وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا. وقد ثبت عنه - ﷺ - في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتا، وقصته مشهورة.
وحاصل تحرير فقه هذه المسألة: أن ميتة البحر على قسمين: قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها، أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة ﵀ فيما مات منه في البحر، وطفا على وجه الماء، فقال فيه: هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده.
وأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر: كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء فقد اختلف فيه العلماء: فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه ووجد طافيًا، أو بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين.
وقال ابن نافع، وابن دينار: ميتة البحر مما يعيش في البحر نجسة.
ونقل ابن عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في البر فيكون نجسا، وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه.
стр. 142
وفي المدونة: ولا بأس بأكل الضفادع، وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء. اهـ. أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيها الكراهة.
قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره: "وكلب ماء وخنزيره". وقال الباجي: أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان: أنه مكروه، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون: خنزير. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حراما، هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر، أو لا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث، وفيه التصريح من النبي - ﷺ - بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾.
وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم:
стр. 143
وما معرفا بأل قد وجدا ... أو بإضافة إلى معرف
• إذا تحقق الخصوص قد نفى *
وبه نعلم أن قوله ﷺ "ميتته" يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر.
ومذهب الشافعي ﵀ في هذه المسألة: هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال؛ بلا خلاف، سواء كان طافيا على الماء أم لا.
وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه، وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال، للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان:
أحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا.
الثاني: التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين مالا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر، لعموم قوله ﷺ "الحل ميتته" وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كما تقدم.
وأما مذهب الإمام أحمد ﵀ فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر بأنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة،
стр. 144
فلم يبح بغير ذكاة: كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر. اهـ.
وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم.
ومذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا، لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر [وهو الحوت بأنواعه] فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر، وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه: أنه مستخبث، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - "ما ألقي البحر، أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه" اهـ.
قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب. عن أبي الزبير. عن جابر عن النبي - ﷺ -. اهـ.
وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من
стр. 145
كتاب، أو سنة يدل على التخصيص. كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور.
قال النووي في شرح المهذب ما نصه: وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب، والسنة، وأقاويل الصحابة ﵃ المنتشرة؟
وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. قال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم، سيىء الحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال: ولا أعرف لابن أبي ذئب (١) عن أبي الزبير شيئًا.
قال البيهقي: وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير مرفوعا، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به. قال: ورواه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟ قال: وقول الجماعة
стр. 146
من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما رويناه عن النبي - ﷺ - أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" اهـ.
وقال البيهقي في السنن الكبرى في باب "من كره أكل الطافي" ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أنه كان يقول: "ما ضرب به البحر، أو جزر عنه، أو صيد فيه فكل، وما مات فيه، ثم طفا فلا تأكل" وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا وعبد الرزاق، وعبد الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا، وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: "إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله"، قال سليمان: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي.
قال مقيده -عفا الله عنه - فتحصل: أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم
стр. 147
الاحتجاج به. وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وبالآية، والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة، وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعا التي قدمنا ضعفوها بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيىء الحفظ. وقد رواه غيره مرفوعا مع أن يحيى سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها أنه واهم فيها. قالوا: خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفا.
ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور -وهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي- ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطىء في حديث الثوري، فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضا برواية عبد العزيز بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا.
ورواية يحيى بن أبي أنيسة له، عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا وإن كان عبد العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك
стр. 148
أيضا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها، وبعضها صحيح، كرواية أبي أحمد المذكورة، والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود:
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند أمام الحفظ
إلخ ... نعم لقائل أن يقول: هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وقوله - ﷺ - في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة، فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم.
والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁:
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين
ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونا مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني
стр. 149
راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة.
وقال البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ﴾.
قال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر: الطافي حلال، وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النبي - ﷺ -: كل شيء في البحر مذبوحه. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع. لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى من البخاري بلفظه.
ومعلوم أن البخاري ﵀ لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحا ثابتا عنده.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه: قوله: قال عمر -هو ابن الخطاب-: "صيده" ما اصطيد، و"طعامه" ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما
стр. 150
قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال: فقال عمر: قال الله تعالى في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده: ما صيد. وطعامه: ما قذف به.
قوله: وقال أبو بكر -هو الصديق-: الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد، والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله، فإنه ذكي.
قوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال طعامه: ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيا، في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله.
قوله: والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله: وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري. فقال: لا بأس به، إنما هو شيء
стр. 151
كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به، وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود، ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجري -بفتح الجيم- قال ابن التين: وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال: ويقال له أيضًا: الجريت، وهو ما لا قشر له. وقال ابن حبيب من المالكية: إنما أكرهه، لأنه يقال: إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل: سمك لا قشر له. ويقال له أيضًا: المرماهي، والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره: نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين.
قوله: وقال شريح صاحب النبي - ﷺ -: كل شيء في البحر مذبوح. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه. وصله المصنف في التاريخ، وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي - ﷺ - يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني، وأبو نعيم في الصحابة مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضا، وأخرج
стр. 152
عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي، الحوت ذكي كله.
قوله: وقال ابن جريج، قلت لعطاء: صيد الأنهار، وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج أتم من هذا. وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري -وهي بئر عظيمة في الحرم- أتصاد؟ قال: نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيد.
وقلات -بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة- ووقع في رواية الأصيلي مثلثة. والصواب الأول، جمع قلت بفتح أوله، مثل: بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء.
قوله: وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. أما قول الحسن الأول فقيل: إنه ابن علي. وقيل: البصري، ويؤيد الأول أنه وقع في رواية "وركب الحسن ﵇" وقوله: على سرج من جلود، أي متخذ من جلود كلاب الماء.
وأما قول الشعبي: فالضفادع -بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا- وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادى بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما
стр. 153
مأواه الماء وغيره. وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي: لا بد من التذكية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها. لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ليست من حيوان البحر، لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل: "والبحري ولو طالت حياته ببر".
وقال ابن حجر متصلا بالكلام السابق: وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بأكلها، والسلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس.
وحكي أيضا في المحكم: بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضا: سلحفية كالأول، لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة.
قوله: وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة، وفي بعضها "ما صاده" قبل لفظ نصراني.
قلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كل ما ألقى البحر، وما صيد منه، صاده يهودي، أو نصراني، أو مجوسي. قال ابن التين:
стр. 154
مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى.
ومن فتح الباري بلفظه: وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس. المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو: الحوت، والمري بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافا لصاحب الصحاح والنهاية فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء المشددة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك، ويوضع في الشمس، فيتغير عن طعم الخمر، ويصير خلا، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر وإزالة الإسكار عنه هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. وكان أبو الدرداء ﵁ يرى: إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعا.
قال ابن حجر في الفتح: وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد
стр. 155
البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر منع أكل الضفادع مطلقا، لثبوت النهي عن قتلها عن النبي - ﷺ -، فقد قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيبا سأل النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي - ﷺ - عن قتلها.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان، أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله - ﷺ - فنهى رسول الله - ﷺ - عن قتله.
وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال: سأل طبيب النبي - ﷺ - عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها، وسيأتي لتحريم أكل الضفادع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية.
وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن
стр. 156
أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃: أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع. قاله النووي. ونقل عن أحمد ﵀ ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر، ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في المغني، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه: الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول: دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي:
ولو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين
وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول في الماضي: دميت يده كرضي، ومنه قوله:
стр. 157
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفا، كما في يرضى ويسعى ويخشى، ومنه قول الشاعر:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
وتقول في الوصف: أصبح جرحه داميا، ومنه قول الراجز:
نرد أولاها على أخراها ... نردها دامية كلاها
والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل: أصلها واو، وإنما أبدلت ياء في الماضي، لتطرفها بعد الكسر، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويات اللام في الأصل، لأنها من الرضوان والقوة والشجو.
وقال بعضهم: الأصل فيه دمي بفتح الميم، وقيل بإسكانها والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ لم يبين هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع، وهو قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾، والمتجانف المائل ومنه قول الأعشى:
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
стр. 158
فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها. وقال بعض العلماء: الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق، وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله. اهـ. وقال بعض العلماء: إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق، والخارج على الإمام الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا.
ونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى: غَيْرَ بَاغٍ أي: في أكله فوق حاجته، وَلا عَادٍ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غَيْرَ بَاغٍ في أكلها شهوة وتلذدًا، وَلا عَادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. وقال القرطبي أيضا: وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى غَيْرَ بَاغٍ على المسلمين، وَلا عَادٍ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال: بغت المرأة بغاء إذا فجرت.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء
стр. 159
إبل له، أي: في طلبها، ومنه قول الشاعر:
لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد الرتائم
إن الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وذكر القرطبي عن مجاهد: أن المراد بالاضطرار في هذه الآية: الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا.
وقد قدمنا أن آية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ بطريق الأولى، وحديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة
المسألة الأولى: أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع، هل له أن يشبع من الميتة، أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت؟
فذهب مالك -رحمه الله تعالى- إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في موطئه: إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها.
стр. 160
قال ابن عبد البر: حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه، وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما: أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره. حيث قال: "وللضرورة ما يسد غير آدمي".
وقال ابن العربي: ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها. ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجته في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي: إنه الصحيح. ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضا.
وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو: أنه إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة، وهو: أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر، وأمكن الحاجة إلى
стр. 161
العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف.
قال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح، وعن الإمام أحمد ﵀ في هذه المسألة روايتان أيضا.
قال ابن قدامة في المغني: وفي الشبع روايتان، أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة؛ واستثني ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل، كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية. يحققه: أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل، كذا ههنا.
والثانية: يباح له الشبع. اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فسأله فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها، ولم يفرق. رواه أبو داود.
ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده: أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع كالمباح. ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة، وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل
стр. 162
رسول الله - ﷺ - جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل والله أعلم. انتهى من المغني بلفظه.
وقال إمام الحرمين: وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد مساغا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك. اهـ. قاله النووي.
المسألة الثانية: حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا.
قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ: ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة. اهـ: وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا. ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد.
وقال النووي في شرح المهذب: الثانية: في حد الضرورة.
قال أصحابنا: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع، أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع، ونحو ذلك.
стр. 163
فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع، فهل يحل له الميتة ونحوها؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما: الحل.
قال إمام الحرمين وغيره: ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن انتهى منه بلفظه.
وقال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور.
وحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول: إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا، وهو اختيار ابن حامد. وهذا هو مذهب أبي حنيفة
стр. 164
-﵏ وقال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار؛ إلا أن يعفو الله عنه.
وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك، أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة ﵏ وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه، وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة.
وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان:
أحدهما: يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي.
قال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد. وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩)﴾ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.
والثاني: لا يلزمه: لما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي
стр. 165
صاحب رسول الله - ﷺ -: أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص، ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه.
وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة، لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟
اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع. ففي موطئه ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها وهو يجد ثمرا لقوم، أو زرعا، أو غنما بمكانه ذلك؟ قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا. وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة, وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك، فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد
стр. 166
استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار.
قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. اهـ.
وقال ابن حبيب: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل، فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه.
الباجي: يريد أنه يدعوه أولا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه.
وقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال فيه: مبينا لما به الفتوى، عاطفا على ما يقدم المضطر على الميتة: "وطعام غيره إن لم يخف القطع، وقاتل عليه". هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة.
ومذهب الشافعي فيها: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب بقوله: المسألة الثامنة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير، وهو غائب فثلاثة أوجه. وقيل: ثلاثة أقوال، أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما.
وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي. ولو كان صاحب الطعام حاضرا، فإن بذله بلا عوض، أو بثمن مثله، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه، أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب، والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه، ولكن يستحب،
стр. 167
وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي: يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة. ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى، أو ثمن المثل، قال: وإذا لم يبذل أصلا، وقلنا: طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا والله أعلم. وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. قال الخرقي في مختصره: ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه: وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار، لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة، كما لو بذله له صاحبه.
ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه، ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته، وحق الله لا عوض له.
стр. 168
المسألة الخامسة: إذا كان المضطر إلى الميتة محرما، وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة، أو الصيد؟
اختلفت العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏ والشافعي في أصح القولين: إلى أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي -رحمه الله تعالى- قول بتقديم الصيد، وهو مبني على القول بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة.
والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو، ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم، لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة.
وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنفى الضرورة فلا تحل الميتة.
واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا، وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق؛ لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرا حلالا فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي.
стр. 169
قال الباجي: إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة، لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير، والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا، وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء كان مسلما، أو ذميا. وإن وجد إنسان معصوم ميتا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه، لحديث "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال: لا حجة في الحديث هنا، لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدميا غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه للعلماء أربعة أقوال:
الأول: المنع مطلقا.
الثاني: الإباحة مطلقا.
الثالث: الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها، دون العطش.
стр. 170
الرابع: عكسه.
وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقا.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر إن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر ﵁ "أن النبي - ﷺ - سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء". والظاهر إباحتها، لإساغة غصة خيف بها الهلاك، وعليه جل أهل العلم، والفرق بين إساغة الغصة، وبين شربها للجوع، أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة، وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش.
قال الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك: لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا. وقال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب: من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج.
أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل.
وإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها، ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش. اهـ. بنقل المواق في شرح قول خليل: "وخمر لغصة". وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه
стр. 171
النووي عن الشافعي، قال: وقد نقل الروياني أن الشافعي ﵀ نص على المنع من شربها للعطش؛ معللا بأنها تجيع وتعطش.
وقال القاضي أبو الطيب: سألت من يعرف ذلك فقال: الأمر كما قال الشافعي: إنها تروي في الحال، ثم تثير عطشا عظيما. وقال القاضي حسين في تعليقه: قالت الأطباء: الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش. وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء، فثبت تحريمها مطلقا والله تعالى أعلم. اهـ. من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب، وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى.
ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه، وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه.
فقيل: له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئا، وقيل: ليس له ذلك، وقيل: بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقا، ما ثبت عن النبي - ﷺ - من عموم قوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا" وعموم قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا
стр. 172
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ونحو ذلك من الأدلة.
وحجة من قال بالإباحة مطلقا، ما أخرجه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل". اهـ.
وما رواه الترمذي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة" قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وما رواه الترمذي أيضا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" قال فيه: حديث حسن. وما روي عن عمر ﵁ أنه قال: "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثبانا".
قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: هو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال: قد تثبنت ثبانا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال. يقال منه: قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة. ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع "ولا يتخذ خبنة" يقال فيه: خبنت أخبن خبنا. قاله القرطبي.
وما روي عن أبي زينب التيمي، قال: سافرت مع أنس بن
стр. 173
مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب المغني. وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري ﵁ قال: أصابتنا عاما مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته فقال: "ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا، فأمره النبي - ﷺ - فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق" فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة.
وقال القرطبي في تفسيره عقب نقله لما قدمنا عن عمر ﵁: قال أبو عبيد: وإنما وجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته، ثم قال: قلت: لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه. فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام، أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم. والله أعلم. اهـ منه.
وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها
стр. 174
حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني، وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة، وبين مال الكتابي (الذمي) فلا يجوز بحال غير ظاهر.
ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية. لم يبين هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله، فيكون الضمير عائدا إلى من آتى المال، والمفعول محذوفا، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائدا إلى المال، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى عَلَى حُبِّهِ أي حب مؤتي المال لذلك المال، وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ولا يخفى أن بين القولين تلازما في المعنى.
• قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ لم يبين هنا ما المراد بالبأس؟. ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً (١٨)﴾، كما هو ظاهر من سياق الكلام.
• قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ .
قال بعض العلماء: هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء. وقال
стр. 175
بعض العلماء: هي رمضان، وعلى هذا القول بينها تعالى بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق. وفي معنى إنزاله وجهان:
الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس ﵄.
والثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ؛ ذكر في هذه الآية أنه جل وعلا قريب يجيب دعوة الداعي، وبين في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا، وهي قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية. وقال بعضهم: التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ظاهر سياق الآية؛ والوعد المطلق في دعاء المؤمنين. وعليه فدعاؤهم لا يرد، إما أن يعطوا ما سألوا، أو يدخر لهم خير منه، أو يدفع عنهم من السوء بقدره. وقال بعض العلماء: المراد بالدعاء العبادة وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال.
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾
стр. 176
بينه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ والعرب تسمى ضوء الصبح خيطا، وظلام الليل المختلط به خيطا، ومنه قول أبي داود الإيادي:
فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا
وقول الآخر:
الخيط الابيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الاسود جنح الليل مكتوم
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. والكلام في الآية على حذف مضاف، أي: ولكن ذا البر من اتقى، وقيل: ولكن البر، بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء:
لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال، وقول الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
أي كخلالة أبي مرحب، وقول الآخر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندى
أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى.
стр. 177
• قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه للعلماء:
الأول: أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع.
الثاني: أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقا.
الثالث: أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف، لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من
стр. 178
المرض، كما في حديث "من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص" أخرجه ابن ماجه في سننه (١) فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف.
وقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن، فإنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال: أمن منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر.
وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين:
الأول: في معنى الإحصار في اللغة العربية.
الثاني: في تحقيق المراد به في الآية الكريمة، وأقوال العلماء وأدلة ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى.
اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض, يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح السكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان
стр. 179
من العدو قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾.
ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية؛ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وقول ابن ميادة:
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب. وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع: أبو نصر القشيري.
قال مقيده - عفا الله عنه -: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار.
وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال.
الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير ﵃ وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي ﵏. وعلى هذا القول أن المراد
стр. 180
بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين:
الأول: أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ نزلت في صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه، وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء.
وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك ﵀ أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
واجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنا تصب
وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرآن العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز.
الأمر الثاني: ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط