← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد؛ فمعني آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافي. وقوله: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ إن قلنا: إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل؛ كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ وقول قيس بن الملوح: ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظل صدي صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدي ليلي يهش ويطرب والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتًا في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله: لو حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤها مستقبلًا لكن قبل • قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه؛ لأنه عبر عنه بـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة الموصول لم تُبيِّن مِن وَصفِ هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره. قال في البنات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية. وقال في الشركاء: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في

стр. 1472

رزقهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إذا كان الواحد منكم لا يرضي أن يكون المملوك شريكًا له مثل نفسه في جميع ما عنده، فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا -إلى قوله- سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كما تقدم. • قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب، فيزعمون أن لهم الحسنى، والحسنى تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور، كما تقدم في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ والحق الذي لا شك فيه: أن المراد بالحسني: هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقًا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان: أحدهما: كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى، كقوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1473

والدليل الثاني: أن الله أتبع قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الآية، فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله. والمصدر المنسبك من ﴿أَنَّ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ في محل نصب، بدل من قوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحًا لا خفاء فيه. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. ما نصه: فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر اهـ. • قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة ثالثة غير سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدا نافعًا: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول، من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل، من أفرط. والقراءة ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروي هذه القراءة عن أبي جعفر. وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله. أما قراءة الجمهور ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بصيغة المفعول فهو اسم

стр. 1474

مفعول أفرطه: إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه، فقوله: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ أي: متروكون منسيون في النار. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فالنسيان في هذه الآيات معناه: الترك في النار. أما النسيان بمعنى زوال العلم: فهو مستحيل على الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾. وممن قال بأن معنى ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ منسيُّون متروكون في النار: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم. وقال بعض العلماء: معنى قوله ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ على قراءة الجمهور، أي: مقدمون إلى النار معجلون؛ من أفرطت فلانًا وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي: متقدمكم. ومنه قول القطامي: فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد وقول الشنفري: هممتُ وهمتْ فابتدرنا وأسبلت ... وشمَّر مني فارط متمهِّل

стр. 1475

أي: متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف فيه وجاوز الحد. ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها. وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًا أن لهم النار. وقال القرطبي في تفسيره: (لا) ردٌّ لكلامهم (وتم الكلام)، أي: ليس كما تزعمون! جَرَمَ أن لهم النار: حقًا أن لهم النار. وقال بعض العلماء: ﴿لَا﴾ صلة، و ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسب، أي: كسب لهم عملهم أن لهم النار. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن في الأنعام عبرة دالة على تفرد من خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم - بأنه هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا يعصى. وأوضح هذا المعنى أيضًا في غير هذا الموضوع؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ

стр. 1476

وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد دلت الآيات المذكورة على أن الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها؛ لأنه ذكرها هنا في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأنثها "في سورة قد أفلح المؤمنون" في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ ومعلوم في العربية: أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى معني الجماعة الداخلة تحت اسم الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفًا. وجاء فيه تذكير النخل وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ ونحو ذلك. وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ والآية، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن شواهده قول قيس بن الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم: في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بفتح النون. والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده "في سورة الحجر". مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير

стр. 1477

في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾: أن لبن الفحل يفيد التحريم. وقال: إنما جيء به مذكرًا لأنه راجع إلى ذكر النعم؛ لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضي النبي ﷺ "أن لبن الفحل يحرم" حيث أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس، فللمرأة السقي، وللرجل اللقاح؛ فجري الاشتراك فيه بينهما اهـ. بواسطة نقل القرطبي. قال مقيده -عفا الله عنه-: أما اعتبار لبن الفحل في التحريم فلا شك فيه، ويدل له الحديث المذكور في قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس؛ فإنه متفق عليه مشهور. وأما استنباط ذلك من عود الضمير في الآية فلا يخلو عندي من بعد وتعسف. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية: استنبط النقاش وغيره من هذه الآية الكريمة: أن المني ليس بنجس، قالوا: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغًا خالصًا، كذلك يجوز أن يخرج المني من مخرج البول طاهرًا. قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع! اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة، ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة. وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقًا به، أو مقيسًا عليه. قال القرطبي بعد أن نقل الكلام المذكور: قلت: قد يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؟ وقد قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ

стр. 1478

وَحَفَدَةً﴾ وهذا غاية في الامتنان. فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجري البول. قلنا: هو ما أردناه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اهـ محل الغرض من كلام القرطبي. قال مقيده -عفا الله عنه-: وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية الكريمة لا يخلو عندي من بعد. وسنبين إن شاء الله حكم المني هل هو نجس أو طاهر، وأقوال العلماء في ذلك، مع مناقشة الأدلة. اعلم أن في مني الإنسان ثلاثة أقوال للعلماء: الأول: أنه طاهر، وأن حكمه حكم النخامة والمخاط، وهذا هو مذهب الشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة ﵃. كما نقله النووي في (شرح المهذب) وغيره. القول الثاني: أنه نجس، ولابد في طهارته من الماء سواء كان يابسًا أو رطبًا؛ وهذا هو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي. القول الثالث: أنه نجس، ورطبه لابد له من الماء، ويابسه لا يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتى يزول منه، وهذا هو مذهب أبي حنيفة.

стр. 1479

واختار الشوكاني في "نيل الأوطار": أنه نجس، وأن إزالته لا تتوقف على الماء مطلقًا. أما حجة من قال: إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معًا، ومعلوم في الأصول: أن القياس الموافق للنص لا مانع منه؛ لأنه دليل آخر عاضد للنص، ولا مانع من تعاضد الأدلة. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يذهب فيصلي فيه". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد. قالوا: فركها له يابسًا، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل -دليل على الطهارة. وفي رواية عند أحمد: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه. وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا". وعن إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة". قال صاحب (منتقي الأخبار) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. قلت: وهذا لا يضر؛ لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.

стр. 1480

قال مقيده -عفا الله عنه-: ما قاله الإمام المجد ﵀ في المنتقي من قبول رفع العدل وزيادته، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارًا. إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله. وأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين: أحدهما: إلحاق المني بالبيض، بجامع أن كلًا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعًا، فيلزم كون المني طاهرًا أيضًا. قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إبراهيم (١) بن علية كما أشار له في مراقي السعود بقوله: وابن علية يري للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة، كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته، وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة، وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة، وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم، وكإلحاق خنزير البحر وكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول. واستدل من قال بالقياس الصوري: بأن النصوص دلت على

стр. 1481

اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام؛ كقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور، وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف ﷺ بكرًا ورد رباعيًا كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره ﷺ بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض؛ لأن القيافة قياس صوري؛ لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة. الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور: إلحاق المني بالطين، بجامع أن كلًا منهما مبتدأ خلق بشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ الآية. فإن قيل: هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم الجامد؛ لأنها أيضًا مبتدأ خلق بشر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ والدم نجس بلا خلاف. فالجواب: أن قياس الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني. وأما حجة من قال بأن المني نجس فهي بالنص والقياس أيضًا. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ ، ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء". متفق عليه. قالوا: غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم عن عائشة بلفظ: "أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا

стр. 1482

أنظر إلى أثر الغسل فيه". قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة؛ لأن المقرر في الأصول، أن الفعل المضارع بعد لفظة "كان" يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه: "إن رسول الله ﷺ كان يغسل" تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل، وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضًا، أن رجلًا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه. اهـ. قالوا: هذه الرواية الثابتة في الصحيح عن عائشة صرحت فيها بأنه إنما يجزئه غسل مكانه، وقد تقرر في الأصول (في مبحث دليل الخطاب) وفي المعاني (في مبحث القصر) أن "إنما" من أدوات الحصر؛ فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل، فدل ذلك على أن الفرك لا يجزئ دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على غسله. وأما القياس: فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا: ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة. وأما حجة من قال: إنه نجس، وأن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدارقطني الذي قدمناه آنفًا،

стр. 1483

"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا". وقال المجد في منتقي الأخبار بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه: قلت: فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين. قال مقيده -عفا الله عنه-: إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء. ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء، فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه. ومن هذا القبيل قول الشوكاني: إنه يطهر مطلقًا بالإزالة دون الغسل، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها. ورد من قال: إن المني طاهر احتجاج القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس؛ لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب. قالوا: ولم يثبت نقل بالأمر بغسله، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز. قال ابن حجر في التلخيص: وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحه، رواه ابن الجارود في المنتقي عن محسن بن يحيى، عن أبي حذيفة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب، فجعل يغسل ما أصابه، فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بحته -

стр. 1484

إلى أن قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له. وأجابوا عن قول عائشة: "إنما يجزئك أن تغسل مكانه" لحمله على الاستحباب؛ لأنها احتجت بالفرك. قالوا: فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب فقالت: "غسل كل الثوب بدعة منكرة، وإنما يجزيك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه" إلخ. وأجابوا عن قياس المني على البول والدم بأن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلاف البول والدم. وأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع، قالوا: بل مخرجهما مختلف، وقد شق ذكر رجل بالروم، فوجد كذلك، فلا ينجسه بالشك، قالوا: ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر. وأجابوا عن دعوي أن المذي جزء من المني بالمنع أيضًا قالوا: بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج؛ لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي فعكسه، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي. وهذه المسألة فيها للعلماء مناقشات كثيرة، كثير منها لا طائل تحته. وهذا الذي ذكرنا فيها هو خلاصة أقوال العلماء وحججهم. قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا في هذه المسألة عندي والله أعلم: أن المني طاهر؛ لما قدمنا من حديث

стр. 1485

إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" وهذا نص في محل النزاع. وقد قدمنا عن صاحب (المنتقى) أن الدارقطني قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، وأنه هو قال: قلت: وهذا لا يضر لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين؛ فيقبل رفعه وزيادته. انتهى. وقد قدمنا مرارًا أن هذا هو الحق؛ فلو جاء الحديث موقوفًا من طريق، وجاء مرفوعًا من طريق أخرى صحيحة حكم برفعه؛ لأن الرفع زيادة، وزيادات العدول مقبولة، قال في مراقي السعود: والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ ... إلخ وبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة، ولاسيما أن لها شاهدًا من طريق أخرى. قال ابن حجر (في التلخيص) ما نصه: فائدة: روي الدارقطني، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق - وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة" ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي من

стр. 1486

طريق عطاء، عن ابن عباس موقوفًا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح. انتهى. فقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس، وهي مقوية لطريق إسحاق الأزرق المتقدمة. واعلم أن قول البيهقي ﵀: والموقوف هو الصحيح. لا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة؛ لأنه يري أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة. وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل الحديث والأصول، ولكن الحق: أن الرفع زيادة مقبولة من العدل، وبه تعلم صحة الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني، وهي نص صريح في محل النزاع، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني. فإن قيل: أخرج البزار، وأبو يعلي الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، والدارقطني، والبيهقي، والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم في المعرفة من حديث عمار بن ياسر ﵄: أن النبي ﷺ مر بعمار فذكر قصة، وفيها: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء يا عمار. ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركونك إلا سواء". فالجواب: أن في إسناده ثابت بن حماد، عن على بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم -إلا أبا يعلي- بثابت ابن حماد، واتهمه بعضهم بالوضع.

стр. 1487

وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه. وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروي عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع؛ قاله ابن حجر في (التلخيص). ثم قال: قلت: ورواه البزار، والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. انتهى. وبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذًا من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حيًا وميتًا فهو طاهر، ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. وعلي القولين جميعًا تثبت الحرمة؛ لأن الصبي قد يتغذي به كما يتغذي من الحية. وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، ولم يخص - انتهى كلام القرطبي. • قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا . .﴾ الآية.

стр. 1488

جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة: الخمر؛ لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول: سكر "بالكسر" سكرًا "بفتحتين" وسكرًا "بضم فسكون". وقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر وسكرًا وسكرًا، نحو رشد رشدًا ورشدًا. قال: وجاءونا بهم سكر علينا ... فأجلى اليومُ والسكران صاحي اهـ ومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر: بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المراء والسكر وممن قال بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم وقيل: السكر: الخل. وقيل: الطعم. وقيل: العصير الحلو. وإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور، وأن الله امتن على هذه الأمة بالخمر قبل تحريمها: فاعلم أن هذه الآية مكية، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر: الأولى: آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ولم يجزم فيها بالتحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها، وشربها

стр. 1489

آخرون للمنافع التي فيها. الثانية: آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين صلاة العشاء وصلاح الصبح، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى .. ﴾ الآية. الثالثة: آية المائدة الدالة على تحريمها تحريمًا باتًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) -إلى قوله- فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾. وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها؛ لأنه تعالى صرح بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها أمرًا جازمًا في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ واجتناب الشيء: هو التباعد عنه، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه، وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ويفهم منه: أنه من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك. ثم بين بعض مفاسدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾. ثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾؟ فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي ﴿انْتَهَوْا﴾ وقد تقرر في فن المعاني: أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد لها الأمر؛ كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) ﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ

стр. 1490

أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية؛ أي أسلموا. والجار والمجرور في قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ الآية -يتعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ وكرر لفظ "من" للتأكيد، وأفرد الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ مراعاة للمذكور، أي: تتخذون منه، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب، ونظيره قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق فقوله: "كأنه" أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقيل: الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه، أي: ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، أي: عصير الثمرات المذكورة. وقيل: قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي: نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. وقيل: يتعلق بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ محذوفة دلت عليها الأولى؛ فيكون من عطف الجمل. وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل. وقيل: معطوف على "الأنعام" وهو أضعفها عندي. وقال الطبري: التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا، فحذف ﴿الْأَنْعَامِ﴾. قال أبو حيان في البحر: وهو لا يجوز على مذهب البصريين. وقيل: يجوز أن يكون صفة موصوف محذوف، أي: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه. ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز: مالك عندي غير سوط وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر

стр. 1491

• جادت بكفي كان من أرمى البشر* أي بكفي رجل كان. إلخ ذكره الزمخشري وأبو حيان. قال مقيده عفا الله عنه: أظهر هذه الأقوال عندي: أن قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ﴾ يتعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ أي: تتخذون من ثمرات النخيل، وأن "من" الثانية توكيد للأولى، والضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أن التحقيق على مذهب الجمهور: أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب مراقي السعود فيه، وفي شرحه (نشر البنود) من أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست من الأحكام الشرعية فرفعها ليس بنسخ، وقد بين في المراقي: أنها ليست من الأحكام الشرعية بقوله: وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية وقال أيضًا في إباحة الخمر قبل التحريم: أباحها في أول الإسلام ... براءة ليست من الأحكام كل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح؛ لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها هذه الآية الكريمة، التي هي قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ

стр. 1492

النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ الآية. وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال: إن إباحته عقلية، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ. نعم على القول بأن معنى السكر في الآية: الخل أو الطعم أو العصير، فتحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب). فإن قيل: الآية واردة بصيغة الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول. فالجواب: أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ؛ فليس النسخ واردًا على نفس الخمر، بل على الإباحة المفهومة من الخبر؛ كما حققه ابن العربي المالكي وغيره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: التمر والرطب، والعنب والزبيب، والعصير ونحو ذلك. تنبيه آخر اعلم: أن النبيذ الذي يسكر منه الكثير لا يجوز أن يشرب منه القليل الذي لا يسكر لقلته، وهذا مما لا شك فيه. فمن زعم جواز شرب القليل الذي لا يسكر منه كالحنفية وغيرهم فقد غلط غلطًا فاحشًا؛ لأن ما يسكر كثيره يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه مسكر، والنبي ﷺ يقول: "كل مسكر حرام" وقد ثبت عنه في الصحيح ﷺ أنه قال: "كل مسكر خمر، وكل

стр. 1493

خمر حرام" ولو حاول الخصم أن ينازع في معنى هذه الأحاديث، فزعم أن القليل الذي لا يسكر يرتفع عنه اسم الإسكار فلا يلزم تحريمه. قلنا: صرح ﷺ بأن "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وهذا نص صريح في محل النزاع لا يمكن معه كلام. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني وصححه. ولأبي داود، وابن ماجه، والترمذي مثله سواء من حديث جابر، وكذا لأحمد، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وكذلك للدارقطني من حديث الإمام على بن أبي طالب ﵁. وعن سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ "نهى عن قليل ما أسكر كثيره" رواه النسائي والدارقطني. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ أتاه قوم فقالوا: يا رسول الله إنا ننبذ النبيذ فنشربه على غدائنا وعشائنا؟ فقال: "اشربوا فكل مسكر حرام" فقالوا: يا رسول الله، إنا نكسره بالماء؟ فقال: "حرام قليل ما أسكر كثيره" رواه الدارقطني. اهـ بواسطة نقل المجد في (منتقى الأخبار). فهذه الأحاديث لا لبس معها في تحريم قليل ما أسكر كثيره. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح قوله ﷺ عند البخاري: "كل شراب أسكر فهو حرام" ما نصه: فعند أبي داود، والنسائي،

стр. 1494

وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعًا "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" ولابن حبان، والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره" وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث -إلى أن قال-: وجاء أيضًا عن على عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند إسحاق، والطبراني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني، والحاكم، والطبراني، وعن زيد بن ثابت عن الدارقطني، وفي أسانيدها مقال؛ لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة. قال أبو المظفر ابن السمعاني (وكان حنفيًّا فتحول شافعيًّا): ثبتت الأخبار عن النبي ﷺ في تحريم المسكر. ثم ساق كثيرًا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها؛ فإنها حجج قواطع. قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا فيه أخبارًا معلولة، لا تعارض هذه الأخبار بحال. ومن ظن أن رسول الله ﷺ شرب مسكرًا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا ولم يكن مسكرًا. وقد روى ثمامة بن حزن القشيري: أنه سأل عائشة عن النبيذ؟ فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذه لرسول الله ﷺ . فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، أوكئه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه. أخرجه مسلم.

стр. 1495

وروى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه. ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ -إلى أن قال: وعلى الجملة، فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس. والله أعلم. وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي. انتهى محل الغرض من (فتح الباري) بحذف ما لا حاجة إليه. قال مقيده -عفا الله عنه-: تحريم قليل النبيذ الذي يسكر كثيره لا شك فيه، لما رأيت من تصريح النبي ﷺ بأن "ما أسكر كثيره فقليله حرام". واعلم: أن قياس النبيذ المسكر كثيره على الخمر بجامع الإسكار لا يصح؛ لأن النبي ﷺ صرح بأن "كل مسكر حرام" والقياس يشترط فيه ألا يكون حكم الفرع منصوصًا عليه كحكم الأصل، كما أشار له في مراقي السعود بقوله: وحيثما يندرج الحكمان ... في النص فالأمران قل: سيان وقال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ اهـ. • قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية. المراد بالإيحاء

стр. 1496

هنا: الإلهام. والعرب تطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية، ولذا تطلقه على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام. ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي: ألهمها. وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ الآية، أي: أشار إليهم. وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد في معلقته: فمدافع الريان عري رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها فـ"الوحي" في البيت (بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء) جمع وحي بمعنى الكتابة. وسيأتي لهذه المسألة إن شاء الله زيادة إيضاح. • قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾ . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر. وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة لأنه حالًا لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد؛ بخلاف حال الطفولة، فإنها حالة ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في سورة الحج: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وقوله في الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ

стр. 1497

ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ الآية. وأشار إلى ذلك أيضًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وقوله في سورة المؤمن: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. وقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة: باب قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان يدعو "أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات" اهـ. وعن على رضي الله تعالى عنه: أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وعن قتادة: تسعون سنة. والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين، وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص؛ فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدنًا وعقلًا، وأشد خرفًا من آخر ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم أن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر، ويدل له قول الآخر: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ أي يرد إلى أرذل العمر، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب، ويبقى لا يدري شيئًا، لذهاب إدراكه بسبب الخرف. ولله في ذلك حكمة.

стр. 1498

وقال بعض العلماء: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر؛ ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾ . أظهر التفسيرات في هذه الآية الكريمة: أن الله ضرب فيها مثلًا للكفار، بأنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم الله من الأموال والنساء وجميع نعم الله. ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء لله في حقه على خلقه، الذي هو إخلاص العبادة له وحده، أي: إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم، فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني!. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ الآية. ويؤيده أن "ما" في قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ نافية، أي: ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اهـ. فإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم، فكيف يشركون الأوثان مع الله في عبادته! مع اعترافهم بأنها ملكه، كما كانوا يقولون في

стр. 1499

تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية القائل بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد في الرزق، ولله في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة؛ قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ الآية، وقال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى هذه الآية الكريمة قولان آخران: أحدهما: أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق؛ فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم؛ كما ثبت عن النبي ﷺ : أنه أمر مالكي العبيد "أن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون" وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ لوم لهم، وتقريع على ذلك. القول الثاني: أن معنى الآية: أنه جل وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعًا، فهم في رزقه سواء، فلا يحسبن المالكون أنهم يردون على مماليكهم شيئًا من الرزق، فإنما ذلك رزق الله يجريه لهم على أيديهم. والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء، ويدل له القرآن كما بينا. والعلم عند الله تعالى. وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾ إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته؛ لأن الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله،

стр. 1500

فيستعين بكل ما أنعم به عليه على معصيته، فإنه يرزقهم ويعافيهم، وهم يعبدون غيره. وجحد: تتعدى بالباء في اللغة العربية، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ والجحود بالنعمة هو كفرانها. • قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه امتن على بني آدم أعظم منة بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده. وأوضح في غير هذا الموضع: أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته جل وعلا، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية. واختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية الكريمة، فقال جماعة من العلماء الحفدة: أولاد الأولاد، أي: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. وقال بعض العلماء: الحفدة الأعوان والخدم مطلقًا، ومنه قول جميل:

стр. 1501

حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال أي: أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم، الواحدة وليدة، ومنه قول الأعشى: كلفت مجهولها نوقًا يمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا أي: أسرعوا في الخدمة. ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت: "وإليك ونسعى ونحفد" أي: نسرع في طاعتك. وسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يسن عند المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف. وقيل: الحفدة الأختان، وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر: فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس علي أبية ... عيوف لإصهار اللئام قذور والقذور: التي تنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي، تباعدًا عن التدنس بقذره. قال مقيده -عفا الله عنه-: الحفدة: جمع حافد، اسم فاعل من الحفد، وهو الإسراع في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء في الآية، فنبين ذلك. وفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد؛ لأن قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ دليل

стр. 1502

ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من أزواجهم، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ معطوف على قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ غير ظاهرة، كما أن دعوى أنهم الأختان، وأن الأختان أزواج بناتهم، وبناتهم من أزواجهم، وغير ذلك من الأقوال، كله غير ظاهر، وظاهر القرآن هو ما ذكر، وهو اختيار ابن العربي المالكي، والقرطبي وغيرهما. ومعلوم أن أولاد الرجل، وأولاد أولاده من خدمه المسرعين في خدمته عادة. والعلم عند الله تعالى. تنبيه في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية - رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها، حتى روي أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك تزوج سعلاة منهم، وكان يخبؤها عن سنا البرق لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة، فقالت: عمرو! ونفرت، فلم يرها أبدًا، ولذا قال علباء بن أرقم يهجو أولاد عمرو المذكور: ألا لَحَى الله بني السعلاة ... عمرو بن يربوع لئام النات • ليسوا بأعفاف ولا أكيات* وقوله "النات" أصله "الناس" أبدلت فيه السين تاء، وكذلك قوله "أكيات" أصله "أكياس" جمع كيس، أبدلت فيه السين تاء أيضًا.

стр. 1503

وقال المعري يصف مراكب إبل متغربة عن الأوطان، إذا رأت لمعان البرق تشتاق إلى أوطانها؛ فزعم أنه يستر عنها البرق لئلا يشوقها إلى أوطانها كما كان عمرو يستره عن سعلاته: إذا لاح إيماض سترت وجوهها ... كأني عمرو والمطي سعالي والسعلاة: عجوز الجن. وقد روي من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "أحد أبوي بلقيس كان جنيًا". قال صاحب الجامع الصغير: أخرجه أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه في التفسير، وابن عساكر. وقال شارحه المناوي: في إسناده سعيد بن بشر. قال في الميزان عن ابن معين: ضعيف. وعن ابن مسهر: لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث، ثم ساق من مناكيره هذا الخبر اهـ. وبشير بن نهيك أورده الذهبي في الضعفاء. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. ووثقه النسائي. انتهى. وقال المناوي في شرح حديث "أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا" قال قتادة: ولهذا كان مؤخر قدميها كحافر الدابة. وجاء في آثار: أن الجني الأم، وذلك أن أباها ملك اليمن خرج ليصيد فعطش، فرفع له خباء فيه شيخ فاستسقاه، فقال: يا حسنة اسقي عمك؛ فخرجت كأنها شمس بيدها كأس من ياقوت، فخطبها من أبيها، فذكر أنه جني، وزوجها منه بشرط أنه إن سألها عن شيء عملته فهو طلاقها، فأتت منه بولد ذكر، ولم يذكر قبل ذلك، فذبحته فكرب لذلك، وخاف أن يسألها فتبين منه، ثم أتت

стр. 1504

ببلقيس فأظهرت البشر فاغتم فلم يملك أن سألها، فقالت: هذا جزائي منك! باشرت قتل ولدي من أجلك! وذلك أن أبي يسترق السمع فسمع الملائكة تقول: إن الولد إذا بلغ الحلم ذبحك، ثم استرق السمع في هذه فسمعهم يعظمون شأنها، ويصفون ملكها، وهذا فراق بيني وبينك؛ فلم يرها بعد. هذا محصول ما رواه ابن عساكر عن يحيى الغساني اهـ. من شرح المناوي للجامع الصغير. وقال القرطبي في تفسير "سورة النحل": كان أبو بلقيس وهو السرح بن الهداهد بن شراحيل، ملكًا عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفأ لي، وأبى أن يتزوج منهم؛ فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "كان أحد أبوي بلقيس جنيًا -إلى أن قال:- ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرًا لملك عات، يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيورًا فلم يتزوج؛ فصحب مرة في الطريق رجلًا لا يعرفه فقال: هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبدًا؛ فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن. فقال: لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدًا. قال: بل يغتصبها! قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا، فتزوج ابنته فولدت له بلقيس - إلى غير ذلك من الروايات. وقال القرطبي أيضًا: وروى وهب بن جرير بن حازم، عن الخليل بن أحمد، عن عثمان بن حاضر، قال: كانت أم بلقيس من الجن، يقال لها: بلعمة بنت شيصان.

стр. 1505

قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن الحديث الوارد في كون أحد أبوي بلقيس جنيًا ضعيف، وكذلك الآثار الواردة في ذلك ليس منها شيء يثبت. مسألة اختلف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، فمنعها جماعة من أهل العلم، وأباحها بعضهم. قال المناوي (في شرح الجامع الصغير): ففي الفتاوى السراجية للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء، لاختلاف الجنس. وفي فتاوى البارزي من الشافعية: لا يجوز التناكح بينهما. ورجح ابن العماد جوازه اهـ. وقال الماوردي: وهذا مستنكر للعقول، لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، إذ الآدمي جسماني، والجني روحاني، وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اهـ. وقال ابن العربي المالكي: نكاحهم جائز عقلًا؛ فإن صح نقلًا فبها ونعمت. قال مقيده -عفا الله عنه-: لا أعلم في كتاب الله ولا في سنة نبيه ﷺ نصًّا يدل على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه. فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية. ممتنًا على بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه ما جعل لهم أزواجًا

стр. 1506

تباينهم كمباينة الإنس للجن، وهو ظاهر. ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ في معرض الامتنان -يدل على أنه ما خلق لهم أزواجًا من غير أنفسهم. ويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من "أن النكرة في سياق الامتنان تعم" فقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر في سياق الامتنان فهو يعم، وإذا عم دل ذلك على حصر الأزواج لنا فيما هو من أنفسنا، أي: من نوعنا وشكلنا، مع أن قومًا من أهل الأصول زعموا "أن الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم" والتحقيق أنها في سياق الإثبات لا تعم، وعليه درج في مراقي السعود حيث قال في تعداده للمسائل التي عدم العموم فيها أصح: منه منكر الجموع عرفًا ... وكان والذي عليه انعطفا أما في سياق الامتنان فالنكرة تعم. وقد تقرر في الأصول "أن النكرة في سياق الامتنان تعم" كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي: فكل ماء نازل من السماء طهور، وكذلك النكرة في سياق النفي أو الشرط أو النهي؛ كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا﴾ الآية. ويستأنس لهذا بقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق الله لهم من أزواجهم، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام، وإن

стр. 1507

كان أصل التوبيخ والتقريع على فاحشة اللواط؛ لأن أول الكلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ فإنه وبخهم على أمرين: أحدهما: إتيان الذكور. والثاني: ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم. وقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق لهم من أزواجهم هو الكائن من أنفسهم، أي: من نوعهم وشكلهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية، فيفيد أنه لم يجعل لهم أزواجًا من غير أنفسهم، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السماوات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات، وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي: لا يملكون أن يرزقوا. والاستطاعة منفية عنهم أصلًا؛ لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء. ويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق؛ لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾

стр. 1508

وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في قوله: ﴿شَيْئًا﴾ هو في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب: الأول: أن قوله: ﴿رِزْقًا﴾ مصدر، وأن: ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لهذا المصدر، أي: ويعبدون من دون الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئًا من الرزق. ونظير هذا الإعراب قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ الآية. فقوله: ﴿يَتِيمًا﴾ مفعول به للمصدر الذي هو إطعام؛ أي: أن يطعم يتيمًا ذا مقربة. ونظيره من كلام العرب قول المرار ابن منقذ التيمي: يضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل فقوله: "رؤوس قوم" مفعول به للمصدر المنكر الذي هو قوله: "بضرب" وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله:

стр. 1509

بفعله المصدر ألحق في العمل ... مضافًا أو مجردًا أو مع أل الوجه الثاني: أن قوله: ﴿شَيْئًا﴾ بدل من قوله: ﴿رِزْقًا﴾ بناء على أن المراد بالرزق هو ما يرزقه الله عباده، لا المعنى المصدري. الوجه الثالث: أن يكون قوله: ﴿شَيْئًا﴾ ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَمْلِكُ﴾ أي: لا يملك شيئًا من الملك، بمعنى لا يملك ملكًا قليلًا أن يرزقهم. • قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة خلقه أن يضربوا له الأمثال، أي: يجعلوا له أشباها ونظراء من خلقه، عن ذلك علوًا كبيرا!. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ الآية. أظهر الأقوال فيها: أن المعنى أن الله إذا أراد الإتيان بها فهو قادر على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر؛ لأنه يقول للشيء كن فيكون. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. وقال بعض العلماء: المعنى هي قريب عنده تعالى كلمح البصر وإن كانت بعيدًا عندكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ وقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾

стр. 1510

واختار أبو حيان في البحر المحيط أن ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ للإيهام على المخاطب، وتبع في ذلك الزجاج، قال: ونظيره: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾. • قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخرج بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وجعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة، لأجل أن يشكروا له نعمه. وقد قدمنا: أن "لعل" للتعليل. ولم يبين هنا هل شكروا أو لم يشكروا، ولكنه بين في مواضع أخر: أن أكثرهم لم يشكروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لم يأت السمع في القرآن مجموعًا، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائمًا، مع أنه يجمع ما يذكر معه كالأفئدة والأبصار. وأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائمًا: أن أصله مصدر سمع سمعًا، والمصدر إذا جعل اسمًا ذكر وأفرد؛ كما قال في الخلاصة: ونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا • قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ ذكر جل وعلا في
следующие страницы →