← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وبين في مواضع أخر: أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفرِ والمعاصي كما ذكر هنا، وبين كذبهم في ذلك أيضًا، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أي: حرامًا محرمًا أن تمسونا بسوء؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: ﴿بَلَى﴾ تكذيب لهم في قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾. تنبيه لفظة "بلى" لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما: الأول: أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة "لا"؛ لأن "لا" لنفي الإثبات، و"بلى" لنفي النفي؛ كقوله هنا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فهذا النفي نفته لفظة "بلى" أي: كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي؛ وكقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.

стр. 1437

الثاني: أن تكون جوابًا لاستفهام مقترن بنفي خاصة؛ كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ وهذا أيضًا كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه بـ "نعم" لا بـ "بلى" وجواب الاستفهام المقترن بنفي بـ "نعم" مسموع غير قياسي، كقوله: أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تداني نعم، وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني فالمحل لـ "بلى" لا لـ "نعم" في هذا البيت. فإن قيل: هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ ونحو ذلك، مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثه في قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾. فالجواب: هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فيختم الله على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم لما كانوا يكسبون، فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة، وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية. لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في "سورة الحجر" في قوله جل وعلا:

стр. 1438

﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها! إنه رحيم كريم. • قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسوله - صلي الله عليه وسلم - قالوا: أنزل عليه خيرًا، أي: رحمة وهدي وبركة لمن اتبعه وآمن به. ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين -أن غير المتقين يجيبون جوابًا غير هذا. وقد صرح تعالي بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل: ٢٤] كما تقدم. • قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح هذا المعني في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَي وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ الآية. والحسني: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقوله في هذه الآية: ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها. والآيات في مثل ذلك كثيرة. • قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن دار الآخرة خير من دار الدنيا. وكرر هذا المعني في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وقوله: ﴿بَلْ

стр. 1439

تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾: صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله: وغالبًا أغناهم خير شر ... عن قولهم: أخير منه وأشر وإنما قيل لتلك الدار: الدار الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها ألبتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحمًا، وأنشأها خلقًا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم يتفرقون: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: فعند ذلك

стр. 1440

تلقي عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت! ويا أهل النار خلود فلا موت! ويبقي ذلك دائمًا لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر. فهذا معني وصفها بالآخرة؛ كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾. تنبيه أضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع. وعلي مقتضي قول ابن مالك في الخلاصة: ولا يضاف اسم لما به اتحد ... معني وأول موهمًا إذا ورد فإن لفظ: ﴿الدَّارُ﴾ بمسمي الآخرة. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في "سورة فاطر" في الكلام على قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين -أسلوب من أساليب اللغة العربية، لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعني. وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ مدح الله جل وعلا

стр. 1441

دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة؛ لأن "نعم" فعل جامد لإنشاء المدح. وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر علي قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة، فمعني جنات عدن: جنات إقامة في النعيم، لا يرحلون عنها، ولا يتحولون. وبين في آيات كثيرة: أنهم مقيمون في الجنة علي الدوام، كما أشار له هنا بلفظة ﴿عَدْنٍ﴾ كقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. والمقامة: الإقامة. وقد تقرر في التصريف: أن الفعل إذا زاد علي ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه، واسم الزمان، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ علي قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة. وقوله: إلى ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بين أنواع تلك الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ -إلى قوله -مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ وقوله هنا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ وضحه في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا

стр. 1442

تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ يدل علي أن تقوي الله هو السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالي هذا المعني في مواضع أخر، كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قولة تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة، أي: يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين، أي: طاهرين من الشرك والمعاصي -على أصح التفسيرات- ويبشرونهم بالجنة، ويسلمون عليهم. وبين هذا المعني أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ

стр. 1443

يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾. والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد؛ لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة. ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم: سلام عليكم أدخلوا الجنة -أن الذين لم يتصفوا بالتقوي لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم عليهم، ولم تبشرهم. وقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر، كقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ -إلى قوله- وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ قرأهما عامة القراء غير حمزة: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾ بتاءين فوقيتين. وقرأ حمزة "يتوفاهم" بالياء في الموضعين. تنبيه أسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وأسنده في "السجدة" لملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ وأسنده في "الزمر" إلى نفسه جل وعلا في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة "السجدة": أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناده التوفي لنفسه؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ

стр. 1444

إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعوانًا من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت، كما قاله بعض العلماء. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معني "لا إله إلا الله"؛ لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، علي الوجه الذي شرعه علي ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه. وأوضح هذا المعني كثيرًا في القرآن عن طريق العموم، والخصوص. فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات. ومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في أفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله تعالي ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى غير

стр. 1445

ذلك من الآيات. واعلم أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد، ومنهم شقي، فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل، ويكفر بما جاءوا به، فالدعوة إلى دين الحق عامة، والتوفيق للهدي خاص، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ فقوله: ﴿فَمِنهُم﴾ أي: من الأمم المذكورة في قوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿مَّنْ هَدَي اللَّهُ﴾ أي: وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل، والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف؛ أي: فمنهم من هداه الله على حد قوله في الخلاصة: والحذف عندهم كثير منجلي ... في عائد متصل إن انتصب • بفعل أو وصف كمن نرجو يهب * وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ أي: وجبت عليه ولزمته، لما سبق في علم الله من أنه يصير إلى الشقاوة. والمراد

стр. 1446

بالضلالة: الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر. وقد بين تعالى هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن حرص النبي ﷺ علي إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم الله أنه شقي. وأوضح هذا المعني في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ بضم الياء وفتح الدال من ﴿يَهْدِي﴾ مبنيًا للمفعول. وقوله: ﴿مَن﴾ نائب الفاعل. والمعني: أن من أضله الله لا يهدي، أي: لا هادي له. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، من ﴿يَهْدِي﴾ مبنيًا للفاعل. وقوله: ﴿مَنْ﴾ مفعول به ليهدي، والفاعل ضمير عائد إلى الله تعالى. والمعنى: أن من أضله الله لا يهديه الله.

стр. 1447

وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم الله؛ لأن غيرهم قد يكون ضالًا ثم يهديه الله كما هو معروف. وقال بعض العلماء: لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له، فإن رفع الله عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالي ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم -أي: اجتهدوا في الحلف- وغلظوا الأيمان علي أن الله لا يبعث من يموت، وكذبهم الله جل وعلا في ذلك بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ وكرر في آيات كثيرة هذا المعني المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك، كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقوله: ﴿بَلَى﴾ نفي لنفيهم البعث كما قدمنا، وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما دلت عليه ﴿بَلَى﴾؛ لأن ﴿بَلَى﴾ تدل علي نفي قولهم: لا يبعث الله من يموت، ونفي هذا النفي إثبات، معناه: لتبعثن، وهذا البعث المدلول علي إثباته بلفظة ﴿بَلَى﴾ فيه معني وعد الله بأنه سيكون، فقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مؤكد له، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ مصدر أيضًا، أي: وعد الله بذلك وعدًا، وحقه حقا، وهو

стр. 1448

مؤكد أيضًا لما دلت عليه ﴿بَلَى﴾ واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وفي قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، تتعلق بقوله: ﴿بَلَى﴾ أي يبعثهم ليبين لهم. . إلخ، والضمير في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ عائد إلى من يموت، لأنه شامل للمؤمنين والكافرين. وقال بعض العلماء: اللام في الموضعين تتعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية، أي بعثناه ليبين لهم. . إلخ. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا يتعاصي علي قدرته شيء، وإذ يقول للشيء ﴿كُن﴾ فيكون بلا تأخير وذلك أن الكفار لما ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ورد الله عليهم كذبهم بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بين أنه قادر علي كل شيء، وأنه كلما قال لشيء ﴿كُن﴾ كان. وأوضح هذا المعني في مواضع أخرى، كقوله في الرد علي من قال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾. وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله: ﴿كُن﴾ بل إذا قال للشيء: ﴿كُن﴾ مرة واحدة، كان في أسرع من لمح البصر في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ ونظيره قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ الآية، وقال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾

стр. 1449

إلى غير ذلك من الآيات. وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء؛ لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل، فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم؛ لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء، وأنه يقول له: كن فيكون = كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه. أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع، كتسمية العصير خمرًا في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ نظرًا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال. وقرأ هذا الحرف ابن عامر والكسائي ﴿فَيَكوُنُ﴾ بفتح النون منصوبًا بالعطف على قوله: أن نقول. وقيل: منصوب بان المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر. وقرأ الباقون بالرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو يكون. ولقد أجاد من قال: إذا ما أراد الله أمرًا فإنما ... يقول له كن قوله فيكون واللام في قوله: ﴿لِشَيءٍ﴾ وقوله: ﴿لَهُ﴾ للتبليغ. قاله أبو حيان. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لم يرسل قبله ﷺ من الرسل إلا رجالًا، أي: لا ملائكة. وذلك أن الكفار استغربوا جدًا بعث الله رسلًا من البشر، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل بشرًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فلو كان مرسلًا أحدًا حقًا لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى

стр. 1450

رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ وقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله جل وعلا في آيات كثيرة: أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلًا من البشر، وهم رجال يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ونحو ذلك من صفات البشر، كقوله هنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية. . إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1451

وقرأ جمهور القراء هذا الحرف "يوحى إليهم" بالياء المثناة التحتية، وفتح الحاء مبنيًا للمفعول. وقرأه حفص عن عاصم: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ بالنون، وكسر الحاء مبنيًا للفاعل، وكذلك قوله في آخر سورة يوسف: "إلا رجالًا يوحي إليهم من أهل القري" وأول الأنبياء: "إلا رجالًا يوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر" الآية. كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء التحتية، وفتح الحاء أيضًا، وأما الثانية في سورة الأنبياء وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ الآية، فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضًا. وحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ الآية؛ لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل، والرسل ترسل إلى الناس. والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس، وهو الذي حصر الله فيه الرسل في الرجال من الناس، فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي، ولقبض الأرواح، وتسخير الرياح والسحاب، وكتب أعمال بني آدم، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾. تنبيه يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ويفهم من قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ

стр. 1452

الذِّكْرِ﴾ الآية- أن من جهل الحكم، يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به. والمراد بأهل الذكر في الآية، أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضًا يصدق عليها أنها أهل الذكر، لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الآية. إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب. والباء في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ قيل: تتعلق بـ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ داخلًا تحت حكم الاستثناء مع ﴿رِجَالًا﴾ أي: وما أرسلنا إلا رجالًا بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيدًا بالسوط؛ لأن أصله ضربت زيدًا بالسوط. وقيل: تتعلق بقوله: ﴿رِجَالًا﴾ صفة له، أي: رجالًا متلبسين بالبينات. وقيل: تتعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ مضمرًا دل عليه ما قبله؛ كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: بالبينات، وقيل: تتعلق بـ ﴿نُّوحِيَ﴾ أي: نوحي إليهم بالبينات، قاله صاحب الكشاف، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن علي النبي ﷺ . إحداهما: أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا؛ كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية.

стр. 1453

الحكمة الثانية: هي التفكر في آياته والاتعاظ بها، كما قال هنا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾ أنكر الله جلا وعلا علي الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر علي أن يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب. والخسف: بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل، كما فعل الله بقارون، قال الله تعالى فيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ الآية. وبين هذا المعني في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ وقد قدمنا طرفًا من هذا في أول "سورة الأعراف". واختلف العلماء في إعراب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ في هذه الآية الكريمة، فقال بعض العلماء: نعت لمصدر محذوف؛ أي: مكروا المكرات السيئات، أي: القبيحات قبحًا شديدًا؛ كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.

стр. 1454

وقال بعض العلماء: مفعول به لـ ﴿مَكَرُوا﴾ على تضمين ﴿مَكَرُوا﴾ معني فعلوا، وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي، وقيل: مفعول به لـ "أمن" أي: أأمن الماكرون السيئات؛ أي: العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم. ذكر الوجه الأول الزمخشري، والأخيرين ابن عطية. وذكر الجميع أبو حيان في "البحر المحيط". تنبيه كل ما جاء في القرآن من همزة استفهام بعدها واو للعطف أو فاؤه؛ كقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الخ، فيه وجهان معروفان عند علماء العربية: أحدهما: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها علي محذوف دل المقام عليه؛ كقولك مثلًا: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحًا؟! أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم؟! ألم تأتكم آياتي فلم تكن تتلي عليكم؟! وهكذا -وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله: وحذف متبوع بدا هنا استبح ... وعطفك الفعل علي الفعل يصح ومحل الشاهد في الشطر الأول دون الثاني. الوجه الثاني: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام علي ما قبلها؛ إلا أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت علي الفاء والواو، وهي متأخرة عنهما في المعني، وإنما تقدمت لفظًا عن محلها معني؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام.

стр. 1455

فبهذا تعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية - الوجهين المذكورين؛ فعلي الأول: فالمعنى أجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله بالعقاب؟ فأمن الذين مكروا السيئات الخ، وعلى الثاني: فالمعنى فأأمن الذين مكروات السيئات؛ فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام، والأول هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ . .﴾ الآية، تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في "سورة الرعد". • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ نهي الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلهًا آخر معه، وأخبرهم أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد، ثم أمرهم أن يرهبوه، أي: يخافوه وحده؛ لأنه هو الذي بيده الضر والنفع، لا نافع ولا ضار سواه. وأوضح هذا المعني في آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾. وبين جل وعلا في مواضع أخر إستحالة تعدد الآلهة عقلًا، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ وقوله:

стр. 1456

﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾. والآيات الآمرة بعبادته وحده كثيرة جدًا، فلا نطيل بها الكلام. وقدم المفعول في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ للدلالة على الحصر. وقد تقرر في الأصول في مبحث "مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر" "أن تقديم المعمول من صيغ الحصر" أي: خافون وحدي ولا تخافوا سواي. وهذا الحصر المشار إليه هنا بتقديم المعمول بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ الدين هنا: الطاعة، ومنه سميت أوامر الله ونواهيه دينًا، كقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. والمراد بالدين في الآيات: طاعة الله بامتثال جميع الأوامر، واجتناب جميع النواهي، ومن الدين بمعني الطاعة، قول عمرو بن كلثوم في معلقته: وأيامٍ لنا غُرٍّ كرامٍ ... عصينا الملك فيها أن ندينا أي: عصيناه وامتنعنا أن ندين له، أي: نطيعه.

стр. 1457

وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ أي: دائمًا، أي: له جل وعلا الطاعة والذل والخضوع دائمًا؛ لأنه لا يضعف سلطانه، ولا يعزل عن سلطانه، ولا يعلن ولا يغلب، ولا يتغير له حال، بخلاف ملوك الدنيا، فإن الواحد منهم يكون مطاعًا له السلطنة والحكم، والناس يخافونه ويطمعون فيما عنده برهة من الزمن، ثم يعزل أو يموت، أو يذل بعد عز، ويتضع بعد رفعة، فيبقي لا طاعة له ولا يعبأ به أحد، فسبحان من لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا. وهذا المعني الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ لأنها ترفع أقوامًا كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا، وتخفض أقوامًا كانوا ملوكًا في الدنيا لهم المكانة الرفيعة، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾. ونظير هذه الآية المذكورة قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ أي: دائم. وقيل: عذاب موجع مؤلم. والعرب تطلق الوصب علي المرض، وتطلق الوصوب على الدوام. وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال له: الواصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي: وله الدين واصبًا وله الملـ ... ـك وحمد له على كل حال

стр. 1458

ومنه قول الدؤلي: لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يومًا بذم الدهر أجمع واصبا وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم. وروي عن ابن عباس أيضًا واصبًا، أي: واجبًا. وعن مجاهد أيضًا: واصبًا، أي: خالصًا. وعلي قول مجاهد هذا فالخبر بمعني الإنشاء، أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا، وأخلصوا لي الطاعة. وعليه فالآية كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ حال عمل فيه الظرف. • وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أنكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة على من يتقي غيره؛ لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا من بيده النفع كله والضر كله؛ لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك. وقد أشار تعالى هنا إلى أن إنكار اتقاء غير الله لأجل أن الله هو الذي يرجي منه النفع، ويخشي منه الضر، ولذلك أتبع قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ ومعني تجأرون: ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة عند نزول الشدائد، ومنه قول الأعشي، أو النابغة يصف بقرة:

стр. 1459

فطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا وقول الأعشى: يراوح من صلوات المليك ... طورًا سجودًا وطورًا جؤارا ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وفي حديث ابن عباس المشهور: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت علي أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف". • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم إذا مسهم

стр. 1460

الضر دعوا الله وحده مخلصين له الدين، فإذا كشف عنهم الضر، وأزال عنهم الشدة إذا فريق منهم -وهم الكفار- يرجعون في أسرع وقت إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي. وقد كرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن، كقوله في "يونس": ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ -إلى قوله- إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله في "الإسراء": ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ وقوله في آخر "العنكبوت": ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في "الأنعام": ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا في "سورة الأنعام" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ صيغة الأمر في قوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ للتهديد. وقد تقرر في "فن المعاني، في مبحث الإنشاء" وفي "فن الأصول، في مبحث الأمر" أن من المعاني التي تأتي لها صيغة إفعل التهديد، كقوله هنا: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ وتشهد لهذا المعنى آيات أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ وقوله:

стр. 1461

﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ في ضمير الفاعل في قوله: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى الكفار، أي: ويجعل الكفار للأصنام التي لا يعلمون أن الله أمر بعبادتها، ولا يعلمون أنها تنفع عابدها أو تضر عاصيها - نصيبًا الخ، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقال صاحب الكشاف: ومعنى كونهم لا يعلمونها أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، وتشفع عند الله، وليس كذلك، وحقيقتها أنها جماد، لا يضر ولا ينفع، فهم إذًا جاهلون بها. والوجه الثاني: أن واو ﴿يَعْلَمُونَ﴾ واقعة على الأصنام، فهي جماد لا يعلم شيئًا، أي: ويجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئًا لكونهم جمادًا - نصيبًا الخ. وهذا الوجه كقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول: فالواو راجعة إلى "ما" من قوله: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعبر عنهم بـ"ما" التي هي لغير العاقل؛ لأن تلك

стр. 1462

المعبودات التي جعلوا لها من رزق الله نصيبًا جماد لا تعقل شيئًا. وعبر بالواو في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ على هذا القول لتنزيل الكفار لها منزلة العقلاء في زعمهم أنها تشفع، وتضر وتنفع. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة بينه تعالى في غِير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وذلك أن الكفار كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منها جزءًا، وللوثن جزءًا فما جعلوا من نصيب الأوثان حفظوه، وإن اختلط به شيء مما جعلوه لله ردوه إلى نصيب الأصنام، وإن وقع شيء مما جعلوه لله في نصيب الأصنام تركوه فيه، وقالوا: الله غني والصنم فقير. وقد أقسم جل وعلا: على أنه يسألهم يوم القيامة عن هذا الافتراء والكذب، وهو زعمهم أن نصيبًا مما خلق الله للأوثان التي لا تنفع ولا تضر في قوله: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ وهو سؤال توبيخ وتقريع. • قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ أي: يعتقدون. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثًا. وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، كما بينه تعالى بقوله:

стр. 1463

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الآية. فزعموا لله الأولاد، ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾: أي: ممتلئ حزنًا، وهو ساكت، وقيل: ممتلئ غيظًا على امرأته التي ولدت له الأنثى. ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ أي: يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة، أو لئلا يشمتوا به ويعيروه، ويحدث نفسه وينظر: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ أي: ما بشر به وهو الأنثى ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: هوان وذل ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ في التراب، أي: يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيًا في التراب، يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد، وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾. وأوضح جل وعلا هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، وأنها من أعظم الباطل. وبين أنه لو كان متخذًا ولدًا عن ذلك، لاصطفى أحسن النصيبين، ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين كذبهم في ذلك وشدة عظم ما نسبوه إليه، كل هذا ذكره في مواضع متعددة، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ

стр. 1464

بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَي مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ وقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾. وبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ مبتدأ وخبر. وذكر الزمخشري والفراء وغيرهما: أنه يجوز أن تكون ﴿مَّا﴾ في محل نصب عطفًا على ﴿الْبَنَاتُ﴾ أي: ويجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي. وقال أبو حيان "في البحر المحيط": قال الزمخشري: ويجوز في ﴿مَّا﴾ فيما يشتهون الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفًا على ﴿البَنَاتِ﴾ أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي.

стр. 1465

وقال أبو البقاء -وقد حكاه-: وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهي أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب؛ فلا يجوز: زيد ضربه، أي: زيدًا. تريد ضرب نفسه؛ إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية، أو فقد وعدم؛ فيجوز: زيد ظنه قائمًا، وزيد فقده، وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل، فلا يجوز: زيد غضب عليه، تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب، إذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع "ولهم" مجرور باللام. فهو نظير: زيد غضب عليه اهـ. والبشارة تطلق في العربية على الخبر بما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم؛ ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال: وإني وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذود عشر • أحب أصهاري إلى القبر* ويروي لعبد الله بن طاهر قوله: لكل أبي بنت يراعي شئونها ... ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر

стр. 1466

فبعل يراعيها وخدر يكنها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم، كما قال الشاعر في ابنة له تسمي مودة: مودة تهوي عمر شيخ يسره ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري يخاف عليها جفوة الناس بعده ... ولا ختن يرجي أود من القبر وقال الآخر: تهوي حياتي وأهوي موتها شفقًا ... والموت أكرم نزال على الحرم وقد ولدت امرأة أعرابي أنثي، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل بالبيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ... ليس لنا من أمرنا ماشينا • وإنما نأخذ ما أعطينا* تنبيه لفظة "جعل" تأتي في اللغة العربية لأربعة معان: الأول: بمعني اعتقد؛ كقوله تعالى هنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال في الخلاصة: • وجعل اللذ كاعتقد*

стр. 1467

الثاني: بمعنى صير كما تقدم في الحجر؛ كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قال في الخلاصة: ... ... ... ... والتي كصيرا ... أيضًا بها انصب مبتدا وخبرا الثالث: بمعنى خلق كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي: خلق الظلمات والنور. الرابع: بمعنى شرع، كقوله: وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر قال في الخلاصة: كأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تنزيهًا له جل وعلا عما لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات عن ذلك علوًا كبيرا!. • وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في "آخر سورة فاطر": ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ

стр. 1468

بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ الآية، وأشار بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾. وبين هنا: أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله. وأوضح ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فيه وجهان للعلماء: أحدهما: أنه خاص بالكفار؛ لأن الذنب ذنبهم، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومن قال هذا القول قال: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كافرة، ويروي عن ابن عباس. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وجمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوص، وأبو هريرة وغيرهم -كما نقله عنهم ابن كثير وغيره- على أن الآية عامة، حتى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحباري في وكرها، ونحو ذلك، لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم.

стр. 1469

قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول هو الصحيح، لما تقرر في الأصول من: أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة "من" تكون نصًا صريحًا في العموم. وعليه فقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصًا. وقال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: فكيف يعم الهلاك مع أن فيهم مؤمنًا ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقامًا وجزاء، وهلاك المؤمن معوضًا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم" اهـ. محل الغرض منه بلفظه. والأحاديث بمثله كثيرة معروفة. وإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن العذاب إذا نزل بقوم عم الصالح والطالح، فلا إشكال في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل. وإذا أراد الله إهلاك قوم أمر نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم؛ لأن الهلاك إذا نزل عم. تنبيه قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْها﴾ راجع إلى غير مذكور، وهو الأرض؛ لأن قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يدل عليه؛ لأن من المعلوم: أن الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾

стр. 1470

أي: الشمس ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب، ومنه قول حميد بن ثور: وصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهرًا عديدها فقوله: "صهباء منها" أي: من الإبل، وتدل له قرينة "كالسفينة" مع أن الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضًا قول حاتم الطائي: أماري ما يغني الثراء عن الفتي ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر فقوله: "حشرجت وضاق بها" يعني النفس، ولم يجر لها ذكر؛ كما تدل له قرينة "وضاق بها الصدر" ومنه أيضًا قول لبيد في معلقته: حتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها فقوله: "ألقت" أي: الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله: • وأجن عورات الثغور ظلامها* لأن قوله: "ألقت يدًا في كافر" أي: دخلت في الظلام. ومنه أيضًا قول طرفة في معلقته: على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي فقوله: "أفديك منها" أي: الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ الظاهر أن

стр. 1471

المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد؛ فمعني آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافي. وقوله: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ إن قلنا: إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل؛ كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ وقول قيس بن الملوح: ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظل صدي صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدي ليلي يهش ويطرب والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتًا في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله: لو حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤها مستقبلًا لكن قبل • قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه؛ لأنه عبر عنه بـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة الموصول لم تُبيِّن مِن وَصفِ هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره. قال في البنات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية. وقال في الشركاء: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في

стр. 1472

رزقهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إذا كان الواحد منكم لا يرضي أن يكون المملوك شريكًا له مثل نفسه في جميع ما عنده، فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا -إلى قوله- سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كما تقدم. • قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب، فيزعمون أن لهم الحسنى، والحسنى تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور، كما تقدم في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ والحق الذي لا شك فيه: أن المراد بالحسني: هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقًا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان: أحدهما: كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى، كقوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1473

والدليل الثاني: أن الله أتبع قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الآية، فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله. والمصدر المنسبك من ﴿أَنَّ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ في محل نصب، بدل من قوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحًا لا خفاء فيه. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. ما نصه: فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر اهـ. • قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة ثالثة غير سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدا نافعًا: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول، من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل، من أفرط. والقراءة ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروي هذه القراءة عن أبي جعفر. وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله. أما قراءة الجمهور ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بصيغة المفعول فهو اسم

стр. 1474

مفعول أفرطه: إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه، فقوله: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ أي: متروكون منسيون في النار. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فالنسيان في هذه الآيات معناه: الترك في النار. أما النسيان بمعنى زوال العلم: فهو مستحيل على الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾. وممن قال بأن معنى ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ منسيُّون متروكون في النار: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم. وقال بعض العلماء: معنى قوله ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ على قراءة الجمهور، أي: مقدمون إلى النار معجلون؛ من أفرطت فلانًا وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي: متقدمكم. ومنه قول القطامي: فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد وقول الشنفري: هممتُ وهمتْ فابتدرنا وأسبلت ... وشمَّر مني فارط متمهِّل

стр. 1475

أي: متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف فيه وجاوز الحد. ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها. وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًا أن لهم النار. وقال القرطبي في تفسيره: (لا) ردٌّ لكلامهم (وتم الكلام)، أي: ليس كما تزعمون! جَرَمَ أن لهم النار: حقًا أن لهم النار. وقال بعض العلماء: ﴿لَا﴾ صلة، و ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسب، أي: كسب لهم عملهم أن لهم النار. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن في الأنعام عبرة دالة على تفرد من خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم - بأنه هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا يعصى. وأوضح هذا المعنى أيضًا في غير هذا الموضوع؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ
следующие страницы →