" في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.
وبين أيضًا تنعمهم بلبس الذهب والحرير في "سورة فاطر" في
стр. 1422
قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية. فمن لبس الَذهبَ والحرير في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في "سورة الحج وفاطر".
وذكر جل وعلا تنعمهم بلبس الحرير في "سورة الإنسان" في قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ وفي "الدخان" بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن لبس الحرير في الدنيا منع من هذا التنعم به المذكور في "سورة الإنسان والدخان".
وذكر جل وعلا تنعمهم بالاتكاء على الفرش التي بطائنها من إستبرق في "سورة الرحمن" بقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن اتكأ على الديباج في الدنيا منع هذا التنعم المذكور في "سورة الرحمن".
وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الديباج الذي هو السندس والإستبرق ولبس الفضة في "سورة الإنسان" أيضًا في قوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.
فمن لبس الديباج أو الفضة في الدنيا منع من التنعم بلبسهما المذكور في "سورة الإنسان" لقوله - ﷺ -: "هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" فلو أبيح لبس الفضة في الدنيا مع قوله في نعيم أهل الجنة: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ لكان ذلك مناقضا لقوله - ﷺ -: "هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة".
стр. 1423
وذكر تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الذهب في "سورة الزخرف" في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ الآية. فمن شرب في الدنيا في أواني الذهب منع من هذا التنعمُ بها المذكور في "الزخرف".
وذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الفضة في "سورة الإنسان" في قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ فمن شرب في آنية الفضة في الدنيا منع هذا التنعم بها المذكور في "سورة الإنسان"، فقد ظهر بهذا للمنصف دلالة القرآن والسنة الصحيحة على منع لبس الفضة؛ والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
فإن قيل: عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به، وبيان القرآن أنه شامل للبس الفضة والشرب فيها، وقلتم: إن كونه واردًا في الشرب في آنية الفضة لا يجعله خاصًا بذلك. فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ .
فالجواب: أن النبي - ﷺ - سئل عما معناه: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود
стр. 1424
رضي الله تعالى عنه أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى رسول الله - ﷺ - فذكر ذلك له؛ فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ قال الرجل: ألي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي" اه لفظ البخاري في التفسير في "سورة هود" وفي رواية في الصحيح قال: "لجميع أمتي كلهم" اه.
فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي - ﷺ -: ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي - ﷺ - له: "لجميع أمتي" معناه أن العبرة بعموم لفظ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوص السبب. والعلم عند الله تعالى.
وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ أي: السفن. وقد دل القرآن على أن ﴿الْفُلْكَ﴾ يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث، فأطلقه على المفرد مذكرًا في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾. وأطلقه على الجمع مؤنثًا في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وقوله: ﴿مَوَاخِرَ﴾ جمع ماخرة، وهو اسم فاعل، مخرت السفينة تمخر -بالفتح- وتمخر -بالضم- مخرًا ومخورًا: جرت في البحر تشق الماء مع صوت. وقيل: استقبلت الريح في جريتها. والأظهر في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أنه معطوف على قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ولعل هنا التعليل كما تقدم.
стр. 1425
والشكر فى الشرع: يطلق من العبد لربه؛ كقوله هنا: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ وشكر العبد لربه: هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته. وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين؛ وإنما هو كنود كفور.
وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن، كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ ذكر جل وعلا في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه، مبينًا لهم عظيم منته عليهم بها:
الأولى: إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك، وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن، كقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.
ومعنى تميد: تميل وتضطرب.
وفي معنى قوله: ﴿أَنْ﴾ وجهان معروفان للعلماء:
أحدهما: كراهة أن تميد بكم.
والثاني: أن المعنى: لئلا تميد بكم، وهما متقاربان.
стр. 1426
الثانية: إجراؤه الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ وكرر تعالى في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
الثالثة: جعله في الأرض سبلًا يسلكها الناس، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر في طلب حاجاتهم المذكور هنا في قوله: ﴿وَسُبُلًا﴾ وهو جمع سبيل بمعنى الطريق، وكرر الامتنان بذلك في القرآن؛ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ وقوله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الرابعة: جعله العلامات لبني آدم، ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في القرآن في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الآية. تقدم بيان مثل هذه الآية في موضعين.
стр. 1427
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله؛ لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.
وبين في موضع آخر: أن كل النعم علي بني آدم منه جل وعلا، وذلك في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم كما تقرر في الأصول؛ لأن ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود عاطفًا على صيغ العموم:
أو بإضافة إلى معرف ... إذا تحقق الخصوص قد نفى
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ قالوا: لم ينزل عليه شيء، وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين، نقله من كتبهم. والأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل. أصلهما من سطر، إذا كتب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾
стр. 1428
وقال بعض العلماء الأساطير: الترهات والأباطيل. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿مَاذَا﴾ يحتمل أن تكون "ذا" موصولة و"ما" مبتدأ، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾ صلة الموصول، والموصول وصلته خبر المبتدأ، ويحتمل أن يكِون مجموعهما اسمًا واحدًا في محل نصب، على أنه مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾ كما أشار له في الخلاصة بقوله:
ومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
وبين جل وعلا كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الآية، وبقوله هنا: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
• قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أولئك الكفار الذين يصرفون الناس عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين، تحملوا أوزارهم -أي: ذنوبهم- كاملة، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال، كما يدل عليه حرف التبعيض الذي هو "من" في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآية.
وقال القرطبي: "من " لبيان الجنس، فهم يحملون مثل أوزار
стр. 1429
من أضلوهم كاملة.
وأوضح تعالى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ واللام في قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ تتعلق بمحذوف دل المقام عليه، أي: قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن: أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ مع أن الله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ويقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
فالجواب -والله تعالى أعلم-: أن رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين:
أحدهما: وزر ضلالهم في أنفسهم.
والثاني: وزر إضلالهم غيرهم؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص من ذلك من أوزارهم شيئًا، وإنما أخذ بعمل غيره؛ لأنه هو الذي سنه وتسبب فيه، فعوقب عليه من هذه الجهة؛ لأنه من فعله، فصار غير مناف لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ ... ﴾ الآية.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني زهير
стр. 1430
ابن حرب، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى ابن عبد الله بن يزيد، وأبي الضحى، عن عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله - ﷺ - عليهم الصوف؛ فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه؛ فقال رسول الله - ﷺ -: "من سن في الإسلام سنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" اه.
أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث عن جرير بن عبد الله من طرق متعددة، وأخرجه نحوه أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" اه.
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال بين الآيات، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي - ﷺ -، فله مثل أجور جميعهم؛ لأنه صلوات الله وسلامه هو الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام، نرجو الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم
стр. 1431
صلاة وأزكى سلام.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يدل على أن الكافر غير معذور بعد إبلاغ الرسل المؤيد بالمعجزات، الذي لا لبس معه في الحق، ولو كان يظن أن كفره هدى؛ لأنه ما منعه من معرفة الحق مع ظهوره إلا شدة التعصب للكفر، كما قدمنا الآيات الدالة على ذلك في الأعراف؛ كقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ وحملهم أوزارهم هو اكتسابهم الإثم الذي هو سبب ترديهم في النار -أعاذنا الله والمسلمين منها؟ .
وقال بعض العلماء: معنى حملهم أوزارهم: أن الواحد منهم عند خروجه من قبره يوم القيامة يستقبله شيء كأقبح صورة وأنتنها ريحًا؛ فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني! فيقول: لا والله، إلا أن الله قبح وجهك! وأنتن ريحك! فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا! هلم أركبك اليوم؛ فيركب على ظهره. اه.
وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ﴿سَاءَ﴾: فعل جامد؛ لإنشاء الذم بمعنى بئس و﴿مَا﴾: فيها الوجهان المشار إليهما بقوله في الخلاصة:
وما مميز وقيل: فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل
стр. 1432
وقوله: ﴿يَزِرُونَ﴾: أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون. اه.
• قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا، وبين ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.
وبين بعض مكر كفار مكة بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.
وذكر بعض مكر اليهود بقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
وبين بعض مكر قوم صالح بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.
وذكر بعض مكر قوم نوح بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية.
وبين مكر رؤساء الكفار في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ الآية. والمكر: إظهار الطيب وإبطان الخبيث، وهو الخديعة. وقد بين جل وعلا أن المكر السيء لا يرجع ضرره إلا على فاعله، وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه
стр. 1433
من أصله واقتلعه من أساسه، فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم. وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه -كما قدمنا في "سورة الحجر"- فعل مثله أيضًا بغيرهم من الكفار، فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون؛ كقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يفضحهم على رءوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية.
وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ أي: أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾.
وقد بين جل وعلا في موضع آخر: أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وقد قدمنا في سورة "هود" إيضاح معنى الخزي.
• قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ، فيقول لهم: أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها، قائلين: إنكم لابد لكم أن تشركوها معي في عبادتي!.
стр. 1434
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ وقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ الآية.
إلى غير ذلك من الآيات.
وقرأ عامة القراء ﴿شُرَكَاءِيَ﴾ بالهمزة وياء المتكلم، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي أنه قرأ "شركاي" بياء المتكلم دون همز، ولم تثبت هذه القراءة.
وقرأ الجمهور ﴿تُشَاقُّونَ﴾ بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول.
وقرأ نافع ﴿تُشَاقُّونِ﴾ بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية، والمفعول به ياء المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع حذف نون الرفع، لجواز حذفها من غير ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية، كما تقدم تحريره في "سورة الحجر" في الكلام على قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي الاستسلام والخضوع. والمعنى: أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق، وذلك عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة. يعني أنهم في الدنيا يشاقون الرسل، أي: يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم، أي: خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك.
стр. 1435
ومما يدل من القرآن على أن المراد بإلقاء السلم: الخضوع والاستسلام قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام، بمعنى الانقياد والإذعان، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ وقوله: ﴿فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ﴾ الآية.
والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين: الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق من ترك السوء. وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ معمول قول محذوف بلا خلاف.
والمعنى: أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي. وقد بين الله كذبهم بقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.
стр. 1436
وبين في مواضع أخر: أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفرِ والمعاصي كما ذكر هنا، وبين كذبهم في ذلك أيضًا، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أي: حرامًا محرمًا أن تمسونا بسوء؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله هنا: ﴿بَلَى﴾ تكذيب لهم في قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.
تنبيه
لفظة "بلى" لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما:
الأول: أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة "لا"؛ لأن "لا" لنفي الإثبات، و"بلى" لنفي النفي؛ كقوله هنا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فهذا النفي نفته لفظة "بلى" أي: كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي؛ وكقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.
стр. 1437
الثاني: أن تكون جوابًا لاستفهام مقترن بنفي خاصة؛ كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ وهذا أيضًا كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه بـ "نعم" لا بـ "بلى" وجواب الاستفهام المقترن بنفي بـ "نعم" مسموع غير قياسي، كقوله:
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تداني
نعم، وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
فالمحل لـ "بلى" لا لـ "نعم" في هذا البيت.
فإن قيل: هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾
وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ ونحو ذلك، مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثه في قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
فالجواب: هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فيختم الله على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم لما كانوا يكسبون، فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة، وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية. لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في "سورة الحجر" في قوله جل وعلا:
стр. 1438
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها! إنه رحيم كريم.
• قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسوله - صلي الله عليه وسلم - قالوا: أنزل عليه خيرًا، أي: رحمة وهدي وبركة لمن اتبعه وآمن به. ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين -أن غير المتقين يجيبون جوابًا غير هذا. وقد صرح تعالي بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل: ٢٤] كما تقدم.
• قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح هذا المعني في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَي وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ الآية. والحسني: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقوله في هذه الآية: ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها. والآيات في مثل ذلك كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن دار الآخرة خير من دار الدنيا. وكرر هذا المعني في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وقوله: ﴿بَلْ
стр. 1439
تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾: صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله:
وغالبًا أغناهم خير شر ... عن قولهم: أخير منه وأشر
وإنما قيل لتلك الدار: الدار الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها ألبتة إلى دار أخرى.
والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحمًا، وأنشأها خلقًا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم يتفرقون: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: فعند ذلك
стр. 1440
تلقي عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت! ويا أهل النار خلود فلا موت! ويبقي ذلك دائمًا لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر.
فهذا معني وصفها بالآخرة؛ كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
تنبيه
أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع. وعلي مقتضي قول ابن مالك في الخلاصة:
ولا يضاف اسم لما به اتحد ... معني وأول موهمًا إذا ورد
فإن لفظ: ﴿الدَّارُ﴾ بمسمي الآخرة. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في "سورة فاطر" في الكلام على قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين -أسلوب من أساليب اللغة العربية، لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعني. وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ مدح الله جل وعلا
следующие страницы →