Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
ابن قدامة في آخر كلامه بالحديث الآتي إن شاء الله تعالى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول مشكل جدًا، لأنه يقتضي أن المرأة إن قطعت من يدها ثلاثة أصابع، كانت ديتها ثلاثين من الإبل كأصابع الرجل، لأنها دون الثلث، وإن قطعت من يدها أربعة أصابع كانت ديتها عشرين من الإبل؛ لأنها زادت على الثلث فصارت على النصف من دية الرجل. وكون دية الأصابع الثلاثة ثلاثين من الإبل، ودية الأصابع الأربعة. عشرين في غاية الإشكال كما ترى.
وقد استشكل هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، على سعيد بن المسيب، فأجابه بأن هذا هو السنة. ففي موطإ مالك ﵀ عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها!؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم .. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي!.
وظاهر كلام سعيد هذا: أن هذا من سنة النبي ﷺ . ولو قلنا: إن هذا له حكم الرفع فإنه مرسل؛ لأن سعيدًا لم يدرك زمن النبي ﷺ ومراسيل سعيد بن المسيب قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة "الأنعام" مع أن بعض أهل العلم قال: إن مراده بالسنة هنا سنة أهل السنة.
стр. 1752
وقال النسائي ﵀ في سننه: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا حمزة، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها" اهـ. وهذا يعضد قول سعيد: إن هذا هو السنة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: إسناد النسائي هذا ضعيف فيما يظهر من جهتين:
إحداهما: أن إسماعيل بن عياش رواه عن ابن جريج، ورواية إسماعيل المذكور عن غير الشاميين ضعيفة كما قدمنا إيضاحه. وابن جريج ليس بشامي، بل هو حجازي مكي.
الثانية: أن ابن جريج عنعنه عن عمرو بن شعيب، وابن جريج ﵀ مدلس، وعنعنة المدلس لا يحتج بها ما لم يثبت السماع من طريق أخرى كما تقرر في علوم الحديث.
ويؤيد هذا الإعلال ما قاله الترمذي ﵀: من أن محمد ابن إسماعيل -يعني البخاري- قال: إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، كما نقله عنه ابن حجر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة ابن جريج المذكور.
وبما ذكرنا تعلم أن تصحيحَ ابن خزيمة لهذا الحديث غير صحيح وإن نقله عنه ابن حجر في "بلوغ المرام" وسكت عليه. والله أعلم.
وهذا مع ما تقدم من كون ما تضمنه هذا الحديث يلزمه أن
стр. 1753
يكون في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون. وهذا مخالف لما عهد من حكمة هذا الشرع الكريم كما ترى. اللهم إلا أن يقال: إن جعل المرأة على النصف من الرجل فيما بلغ الثلث فصاعدًا أنه في الزائد فقط؛ فيكون في أربعة أصابع من أصابعها خمس وثلاثون، فيكون النقص في العشرة الرابعة فقط. وهذا معقول وظاهر، والحديث محتمل له، والله أعلم.
ومن الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل: ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من وجهين عن عبادة بن نسي، عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "دية المرأة على النصف من دية الرجل" ثم قال البيهقي ﵀: وروي من وجه آخر، عن عبادة بن نسي وفيه ضعف.
ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل؛ فالضعف الذي يعنيه البيهقي من غيره. وأخرج البيهقي أيضًا عن على مرفوعًا "دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل" وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه، وفيه انقطاع.
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن عمر. قاله الشوكاني ﵀.
الفرع السادس: اعلم أن أصح الأقوال وأظهرها دليلًا أن دية الكافر الذمي على النصف من دية المسلم؛ كما قدمنا عن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن دية أهل الكتاب كانت على عهد رسول الله ﷺ على النصف من دية المسلمين، وأن عمر لم يرفعها فيما رفع عند تقويمه الدية لما غلت الإبل.
стр. 1754
وقال أبو داود أيضًا في سننه: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "دية المعاهد نصف دية الحر".
قال أبو داود: ورواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو ابن شعيب مثله اهـ.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن على قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى .. -وذكر كلمة معناها- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى".
أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "عقل الكافر نصف عقل المؤمن".
وقال ابن ماجه ﵀ في سننه. حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم ابن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ "قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى". وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو، عن أبيه، عن جده.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار": وحديث عمرو بن شعيب
стр. 1755
هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود.
وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال: دية أهل الذمة كدية المسلمين، كأبي حنيفة ومن وافقه، ومن قال: إنها قدر ثلث دية المسلم، كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لا يحتج بها. وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في "السنن الكبرى" وقد حاول ابن التركماني ﵀ في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح.
أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فيقال فيه: هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. وغاية ما في الباب أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا لا إشكال فيه.
أما استواؤهما قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية؛ لأنها مسألة أخرى. والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو ابن حزم: "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فمفهوم قوله "المؤمنة" أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀، والمقرر في أصوله أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما هو معلوم عنه، ولا يقول يحمل المطلق على المقيد، فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان
стр. 1756
في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر. والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدًا، فتكون ديته كدية المسلم، وبين المقتول خطأ، فتكون على النصف من دية المسلم = لا نعلم له مستندًا من كتاب ولا سنة. والعلم عند الله تعالى.
وأما دية المجوسي: فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم؛ فهي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف من ذلك.
وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم، منهم عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق.
وروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي، وقال النخعي، والشعبي: ديته كدية المسلم. وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀.
والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" لا يتجه؛ لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط، بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اهـ.
وقال ابن قدامة في "المغني": إن قول من ذكرنا من الصحابة: إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعًا سكوتيًا. وقد قدمنا قول من قال: إنه حجة.
وقال بعض أهل العلم: دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي، وهو مذهب مالك. وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقًا.
стр. 1757
والعلم عند الله تعالى.
الفرع السابع: اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية، وبم تغلظ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء: وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرمًا بحج أو عمرة، أو في الأشهر الحرم، فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها.
فمن قتل محرمًا فعليه دية وثلث، ومن قتل محرمًا في الحرم فدية وثلثان، ومن قتل محرمًا في الحرم في الشهر الحرام فديتان.
وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. وروى نحوه عن عمر، وعثمان، وابن عباس ﵃. نقله عنهم البيهقي وغيره.
وممن روي عنه هذا القول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم، كما نقله عنهم صاحب المغني.
وقال أصحاب الشافعي ﵀: تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان.
وصفة التغليظ عند الشافعي: هي أن تجعل دية العمد في الخطأ. ولا تغلظ الدية عند مالك ﵀ إلا في قتل الوالد ولده قتلًا شبه عمد، كما فعل المدلجي بأبيه، والجد والأم عنده كالأب.
وتغليظها عنده: هو تثليثها بكونها ثلاثين حقة، وثلاثين
стр. 1758
جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت، ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئًا.
وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقًا من دية ولا غيرها، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ.
وفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيره، فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة، والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم.
وقصة المدلجي: هي ما رواه مالك في الموطإ، عن يحيى ابن سعيد، عن عمرو بن شعيب: أن رجلًا من بني مدلج يقال له: "قتادة" حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه فَنُزِيَ في جرحه فمات .. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال له عمر: أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا. قال: خذها؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "ليس لقاتل شيء".
الفرع الثامن: اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته؛ كسائر ما خلفه من تركته.
ومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: الدية للعاقلة، لا ترث المرأة من دية
стр. 1759
زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه. ورواه مالك في الموطإ من رواية ابن شهاب عن عمر، وزاد: قال ابن شهاب: وكان قتلهم أشيم خطأ. وما روى عن الضحاك ابن سفيان ﵁ روي نحوه عن المغيرة بن شعبة، وزرارة بن جري؛ كما ذكره الزرقاني في شرح الموطإ.
ومنها ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ "قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقد قدمنا نص هذا الحديث عند النسائي في حديث طويل.
وهذا الحديث قواه ابن عبد البر، وأعلّه النسائي. قاله الشوكاني. وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي، وبإجماع الحجة من أهل العلم على مقتضاه.
ومنها ما رواه البخاري في تاريخه عن قرة بن دعموص النميري قال: أتيت النبي ﷺ أنا وعمي، فقلت: يا رسول الله، عند هذا دية أبى فمره يعطنيها -وكان قتل في الجاهلية- فقال: "أعطه دية أبيه" فقلت: هل لأمى فيها حق؟ قال: "نعم" وكانت ديته مائة من الإبل.
وقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا: قال قيس بن حفص: أنا الفضيل بن سليمان النميري قال: أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري قال: حدثني قرة بن دعموص قال: أتيت النبي ﷺ -
стр. 1760
أنا وعمي- إلى آخر الحديث باللفظ الذي ذكرنا. وسكت عليه البخاري ﵀. ورجال إسناده صالحون للاحتجاج؛ إلا عائذ ابن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من جرحه ولا من عدله.
وذكر له البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ترجمة، وذكرا أنه سمع قرة بن دعموص، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على فرائض الله، وهو الظاهر؛ سواء كان القتل عمدًا أو خطأ. ولا يخلو ذلك من خلاف. وروي عن على ﵁ أنها ميراث كقول الجمهور، وعنه رواية أخرى: أن الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه، وكان هذا هو رأي عمر، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النبي ﷺ إياه: أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها.
وقال أبو ثور: هي ميراث، ولكنها لا تقضي منها ديونه، ولا تنفذ منها وصاياه. وعن أحمد رواية بذلك.
قال ابن قدامة في "المغني": وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ديته؛ فللموصي له بالثلث ثلث الدية في إحدى الروايتين.
والأخرى: ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء.
ومبنى هذا: على أن الدية ملك للميت، أو على ملك الورثة ابتداء. وفيه روايتان: إحداهما أنها تحدث على ملك الميت؛ لأنها
стр. 1761
بدل نفسه، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحًا، وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فأشبهت سائر أمواله. والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء، لأنها إنما تستحق بعد الموت، وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلًا لذلك، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء. ولا أعلم خلافًا في أن الميت يجهز منها اهـ محل الغرض من كلام ابن قدامة ﵀.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أَظهر القولين عندي: أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه؛ لتصريح النبي ﷺ للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته، والميراث لا يطلق شرعًا إلا على ما كان مملوكًا للميت، والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية.
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالولي في الآية: الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار؛ فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص، وتعينت الدية لمن لم يعف. وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.
وقال ابن قدامة في "المغني": هذا قول أكثر أهل العلم؛
стр. 1762
منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وروي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي.
وقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو؛ أي: فهن لا يدخلن عندهم في اسم الولي الذي له السلطان في الآية.
ثم قال ابن قدامة: والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة. وهو وجه لأصحاب الشافعي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: مذهب مالك في هذه المسألة فيه تفصيل: فالولي الذي له السلطان المذكور في الآية الذي هو استيفاء القصاص أو العفو عنده هو أقرب الورثة العصبة الذكر، والجد والإخوة في ذلك سواء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: "والاستيفاء للعاصب كالولاء، إلا الجد والإخوة فسيان" اهـ.
وليس للزوجين عنده حق في القصاص ولا العفو، وكذلك النساء غير الوارثات: كالعمات، وبنات الإخوة، وبنات العم.
أما النساء الوارثات: كالبنات، والأخوات، والأمهات فلهن القصاص. وهذا فيما إذا لم يوجد عاصب مساو لهن في الدرجة. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: "وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب".
فمفهوم قوله: "إن ورثن" أن غير الوارثات لا حق لهن، وهو كذلك.
стр. 1763
ومفهوم قوله: "ولم يساوهن عاصب" أنهن إن ساواهن عاصب: كبنين، وبنات، وإخوة وأخوات، فلا كلام للإناث مع الذكور. وأما إن كان معهن عاصب غير مساو لهن: كبنات، وإخوة؛ فثالث الأقوال هو مذهب المدونة: أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه إلا باجتماع الجميع، أعني ولو عفا بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: "ولكلٍ القتلُ ولا عفوَ إلا باجتماعهم" يعني هؤلاء وبعض هؤلاء.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة: أن الولي في هذه الآية عَمّ الورثة ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى؛ لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلًا منهما يوالي الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ... ﴾ الآية.
والدليلُ على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ولو بالزوجية = الحديث الوارد بذلك.
قال أبو داود في سننه: (باب عفو النساء عن الدم) حدثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد، عن الأوزاعي أنه سمع حصنًا، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة".
قال أبو داود: بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء. وبلغني عن أبي عبيدة في قوله: "ينحجزوا" يكفوا عن القود.
стр. 1764
وقال النسائي ﵀ في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي قال: حدثني حصن قال: حدثني أبو سلمة (ح).
وأنبأنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني حصن أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كان امرأة" اهـ. وهذا الإسناد مقارب؛ لأن رجاله صالحون للاحتجاج، إلا حصنًا المذكور فيه ففيه كلام.
فطبقته الأولى عند أبي داود: هي داود بن رشيد الهاشمي مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد وهو ثقة، وعند النسائي حسين بن حريث، وإسحاق بن إبراهيم، وحسين بن حريث الخزاعي مولاهم أبو عمار المروزي ثقة.
والطبقة الثانية عندهما: هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة.
والطبقة الثالثة عندهما: هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن ابن عمرو ابن أبي عمرو أبو عمرو الأوزاعي، وهو الإمام الفقيه المشهور، ثقة جليل.
والطبقة الرابعة عندهما: هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن، أو ابن محصن التراغمي أبو حذيفة الدمشقي.
قال فيه ابن حجر في "التقريب": مقبول، وقال فيه في
стр. 1765
"تهذيب التهذيب": قال الدارقطني: شيخ يعتبر به، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد "على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة" (قلت): وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان لا يعرف حاله (اهـ) وتوثيق ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله؛ لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ما لم يحفظه مدعي أنه مجهول لا يعرف حاله. وذكر ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا: لا نعلم أحدًا روى عنه غير الأوزاعي.
والطبقة الخامسة عندهما: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهو ثقة مشهور.
والطبقة السادسة عندهما: عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، فقد رأيت أن ابن حبان ﵀ ذكر حصنًا المذكور في الثقات، وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
إذا كان بعض أولياء الدم صغيرًا، أو مجنونًا، أو غائبًا، فهل للبالغ الحاضر العاقل: القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير .. الخ.
فإن عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلًا سقط القصاص ووجبت الدية، في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم.
стр. 1766
فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لابد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد.
قال ابن قدامة: وبهذا قال ابن شبرمة، والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀. وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه، وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة اهـ محل الغرض من كلام صاحب المغني.
وذكر صاحب المغني أيضًا: أنه لا يعلم خلافًا في وجوب انتظار قدوم الغائب، ومنع استبداد الحاضر دونه.
قال مقيده -عفا الله عنه-: إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال، وإن كانت بعيدة ففيه خلاف معروف عند المالكية، وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته.
وقال بعض علماء المالكية منهم سحنون: لا ينتظر بعيد الغيبة، وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى بقوله: (وانتظر غائب لم تبعد غيبته، لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه).
وقال ابن قدامة في "المغني" ما نصه: والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقًا أربعة أمور:
أحدها: أنه لو كان منفردًا لاستحقه؛ ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردًا كولاية النكاح. والثاني: أنه لو بلغ لاستحق،
стр. 1767
ولو لم يكن مستحقًا عند الموت لم يكن مستحقًا بعده؛ كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه.
والثالث: أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقًا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي.
والرابع: أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقًا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه.
واحتج من قال: إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي، ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين:
أحدهما: أن القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزًا عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه، فإن النظر فيها لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه، وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه، وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني؛ لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه: هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه؛ ولاسيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص إلى زمن بعيد.
الأمر الثاني: أن الحسن بن علي ﵁ قتل عبد الرحمن ابن ملجم المرادي قصاصًا بقتله عليًا ﵁، وبعض أولاد على إذ ذاك صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم، وقد فعل ذلك بأمر علي
стр. 1768
رضي الله عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ، ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبًا لانتظره.
وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين:
أحدهما: أن ابن ملجم كافر؛ لأنه مستحل دم علي، ومن استحل دم مثل علي ﵁ فهو كافر، وإذا كان كافرًا فلا حجة في قتله.
الثاني: أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم؛ كما قدمناه في سورة "المائدة" وإذن فلا داعي للانتظار.
قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: قال بعض أصحابنا: إنما استبد الحسن بن علي ﵄ بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي ﵁؛ لأنه قتله حدًا لكفره لا قصاصًا.
وقال ابن قدامة في "المغني": فأما ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله بكفره؛ لأنه قتل عليًا مستحلًا لدمه، معتقدًا كفره، متقربًا بذلك إلى الله تعالى. وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، وهو إلى الإمام، والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة، ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم. وإن قدر أنه قتله قصاصًا فقد اتفقنا على خلافه، فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام صاحب المغني.
وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه: قال العلماء: ولم ينتظر
стр. 1769
بقتله بلوغ العباس بن علي، فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه. قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصًا. والله أعلم اهـ.
واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي ﷺ قال : قال لي رسول الله ﷺ : "من أشقى الأولين"؟ قلت: عاقر الناقة. قال: "صدقت. فمن أشقى الآخرين"؟ قلت: لا علم لي يا رسول الله ﷺ . قال: "الذي يضربك على هذا -وأشار بيده على يافوخه- فيخضب هذه من هذه -يعني لحيته- من دم رأسه" قال: فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم" وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير ﵀ في تاريخه، وابن عبد البر في "الاستيعاب" وغيرهما.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي عليه أهل التاريخ والأخبار -والله تعالى أعلم- أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليًا ﵁؛ لا لكفر ولا حرابة، وعلي ﵁ لم يحكم بكفر الخوارج، ولما سئل عنهم قال: من الكفر فروا، فقد ذكر المؤرخون أن عليًا ﵁ أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا، وإن حَيَّ فهو ولي دمه؛ كما ذكره ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم.
وذكره البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين. ولا شك أن ابن ملجم متأول -قبحه الله- ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب عليا ﵁ قال: الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك، ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين:
стр. 1770
أبي موسى، وعمرو بن العاص = كفر بالله لأن الحكم لله حده، لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
ولما أراد أولاد علي ﵁ أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله، وقرأ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك؛ فقال: إني أخاف أن أمكث فواقًا، لا أذكر الله اهـ ذكره ابن كثير وغيره.
ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم -قبحه الله- في قتله أمير المؤمنين عليا ﵁:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
وجزى الله خيرًا الشاعر الذي يقول في الرد عليه:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت ويلك للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعًا وتبيانا
صهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورًا وبرهانا
وكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت: سبحان رب العرش سبحانا
стр. 1771
إني لأحسبه ما كان من بشر ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا
أشقى مراد إذا عدت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا
كعاقر الناقة الأولى التي جلبت ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا
قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانا فأزمانا
فلا عفا الله عنه ما تحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا
لقوله في شقي ظل مجترمًا ... وناله ما ناله ظلمًا وعدوانا
"يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا"
بل ضربة من غوي أوردته لظى ... فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا
كأنه لم يرد قصدًا بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
وبما ذكرنا: تعلم أن قتل الحسن بن علي ﵁ لابن ملجم قبل بلوغ الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير.
وحجة من قال أيضًا بكفره قوية للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين مقرونًا بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة: اعلم أن هذا القتل ظلمًا، الذي جعل الله بسببه هذا السلطان والنصر المذكورين في هذه الآية الكريمة، التي هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا . .﴾ الآية، يثبت بواحد من ثلاثة أشياء: اثنان منها متفق عليها، وواحد
стр. 1772
مختلف فيه.
أما الإثنان المتفق على ثبوته بهما: فهما الإقرار بالقتل، والبينة المشاهدة عليه.
وأما الثالث المختلف فيه: فهو أيمان القسامة مع وجود اللوث، وهذه أدلة ذلك كله.
وأما الإقرار بالقتل: فقد دلت أدلة على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة به.
قال البخاري في صحيحه: [باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به] حدثني إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي؛ فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بالحجارة. وقد قال همام: بحجرين.
وقد قال البخاري أيضًا: (باب سؤال القاتل حتى يقر) ثم ساق حديث أنس هذا وقال فيه: فلم يزل به حتى أقر فرض رأسه بالحجارة. وهو دليل صحيح واضح على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة بإقرار القاتل. وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا مسلم، وأصحاب السنن، والإمام أحمد.
ومن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال: إني
стр. 1773
لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي! فقال رسول الله ﷺ : "أقتلته"؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال: نعم قتلته. قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة؛ فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي ﷺ : "هل لك من شيء تؤديه عن نفسك"؟ قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: فترى قومك يشترونك؟ " قال: أنا أهون عليهم من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال: "دونك صاحبك .. " الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بالإقرار.
ومن الأدلة على ذلك إجماع المسلمين عليه. وسيأتي إن شاء الله إيضاح إلزام الإنسان ما أقر به على نفسه في سورة "القيامة".
وأما البينة الشاهدة بالقتل عمدًا عدوانًا = فقد دل الدليل أيضًا على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بها.
قال أبو داود في سننه: حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أخبرنا هشيم، عن أبي حيان التيمي، ثنا عباية بن رفاعة، عن رافع ابن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر؛ فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم"؟ قالوا: يا رسول الله ﷺ ، لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود! وقد يجترئون على أعظم من هذا! قال: "فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا؛ فوداه النبي ﷺ من عنده" اهـ.
فقول النبي ﷺ في هذا الحديث: "لكم شاهدان على قتل
стр. 1774
صاحبكم" فيه دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية بشهادة شاهدين على القتل.
وهذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، ومعلوم أن رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح؛ إلا الحسن بن علي بن راشد وقد وثق. وقال فيه ابن حجر في "التقريب": صدوق رمي بشيء من التدليس.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن معمر، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر؛ فقال رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" قال: يا رسول الله، ومن أين أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم. قال: "فتحلف خمسين قسامة" قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "فتستحلف منهم خمسين قسامة" فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود! فقسم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها اهـ.
فقوله ﷺ في هذا الحديث: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" = دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بشهادة شاهدين. وأقل درجات هذا الحديث الحسن. وقال فيه ابن حجر في "الفتح": هذا السند صحيح حسن.
ومن الأدلة الدالة على ذلك: إجماع المسلمين على ثبوت القصاص بشهادة عدلين على القتل عمدًا عدوانًا.
стр. 1775
وقد قدمنا قول من قال من العلماء: إن أخبار الآحاد تعتضد بموافقة الإجماع لها حتى تصير قطعية كالمتواتر، لاعتضادها بالمعصوم، وهو إجماع المسلمين. وأكثر أهل الأصول يقولون: إن اعتضاد خبر الآحاد بالإجماع لا يصيره قطعيًا؛ وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث أخبار الآحاد:
ولا يفيد القطع ما يوافق الـ ... إجماع والبعض بقطع ينطق
وبعضهم يفيد حيث عولا ... عليه وانفه إذا ما قد خلا
مع دواعي رده من مبطل ... كما يدل لخلافة علي
وقوله: وانفه إذا ما قد خلا .. الخ: مسألة أخرى غير التي نحن بصددها. وإنما ذكرناها لارتباط بعض الأبيات ببعض.
وأما أيمان القسامة مع وجود اللوث: فقد قال بعض أهل العلم بوجوب القصاص بها. وخالف في ذلك بعضهم.
فممن قال بوجوب القود بالقسامة: مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. والظاهر أن عمر بن عبد العزيز رجع عنه.
وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود.
وقضى بالقتل بالقسامة عبد الملك بن مروان، وأبوه مروان. وقال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان.
стр. 1776
وقال ابن حجر (في فتح الباري): إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت؛ كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلًا عن ألف.
وممن قال بأن القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود: الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية ﵃، وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن ابن صالح، وغيرهم.
وعن معاوية: القتل بها أيضًا؛ وذهبت جماعة أخرى إلى أن القسامة لا يثبت بها حكم من قصاص ولا دية. وهذا مذهب الحكم ابن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية. وإليه ينحو البخاري، وروى عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه.
وروي عن عبد الملك بن مروان أنه ندم على قتله رجلًا بالقسامة، ومحا أسماء الذين حلفوا أيمانهم من الديوان، وسيرهم إلى الشام؛ قاله البخاري في صحيحه.
فإذا عرفت أقوال أهل العلم في القسامة، فدونك أدلتهم على أقوالهم في هذه المسألة.
أما الذين قالوا بالقصاص بالقسامة فاستدلوا على ذلك بما ثبت في بعض روايات حديث سهل بن أبي حثمة في صحيح مسلم
стр. 1777
وغيره: أن رسول الله ﷺ قال في قتل عبد الله بن سهل الأنصاري بخيبر مخاطبًا لأولياء المقتول: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته .. " الحديث. فقوله ﷺ في هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم وغيره "فيدفع برمته" معناه: أنه يسلم لهم ليقتلوه بصاحبهم. وهو صحيح صريح في القود بالقسامة.
ومن أدلتهم على ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي الذي قدمناه قريبًا. وقد قدمنا عن ابن حجر أنه قال فيه: صحيح حسن. فقول النبي ﷺ فيه: "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" صريح أيضًا في القود بالقسامة.
وادعاء أن معنى دفعه إليهم برمته: أي ليأخذوا منه الدية = بعيد جدًا كما ترى.
ومن أدلتهم ما ثبت في رواية متفق عليها في حديث سهل المذكور: أن رسول الله ﷺ قال لأولياء المقتول: "تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم .. " الحديث. قالوا: فعلى أن الرواية "قاتلكم" فهي صريح في القود بالقسامة، وعلى أنها "صاحبكم" فهي محتملة لذلك احتمالًا قويًا.
وأجيب من جهة المخالف بأن هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها للشك في اللفظ الذي قاله رسول الله ﷺ ، ولو فرضنا أن لفظ الحديث في نفس الأمر "صاحبكم" لاحتمل أن يكون المراد به المقتول، وأن المعنى: تستحقون ديته، والاحتمال المساوي يبطل الاستدلال كما هو معروف في الأصول؛ لأن مساواة الاحتمالين يصير بها اللفظ مجملًا، والمجمل يجب التوقف عنه حتى يرد دليل
стр. 1778
مبين للمراد منه.
ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند الإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ قال: "تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا ثم نسلمه".
ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند مسلم وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" قالوا: معنى "دم صاحبكم" قتل القاتل.
وأجيب من جهة المخالف باحتمال أن المراد "بدم صاحبكم" الدية، وهو احتمال قوي أيضًا؛ لأن العرب تطلق الدم على الدية، ومنه قوله:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
ومن أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمود بن خالد وكثير ابن عبيد قالا: حدثنا الوليد (ح).
وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا الوليد، عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله ﷺ "أنه قتل بالقسامة رجلًا من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لية البحرة، قال: القاتل والمقتول منهم" وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شط لية اهـ وانقطاع سند هذا الحديث واضح في قوله: "عن عمرو بن شعيب عن رسول الله ﷺ " كما ترى.
وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى حديث أبي داود هذا وقال: هذا منقطع، ثم قال: وروى أبو داود أيضًا في المراسيل عن
стр. 1779
موسى بن إسماعيل، عن حماد عن قتادة، وعامر الأحول، عن أبي المغيرة: أن رسول الله ﷺ "أقاد بالقسامة الطائف" وهو أيضًا منقطع.
وروى البيهقي في سننه عن أبي الزناد قال: أخبرني خارجة ابن زيد بن ثابت، أن رجلًا من الأنصار قتل وهو سكران رجلًا ضربه بشوبق، ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك، وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينًا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة، ويرونها للذي يأتي به من اللطخ أو الشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ورواه ابن وهب عن أبي الزناد وزاد فيه: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاصي: إن كان ما ذكرنا له حقًا ألا يحلفنا على القاتل ثم يسلمه إلينا.
وقال البيهقي في سننه أيضًا: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن هشام بن عروة أخبره: أن رجلًا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينه وبين رجل من آل صهيب منازعة .. فذكر الحديث في قتله قال: فركب يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك؛ فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب، فثنى عليهم الأيمان، فطلب آل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما؛ فأبى عبد الملك إلا أن
стр. 1780
يحلفوا على واحد فيقتلوه. فحلفوا على الصهيبي فقتلوه.
قال هشام: فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق، وروينا فيه عن الزهري وربيعة.
ويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير: أنهما أفادا بالقسامة.
ويذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه رجع عن ذلك وقال: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة - انتهى كلام البيهقي ﵀. هذه هي أدلة من أوجب القود بالقسامة.
وأما حجج من قال: لا يجب بها إلا الدية - فمنها ما ثبت في بعض روايات حديث سهل المذكور عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب".
قال النووي في شرح مسلم: معناه إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم، فإما أن يدوا صاحبكم -أي: يدفعوا إليكم ديته- وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا، فينتقض عهدهم، ويصيرون حربًا لنا.
وفيه دليل لمن يقول: الواجب بالقسامة الدية دون القصاص اهـ كلام النووي، ﵀.
ومنها ما ثبت في بعض روايات الحديث المذكور في صحيح البخاري وغيره: أن النبي ﷺ قال: "أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم" قالوا: هذه الرواية الثابتة في صحيح البخاري
стр. 1781
صريحة في أن المستحق بأيمان القسامة إنما هو الدية لا القصاص.
ومن أدلتهم أيضًا ما ذكره الحافظ (في فتح الباري) قال: وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوري في جامعه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينًا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي: أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين؛ فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسون رجلًا حتى يوافوه في مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية. فقال: "حقنت أيمانكم دماءكم، ولا يطل دم رجل مسلم".
قال الشافعي: إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى.
وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد: أن قتيلًا وجد بين حيين فأمر النبي ﷺ "أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب" ولكن سنده ضعيف.
وقال عبد الرزاق في مصنفه: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله ﷺ أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فلم تجترئون عليها! فسكت.
وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال
стр. 1782
في القسامة: توجب العقل ولا تسقط الدم. انتهى كلام ابن حجر ﵀.
فهذه هي أدلة من قال: إن القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص.
وأما حجة من قال: إن القسامة لا يلزم بها حكم = فهي أن الذين يحلفون أيمان القسامة إنما يحلفون على شيء لم يحضروه، ولم يعلموا أحق هو أم باطل، وحلف الإنسان على شيء لم يره دليل على أنه كاذب.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدثني أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب! أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله ﷺ أحدًا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام .. إلى آخر حديثه.
стр. 1783
ومراد أبي قلابة واضح، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه!.
هذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود بالقسامة، وهذه حججهم.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال عندي دليلًا: القود بالقسامة؛ لأن الرواية الصحيحة التي قدمنا فيها أن النبي ﷺ قال: "إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم" وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى. ولم يثبت ما يعارض هذا.
والقسامة أصل وردت به السنة، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع؛ كما ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفًا؛ لأن القسامة أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه؛ شرع لحياة الناس وردع المعتدين، ولم تمكن فيه أولياء المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ذلك.
تنبيه
اعلم: أن رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل ابن أبي حثمة التي فيها: أن النبي ﷺ "لما سأل أولياء المقتول هل لهم بينة" وأخبروه بأنهم ليس لهم بينة، قال: "يحلفون" يعني اليهود المدعى عليهم، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلًا = لا دليل فيها لمن نفى القود بالقسامة؛ لأن سعيد بن عبيد وهم فيها، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين، لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين.
стр. 1784
ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار فذكر أن النبي ﷺ عرض الأيمان أولًا على أولياء المقتول، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم، فاشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها.
وقد ذكر البخاري ﵀ رواية سعيد بن عبيد (في باب القسامة) وذكر رواية يحيى بن سعيد (في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين) وفيها: "تحلفون وتستحقون قاتلكم" أو "صاحبكم" الحديث. والخطاب في قوله "تحلفون وتستحقون لأولياء المقتول".
وجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد بن عبيد = ابن حجر في الفتح وغير واحد؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ لم يعارضها غيرها فيجب قبولها، كما هو مقرر في علم الحديث، وعلم الأصول.
وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا .. ﴾ الآية؛ وقد أسند حديث سهل أن النبي ﷺ بدأ المدعين: يحيى بن سعيد، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل، فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد.
وقال مالك ﵀ (في الموطإ) بعد أن ساق رواية يحيى ابن سعيد المذكورة: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون اهـ
стр. 1785
محل الغرض منه.
واعلم أن العلماء أجمعوا على أن القسامة يشترط لها لوث، ولكنهم اختلفوا في تعيين اللوث الذي تحلف معه أيمان القسامة، فذهب مالك ﵀ إلى أنه أحد أمرين:
الأول: أن يقول المقتول: دمي عند فلان. وهل يكفي شاهد واحد على قوله ذلك، أو لابد من اثنين؟ خلاف عندهم.
والثاني: أن تشهد بذلك بينة لا يثبت بها القتل كاثنين غير عدلين.
قال مالك في الموطإ: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة، وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين - اهـ محل الغرض منه، هكذا قال في الموطإ. وستأتي زيادة عليه إن شاء الله.
واعلم أن كثيرًا من أهل العلم أنكروا على مالك ﵀ إيجابه القسامة بقول المقتول قتلني فلان. قالوا: هذا قتل مؤمن بالإيمان على دعوى مجردة.
واحتج مالك ﵀ بأمرين:
стр. 1786
الأول: أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت: الإنابة والتوبة والندم على ما سلف من العمل السيء، وقد دلت على ذلك آيات قرآنية، كقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
فهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له.
الأمر الثاني: أن قصة قتيل بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول دمي عند فلان؛ فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول بالقسامة بقوله: قتلني فلان، أو دمي عند فلان -في رواية ابن وهب وابن القاسم-.
ورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء القتيل معجزة لنبي الله موسى، وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرًا جزمًا لا يدخله احتمال، فافترقا.
ورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حيًا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد.
قال: وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس
стр. 1787
في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه؛ فلعله أمرهم بالقسامة معه اهـ كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي؛ لأن سياق القرآن يقتضي أن القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي، والله تعالى أعلم.
والشاهد العدل لوث عند مالك في رواية ابن القاسم، وروى أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث، وذكر محمد عن ابن القاسم: أن شهادة المرأتين لوث، دون شهادة المرأة الواحدة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافًا كثيرًا. ومشهور مذهب مالك: أنه الشاهد العدل، وقال محمد: هو أحب إلى، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم.
وممن أوجب القسامة بقوله: دمي عند فلان: الليث بن سعد، وروي عن عبد الملك بن مروان.
والذين قالوا بالقسامة بقول المقتول: دمي عند فلان، منهم من يقول: يشترط في ذلك أن يكون به جراح، ومنهم من أطلق.
والذي به الحكم، وعليه العمل عند المالكية: أنه لابد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله بدون وجود أثر الضرب.
واعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك.
стр. 1788
الأولى: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أيامًا ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة، وبه قال الليث أيضًا.
وقال الشافعي: يجب في هذه الصورة القصاص بتلك الشهادة على الضرب، وهو مروي أيضًا عن أبي حنيفة.
الثانية: أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين طائفتين مقتتلتين أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من إحدى الطائفتين، أَمّا إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما، والجمهور على أن القسامة عليهما معًا مطلقًا. قاله ابن حجر في الفتح.
وأما اللوث الذي تجب به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة لم يدر قاتله، فيحلف خمسون رجلًا من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل يتخيرهم الولي: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثم إذا حلفوا غرم أهل المحلة الدية، ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة ﵀ قسامة إلا بهذه الصورة.
وممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة: الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية: أن يوجد بالقتل أثر.
وجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب
стр. 1789
القسامة، بل يكون هدرًا لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة، كقصة اليهود مع الأنصاري.
وأما الشافعي ﵀ فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا يثبت القتل بشهادته، كالواحد، أو جماعة غير عدول، وكذلك تجب عنده بوجود المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل.
وقد قدمنا قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه إن كان من إحدى الطائفتين المقتتلتين: أن القسامة فيه تكون على الطائفة الأخرى دون طائفته التي هو منها، وكذلك تجب عنده فيما يشبه قصة اليهودي مع الأنصاري.
وأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه روايتان.
الأولى: أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك. ولا يشترط عنده على الصحيح ألا يخالطهم غيرهم - نص على ذلك الإمام أحمد في رواية مهنا. واشترط القاضي ألا يخالطهم غيرهم كمذهب الشافعي. قاله في المغني.
والرواية الثانية عن أحمد ﵀: أن اللوث هو ما يغلب
стр. 1790
به على الظن صدق المدعي، وذلك من وجوه: أحدها: العداوة المذكورة.
والثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثًا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه. ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي.
والثالث: أن يوجد المقتول ويوجد بقربه رجل معه سكين، أو سيف ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره.
الرابع: أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى، ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل. وهذا قول الشافعي. وروى عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعًا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه. وقد قدمنا عن ابن حجر أن هذا قول الجمهور.
الخامس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فعن أحمد هو لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي، وعنه ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة فلم يكن لها أثر.
فأما القتيل الذي يوجد في الزحام كالذي يموت من الزحام يوم الجمعة أو عند الجمرة: فظاهر كلام أحمد أن ذلك ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: ديته في بيت
следующие страницы →