← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الأول: أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت: الإنابة والتوبة والندم على ما سلف من العمل السيء، وقد دلت على ذلك آيات قرآنية، كقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له. الأمر الثاني: أن قصة قتيل بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول دمي عند فلان؛ فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول بالقسامة بقوله: قتلني فلان، أو دمي عند فلان -في رواية ابن وهب وابن القاسم-. ورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء القتيل معجزة لنبي الله موسى، وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرًا جزمًا لا يدخله احتمال، فافترقا. ورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حيًا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. قال: وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس

стр. 1787

في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه؛ فلعله أمرهم بالقسامة معه اهـ كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي؛ لأن سياق القرآن يقتضي أن القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي، والله تعالى أعلم. والشاهد العدل لوث عند مالك في رواية ابن القاسم، وروى أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث، وذكر محمد عن ابن القاسم: أن شهادة المرأتين لوث، دون شهادة المرأة الواحدة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافًا كثيرًا. ومشهور مذهب مالك: أنه الشاهد العدل، وقال محمد: هو أحب إلى، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم. وممن أوجب القسامة بقوله: دمي عند فلان: الليث بن سعد، وروي عن عبد الملك بن مروان. والذين قالوا بالقسامة بقول المقتول: دمي عند فلان، منهم من يقول: يشترط في ذلك أن يكون به جراح، ومنهم من أطلق. والذي به الحكم، وعليه العمل عند المالكية: أنه لابد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله بدون وجود أثر الضرب. واعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك.

стр. 1788

الأولى: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أيامًا ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة، وبه قال الليث أيضًا. وقال الشافعي: يجب في هذه الصورة القصاص بتلك الشهادة على الضرب، وهو مروي أيضًا عن أبي حنيفة. الثانية: أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين طائفتين مقتتلتين أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من إحدى الطائفتين، أَمّا إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما، والجمهور على أن القسامة عليهما معًا مطلقًا. قاله ابن حجر في الفتح. وأما اللوث الذي تجب به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة لم يدر قاتله، فيحلف خمسون رجلًا من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل يتخيرهم الولي: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثم إذا حلفوا غرم أهل المحلة الدية، ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة ﵀ قسامة إلا بهذه الصورة. وممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة: الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية: أن يوجد بالقتل أثر. وجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب

стр. 1789

القسامة، بل يكون هدرًا لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة، كقصة اليهود مع الأنصاري. وأما الشافعي ﵀ فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا يثبت القتل بشهادته، كالواحد، أو جماعة غير عدول، وكذلك تجب عنده بوجود المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل. وقد قدمنا قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه إن كان من إحدى الطائفتين المقتتلتين: أن القسامة فيه تكون على الطائفة الأخرى دون طائفته التي هو منها، وكذلك تجب عنده فيما يشبه قصة اليهودي مع الأنصاري. وأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه روايتان. الأولى: أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك. ولا يشترط عنده على الصحيح ألا يخالطهم غيرهم - نص على ذلك الإمام أحمد في رواية مهنا. واشترط القاضي ألا يخالطهم غيرهم كمذهب الشافعي. قاله في المغني. والرواية الثانية عن أحمد ﵀: أن اللوث هو ما يغلب

стр. 1790

به على الظن صدق المدعي، وذلك من وجوه: أحدها: العداوة المذكورة. والثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثًا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه. ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي. والثالث: أن يوجد المقتول ويوجد بقربه رجل معه سكين، أو سيف ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره. الرابع: أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى، ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل. وهذا قول الشافعي. وروى عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعًا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه. وقد قدمنا عن ابن حجر أن هذا قول الجمهور. الخامس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فعن أحمد هو لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي، وعنه ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة فلم يكن لها أثر. فأما القتيل الذي يوجد في الزحام كالذي يموت من الزحام يوم الجمعة أو عند الجمرة: فظاهر كلام أحمد أن ذلك ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: ديته في بيت

стр. 1791

المال. وهذا قول إسحاق، وروي عن عمر وعلي، فإن سعيدًا روى في سننه عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله، فقال علي: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعطهم ديته من بيت المال. انتهى من المغني. وقد قال ابن حجر في الفتح في باب إذا مات في الزحام أو قتل به في الكلام على قتل المسلمين يوم أحد اليمان والد حذيفة ﵄ ما نصه: وحجته (يعني إعطاء ديته من بيت المال) ما ورد في بعض طرقه قصة حذيفة، وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة: أن والد حذيفة قتل يوم أحد، قتله بعض المسلمين يظن أنه من المشركين، فواداه رسول الله ﷺ . وقد تقدم له شاهد مرسل أيضًا (في باب العفو عن الخطأ) وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور: أن رجلًا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال. وفي المسألة مذاهب أخرى: (منها) قول الحسن البصري: أن ديته تجب على جميع من حضر، وهو أخص من الذي قبله. وتوجيهه: أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم. (ومنها) قول الشافعي ومن اتبعه: أنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف؛ فإن حلفت استحققت الدية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة. وتوجيهه: أن الدم لا يجب إلا بالطلب.

стр. 1792

(ومنها) قول مالك: دمه هدر. وتوجيهه: أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وقد تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب (في باب العفو عن الخطأ) - انتهى كلام ابن حجر ﵀. والترجيح السابق الذي أشار له هو قوله في قول حذيفة ﵁ مخاطبا للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ: غفر الله لكم. استدل به من قال: إن ديته وجبت على من حضر؛ لأن معنى قوله: "غفر الله لكم" عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق أن يطالب به. انتهى محل الغرض منه. فكأن ابن حجر يميل إلى ترجيح قول الحسن البصري ﵀. قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال عندي في اللوث الذي تجب القسامة به: أنه كل ما يغلب على الظن صدق أولياء المقتول في دعواهم؛ لأن جانبهم يترجح بذلك فيحلفون معه. وقد تقرر في الأصول "أن المعتبر في الروايات والشهادات ما تحصل به غلبة الظن" وعقده صاحب مراقي السعود بقوله في شروط الراوي: بغالب الظن يدور المعتبر ... فاعتبر الإسلام كل من غير - الخ فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: لا يحلف النساء ولا الصبيان في القسامة، وإنما يحلف فيها الرجال، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، والثوري والأوزاعي، وربيعة والليث، وافقهم مالك في قسامة العمد، وأجاز حلف النساء الوارثات في قسامة الخطأ خاصة، وأما الصبي

стр. 1793

فلا خلاف بين العلماء في أنه لا يحلف أيمان القسامة. وقال الشافعي: يحلف في القسامة كل وارث بالغ ذكرًا كان أو أنثى، عمدًا كان أو خطأ. واحتج القائلون بأنه لا يحلف إلا الرجال بأن في بعض روايات الحديث في القسامة يقسم خمسون رجلًا منكم. قالوا: ويفهم منه أن غير الرجال لا يقسم. واحتج الشافعي ومن وافقه بقوله ﷺ : "تحلفون خمسين يمينًا فتستحقون دم صاحبكم" فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية. وأجاب الشافعية عن حجة الأولين بما قاله النووي في شرح مسلم؛ فإنه قال في شرحه لقوله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" ما نصه: هذا مما يجب تأويله؛ لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة. وتأويله عند أصحابنا: أن معناه يؤخذ منكم خمسون يمينًا، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يحلف كل الورثة ذكورًا كانوا أو إناثًا، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ، وأما فى العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا تحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث، والأوزاعي، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر. انتهى الغرض من كلام النووي ﵀. ومعلوم أن هذا التأويل الذي أولوا به الحديث بعيد من ظاهر

стр. 1794

اللفظ، ولاسيما على الرواية التي تصرح بتمييز الخمسين بالرجل عند أبي داود وغيره. الفرع الثاني: قد علمت أن المبدأ بأيمان القسامة أولياء الدم على التحقيق كما تقدم إيضاحه، فإن حلفوا استحقوا القود أو الدية على الخلاف المتقدم، وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى عليهم؛ فإن حلفوها برئوا عند الجمهور، وهو الظاهر لقوله ﷺ : "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" أي: يبرءون منكم بذلك. وهذا قول مالك والشافعي، والرواية المشهورة عن أحمد، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبو الزناد، والليث، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم إن حلفوا لزم أهل المحلة التي وجد بها القتيل أن يغرموا الدية، وذكر نحوه أبو الخطاب رواية عن أحمد، وقد قدمنا أن عمر ألزمهم الدية بعد أن حلفوا. ومعلوم أن المبدأ بالأيمان عند أبي حنيفة المدعى عليهم، ولا حلف على الأولياء عنده كما تقدم. الفرع الثالث: إن امتنع المدعون من الحلف ولم يرضوا بأيمان المدعى عليهم فالظاهر أن الإمام يعطي ديته من بيت المال؛ لأن النبي ﷺ فعل كذلك، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. الفرع الرابع: إن رُدت الأيمان على المدعى عليهم فقد قال بعض أهل العلم: لا يبرأ أحد منهم حتى يحلف بانفراده خمسين يمينًا، ولا توزع الأيمان عليهم بقدر عددهم.

стр. 1795

قال مالك في الموطإ: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد. وقال بعض علماء الحنابلة: تقسم الأيمان بينهم على عددهم بالسوية؛ لأن المدعى عليهم متساوون. وللشافعي قولان كالمذهبين اللذين ذكرنا، فإن امتنع المدعى عليهم من اليمين فقيل: يحبسون حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو مذهب مالك أيضًا؛ إلا أن المالكية يقولون: إن طال حبسهم ولم يحلفوا تركوا، وعلى كل واحد منهم جلد مائة وحبس سنة، ولا أعلم لهذا دليلًا. وأظهر الأقوال عندي: أنهم تلزمهم الدية بنكولهم عن الأيمان، ورواه حرب بن إسماعيل عن أحمد، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه حكم ثبت بالنكول فثبت في حقهم هاهنا كسائر الدعاوى. قال في المغني: وهذا القول هو الصحيح. والله تعالى أعلم. الفرع الخامس: اختلف العلماء في أقل العدد الذي يصح أن يحلف أيمان القسامة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يصح أن يحلف أيمان القسامة في العمد أقل من رجلين من العصبة؛ فلو كان للمقتول ابن واحد مثلًا، استعان برجل آخر من عصبة المقتول، ولو غير وارث يحلف معه أيمانها، وأظهر الأقوال دليلًا هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير الوارثين في أيمان القسامة؛ لأن النبي ﷺ قال لحويصة ومحيصة: "يحلف خمسون منكم .. " الحديث. وهما ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه، وقد قال لهم: "يحلف خمسون منكم" وهو يعلم أنه لم يكن لعبد الله بن

стр. 1796

سهل المقتول عشرون رجلًا وارثون؛ لأنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته، أو أقرب منه نسبًا. وأجاب المخالفون: بأن الخطاب للمجموع مرادًا به بعضهم، وهو الوارثون منهم دون غيرهم ولا يخفى بعده، فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم بحسب استحقاقهم في الميراث، فإن نكل بعضهم رد نصيبه على الباقين إن كان الناكل معينًا لا وارثًا، فإن كان وارثًا يصح عفوه عن الدم سقط القود بنكوله، وردت الأيمان على المدعى عليهم على نحو ما قدمنا. هذا مذهب مالك ﵀. وأما القسامة في الخطأ عند مالك ﵀: فيحلف أيمانها الوارثون على قدر أنصبائهم، فإن لم يوجد إلا واحد ولو امرأة حلف الخمسين يمينًا كلها واستحق نصيبه من الدية. وأما الشافعي ﵀ فقال: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خاصة خمسين يمينًا سواء قلوا أم كثروا، فإن كان الورثة خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين؛ فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينًا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق. وقد قدمنا: أن الصحيح في مذهب الشافعي ﵀: أن القسامة إنما تستحق بها الدية لا القصاص. وأما الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة روايتان:

стр. 1797

الأولى: أنه يحلف خمسون رجلًا من العصبة خمسين يمينًا، كل رجل يحلف يمينًا واحدة؛ فإن وجدت الخمسون من ورثة المقتول فذلك، وإلا كملت الخمسون من العصبة الذين لا يرثون، الأقرب منهم فالأقرب حتى تتم الخمسون. وهذا قول لمالك أيضًا، وهذا هو ظاهر بعض روايات حديث سهل الثابتة في الصحيح. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنه لا يحلف أيمان القسامة إلا الورثة خاصة، وتوزع عليهم على قدر ميراث كل واحد منهم، فإن لم يكن إلا واحد حلف الخمسين واستحق؛ إلا أن النساء لا يحلفن أيمان القسامة عند أحمد، فالمراد بالورثة عنده الذكور خاصة. وهذه الرواية هي ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي حامد. وأما الإمام أبو حنيفة ﵀: فقد قدمنا أن أَيمان القسامة عنده لا يحلفها إلا خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وجد بها القتيل؛ فيقسمون أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلا. تنبيه قد علمت كلام العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة؛ فإذا وزعت على عدد أقل من الخمسين، ووقع فيها انكسار فإن تساووا جبر الكسر عليهم، كما لو خلف المقتول ثلاثة بنين؛ فإن على كل واحد منهم ثلث الخمسين يمينًا وهو ست عشرة وثلثان، فيتمم الكسر على كل واحد منهم؛ فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينًا. فإن قيل: يلزم على ذلك خلاف الشرع في زيادة الأيمان على

стр. 1798

خمسين يمينًا؛ لأنها تصير بذلك إحدى وخمسين يمينًا. فالجواب: أن نقص الأيمان عن خمسين لا يجوز، وتحميل بعض الورثة زيادة على الآخرين لا يجوز؛ فعلم استواؤهم في جبر الكسر، فإذا كانت اليمين المنكسرة لم يستو في قدر كسرها الحالفون، كأن كان على أحدهم نصفها، وعلى آخر ثلثها، وعلى آخر سدسها، حلفها من عليه نصفها تغليبًا للأكثر، ولا تجبر على صاحب الثلث والسدس. وهذا هو مذهب مالك وجماعة من أهل العلم. وقال غيرهم: تجبر على الجميع. والله تعالى أعلم. وقال بعض أهل العلم: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينًا، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه. واحتج من قال بهذا بأن الواحد منهم لو انفرد لحلف الخمسين يمينًا كلها. قال: وما يحلفه منفردًا يحلفه مع غيره كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى. قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول بعيد فيما يظهر؛ لأن الأحاديث الواردة في القسامة تصرح بأن عدد أيمانها خمسون فقط، وهذا القول قد تصير به مئات كما ترى. والعلم عند الله تعالى. الفرع السادس: لا يقتل بالقسامة عند من يوجب القود بها إلا واحد، وهذا قول أكثر القائلين بالقود بها، منهم مالك، وأحمد والزهري، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم. وهذا القول هو الصواب. وتدل عليه الرواية الصحيحة التي قدمناها عند مسلم وغيره: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم

стр. 1799

فيدفع برمته .. " الحديث. فقوله ﷺ في معرض بيان حكم الواقعة: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" يدل على أنهم ليس لهم أن يقسموا على غير واحد. وقيل: يستحق بالقسامة قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة. وممن قال بهذا أبو ثور. قاله ابن قدامة في المغني. وهل تسمع الدعوى في القسامة على غير معين أو لا؟ وهل تسمع على أكثر من واحد أو لا؟ فقال بعض أهل العلم: تسمع على غير معين. وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ مستدلًا بقصة الأنصاري المقتول بخيبر؛ لأن أولياءه ادعوا على يهود خيبر. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن الدعوى فيها لا تسمع إلا على معين، قالوا: ولا دليل في قصة اليهود والأنصاري؛ لأن النبي ﷺ قال فيها: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم" فبين أن المدعى عليه لابد أن يعين. وقال بعض من اشترط كونها على معين: لابد أن تكون على واحد، وهو قول أحمد ومالك. وقال بعض من يشترط كونها على معين: يجوز الحلف على جماعة معينين، وقد قدمنا اختلافهم: هل يجوز قتل الجماعة أو لا يقتل إلا واحد، وهو ظاهر الحديث، وهو الحق إن شاء الله. وقال أشهب صاحب مالك: لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدًا للقتل، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة. قال ابن حجر في الفتح. وهو قول لم يسبق إليه. والعلم عند الله تعالى.

стр. 1800

الفرع السابع: اعلم أن أيمان القسامة تحلف على البت، ودعوى القتل أيضًا على البت. فإن قيل: كيف يحلف الغائب على أمر لم يحضره، وكيف يأذن الشارع في هذه اليمين التي هي من الأيمان على غير معلوم؟ فالجواب: أن غلبة الظن تكفي في مثل هذا، فإن غلب على ظنه غلبة قوية أنه قتله حلف على ذلك، وإن لم يغلب على ظنه غلبة قوية فلا يجوز له الإقدام على الحلف. الفرع الثامن: إن مات مستحق الأيمان قبل أن يحلفها انتقل إلى وارثه ما كان عليه من الأيمان، وكانت بينهم على حسب مواريثهم، ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثة القتيل على نحو ما تقدم؛ لأن من مات عن حق انتقل إلى وارثه. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام القسامة خوف الإطالة المملة، ولأن أحكامها كثيرة متشعبة جدًا، وقد بسط العلماء عليها الكلام في كتب الفروع. غريبة تتعلق بهذه الآية الكريمة وهي أن عبد الله بن عباس ﵄ استنبط من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيام النزاع بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ = أن السلطنة والملك سيكونان لمعاوية؛ لأنه من أولياء عثمان ﵁، وهو مقتول ظلمًا، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. وكان الأمر كما قال ابن عباس.

стр. 1801

وهذا الاستنباط عنه ذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة، وساق الحديث في ذلك بسنده عند الطبراني في معجمه. وهو استنباط غريب عجيب. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة خوف الإطالة المملة. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ . نهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم. وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، والآيات بمثل هذا في ذم اتباع غير العلم المنهي عنه في هذه الآية الكريمة كثيرة جدًا. وفي الحديث: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". تنبيه أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم.

стр. 1802

قال مقيده -عفا الله عنه-: لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه، وكفر متبعه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. أما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات: على منع الاجتهاد في الشرع مطلقًا، وتضليل القائل به، ومنع التقليد من أصله، فهو من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في الظاهرية؛ لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة. ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي ﷺ فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في

стр. 1803

تفهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به = لا وجه لمنعه، وكان جاريًا بين أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم ينكره أحد من المسلمين. وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى "في سورة الأنبياء، والحشر" مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياسًا كان الإلحاق أو غيره. ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك. وسنذكر هنا طرفًا قليلًا من ذلك، يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم. اعلم أولًا: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعي ﵀ "القياس في معنى الأصل" وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به؛ لعدم الفرق بينهما؛ أعني الفرق المؤثر في الحكم. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه لايشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ

стр. 1804

يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ فإنه لا شك أيضًا في أن التصريح بالمؤاخذة بمثقال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإثابة بمثقال الجبل المسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ الآية، لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة، وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتًا عنها. ونهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء، مع أن ذلك مسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى .. ﴾ الآية؛ لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه، لأن الجميع إتلاف له بغير حق. وقوله ﷺ : "من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق" يدل على أن من أعتق شركًا له في أمة فحكمه كذلك، لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان، لا تأثير لهما في أحكام العتق، وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما. وقوله ﷺ : "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر؛ كالجوع والعطش المفرطين، والسرور

стр. 1805

والحزن المفرطين، والحقن والحقب المفرطين. ونهيه ﷺ عن البول في الماء الراكد، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلًا، وصب البول من القارورة في الماء الراكد؛ إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة، وصبه فيه من قارورة ونحوها، وأمثال هذا كثيرة جدًا، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر. ولا شك أن في ذلك كله استدلالًا بمنطوق به على مسكوت عنه. وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول "بتحقيق المناط" لا يمكن أن ينكره إلا مكابر، ومسائله التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر، وسنذكر أمثلة منها: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه. وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلًا من أصله. والإنفاق على الزوجات واجب، وتحديد القدر اللازم لابد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم. وقيم المتلفات واجبة على من أتلف، وتحديد القدر الواجب لابد فيه من اجتهاد. والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن؛ لأن حقيقة

стр. 1806

الباطن لا يعلمها إلا الله، ولا يحكم إلا بقول العدل، وعدالته إِنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة، وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات، إلى غير ذلك مما لا يحصى. ومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع: ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في ذلك. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى ابن يحيى التميمي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن يسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". وحدثني إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن أبي عمر كلاهما عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد مثله، وزاد في عقب الحديث: قال يزيد: فحدثت هذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال : هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة. وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: أخبرنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي، حدثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن عبد الله ابن أسامة بن الهاد الليثي بهذا الحديث، مثل رواية عبد العزيز بن محمد بالإسنادين جميعا. انتهى. فهذا نص صحيح من النبي ﷺ صريح في جواز الاجتهاد في

стр. 1807

الأحكام الشرعية، وحصول الأجر على ذلك وإن كان المجتهد مخطئًا في اجتهاده. وهذا يقطع دعوى الظاهرية: منع الاجتهاد من أصله وتضليل فاعله والقائل به قطعًا باتًا كما ترى. وقال النووي في شرح هذا الحديث: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده. وفي الحديث محذوف تقديره: إذا أراد الحاكم أن يحكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم؛ فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم، ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن: "القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى على جهل فهو في النار" انتهى الغرض من كلام النووي. فإن قيل: الاجتهاد المذكور في الحديث هو الاجتهاد في تحقيق المناط دون غيره من أنواع الاجتهاد. فالجواب: أن هذا صرف لكلامه ﷺ عن ظاهره من غير دليل يجب الرجوع إليه، وذلك ممنوع. وقال البخاري في صحيحه: باب أجر الحاكم إذا اجتهد

стр. 1808

فأصاب أو أخطأ. حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثني يزيد بن عبد الله ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو ابن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة عن النبي ﷺ مثله اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه يدل على بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية. ومحاولة ابن حزم تضعيف هذا الحديث المتفق عليه الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما ترى؛ لأنه حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ . ومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن قال له: "فبم تحكم "؟ قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد"؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: "فإن لم تجد"؟ قال: أجتهد رأي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ ".

стр. 1809

قال ابن كثير ﵀ في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر هذا الحديث ما نصه: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وقال ابن قدامة (في روضة الناظر) بعد أن ساق هذا الحديث: قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو، عن رجال من أهل حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي. قلنا: قد رواه عباده بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ ﵁. انتهى. ومراد ابن قدامة ظاهر؛ لأن رد الظاهرية لهذا الحديث بجهالة من رواه عن معاذ مردود بأنه رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وهذه الرواية ليست هي مراد ابن كثير بقوله: هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد لأنها ليست في المسند ولا في السنن، ولعل مراده بجودة هذا الإسناد، أن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة، وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ يراهم عدولًا، ليس فيهم مجروح، ولا متهم. وسيأتي استقصاء البحث في طرق هذا الحديث في سورة الأنبياء، ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل كما قدمنا، وعبد الرحمن ابن غنم قيل: صحابي، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين. قاله في التقريب. وحديث معاذ هذا تلقته الأمة قديمًا وحديثًا بالقبول. وسيأتي إن شاء الله "في سورة الأنبياء"، و"سورة الحشر"

стр. 1810

ما استدل به أهل العلم على هذا من آيات القرآن العظيم. ومن الأدلة الدالة على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك عنها"؟ قالت: نعم. قال: "فصومي عن أمك" وفي رواية لهما عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها"! قال: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" انتهى. واختلاف الرواية في هذا الحديث لا يعد اضطرابًا؛ لأنها وقائع متعددة سألته امرأة فأفتاها، وسأله رجل فأفتاه بمثل ما أفتى به المرأة، كما نبه عليه غير واحد. وهذا نص صحيح عن النبي ﷺ صريح في مشروعية إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علة الحكم؛ لأنه ﷺ بين إلحاق دين الله تعالى بدين الآدمي، بجامع أن الكل حق مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى مستحقه وهو واضح في الدلالة على القياس كما ترى. ومن الأدلة الدالة على ذلك أيضًا: ما رواه الشيخان في صحيحيهما أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! فقال النبي ﷺ : "هل لك إبل"؟ قال: نعم. قال: "فما

стр. 1811

ألوانها"؟ قال: حمر. قال: "فهل يكون فيها من أورق"؟ قال: إن فيها لورقًا. قال: "فأنى أتاها ذلك"؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" اهـ. فهذا نص صحيح عن النبي ﷺ صريح في قياس النظير على نظيره، وقد ترتب على هذا القياس حكم شرعي، وهو كون سواد الولد مع بياض أبيه وأمه ليس موجبًا للعان؛ فلم يجعل سواده قرينة على أنها زنت بإنسان أسود، لإمكان أن يكون في أجداده من هو أسود فنزعه إلى السواد سواد ذلك الجد؛ كما أن تلك الإبل الحمر فيها جمال ورق، يمكن أن لها أجدادًا ورقًا نزعت ألوانها إلى الورقة. وبهذا اقتنع السائل. ومن الأدلة الدالة على إلحاق النظير بنظيره: ما رواه أبو داود، والإمام أحمد، والنسائي، عن عمر ﵁ قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم؛ فأتيت النبي ﷺ فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا! قبلت وأنا صائم!؟ فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم"؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال ﷺ "فمه" اهـ. فإن قيل: هذا الحديث قال فيه النسائي: منكر. قلنا: صححة ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. قاله الشوكاني في نيل الأوطار. قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحديث ثابت وإسناده صحيح. قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا الليث

стр. 1812

(ح) وثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت ... إلى آخر الحديث بلفظه المذكور آنفًا. ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح، فإن طبقته الأولى أحمد ابن يونس، وعيسى بن حماد، أما أحمد فهو ابن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي ثقة حافظ، وعيسى بن حماد بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري الملقب زغبة، ثقة. وطبقته الثانية الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور. وطبقته الثالثة بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني مخزوم أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني نزيل مصر ثقة. وطبقته الرابعة عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري المدني ثقة. وطبقته الخامسة جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ . فهذا إسناد صحيح رجاله ثقات كما ترى. فهو نص صحيح صريح في أنه ﷺ قاس القبلة على المضمضة؛ لأن المضمضة مقدمة الشرب، والقبلة مقدمة الجماع؛ فالجامع بينهما أن كلًا منهما مقدمة المفطر، وهي لا تفطر بالنظر لذاتها. فهذه الأدلة التي ذكرنا فيها الدليل الواضح على أن إلحاق النظير بنظيره من الشرع لا مخالف له؛ لأنه ﷺ فعله، والله يقول:

стр. 1813

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو ﷺ لم يفعله إلا لينبه الناس له. فإن قيل: إنما فعله ﷺ لأن الله أوحى إليه ذلك. قلنا: فعله حجة في فعل مثل ذلك الذي فعل، ولو كان فعله بوحي كسائر أقواله وأفعاله وتقريراته، فكلها تثبت بها الحجة، وإن كان هو ﷺ فعل ما فعل من ذلك بوحي من الله تعالى. مسألة قال ابن خويز منداد من علماء المالكية: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة؛ لأنه لما قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ دل على جواز ما لنا به علم؛ فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به. وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص؛ لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علمًا اتساعًا، فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ دخل علي مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: "ألم تري أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" وفي حديث يونس بن يزيد: وكان مجزز قائفًا اهـ. بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيده -عفا الله عنه-: من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة؛ فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها.

стр. 1814

واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت زوجها وجاءت بولد شبيه جدًّا بمن رُميت به، ولم يعتبر هذا الشبه النبي ﷺ ، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد (١) المرأة. قالوا: فلو كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النبي ﷺ به أن ذلك الولد من ذلك الرجل الذي رميت به؛ فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النبي ﷺ شيئًا من ذلك كما يأتي إيضاحه "في سورة النور" إن شاء الله تعالى. وهذا القول بعدم اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم. وذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: أن النبي ﷺ سر بقول مجزز بن الأعور المدلجي: إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير وجهه من السرور. قالوا: وما كان ﷺ ليسر بالباطل ولا يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل؛ لأن تقريره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأحرى في ذلك ما لو زاد السرور بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى. واعلم أن الذين قالوا باعتبار أقوال القافة اختلفوا، فمنهم من قال: لا يقبل ذلك إلا في أولاد الإماء دون أولاد الحرائر، ومنهم من قال: يقبل ذلك في الجميع.

стр. 1815

قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق اعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء لأن سرور النبي ﷺ وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافًا للإمام مالك ﵀ قائلًا: إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله: واجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنًا تصب تنبيهان الأول: لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه فراشًا لرجل آخر؛ لأن النبي ﷺ رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذه الشبه في النسب، لكون أم الولد فراشًا لزمعة، فقال ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ولكنه ﷺ اعتبر هذا الشبه من جهة أخرى غير النسب، فقال لسودة بنت زمعة ﵂: "احتجبي عنه" مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط. وهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم. التنبيه الثاني: قال بعض علماء العربية: أصل القفو البهت والقذف بالباطل، ومنه الحديث الذي روى عن النبي ﷺ : "نحن بنو النضر ابن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا" أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس. وساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله: "لا

стр. 1816

نقفوا أمنا" أي: لا نقذف أمنا ونسبها، ومنه قول الكميت: فلا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفوا الحواصن إن قفينا وقول النابغة الجعدي: ومثل الدمى ثم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب: الاتباع كما هو معلوم من اللغة. ويدخل فيه اتباع المساوئ كما ذكره من قال: إن أصله القذف والبهت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ فيه وجهان من التفسير: الأول: أن معنى الآية: أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه، فيقال له: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه!؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟. ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات. والوجه الثاني: أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها، فتشهد عليه جوارحه بما فعل. قال القرطبي في تفسيره: وهذا المعنى أبلغ في الحجة، فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي كما قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ

стр. 1817

عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾. قال مقيده -عفا الله عنه-: والقول الأول أظهر عندي، وهو قول الجمهور. وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ يفيد تعليل النهي في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيمان والتنبيه: أن ﴿إِنَّ﴾ المكسورة من حروف التعليل. وإيضاحه: أن المعنى انته عما لا يحل لك؛ لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ونحوها من الآيات. والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعة إلى ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ وهو دليل على الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ لغير العقلاء وهو الصحيح. ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي: يا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر وقول جرير:

стр. 1818

ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام خلافًا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه "بعد أولئك الأقوام" والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ . نهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية. وقوله: ﴿مَرَحًا﴾ مصدر منكر، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة: ومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع وقرئ: ﴿مَرَحًا﴾ بكسر الراء على أَنّه الوصف من مرح (بالكسر) يمرح (بالفتح) أي: لا تمش في الأرض في حال كونك متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله عن لقمان مقررًا له: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وأصل المرح في اللغة: شدة الفرح والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترًا مشي المتكبرين؛ لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة.

стр. 1819

وأظهر القولين عندي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أن معناه لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها، وشدة وطئك عليها، ويدل لهذا المعنى قوله بعده: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ أي: أنت أيها المتكبر المختال ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين! أنت عاجز عن التأثير فيهما، فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها، فاعرف قدرك، ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا. القول الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعها بمشيك. قاله ابن جرير، واستشهد له بقوله رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق لأن مراده بالمخترق مكان الاختراق، أي: المشي والمرور فيه. وأجود الأعاريب في قوله: ﴿طُولًا (٣٧)﴾ أنه تمييز محول عن الفاعل، أي: لن يبلغ طولك الجبال خلافًا لمن أعربه حالًا، ومن أعربه مفعولًا من أجله. وقد أجاد من قال: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ على منع الرقص وتعاطيه؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحًا. • قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ

стр. 1820

لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ الهمزة في قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ للإنكار. ومعنى الآية: أفخصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات؛ وهذا خلاف المعقول والعادة، فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها، فلو كان جل وعلا متخذًا ولدًا " عن ذلك علوًا كبيرًا" لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما! ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما. وهذا الإنكار متوجه على الكفار في قولهم: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد جعلوا له الأولاد! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو الإناث! وهم لا يرضونها لأنفسهم. وقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقد بينا ذلك بإيضاح في "سورة النحل". وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ بين فيه أن ادعاء الأولاد لله عن ذلك علوًا كبيرًا- أمر عظيم جدًا، وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)

стр. 1821

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ فالمشركون قبحهم الله جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم؛ فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث. والهمزة والفاء في نحو قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ قد بينا حكمها بإيضاح في "سورة النحل" أيضًا. • قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ قرأ جمهور القراء "كما تقولون" بتاء الخطاب، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ بياء الغيبة. وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير، كلاهما حق، ويشهد له قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان، كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع لأنه كله حق. الأول من الوجهين المذكورين: أن معنى الآية الكريمة: لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا -أي: الآلهة المزعومة- أي: لطلبوا إلى ذي العرش -أي: إلى الله- سبيلًا، أي: إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا!. وهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة. ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ

стр. 1822

وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور، وغيره من المتكلمين. الوجه الثاني في معنى الآية الكريمة؛ أن المعنى لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا، أي: طريقًا ووسيلة تقربهمِ إليه لاعترافهم بفضله. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية. ويروى هذا القول عن قتادة. واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره. ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول؛ لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود ألهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير. الأول: أن المعنى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا، أي: حائلًا وساترًا يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه؛ لئلا يفقهوه فينتفعوا به. وعلى هذا القول: فالحجاب المستور هو ما حجب الله به قلوبهم عن الانتفاع بكتابه. والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾

стр. 1823

وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. .﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وممن قال بهذا القول في معنى الآية: قتادة، والزجاج وغيرهما. الوجه الثاني في الآية: أن المراد بالحجاب المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه. قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية: أخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معًا في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول: مذمما أبينا ... ودينه قلينا ... وأمره عصينا ورسول الله ﷺ جالس، وأبو بكر ﵁ إلى جنبه، فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك؟ فقال: "إنها لن تراني" وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ فجاءت حتى قامت على أبي بكر ﵁ فلم تر النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني!؟ فقال أبو بكر ﵁: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى. وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية، بعد أن ساق بعض الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه:

стр. 1824

ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان، وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله (يعنون شيطانًا) وأعمى الله أبصارهم، فلم يروني اهـ وقال القرطبي: إن هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل؛ أي: حجابًا ساترًا، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ أي: مدفوق ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي: مرضية، فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق "مجازًا عقليًا". ومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية = قولهم: ميمون ومشئوم، بمعنى يامن وشائم. وقال بعض أهل العلم: قوله ﴿مَسْتُورًا (٤٥)﴾ على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول؛ لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه، أو مستورًا به القارئ فلا يراه غيره، واختار هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الكفار

стр. 1825

أكنة، جمع كنان، وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه، لئلا يفقهوا القرآن، أو كراهة أن يفقهوه لحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن، أي: فهم معانيه فهمًا ينتفع به صاحبه، وأنه جعل في آذانهم وقرًا، أي: صممًا وثقلًا لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع. وبين في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا. .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه في هذه الآية الكريمة: الرد الواضح على القدرية في قولهم: إن الشر لا يقع بمشيئة الله، بل بمشيئة العبد: سبحان الله وتعالى علوًا كبيرًا عن أن يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ . وبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه ﷺ إذا ذكر
следующие страницы →