بينه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ والعرب تسمى ضوء الصبح خيطا، وظلام الليل المختلط به خيطا، ومنه قول أبي داود الإيادي:
فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا
وقول الآخر:
الخيط الابيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الاسود جنح الليل مكتوم
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. والكلام في الآية على حذف مضاف، أي: ولكن ذا البر من اتقى، وقيل: ولكن البر، بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء:
لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال، وقول الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
أي كخلالة أبي مرحب، وقول الآخر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندى
أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى.
стр. 177
• قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه للعلماء:
الأول: أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع.
الثاني: أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقا.
الثالث: أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف، لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من
стр. 178
المرض، كما في حديث "من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص" أخرجه ابن ماجه في سننه (١) فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف.
وقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن، فإنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال: أمن منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر.
وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين:
الأول: في معنى الإحصار في اللغة العربية.
الثاني: في تحقيق المراد به في الآية الكريمة، وأقوال العلماء وأدلة ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى.
اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض, يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح السكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان
стр. 179
من العدو قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾.
ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية؛ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وقول ابن ميادة:
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول
وعكس بعض علماء العربية فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب. وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع: أبو نصر القشيري.
قال مقيده - عفا الله عنه -: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار.
وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال.
الأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير ﵃ وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي ﵏. وعلى هذا القول أن المراد
стр. 180
بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين:
الأول: أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ نزلت في صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه، وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء.
وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك ﵀ أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
واجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنا تصب
وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرآن العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز.
الأمر الثاني: ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.
قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط
стр. 181
البخاري ومسلم، وصححه أيضا ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول: "أليس حسبكم سنة رسول الله - ﷺ - إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا" ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي عن ابن عمر أنه قال: "المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها، أو الدواء صنع ذلك وافتدى" ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي أيضا عن أيوب السختياني، عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة، وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة.
والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه، كما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير.
ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضا عن سليمان بن يسار "أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل -على الماء الذي كان عليه- عن العلماء، فوجد عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم،
стр. 182
فذكر لهم الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي". وقال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبار ابن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عاما قابلا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي أيضا عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "المحرم لا يحله إلا البيت" والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما جزم به الزرقاني في شرح الموطأ. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو، دون ما كان من مرض ونحوه.
القول الثاني: في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم وممن قال بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود، وهو مذهب أبي حنيفة. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله.
وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فما رواه الإمام أحمد
وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن
стр. 183
عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى" فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: من عرج، أو كسر، أو مرض، فذكر معناه. وفي رواية ذكرها أحمد في رواية لأبي بكر المروذي: من حبس بكسر أو مرض. هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة: هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول.
ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين:
الأول: ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى. قال: وقد حمله بعض أهل العلم -إن صح- على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض. فقد روينا عن ابن عباس ثابتا عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، والله أعلم، انتهى منه بلفظه.
الوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر.
والتحقيق: جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول من منع الاشتراط، لثبوته عن النبي - ﷺ -، فقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: "دخل رسول الله - ﷺ - على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها:
стр. 184
حجي واشترطي، وقولي: "اللهم محلي حيث حبستني". وكانت تحت المقداد بن الأسود.
وقد أخرج مسلم في صحيحه وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس ﵄ "أن ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فكيف تأمرني أأهل؟ قال: أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني، قال: فأدركت".
وللنسائي في رواية "وقال: فإن لك على ربك ما استثنيت".
والقول الثالث: في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو. وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق، وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق. ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول عليه الجمهور، وهو الحق.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية، ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية. ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم.
стр. 185
وأما حديث عكرمة الذي رواه الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة ﵃ فلا تنهض به حجة، لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام؛ بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم: من أنه - ﷺ - قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: "حجي واشترطي" ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا
وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح. فإن قيل: يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل، وعليه حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى، وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النبي - ﷺ -: "فقد حل، وعليه حجة أخرى".
فالجواب: أن وجوب البدل بحجة أخرى، أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر النبي - ﷺ - أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون.
стр. 186
قال البخاري في صحيحه في باب "من قال ليس على المحصر بدل" ما نصه: وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي - ﷺ - أمر أحدا أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. انتهى منه بلفظه.
وقد قال مالك في الموطأ: إنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله - ﷺ - أمر أحدا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا لشيء. انتهى بلفظه من الموطأ. ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا: أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين، لأن الشافعي ﵀ قال: والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال. اهـ.
فهذا الشافعي ﵀ جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة في نفس، ولا مال. وقد تقرر في
стр. 187
الأصول أن المثبت مقدم على النافي.
وقال ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بين هذا -إن صح- وبين الذي قبله، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب، لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقال الشافعي في عمرة القضاء: إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي - ﷺ - وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة. اهـ. وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر. قاله ابن حجر.
وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه: "وقال روح: عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع" انتهى. محل الغرض منه بلفظه.
وقد ورد عن ابن عباس نحوها بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه. اهـ. فإذا علمت هذا، وعلمت أن ابن عباس ﵄ ممن روي عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي - ﷺ - الله أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله - ﷺ - في حديث الحجاج بن عمرو: وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام = تعلم أن الجمع الأول الذي
стр. 188
ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح، لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام. اهـ. وأما على قول من قال: إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة، وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا، فيهدي أو يصوم، إن لم يجد هديا كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر كما تقدم فهو من حيث أن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هديا. اهـ.
وفي المسألة قول رابع: وهو أنه لا إحصار بعد النبي - ﷺ - بعذر كائنا ما كان، وهو ضعيف جدا، ولا معول عليه عند العلماء؛ لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة، ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
وأما قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بما استيسر من الهدي إنما هو الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن
стр. 189
عائشة، وابن عمر، وسالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم. قال ابن كثير: والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي الصحيحين عن جابر قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بقرة".
قال مقيده - عفا الله عنه -: لا يخفى أن التحقيق في هذه المسألة: أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديا، وذلك شامل لجميع الأنعام: من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "أهدى - ﷺ - مرة غنما".
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعا، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلا كان أو حرما، وقد نحر - ﷺ - هو وأصحابه بالحديبية، وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل، لا من الحرم، واستدل لذلك بدليل واضح من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم لكان بالغا محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: "لما حبس رسول الله - ﷺ -
стр. 190
وأصحابه نحروا بالحديبية، وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم" وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله:
ونحروا وحلقوا وحملت ... شعورهم للبيت ريح قد غلت
قال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل. وتعقبه ابن حجر في فتح الباري، بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم، قال: وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جنب الأسلمي قال: قلت: يا رسول الله ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم. أخرجه النسائي من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: عن ناجية، عن أبيه. لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز. والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر.
وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة ﵀ الجمهور وقال: لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم فإذا بلغ الهدي محله حل، وقال: إن الموضع الذي نحر فيه النبي - ﷺ - وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه الآية: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في الحل، وأن القرآن دل على ذلك، وأن قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الآية معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لا على قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أو أن
стр. 191
المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه، وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر ولو كان في الحل.
قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل. قال البخاري في صحيحه في "باب من قال ليس على المحصر بدل" ما نصه: وقال روح: عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر، أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع. وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. اهـ. محل الغرض منه بلفظه ولا ينبغي العدول عنه؛ لظهور وجهه كما ترى.
الفرع الثاني: إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون هدي؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسألة، فقالا: لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار.
стр. 192
وحجة الجمهور واضحة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه، أو لا؟
قال بعض العلماء: لا بدل له إن عجز عنه، وممن قال: لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة ﵀ فإن المحصر عنده إذا لم يجد هديا يبقى محرما حتى يجد هديا، أو يطوف بالبيت. وقال بعض من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هديا حل دونه، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه. وقال جماعة: إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي، فقال بعضهم: هو صوم عشرة أيام قياسا على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نص عليه الشافعي في كتاب الأوسط، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعاما، فإن عجز صام عن كل مد يوما، وقيل: إطعام كإطعام فدية الأذى، وهو ثلاثة آصع لستة مساكين، وقيل: بدله صوم ثلاثة أيام، وقيل: بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مدا (١)، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع. والله تعالى أعلم.
стр. 193
الفرع الثالث: هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق، أو تقصير، أو لا يلزمه شيء من ذلك؟ .
اختلف العلماء في هذا فذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ ومحمد إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واحتج أهل هذا القول بأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر الحلق، ولو كان لازما لبينه، واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال، وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمرأة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا. وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق، هل هو نسك، أو إطلاق من محظور؟
وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه: إلى أن المحصر عليه أن يحلق.
قال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل: هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه - ﷺ -، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال: "اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين".
فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق عن المحصر، وقياس من قال بعدم اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها ظاهر السقوط؛ لأن الطواف بالبيت، والسعي بين
стр. 194
الصفا والمروة مثلا، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه، فسقط عنه لأنه حيل بينه وبينه ومنع منه.
وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله، فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة أشياء: وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح.
الفرع الرابع: قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وفي حجة الوداع، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
والثاني: قوله تعالى في سورة الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ الآية.
فالمراد بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ الآية. ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا، وقد قال تعالى بعده عاطفا بثم التي هي للترتيب: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية. وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث
стр. 195
على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت:
حلقوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا
وروى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا:
ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا
ومنه قول الآخر:
قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا ... إلى نجد وما انتظروا عليا
فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر. ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معا، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصرا كان أو غيره: إنه عليه دم. فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، قال: عليه دم. قال إبراهيم: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ذكره في المحصر. قال الشوكاني في نيل الأوطار: والظاهر عدم وجوب الدم. لعدم الدليل.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر: أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه - ﷺ -، لما صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النبي - ﷺ - لما فرغ الرسول من قضية الكتاب قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". وللبخاري عن المسور
стр. 196
أن النبي - ﷺ - نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك اهـ. فدل فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر، ومن قدم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النبي - ﷺ -، ومن أخل بنسك فعليه دم.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي تدل عليه نصوص السنة الصحيحة أن النحر مقدم على الحلق، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه من إثم ولا دم، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي - ﷺ - أجاب من سأله بأنه ظن الحلق قبل النحر فنحر قبل أن يحلق (١)، بأن قال له: افعل ولا حرج. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أيضا عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -، قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج.
وفي رواية للبخاري، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه سأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت، فقال: افعل ولا حرج.
وفي رواية للبخاري قال رجل للنبي - ﷺ -: زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج، والأحاديث بمثل هذا كثيرة، وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه من إثم ولا فدية؛ لأن قوله: لا حرج نكرة في سياق النفي، ركبت مع لا، فبنيت على الفتح، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في العموم، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية،
стр. 197
والله تعالى أعلم. ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم الحلق جاهلا، أو ناسيا، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل، لأن بعض تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص بالنسيان والجهل، وقد تقرر أيضا في علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أشار له في مراقي السعود في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفا على ما يمنع اعتباره:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب
كما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال: إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها. وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، انتهى محل الغرض منه بلفظه.
• قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه
стр. 198
أثناء الحج.
وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون ربح التجارة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: بالبيع والتجارة بدليل قوله قبله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي: فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء لها.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، كما ذكرنا.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ لم يبين هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة حيث، التي هي كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان. ولكنه بيَّن ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية. وسبب نزولها أن قريشا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي ﷺ ، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش. وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر،
стр. 199
ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾.
وقول الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
وقال بعض العلماء المراد بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ الآية. أي: من مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم. قال ابن جرير في هذا القول: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
• قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لم يبين هنا سخرية هؤلاء الكفار من هؤلاء المؤمنين، ولكنه بين في موضع آخر أنها الضحك منهم والتغامز، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين على هؤلاء الكفرة، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة، وقد وصفه بها في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩)﴾.
стр. 200
• قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك، أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ الآية ... وبين في مواضع أخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين، كقوله في براءة، والصف، والفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ، لم يبين هنا ما هذا الإثم الكبير؟ ولكنه بين في آية أخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية. ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإن قيل: الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
стр. 201
قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة حيث، ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.
إحداهما: هي قوله هنا: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ لأن قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله: ﴿حَرْثَكُمْ﴾ يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل، دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.
الثانية: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، لأن المراد بما كتب الله لكم الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني الولد.
ويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء
стр. 202
كانت المرأة مستلقية، أو باركة، أو على جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فظهر من هذا أن جابرا ﵁ يرى أن معنى الآية فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها. والمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده صاحب طلعة الأنوار بقوله:
"تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق"
وقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما نصه: وما استدل به المخالف من أن قوله : ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة، حسان شهيرة، رواها عن رسول الله - ﷺ - اثنا عشر صحابيا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء من الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم.
وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه، ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار" قلت: وهذا هو الحق المتبع، والصحيح في المسألة.
ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حذرنا من زلة العالم. وقد
стр. 203
روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به ﵁، وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي وقد تقدم.
وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه، وروى الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب: قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر. فقال هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وأسند خزيمة بن ثابت سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن"، ومثله عن علي بن طلق، وأسند عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - "من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله إليه يوم القيامة". وروي أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: "تلك اللوطية الصغرى" يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدأ عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله - ﷺ - استغنى به عما سواه. من القرطبي بلفظه.
وقال القرطبي أيضا ما نصه: وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي. ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ منه
стр. 204
بلفظه أيضا.
ومما يؤيد أنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن أن الله تعالى حرم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض له، مبينا أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية. فمن باب أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة. ولا ينتقض ذلك بجواز وطء المستحاضة؛ لأن دم الإستحاضة ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة الدبر؛ لأنه دم انفجار العرق فهو كدم الجرح، ومما يؤيد منع الوطء في الدبر إطباق العلماء على أن الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها معيبة ترد بذلك العيب. قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي: أن الرتقاء لا ترد بالرتق. والفقهاء كلهم على خلاف ذلك. قال القرطبي: وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. فإن قيل: قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل، فلا ينافي أنها توطأ في الدبر. فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجبا للرد.
وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الآية. فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام، فاعلم أن من روى عنه جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها
стр. 205
في الفرج من جهة الدبر، كما بينه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن. قال ابن كثير في تفسير قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما نصه:
قال أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؛ . وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل، ويحتمل فهو مردود إلى هذا الحكم. منه بلفظه.
وقد علمت أن قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ لا دليل فيه للوطء في الدبر، لأنه مرتب بالفاء التعقيبية على قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي الفخذين والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث؛ لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعا، والكلام في الجماع؛ لأن المراد بالإتيان في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الجماع والفارق موجود، لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم.
وقد عرفنا من قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الآية: أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. وقال بعض العلماء معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه:
стр. 206
لعارض الأذى، وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾ يبينه: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الآية؛ لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده، لأن ما نهى الله عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله: ﴿أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ على النهي في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ والخلاف في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده معروف في الأصول، وقد أشار له في مراقي السعود بقوله:
والنهي فيه غابر الخلاف ... أو أنه أمر بالائتلاف
وقيل: لا قطعا كما في المختصر ... وهو لدى السبكي رأي ما انتصر
ومراده بغابر الخلاف: هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشيء، هل هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له، أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ يعني أن ذلك الخلاف أيضا في النهي عن الشيء هل هو عين الأمر بضده؟ أو ضد من أضداده إن تعددت؟ أو مستلزم لذلك؟ أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ وزاد في النهي قولين:
أحدهما: أنه أمر بالضد اتفاقا.
والثاني: أنه ليس أمرا به قطعا، وعزا الأخير لابن الحاجب في مختصره، وأشار إلى أن السبكي في جمع الجوامع ذكر أنه لم ير ذلك القول لغير ابن الحاجب.
стр. 207
وقال الزجاج معنى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيثما لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو معتكفات. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث، ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب، هو عقد اليمين بالنية والقصد، وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام، وذلك في قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، لكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلا، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾. أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر
стр. 208
فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فيه إجمال؛ لأن القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه قوله ﷺ : "دعي الصلاة أيام أقرائك". ويطلق القرء لغة أيضا على الطهر، ومنه قول الأعشى:
أفي كل يوم أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
ومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض.
وقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار، أو الحيضات؛. وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر، مالك، والشافعي، وأم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، والفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري وعامة فقهاء المدينة، وهو رواية عن أحمد، وممن قال بأن القروء الحيضات: الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد.
واحتج كل من الفريقين بكتاب وسنة، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر لنا أن دليله أرجح.
стр. 209
أما الذين قالوا: القروء الحيضات، فاحتجوا بأدلة كثيرة،
منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قالوا: فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل العدة بالحيض، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها؛ واستدلوا أيضا بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾. قالوا: هو الولد، أو الحيض، واحتجوا بحديث "دعي الصلاة أيام أقرائك" قالوا: إنه - ﷺ - هو مبين الوحي، وقد أطلق القرء على الحيض، فدل ذلك على أنه المراد في الآية، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث استبرائها بحيضة.
وأما الذين قالوا: القروء الأطهار، فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قالوا: عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر، لا الحيض كما هو صريح الآية، ويزيده إيضاحا قوله - ﷺ -، في حديث ابن عمر المتفق عليه: "فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله". قالوا: إن النبي - ﷺ - صرح في هذا الحديث المتفق عليه، بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهو نص من كتاب الله وسنة نبيه في محل النزاع.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا، فصل في محل النزاع؛ لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات، أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على أنها الأطهار. ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في النزاع؛ لأنه حديث
стр. 210
متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى،
وقد صرح فيه النبي - ﷺ -، بأن الطهر هو العدة مبينا أن ذلك هو مراد الله جل وعلا، بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فالإشارة في قوله - ﷺ -؛ فتلك العدة، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق، لأن معنى قوله: فيطلقها طاهرا، أي: في حال كونها طاهرا، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو العدة مصرحا بأن ذلك هو مراد الله في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن العدة بالطهر، وأنث الإشارة لتأنيث الخبر.
ولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول: هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء، والنزاع في خصوص القروء، كما قال بهذا بعض العلماء. وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، وإجماع أهل اللسان العربي، على أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء، لا شيء آخر زائد على ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ وهي زمن التربص إجماعا، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة قروء التي هي معمول قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ في هذه الآية، فلا يصح لأحد أن يقول: إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئا يسمى العدة، زائدا على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم.
وفي القاموس: وعدة المرأة أيام أقرائها، وأيام إحدادها على الزوج، وهو تصريح منه بأن العدة هي نفس القروء، لا شيء زائد عليها، وفي اللسان: وعدة المرأة أيام أقرائها، وعدتها أيضا أيام إحدادها على بعلها، وإمساكها عن الزينة شهورا كان أو أقراء، أو
стр. 211
وضع حمل حملته من زوجها.
فهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة معه إلى كلام آخر. وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله: "ثَلاثَةَ قُرُوءٍ"؛ لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار؛ لأنها مذكرة، والحيضات مؤنثة.
وجواب بعض العلماء عن هذا: بأن لفظ القرء مذكر ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جىء بها مراعاة للفظ، وهو مذكر لا للمعنى المؤنث. يقال فيه: إن اللفظ إذا كان مذكرا، ومعناه مؤنثا لا تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرد العدد من التاء كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فجرد لفظ الثلاثة من التاء؛ نظرا إلى أن مسمى العدد نساء، مع أن لفظ الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
فجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر، نظرا إلى معنى القبيلة، وكذلك العكس كقوله:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي
فإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظا؛ نظرا إلى أن المراد بها أنفس ذكور.
стр. 212
وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير، وتلحقه التاء في الأول، ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظا ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقه له لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي يجوز أن يكون غيره بدلا عنه، ولم تدل عليه قرينة كما ترى.
فإن قيل: ذكر بعض العلماء: أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى كثيرا، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين.
قال الأشموني في شرح قول ابن مالك:
ثلاثة بالتاء قل للعشرة ... في عد ما آحاده مذكرة
في الضد جرد ... إلخ.
ما نصه: الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسما فبلفظه، تقول: ثلاثة أشخص، قاصدا نسوة، وثلاث أعين قاصد رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث، هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو يكثر فيه قصد المعنى، فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، فالأول كقوله: ثلاث شخوص كاعبان ومعصر، وكقوله: وإن كلابا البيت. والثاني كقوله: ثلاثة أنفس وثلاث ذود. اهـ. منه.
وقال الصبان في حاشيته عليه: وبما ذكره الشارح يرد ما
стр. 213
استدل به بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على أن الأقراء الأطهار، لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير مقبولة؛ لأن الحيض جمع حيضة: فلو أريد الحيض لقيل: ثلاث، ولو أريد النساء لقيل: بأربع. ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين. منه بلفظه.
فالجواب والله تعالى أعلم: أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدل عليه استقراء اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقا، وجزم بجواز مراعاة المعنى في لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب التسهيل، وشارحه الدماميني أن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة.
قال الصبان في حاشيته ما نصه: قوله: "فبلفظه": ظاهره أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان. اهـ.
ويخالفه أيضا ما في التسهيل وشرحه للدماميني، وعبارة التسهيل: "تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى حقيقة أو مجازا".
قال الدماميني: استفيد منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى، لا باللفظ، فلهذا يقال: ثلاثة طلحات. ثم قال في التسهيل: وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجىء بالعدد على حسب التأويل. ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة وعشر أبطن، يريد قبائل. والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص
стр. 214
وتسعة وقائع، أي مشاهد، فتأمل. انتهى منه بلفظه.
وما جزم به صاحب التسهيل وشارحه، من تعين مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كونه القرء في الآية هو الطهر. كما ذكرنا.
وفي حاشية الصبان أيضا ما نصه: قوله جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ليس قياسيا، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان. أي ولو لم يكن هناك مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن التسهيل وشرحه أن العبرة بالمعنى فتأمل. اهـ منه.
وأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية - فيقال فيه: إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء الحيضات، لأن الأقراء لا تقال إلا في الأطهار التي يتخللها حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر؛ لأن الطهر المراد يلزمه وجود الحيض، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فانتفاء الحيض يلزمه انتفاء الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضا على انتفاء الأطهار، المدلول عليه بانتفاء الحيض.
وأما الاستدلال بآية: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ فهو ظاهر السقوط؛ لأن كون القروء الأطهار لا يبيح للمعتدة كتم الحيض، لأن العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها، فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة انقضاء الطهر، ولو
стр. 215
ادعت حيضا لم يكن كانت كاتمة، لعدم انقضاء الطهر كما هو واضح.
وأما الاستدلال بحديث "دعي الصلاة أيام أقرائك" فيقال: فيه: إنه لا دليل في الحديث البتة على محل النزاع؛ لأنه لا يفيد شيئا زائدا على أن القرء يطلق على الحيض. وهذا مما لا نزاع فيه.
أما كونه يدل على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ولا خلاف بين العلماء القائلين بوقوع الاشتراك في أن إطلاق المشترك على أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه في موضع آخر. ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة، والجارية مثلا، فهل تقول: إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية- يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾.
والحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث "دعي الصلاة أيام أقرائك" مناسب للحيض دون الطهر؛ لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض، دون وقت الطهر.
ولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلا؛ لأنه كل ما أطلقه على أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله، مع أنا قدمنا تصريح النبي - ﷺ - في حديث ابن عمر المتفق عليه "بأن الطهر هو العدة" وكل هذا على