أراق عمر بن الخطاب ﵁ لبنًا شيب بماء على صاحبه اهـ الغرض من كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
وقوله ﷺ : "والله لينزلن عيسى ابن مريم حكمًا عدلًا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير" الحديث = من قبيل ما ذكرنا دلالة الآية عليه والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ قد قدمنا في أول "سورة البقرة" الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ كما تقدم إيضاحه.
وقوله في هذه الآية: ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه؛ كالشك والنفاق وغير ذلك، وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليها به؛ كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهي صحيحة مشهورة. وقرأ أبو عمرو ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ بإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة والعافية والرزق = أعرض عن ذكر الله وطاعته، ونأى بجانبه، أي: تباعد عن طاعة ربه؛ فلم يمتثل أمره،
стр. 1857
ولم يجتنب نهيه.
وقال الزمخشري: أعرض عن ذكر الله كأنه مستغن عنه، مستبد بنفسه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه، والنأي بالجانب، أن يلوي عنه عطفه، ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المستكبرين. واليئوس: شديد اليأس، أي: القنوط من رحمة الله.
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله "في سورة هود": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ وقوله في "آخر فصلت": ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ وقوله "في سورة الروم": ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ وقوله فيها أيضًا: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ وقوله "في سورة يونس": ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ الآية، وقوله "في سورة الزمر": ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية، وقوله فيها
стр. 1858
أيضًا: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد استثنى الله من هذه الصفات عباده المؤمنين في قوله "في سورة هود": ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ كما تقدم إيضاحه. وقرأ ابن ذكوان "وناء" كجاء، وهو بمعنى نآى؛ كقولهم: راء في رأى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلًا بالنسبة إلى علمه جل وعلا؛ لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جدًا.
ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فضله على نبيه ﷺ كبير.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ إلى غير
стр. 1859
ذلك من الآيات.
وبين تعالى في موضع آخر: أن فضله كبير على جميع المؤمنين، وهو قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ وبين المراد بالفضل الكبير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ .
بين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم، وكثرة اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق، فذكر أنهم قالوا له ﷺ : إنهم لن يؤمنوا له -أي: لن يصدقوه- حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعًا، وهو يفعول من نبع: أي: ماء غزير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ أي: بستان من نخيل وعنب، فيفجر خلالها، أي: وسطها أنهارًا من الماء، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أي: قطعًا كما زعم؛ أي: في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ .. ﴾ الآية. أو يأتيهم بالله والملائكة قبيلًا، أي: معاينة. قاله قتادة وابن جريج. كقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾.
وقال بعض العلماء: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: أي: كفيلًا؛ من تقبله
стр. 1860
بكذا: إذا كفله به. والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد.
وقال الزمخشري: قبيلًا بما تقول، شاهدًا بصحته. وكون القبيل في هذه الآية بمعنى الكفيل مروي عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾ شهيدًا. وقال مجاهد: هو جمع قبيلة؛ أي: تأتي بأصناف الملائكة. وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة، أو يكون له بيت من زخرف، أي: من ذهب؛ ومنه قوله "في الزخرف": ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قوله ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي ذهبًا.
أو يرقى في السماء، أي: يصعد فيه، وإنهم لن يؤمنوا لرقيه، أي: من أجل صعوده، حتى ينزل عليهم كتابًا يقرءونه. وهذا التعنت والعناد العظيم الذي ذكره جل وعلا عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر. وبين أنهم لو فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا؛ لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.
وقوله في هذه الآية: ﴿كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ أي: كتابًا من الله إلى كل رجل منا.
стр. 1861
ويوضح هذا قوله تعالى "في المدثر": ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ .. ﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أي: تنزيهًا لربي جل وعلا عن كل ما لا يليق به، ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما اقترحتم؛ فهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، وأنا بشر أتبع ما يوحيه إلى ربي.
وبين هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ .. ﴾ الآية. وكقوله تعالى عن جميع الرسل: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ ﴿تَفْجُرَ﴾ الأولى عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة. واتفق الجميع على هذا في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، والباقون بإسكانها، وقرأ أبو عمرو ﴿تُنَزِّلَ﴾ بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وشد الزاي.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ هذا المانع المذكور هنا عادي؛ لأنه جرت عادة جميع الأمم باستغرابهم بعث الله رسلًا من البشر؛ كقوله: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾
стр. 1862
الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
والدليل على أن المانع في هذه الآية عادي: أنه تعالى صرح بمانع آخر غير هذا "في سورة الكهف" وهو قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ فهذا المانع المذكور "في الكهف" مانع حقيقي؛ لأن من أراد الله به سنة الأولين: من الإهلاك، أو أن يأتيه العذاب قبلًا، فإرادته به ذلك مانعة من خلاف المراد؛ لاستحالة أن يقع خلاف مراده جل وعلا، بخلاف المانع في آية "بني إسرائيل" هذه، فهو مانع عادي يصح تخلفه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب".
• قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ .
بين جلا وعلا في هذه الآية: أن الرسول يلزم أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان مرسلًا رسولًا إلى الملائكة لنزل عليهم ملكًا مثلهم؛ أي: وإذا أرسل إلى البشر أرسل لهم بشرًا مثلهم.
وقد أورضحِ هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
стр. 1863
مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كما تقدم إيضاحه.
• قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من خلق السموات والأرض مع عظمهما قادر على بعث الإنسان بلا شك؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق الأصغر قادر بلا شك.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ .. ﴾ الآية، أي: ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ .
بين تعالى في هذه الآية: أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته -أي: خزائن الأرزاق والنعم- لبخلوا بالرزق على غيرهم، ولأمسكوا عن الإعطاء، خوفًا من الإنفاق لشدة بخلهم.
стр. 1864
وبين أن الإنسان قتور، أي: بخيل مضيق، من قولهم: قتر عن عياله، أي: ضيق عليهم.
وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
والمقرر في علم العربية أن ﴿لَّوْ﴾ لا تدخل إلا على الأفعال، فيقدر لها في الآية فعل محذوف، والضمير المرفوع بعد ﴿لَّوْ﴾ أصله فاعل الفعل المحذوف، فلما حذف الفعل فصل الضمير، والأَصل: قل: لو تملكون. فحذف الفعل فبقيت الواو فجعلت ضميرًا منفصلًا، هو: أنتم. هكذا قاله غير واحد، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .. ﴾ الآية.
قال بعضُ أهل العلم: هذه الآيات التسع، هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات.
وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ
стр. 1865
وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل بدل "السنين" وعليه فقد بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ونحوها من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ .. ﴾ الآية.
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا رب السموات والأرض بصائر، أي: حججًا واضحة، وذلك يدل على أن قول فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ وقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ كل ذلك منه تجاهل عارف.
وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبينًا سبب جحوده لما علمه في "سورة النمل" بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا .. ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل هذا القرآن بالحق، أي: متلبسًا به متضمنًا له؛ فكل ما فيه حق، فأخباره صدق، وأحكامه عدل؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وكيف لا! وقد أنزله جل وعلا بعلمه؛ كما قال تعالى:
стр. 1866
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ .. ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله؛ لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل، كما أشار إلى هذا بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآية، قوله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ الآية، وقوله في هذه الآية: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي: لتبليغه عن ربه، بدلالة لفظ الرسول؛ لأنه يدل على أنه مرسل به.
• قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ قرأ هذا الحرف عامة القراء ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتخفيف، أي: بيناه وأوضحناه، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ بعض الصحابة ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد، أي: أنزلناه مفرقًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) .. ﴾ الآية.
وقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه، ليقرأه على الناس على مكث، أي: مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك، وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا﴾ منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، على حد قوله في الخلاصة:
стр. 1867
فالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد أظهرا
• قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أمر الله جل وعلا عباده في هذه الآية الكريمة: أن يدعوه بما شاءوا من أسمائه، إن شاءوا قالوا: يا ألله، وإن شاءوا قالوا: يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه جل وعلا.
وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.
وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ .. ﴾ الآية. وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ ولذا قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ جواب لقولهم: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ .. ﴾ الآية. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح "في سورة الفرقان".
• قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ .
أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه
стр. 1868
- ﷺ ؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا = أن يقولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله ثابت له، مبينًا أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، عن ذلك كله علوًا كبيرًا.
فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إلى آخر السورة، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) .. ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وبين في مواضع أخر: أنه لا شريك له في ملكه، أي: ولا في عبادته؛ كقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ .. ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
ومعنى قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يعني أنه لا يذل فيحتاج إلى ولي يعز به؛ لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما بينه في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ الآية، وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ والعزيز: الغالب، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ والآيات
стр. 1869
بمثل ذلك كثيرة.
وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ أي: عظمه تعظيمًا شديدًا. ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كا ما يرضيه، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى.
وروى ابن جرير في تفسيره هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا .. ﴾ الآية.
وقال ابن كثير: قلت: وقد جاء فى حديث: أن رسول الله ﷺ سمى هذه الآية آية العز.
وفي بعض الآثار: أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم.
ثم ذكر حديثًا عن أبي يعلى من حديث أبي هريرة مقتضاه: أن قراءة هذه الآية تذهب السقم والضر، ثم قال: إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وسلم، ﷺ .
وهذا آخر الجزء الثالث من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى، وأوله "سورة الكهف" وبالله التوفيق.
стр. 1870
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة الكهف
стр. 1871
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.
علَّم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم؛ وهي إنزاله على نبينا ﷺ هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه؛ بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وبين لهم فيه العقائد، والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ .. ﴾ الآية.
وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم، منذرًا من لم يعمل به، ومبشرًا من عمل به = ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ
стр. 1872
مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا -إلى قوله- ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.
وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ أي لم يجعل في القرآن عوجًا؛ أي لا اعوجاج فيه ألبتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني. أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه؛ لأن قوله: ﴿عِوَجًا (١)﴾ نكرة في سياق النفي؛ فهي تعم نفيَ جميع أنواع العِوَج.
وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه؛ بينه في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾، وقوله:
стр. 1873
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ أي في الأخبار، وقوله: ﴿وَعَدْلًا﴾ أي في الأحكام. وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيمًا لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه ﴿قَيِّمًا﴾ لا ميل فيه ولا زيغ؛ بينه أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾، وقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾، وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ هو قول الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ لأنه قد يكون الشيء مستقيمًا في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر؛ ولذا جمع تعالى بين نفي العوج وإثبات الاستقامة.
وفي قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ وجهان آخران من التفسير:
стр. 1874
الأول: أن معنى كونه ﴿قَيِّمًا﴾ أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي مهيمن عليه. وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ .. ﴾ الآية.
ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية.
الوجه الثاني: أن معنى كونه ﴿قَيِّمًا﴾: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقة يستلزمه الوجه الأول.
واعلم أن علماء العربية اختلقوا في إعراب قوله: ﴿قَيِّمًا﴾؛ فذهب جماعة إلى أنه حال من الكتاب، وأن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره على هذا: أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيمًا ولم يجعل له عوجًا. ومنع هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في "الكشاف" قائلًا: إن قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ معطوف على صلة الموصول التي هي جملة: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة، فجَعْل ﴿قَيِّمًا﴾ حال من ﴿الْكِتَابَ﴾ يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة، وذلك لا يجوز.
وذهب جماعة آخرون إلى أن ﴿قَيِّمًا﴾ حال من ﴿الْكِتَابَ﴾
стр. 1875
وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتفٍ. وذلك أنهم قالوا: إن جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ ليست معطوفة على الصلة، وإنما هي جملة حالية. وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ حال بعد حال، وتقديره أن المعنى: أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجًا، وفي حال كونه قيمًا. وتعدد الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد
وسواء كان ذلك بعطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف: قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾، ومثاله بدون عطف قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا .. ﴾ الآية. وقول الشاعر:
علَيَّ إذا ما جئتُ ليلى بخفية ... زيارةَ بيت الله رجلان حافيا
ونُقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل، في نحو قوله: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا. ونُقل منع ذلك أيضًا عن الفارسي وجماعة. وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون: إن الحال الثانية إنما هي حال من الضمير المستكنّ في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل في الثانية. فهي عندهم أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتًا للأولى. وممن اختار أن جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ حالية، وأن ﴿قَيِّمًا﴾ حال بعد حال الأصفهاني.
وذهب بعضهم إلى أن قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ بدل من قوله: ﴿وَلَمْ
стр. 1876
يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾؛ لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيمًا.
وعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب "حل العقد"، وعليه فهو بدل مفرد من جملة.
كما قالوا في "عرفت زيدًا أبو من": إنه بدل جملة من مفرد. وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية.
وزعم قوم أن ﴿قَيِّمًا﴾ حال من الضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾. واختار الزمخشري وغيره أن ﴿قَيِّمًا﴾ منصوب بفعل محذوف، وتقديره: ولم يجعل له عوجًا وجعله قيمًا، وحَذْف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز؛ كما قال في الخلاصة:
ويُحذف النَّاصبها إن عُلما ... وقد يكون حذفُه ملتزما
وأقرب أوجه الإعراب في قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ أنه منصوب بمحذوف، أو حال ثانية من ﴿الْكِتَابَ﴾ والله تعالى أعلم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ اللام فيه متعلقة بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ وقال الحوفي: هي متعلقة بقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ والأول هو الظاهر.
والإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد. فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ الآية.
وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في
стр. 1877
الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار المذكور دليلًا على المحذوف في الموضعين. وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول: لينذر الذين كفروا بأسًا شديدًا من لدنه. وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا بأسًا شديدًا من لدنه.
وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين؛ إذ قال في تخويف الكفرة به: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، وقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾. وقال في بشارته للمؤمنين: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾.
وهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذارًا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء؛ بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾، وقوله: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.
وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة الأعراف، وأوضحنا هنالك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن.
والبأس الشديد الذي أنذرهم إياه: هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
والبشارة: الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾. ومنه
стр. 1878
قول الشاعر:
وبشَّرْتني يا سعد أن أحِبَّتي ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر
وقول الآخر:
يبشِّرني الغراب بِبَيْن أهلي ... فقلت له ثَكِلْتُك من بشير
والتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازًا، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية، كما هو معروف في محله.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ بينت المراد به آياتٌ أُخَر، فدلت على أن العمل لا يكون صالحًا إلا بثلاثة أمور:
الأول: أن يكون مطابقًا لما جاء به النبي ﷺ . فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو باطل، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ .. ﴾ الآية، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
الثاني: أن يكون العامل مخلصًا في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا
стр. 1879
مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
الثالث: أن يكون العمل مبنيًا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، فجعل الإيمان قيدًا في ذلك.
وبين مفهوم هذا القيد في آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) ﴾، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.
والتحقيق: أن مفرد ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك أنه: صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة؛ كإطلاق اسم الجنس لتناسي الوصفية، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مرادًا بها الفعلة الطيبة.
ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص ابن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله ﷺ :
بنت الأمين جزاك الله صالحة ... وكل بعل سيثني بالذي علما
وقول الحطيئة:
كيف الهجاء ولا تنفك صالحة ... من آل لأم (١) بظهر الغيب تأتيني
стр. 1880
وسئل أعرابي عن الحب فقال:
الحب مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن
• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ أي: وليبشرهم بأن لهم أجرًا حسنًا. والأجر: جزاء العمل، وجزاء عملهم -المعبر عنه هنا بالأجر- هو الجنة؛ ولذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ وذَكَّر الضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ لأنه راجع إلى الأجر وهو مُذكَّر، وإن كان المراد بالأجر الجنة.
ووصف أجرهم هنا بأنه حسن، وبين أوجه حُسْنه في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) -إلى قوله- ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾، وكقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا معلومة.
• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ أي: خالدين فيه بلا انقطاع.
وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ أي ما له من انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ
стр. 1881
اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ أي: ينذرهم بأسًا شديدًا ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عنده كما تقدم. وهذا منَ عطف الخاص على العام؛ لأن قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ شامل للذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ولغيرهم من سائر الكفار.
وقد تقرر في فن المعاني: أن عطف الخاص على العام -إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة- من الإطناب المقبول؛ تنزيلًا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات.
ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة: قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.
ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة: الآية التي نحن بصددها، فإن الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء؛ ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم.
والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جدًا؛ كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
وقد قدمنا أن القرآن بَيَّنَ أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه
стр. 1882
وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ثلاثةُ أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ... ﴾ الآية. والصنف الثالث مشركو العرب؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾، والآيات بنحوها كثيرة معلومة.
• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ يعني أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به؛ لأنه مستحيل.
والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه؛ ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾؛ لأن ظلمهم لربنا، وحصول العلم لهم باتخاذه الولد = كل ذلك مستحيل عقلًا؛ فنفيه لا يدل على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين: "السالبة لا تقتضي وجود الموضوع"، كما بيناه في غير هذا الموضع.
وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد عن ذلك علوًا كبيرًا؛ بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾، وقوله في آبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني أن ما قالوه بأفواههم مِن أنَّ الله اتخذ ولدًا أمر كبير عظيم؛ كما بينا الآيات الدالة على عِظَمِه آنفًا؛ كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ
стр. 1883
قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) .. ﴾ الآية. وكفى بهذا كبرًا وعظمًا.
وقال بعض علماء العربية: إن قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ معناه التعجب؛ فهو بمعنى ما أكبرها كلمة، أو أَكْبِر بها كلمة.
والمقرر في علم النحو: أن "فَعُل" بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً .. ﴾ الآية. وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله:
واجعل كبئس ساء واجعل فعلا ... من ذي ثلاثة كنعم مسجلا
وقوله: "كنعم" أي اجعله من باب "نعم" فيشمل بئس. وإذا تقرر ذلك ففاعل "كبر" ضمير محذوف، و"كلمة" نكرة مميزة للضمير المحذوف؛ على حد قوله في الخلاصة:
ويرفعان مضمرًا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره
والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: اتخذ الله ولدًا.
وأعرب بعضهم ﴿كَلِمَةً﴾ بأنها حال، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم. وليس بشيء.
وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.
стр. 1884
وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
والكذب: مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال.
فائدة
لفظة "كبر" إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي والمضارع، كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ونحو ذلك.
وإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحتها في المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾، وقول المجنون:
تعشَّقْت ليلى وهي ذات ذوائب ... ولم يبد للعينين من ثديها حَجْم
صغيرين نرعى البهم ياليت أننا ... إلى اليوم لم نكْبَر ولم تكْبَر البَهْم
وقوله في هذا البيت: "صغيرين" شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من الفاعل والمفعول معًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ يعني بالكلمة: الكلام الذي هو قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام أوضحته آيات أخر؛ كقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا .. ﴾ الآية، والمراد بها قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ
стр. 1885
صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مرادًا به الكلام المفيد.
• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عِوَجًا (١)﴾ هو بكسر العين في المعاني، كما في هذه الآية الكريمة. وبفتحها فيما كان منتصبًا كالحائط.
قال الجوهري في صحاحه: قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه "عَوج" بالفتح. والعِوج -بالكسر- ما كان في أرض أو دين أو معاش، يقال: في دينه عِوج. اهـ.
وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل ﴿عِوَجًا (١)﴾ بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعارًا بأن ﴿قَيِّمًا﴾ ليس متصلًا بـ ﴿عِوَجًا (١)﴾ في المعنى، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيمًا كما قدمنا.
وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ بإسكان الدال مع إشمامها الضم وكسر النون والهاء ووصلها بياء في اللفظ.
وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الحاء الموحدة وكسر الشين مشددة، وقرأه حمزة والكسائي (يَبْشر) بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة وضم الشين.
• قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ .
اعلم أولًا: أن لفظة "لعل" تكون للترجي في المحبوب،
стр. 1886
وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان في البحر المحيط: أن "لعل" في قوله هنا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ للإشفاق عليه ﷺ أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به.
وقال بعضهم: إن "لعل" في الآية للنهي. وممن قال به العسكري، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط.
وعلى هذا القول فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. وإتيان لعل للاستفهام مذهب كوفي معروف.
وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى "لعل" أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم.
وإطلاق لعل مضمنة معنى النهى فى مثل هذه الآية أسلوبٌ عربي يدل عليه سياق الكلام.
ومن الأدلة على أن المراد بها النهى عن ذلك كثرة ورود النهي صريحًا عن ذلك؛ كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
والباخع: المهلك: أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم، ومنه قول ذي الرمة:
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
стр. 1887
كما تقدم.
وقوله: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾، قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال: إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وقال أبو حيان في البحر: ومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ من بعدهم، أي بعد يأسك من إيمانهم، أو بعد موتهم على الكفر، يقال: مات فلان على أثر فلان؛ أي بعده.
وقال الزمخشري: شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته، فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم، وتلهفًا على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على الغضب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة؛ فاعلم أن ما ذكره فيها جل وعلا من شدة حزن نبيه ﷺ عليهم، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة، كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وكقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾، وكقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾، وكقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ كما قدمناه موضحًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَسَفًا﴾ مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل الأسف. ويجوز إعرابه حالًا؛ أي في حال كونك آسفًا عليهم. على حد قوله في الخلاصة:
стр. 1888
ومصدر منكر حالًا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ .
قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها.
وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص. وعلى هذا القول: فوجه كون الحيَّات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.
وقد قدمنا في ترجمة (١) هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان المذكورة فيه: أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله في هذة الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 1889
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ أي أرضًا بيضاء لا نبات بها. وقد قدمنا معنى "الصعيد" بشواهده العربية في سورة "المائدة".
والجرز: الأرض التي لا نبات بها، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ ومنه قول ذي الرمة:
طوى النحز والأجراز ما في غروضها ... وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
لأن مراده "بالأجراز" الفيافي التي لا نبات فيها، والأجراز: جمع جِرَزَة، والجِرَزَة: جمع جُرُز، فهو جمع الجمع للجُرُز، كما قاله الجوهري في صحاحه.
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ من هذه الزينة ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به كان زينة؛ من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار اهـ.
وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ
стр. 1890
هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ أي: لنختبرهم على ألسنة رسلنا.
وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي الابتلاء في إحسان العمل = بيّن في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة والسموات والأرض، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وقد بين ﷺ الإحسان بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" كما تقدم.
وهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلي خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيدًا جرزًا: فيه أكبر واعظ للناس، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي، ولذا قال ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء". فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
• قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾ .
стр. 1891
﴿أَمْ﴾ في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند الجمهور "بل والهمزة"، وعند بعض العلماء بمعنى "بل" فقط، فعلى القول الأول فالمعنى: بل أحسبت، وعلى الثاني فالمعنى: بل حسبت، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار. وعلى الثاني فهي للإضراب الانتقالي فقط.
وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة: أن الله يقول لنبيه ﷺ : إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست شيئًا عجبًا بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم صنعنا، فإن خلقنا للسموات والأرض، وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدًا جرزا: أعظم وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل، ثم بعثناهم. ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة:
منها: أنه قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا -إلى قوله- صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ .. ﴾ الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها.
ومنها: أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ .. ﴾ الآية، وكقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) -إلى قوله- مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ كما قدمناه مستوفى في سورة "البقرة، والنحل".
стр. 1892
ومن خَلَق هذه المخلوقات العظام، كالسماء والأرض وما فيهما؛ فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح.
والكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يك واسعًا فهو غار. وقيل: كلُّ غارٍ في جبل كهف. وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة.
واختلف العلماء في المراد بـ ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل: الرقيم اسم كلبهم، وهو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول:
وليس بها إلا الرقيم مجاورًا ... وصيدهم والقوم في الكهف هُمَّد
وعن الضحاك أن الرقيم: بلدة بالروم، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الكهف. وقيل: اسم للوادي الذي فيه الكهف. والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟
وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى.
والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت
стр. 1893
إلى شيئين: أحدهما معطوف على الآخر، خلافًا لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم يذكر له شيئًا عن أصحاب الرقيم. وخلافًا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه، فدعو الله بأعمالهم الصالحة؛ وهم البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيدٌ كما ترى.
واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا = كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء زائد على ما في القرآن والمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية، أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عَجَبًا (٩)﴾ صفة لمحذوف، أي: شيئًا عجبًا، أو آية عجبًا.
وقوله. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا، وأصل المعنى: كانوا عجبًا كائنًا من آياتنا، فلما قدم النعت صار حالًا.
• قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف أنهم فتية، وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا
стр. 1894
الدعاء العظيم الشامل لكل خير، وهو قوله عنهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.
وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) -إلى قوله- يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾. و ( إِذْ) في قوله هنا: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ منصوبة بـ (اذكر) مقدرًا. وقيل: بقوله (عجبًا). ومعنى قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام.
ومعنى قوله: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا رحمة من عندك. والرحمة هنا تشمل الرزق، والهدى، والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة.
والفِتْية: جمع "فتى" جمع تكسير، وهو من جموع القلة. ويدل لفظ الفتية على قلتهم، وأنهم شباب لا شيب، خلافًا لما زعمه ابن السراج: من أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير. وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة أشارَ ابنُ مالك في الخلاصة بقوله:
أفعلة أفعل ثم فِعْلَه ... كذاك أفعال جموع قله
والتهيئة: التقريب والتيسير، أي: يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشدًا. والرشد: الاهتداء والديمومة عليه.
و ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيها وجهان؛ أحدهما: أنها هنا للتجريد، وعليه فالمعنى: اجعل لنا أمرنا رشدًا كله؛ كما
стр. 1895
تقول: لقيت من زيد أسدًا. ومن عمرو بحرًا.
والثاني: أنها للتبعيض؛ وعليه فالمعنى: واجعل لنا بعض أمرنا؛ أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة الكفار رشدًا، حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.
• قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين عددًا. ولم يبين قدر هذا العدد هنا، ولكنه بينه في موضع آخر؛ وهو قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
وضَرْبُه جل وعلا على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم، ومفعول (ضربنا) محذوف، أي: ضربنا على آذانهم حجابًا مانعًا من السماع فلا يسمعون شيئًا يوقظهم. والمعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.
وقوله: ﴿سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ على حذف مضاف، أي: ذات عدد، أو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي سنين معدودة. وقد ذكرنا الآية المبينة لقدر عددها بالسنة القمرية والشمسية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
وقال أبو حيان في البحر في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ عَبَّر بالضرب ليدل علي قوة المباشرة واللصوق واللزوم، ومنه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، وضَرْب الجزية، وضَرْب البعث. وقال الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوتُ بنسجها ... وقضى عليك به الكتابُ المنزلُ