﴿أَمْ﴾ في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند الجمهور "بل والهمزة"، وعند بعض العلماء بمعنى "بل" فقط، فعلى القول الأول فالمعنى: بل أحسبت، وعلى الثاني فالمعنى: بل حسبت، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار. وعلى الثاني فهي للإضراب الانتقالي فقط.
وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة: أن الله يقول لنبيه ﷺ : إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست شيئًا عجبًا بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم صنعنا، فإن خلقنا للسموات والأرض، وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدًا جرزا: أعظم وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل، ثم بعثناهم. ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة:
منها: أنه قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا -إلى قوله- صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ .. ﴾ الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها.
ومنها: أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ .. ﴾ الآية، وكقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) -إلى قوله- مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ كما قدمناه مستوفى في سورة "البقرة، والنحل".
стр. 1892
ومن خَلَق هذه المخلوقات العظام، كالسماء والأرض وما فيهما؛ فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح.
والكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يك واسعًا فهو غار. وقيل: كلُّ غارٍ في جبل كهف. وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة.
واختلف العلماء في المراد بـ ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل: الرقيم اسم كلبهم، وهو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول:
وليس بها إلا الرقيم مجاورًا ... وصيدهم والقوم في الكهف هُمَّد
وعن الضحاك أن الرقيم: بلدة بالروم، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الكهف. وقيل: اسم للوادي الذي فيه الكهف. والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟
وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى.
والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت
стр. 1893
إلى شيئين: أحدهما معطوف على الآخر، خلافًا لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم يذكر له شيئًا عن أصحاب الرقيم. وخلافًا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه، فدعو الله بأعمالهم الصالحة؛ وهم البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيدٌ كما ترى.
واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا = كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء زائد على ما في القرآن والمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية، أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عَجَبًا (٩)﴾ صفة لمحذوف، أي: شيئًا عجبًا، أو آية عجبًا.
وقوله. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا، وأصل المعنى: كانوا عجبًا كائنًا من آياتنا، فلما قدم النعت صار حالًا.
• قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف أنهم فتية، وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا
стр. 1894
الدعاء العظيم الشامل لكل خير، وهو قوله عنهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.
وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) -إلى قوله- يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾. و ( إِذْ) في قوله هنا: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ منصوبة بـ (اذكر) مقدرًا. وقيل: بقوله (عجبًا). ومعنى قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام.
ومعنى قوله: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا رحمة من عندك. والرحمة هنا تشمل الرزق، والهدى، والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة.
والفِتْية: جمع "فتى" جمع تكسير، وهو من جموع القلة. ويدل لفظ الفتية على قلتهم، وأنهم شباب لا شيب، خلافًا لما زعمه ابن السراج: من أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير. وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة أشارَ ابنُ مالك في الخلاصة بقوله:
أفعلة أفعل ثم فِعْلَه ... كذاك أفعال جموع قله
والتهيئة: التقريب والتيسير، أي: يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشدًا. والرشد: الاهتداء والديمومة عليه.
و ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيها وجهان؛ أحدهما: أنها هنا للتجريد، وعليه فالمعنى: اجعل لنا أمرنا رشدًا كله؛ كما
стр. 1895
تقول: لقيت من زيد أسدًا. ومن عمرو بحرًا.
والثاني: أنها للتبعيض؛ وعليه فالمعنى: واجعل لنا بعض أمرنا؛ أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة الكفار رشدًا، حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.
• قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين عددًا. ولم يبين قدر هذا العدد هنا، ولكنه بينه في موضع آخر؛ وهو قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
وضَرْبُه جل وعلا على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم، ومفعول (ضربنا) محذوف، أي: ضربنا على آذانهم حجابًا مانعًا من السماع فلا يسمعون شيئًا يوقظهم. والمعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.
وقوله: ﴿سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ على حذف مضاف، أي: ذات عدد، أو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي سنين معدودة. وقد ذكرنا الآية المبينة لقدر عددها بالسنة القمرية والشمسية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
وقال أبو حيان في البحر في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ عَبَّر بالضرب ليدل علي قوة المباشرة واللصوق واللزوم، ومنه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، وضَرْب الجزية، وضَرْب البعث. وقال الفرزدق:
ضربت عليك العنكبوتُ بنسجها ... وقضى عليك به الكتابُ المنزلُ
стр. 1896
وقال الأسود بن يعفر:
ومن الحوادث لا أبالك أنني ... ضربَتْ علَيَّ الأرض بالأسداد
وقال آخر:
إن المروءة والسماحةَ والندى ... في قبة ضُرِبَتْ على ابن الحشرج
وذكر الجارحة التي هي الآذان، إذ هي يكون منها السمع؛ لأنه لا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع. وفي الحديث: "ذلك رجل بال الشيطان في أذنه" أي استثقل نومه جدًا حتى لا يقوم بالليل اهـ كلام أبي حيان.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مِن حِكَم بَعْثه لأصحاب الكهف بعد هذه النومة الطويلة: أن يبين للناس أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم أحصى لذلك وأضبط له. ولم يبين هنا شيئًا عن الحزبين المذكورين.
وأكثر المفسرين على أن أحد الحزبين: هم أصحاب الكهف. والحزب الثاني: هم أهل المدينة الذين بُعِث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية. وقيل: هما حزبان من أهل المدينة المذكورة، كان منهم مؤمنون وكافرون. وقيل: هما حزبان من المؤمنين في زمن أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم، قاله الفراء. وعن ابن عباس: الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب، وأصحاب الكهف حزب. إلى غير ذلك من الأقوال.
стр. 1897
والذي يدل عليه القرآن: أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول.
ولقائل أن يقول: قوله عنهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم. والله تعالى أعلم.
وقد يجاب عن ذلك بأن رَدَّ العلم إلى الله لا ينافي العلم، بدليل أن الله أعلم نبيه بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم أمره برد العلم إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ الآية.
وقوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: من نومتهم الطويلة. والبعث: التحريك من سكون، فيشمل بعث النائم والميت، وغير ذلك.
وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يذكر الله جل وعلا حِكمة لشيء في موضع، ويكون لذلك الشيء حِكَم أُخر مذكورة في مواضع أخرى؛ فإنا نُبينها، ومثلنا لذلك، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حِكَم بعثهم: إظهاره للناس أيّ الحزبين أحصى لِما لبثوا أمدًا. وقد بين لذلك حِكَمًا أخر في غير هذا الموضع.
стр. 1898
منها: أن يتساءلوا عن مدة لبثهم، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
ومنها: إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق، لدلالة قصة أصحاب الكهف على ذلك. وذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ الآية.
واعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ﴾ الآية، لا يدل على أنه لم يكن عالمًا بذلك قبل بعثهم وإنما علم بعد بعثهم كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة! بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، لا يخفى عليه من ذلك شيء. والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثرة.
وقد قدمنا: أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علمًا جديدًا عن ذلك علوًا كبيرا- قولَه تعالى في آل عمران: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾، فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل واضح في ذلك.
وإذا حققت ذلك فمعنى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي: نعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه.
واختلف العلماء في قوله: ﴿أَحْصَى﴾ فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و ﴿أَمَدًا﴾ مفعوله. و"ما" في قوله: ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾
стр. 1899
مصدرية؛ وتقرير المعنى على هذا: لنعلم أيُّ الحزبين ضبَطَ (أمدًا) للبثهم في الكهف.
وممن اختار أن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض: الفارسي والزمخشري وابن عطية وغيرهم.
وذهب بعضهم إلى أن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل، و ﴿أَمَدًا﴾ تمييز. وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين.
والذين قالوا: إن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض قالوا: لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياسًا إلا من الثلاثي، و ﴿أَحْصَى﴾ رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسًا. قالوا: وقولهم: ما أعطاه، وما أولاه للمعروف، وأعدى من الجرب، وأفلس من ابن المُذلَّق = شاذ لا يقاس عليه، فلا يجوز حمل القرآن عليه.
واحتج الزمخشري في الكشاف أيضًا لأن ﴿أَحْصَى﴾ ليست صيغة تفضيل: بأن ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ لا يخلو: إما أن ينتصب بأفعل، فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب بـ ﴿لَبِثُوا﴾، فلا يسدّ عليه المعنى -أي: لا يكون سديدًا على ذلك القول- وقال: فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما أضمر في قوله:
• وأضرب منا بالسيوف القوانسا*
أي: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيتَ أن يكون ﴿أَحْصَى﴾ فعلًا، ثم رجعت مضطرًا إلى تقديره
стр. 1900
وإضماره. انتهى كلام الزمخشري.
وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا: لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي، ولا نسلم أيضًا أنها لا تعمل.
وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من "أفعل" كما هنا، أو لا تصاغ منه؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو:
الأولى: جواز بنائها من "أفعل" مطلقًا، وهو ظاهر كلام سيبويه، وهو مذهب أبي إسحاق، كما نقله عنه أبو حيان في البحر.
والثاني: لا يبنى منه مطلقًا، وما سُمع منه فهو شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
وبالندور احكم لغير ما ذكر ... ولا تقس على الذي منه أُثِر
كما قدمناه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.
الثالث: تصاغ من "أفعل" إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة؛ كأظلم الليل، وأشكل الأمر. لا إن كانت الهمزة للنقل، فلا تصاغ منها. وهذا هو اختيار أبي الحسن بن عصفور. وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو.
وأما قول الزمخشري: "فأفعل لا يعمل"، فليس بصحيح؛ لأن صيغة التفضيل تعمل في التمييز بلا خلاف، وعليه درج في
стр. 1901
الخلاصة بقوله:
والفاعل المعنى انصِبَن بأفعلا ... مفضَلًا كانت أعلى منزلا
و ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ تمييز كما تقدم؛ فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه.
وذهب الطبري إلى أن: ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ منصوب بـ ﴿لَبِثُوا﴾ وقال ابن عطية: إن ذلك غير متجه.
وقال أبو حيان: قد يتجه ذلك؛ لأن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن المدة غاية. و"ما" بمعنى الذي، و ﴿أَمَدًا﴾ منتصب على إسقاط الحرف، أي: لما لبثوا من أمد، أي مدة. ويصير "من أمد" تفسيرًا لما انبهمِ في لفظ ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾، كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل.
قال مقيده -عفا الله عنه-: إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان:
إلا لمثلكَ أو من أنتَ سابقه ... سبق الجواد إذا استولَى على الأمدِ
وقد قدمنا في سورة "النساء": أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقًا. ولكن نصب قوله: ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ بقوله: ﴿لَبِثُوا﴾ غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية، وكما لا يخفى.
وأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل، وأعربوا
стр. 1902
قول العباس بن مرداس السلمي:
فلم أر مثل الحيِّ حيًا مصبحًا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكرَّ وأحْمَى للحقيقة منهم ... وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا
بأن "القوانس" مفعول به لصيغة التفضيل التي هي "أضرب". قالوا: ولا حاجة لتقدير فعل محذوف. ومن هنا قال بعض النحويين: إن ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ منصوب بصيغة التفضيل قبله نَصْب المفعول به.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ومذهب الكوفيين هذا أجرى عندي على المعنى المعقول؛ لأن صيغة التفضيل فيها معنى المصدر الكامن فيها فلا مانع من عملها عمله. ألا ترى أن قوله: "وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا" معناه: يزيد ضربنا بالسيوف القوانس على ضرب غيرنا، كما هو واضح. وعلى هذا الذي قررنا فلا مانع من كون ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ منصوب بـ ﴿أَحْصَى﴾ نصب المفعول به على أنه صيغة تفضيل. وإن كان القائلون بأن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل أعربوا ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ بأنه تمييز.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه رفع ﴿أَيُّ﴾ من قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ الآية، مع أنه في محل نصب لأنه مفعول به؟ فالجواب: أن للعلماء في ذلك أجوبة، منها: أن ﴿أَيُّ﴾ فيها معنى الاستفهام، والاستفهام يعلق الفعل عن مفعوليه كما قال ابن مالك في الخلاصة عاطفًا على ما يعلق الفعل القلبي عن مفعوليه:
стр. 1903
وإنْ وَلا لامُ ابتداءٍ أو قسم ... كذا والاستفهامُ ذا له انحتَمْ
ومنها: ما ذكره الفخر الرازي وغيره، من أن الجملة بمجموعها متعلق العلم، ولذلك السبب لم يظهر عمل قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ في لفظة ﴿أَيُّ﴾ بل بقيت على ارتفاعها. ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول كما ترى.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر أوجه الأعاريب عندي في الآية: أن لفظة ﴿أَيُّ﴾ موصولة استفهامية. و ﴿أَيُّ﴾ مبنية لأنها مضافة، وصدر صلتها محذوف على حد قوله في الخلاصة:
أيٌّ كما وأُعربت ما لم تضف ... وصدرُ وصلها ضميرٌ انحذف
ولبنائها لم يظهر نصبها. وتقرير المعنى على هذا: لنعلم الحزب الذي هو أحصى لما لبثوا أمدًا ونميزه عن غيره. و ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل كما قدمنا توجيهه. نعم، للمخالف أن يقول: إن صيغة التفضيل تقتضي بدلالة مطابقتها الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل الفعل، وأحد الحزبين لم يشارك الآخر في أصل الإحصاء لجهله بالمدة من أصلها، وهذا مما يقوي قول من قال: إن ﴿أَحْصَى﴾ فعل، والعلم عند الله تعالى.
فإن قيل: أي فائدة مهمة في معرفة الناس للحزب المحصي أمد اللبث من غيره، حتى يكون علة غائية لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ .. ﴾ الآية؟ وأي فائدة مهمة في مساءلة بعضهم بعضًا، حتى يكون علة غائية لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾؟
فالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله
стр. 1904
تعالى أعلم: أن ما ذكر من إعلام الناس بالحزب الذي هو أحصى أمدًا لما لبثوا، ومساءلة بعضهم بعضًا عن ذلك، يلزمه أن يظهر للناس حقيقة أمر هؤلاء الفتية، وأن الله ضرب على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم بعثهم أحياء طرية أبدانهم لم يتغير لهم حال. وهذا من غريب صنعه جل وعلا الدال على كمال قدرته، وعلى البعث بعد الموت. ولاعتبار هذا اللازم جعل ما ذكرنا علة غائية، والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه ﷺ : أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكدًا له أنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله جل وعلا زادهم هدى.
ويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى؛ لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان.
وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 1905
وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضًا، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك. وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ .
أي: ثبتنا قلوبهم وقويناهم على الصبر، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار في جبل لا أنيس به، ولا ماء ولا طعام.
ويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من كان في طاعة ربه جل وعلا، أنه تعالى يقوِّي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر الجميل.
وقد أشار تعالى إلى وقائع من هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في أهل بدر مخاطبًا نبيه ﷺ وأصحابه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وكقوله في أم موسى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.
وأكثر المفسرين على أن قوله: ﴿إِذْ قَامُوا﴾ أي: بين يدي ملك بلادهم، وهو ملك جبار يدعو إلى عبادة الأوثان، يزعمون أن اسمه: دقيانوس.
стр. 1906
وقصتهم مذكورة في جميع كتب التفسير، أعرضنا عنها لأنها إسرائيليات. وفي قيامهم المذكور هنا أقوال أخر كثيرة. والعامل في قوله: ﴿إِذْ﴾ هو ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ حين قاموا.
• قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى قالوا: إن ربهم هو رب السموات والأرض، وأنهم لن يدعوا من دونه إلهًا، وأنهم لو فعلوا ذلك قالوا شططًا. أي: قولًا ذا شطط. أو هو من النعت بالمصدر للمبالغة؛ كأن قولهم هو نفس الشطط. والشطط: البعد عن الحق والصواب. وإليه ترجع أقوال المفسرين، كقول بعضهم ﴿شَطَطًا (١٤)﴾: جورًا، تعديًا، كذبًا، خطأً، إلى غير ذلك من الأقوال.
وأصل مادة الشطط: مجاوزة الحد، ومنه: أَشَطَّ في السَّوْم، إذا جاوز الحد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ الآية. أو البعد، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
تشط غدًا دار جيراننا ... وللدار بعد غد أبعد
ويكثر استعمال الشطط في الجور والتعدي، ومنه قول الأعشى:
اتنتَهون ولن ينهى ذوي شططٍ ... كالطعن يذهبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ
وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن من أشرك مع خالق السموات والأرض معبودًا آخر، فقد جاء بأمر شططٍ بعيد عن الحق والصواب، في غاية الجور والتعدي. لأن الذي يستحق
стр. 1907
العبادة هو الذي يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود؛ لأن الذي لا يقدر على خلق غيره مخلوقٌ يحتاج إلى خالق يخلقه ويرزقه ويدبر شئونه.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ أي: الواحد القهار الذي هو خالق كل شيء، هو المستحق للعبادة وحده جل وعلا. وقوله جل وعلا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: إذا دعونا من دونه إلهًا؛ فقد قلنا شططًا.
• قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ . ﴿لَوْلَا﴾ في هذه الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة. والمراد بهذا الطلب التعجيز؛ لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بَيِّن على جواز عبادة غير الله تعالى. والمراد بالسلطان البيِّن: الحجة الواضحة.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من تعجيزهم عن
стр. 1908
الإتيان بحجة على شركهم وكفرهم، وإبطال حجة المشركين على شركهم = جاءَ موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾، وقوله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾، وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾، والآيات الدالة على أن المشركين لا مستند لهم في شركهم إلا تقليد آبائهم الضالين كثيرة جدًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿قَوْمُنَا﴾ قيل: عطف بيان، والخبر جملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ وقيل: ﴿قَوْمُنَا﴾ خبر المبتدأ، وجملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ في محل حال. والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾ .
أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب بادعاء أن له شريحًا، كما افتراه عليه قوم أصحاب الكهف، كما قال عنهم أصحاب الكهف: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآية.
стр. 1909
وهذا المعنى الذي ذكره هنا من أن افتراء الكذب على الله يجعل الشركاء له هو أعظم الظلم = جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ .
﴿وَإِذِ﴾ في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ للتعليل على التحقيق، كما قاله ابن هشام، وعليه فالمعنى: ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من دون الله، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا. وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته.
وهذا المعنى يدل عليه أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾. واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه﴾ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في قوله: ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ أي:
стр. 1910
واعتزلتم معبوديهم من دون الله. وقيل: "ما" مصدرية، أي: اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير الله تعالى. والأول أظهر.
وقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ قيل: هو استثناء متصل، بناء على أنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. وقيل: هو استثناء منقطع بناء على القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام، ولا يعرفون الله ولا يعبدونه.
وقوله: ﴿مِرْفَقًا﴾ أي: ما ترتفقون به أي تنتفعون به. وقرأه نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء. وقرأه باقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء وترقيق الراء، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به، وفي عضو الإنسان المعروف. وأنكر الكسائي في "المرفق" -بمعنى عضو الإنسان- فتحَ الميم وكسرَ الفاء، وقال: هو بكسر الميم وفتح الفاء، ولا يجوز غير ذلك.
وزعم ابن الأنباري أن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ بمعنى البدلية، أي: يهيئ لكم بدلًا من ﴿أَمْرِكُمْ﴾ الصعب مرفقا. وعلى هذا الذي زعم آيات (١) كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدلًا منها وعوضا عنها. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
فليتَ لنا من ماء زمزم شربة ... مبرَّدة باتت على طَهَيان
أي: بدلًا من ماء زمزم، والله تعالى أعلم.
стр. 1911
ومعنى ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾: يبسط لكم؛ كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ .. ﴾ الآية: وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ﴾ أي: يُيَسِّر ويقرِّب ويسهِّل.
• قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ .
اعلم أولًا أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا من ذلك أمثلة متعددة.
وإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية على قولين، وفي نفس الآية قرينة تدل على صحة أحدهما، وعدم صحة الآخر.
أما القول الذي تدل القرينة في الآية على خلافه: فهو أن أصحاب الكهف كانوا في زاوية من الكهف، وبينهم وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف، تقيهم حر الشمس عند طلوعها وغروبها؛ على ما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى.
وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته: فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله؛ إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة؛ كرامة لهؤلاء القوم الصالحين، الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا.
стр. 1912
والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ إذ لو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرًا معتادًا مألوفًا، وليس فيه غرابة حتى يقال فيه ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه أنه تشهد له القرينة المذكورة؛ فمعنى تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها، وقرضها إياهم ذات الشمال عند غروبها: هو أن الله يقلص ضوءَها عنهم، ويبعده إلى جهة اليمين عند الطلوع، وإلى جهة الشمال عند الغروب؛ والله جل وعلا قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء. فإذا علمت هذا؛ فاعلم أن أصحاب القول الأول اختلفوا في كيفية وضع الكهف.
وجزم ابن كثير في تفسيره بأن الآية تدل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، قال: لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي يتقلّص الفيءُ يَمْنة. كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: تزاور أي: تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق، فدل على صحة ما قلناه. وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب.
وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب. ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب. ولا تزاور الفيء يمينًا وشمالًا.
стр. 1913
ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. انتهى كلام ابن كثير.
وقال الفخر الرازي في تفسيره: أصحاب هذا القول قالوا: إن باب الكهف كان مفتوحًا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه. انتهى كلام الرازي.
وقال أبو حيان في تفسير هذه الآية: وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية. وقال عبد الله بن مسلم: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وعلى هذا كان أعلى الكهف مستورًا من المطر.
قال ابن عطية: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب، اختار الله لهم مضجعا متسعًا في مقنأة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم. انتهى الغرض من كلام أبي حيان. والمقنأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس.
إلى غير ذلك من أقوال العلماء. والقول الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا.
وممن اعتمد القول الأول لأجل القرينة المذكورة: الزجاج، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني. في تفسيريهما،
стр. 1914
لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة.
وقال الشوكاني ﵀ في تفسيره: ويؤيد القول الأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ فإن صَرْف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضًا إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا. ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:
ألبستَ قومك مخزاة ومنقصة ... حتى أُبِيْحوا وحلّوا فجوةَ الدار
انتهى كلام الشوكاني.
ومعلوم أن الفجوة: هي المتسع. وهو معروف في كلام العرب ومنه البيت المذكور، وقول الآخر:
ونحن ملأنا كلَّ واد وفجوة ... رجالًا وخيلًا غير ميل ولا عزل
ومنه الحديث: "فإذا وجد فجوة نصَّ".
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي: ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل على كهفهم. والمعنى: أنك لو رأيتهم لرأيتهم كذلك. لا أن المخاطب رآهم بالفعل، كما يدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا .. ﴾ الآية والخطاب بمثل هذا مشهور في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم.
وأصل مادة التزاور: الميل، فمعنى تزاور: تميل. والزور: الميل، ومنه شهادة الزور؛ لأنها ميل عن الحق. ومنه الزيارة؛ لأن
стр. 1915
الزائر يميل إلى المزور. ومن هذا المعنى قول عنترة في معلقته:
فازورَّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليَّ بعبرة وتَحَمْحُم
وقول عمر بن أبي ربيعة:
وخُفِّض عني الصوتُ أقبلتُ مشيةَ الـ ... ـحُباب وشخصي خشيةَ الحيِّ أزْوَر
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين. وقال أبو حيان في البحر: وذات اليمين: جهة يمين الكهف، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين، يعني يمين الداخل إلى الكهف، أو يمين الفتية اهـ وهو منصوب على الظرف.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ من القرض بمعنى القطيعة والصرم؛ أي: تقطعهم وتتجافى عنهم ولا تقربهم. وهذا المعنى معروف في كلام العرب؛ ومنه قول غيلان ذي الرمة:
نظرت بجرعاء السبيبة نظرة ... ضحى وسواد العين في الماء شامس
إلى ظُعُن يقرضن أقواز مشرف ... شمالًا وعن أيمانهن الفوارس
فقوله: "يقرضن أقواز مشرف" أي: يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال، وعن أيمانهن الفوارس، وهو موضع أو رمال الدهناء. والأقواز: جمع قوز -بالفتح- وهو العالي من الرمل كأنه جبل. ويروى: "أجواز مشرف"، جمع جوز؛ من المجاز بمعنى الطريق.
وهذا الذي ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ خلافًا لمن زعم أن معنى تقرضهم: تقطعهم من ضوئها شيئًا ثم
стр. 1916
يزول سريعًا كالقرض يُسترد. ومراد قائل هذا القول: أن الشمس تميل عنهم بالغداة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا يتعفن.
قال أبو حيان في البحر: ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيًا، فتكون التاء في قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ مضمومة، لكن دل فتح التاء من قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ على أنه من القرض بمعنى القطع، أي: تقطع لهم من ضوئها شيئًا، وقد علمت أن الصواب القول الأول. وقد قدمنا أن الفجوة: المتسع.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ فيه ثلاث قراءات سبعيات:
قرأه ابن عامر الشامي "تَزْوَرّ" بإسكان الزاي، وإسقاط الألف وتشديد الراء؛ على وزن "تَحْمَرّ"، وهو على هذه القراءة من الازورار بمعنى الميل؛ كقول عنترة المتقدم:
• فازورَّ من وقع القنا ... * ... البيت
وقرأه الكوفيون -وهم عاصم وحمزة والكسائي- بالزاي المخففة بعدها ألف. وعلى هذه القراءة فأصله "تتزاور" فحذفت منه إحدى التاءين؛ على حد قوله في الخلاصة:
وما بتاءين ابتُدِي قد يُقتصر ... فيه على كَتبَيَّنُ العِبَر
وقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري "تَزَّاوَرُ" بتشديد الزاي بعدها ألف، وأصله "تتزاور" أدغمت فيه التاء في الزاي. وعلى هاتين القراءتين -أعني قراءة حذف إحدى التاءين،
стр. 1917
وقراءة إدغامها في الزاي- فهو من التزاور بمعنى الميل أيضًا. وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا، وكقولهم: سافر وعاقب وعافى.
وعلى قول من قال: إن في الكهف حواجز طبيعية تمنع من دخول الشمس بحسب وضع الكهف، فالإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ راجعة إلى ما ذكر من حديثهم، أي: ذلك المذكور، أي: هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، وإيوائهم إلى ذلك الكهف، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم = من آيات الله.
وأصل الآية عند المحققين "أَيَيَة" بثلاث فتحات، أبدلت فيه الياء الأولى ألفًا؛ والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال في الأخير، لأن التغيير عادة أكثر في الأواخر، كما في "طوى ونوى"، ونحو ذلك. وهنا أعل الأول على خلاف الأغلب، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وإن لحرفينِ ذا الاعلالُ استُحِق ... صُحِّح أولٌ وعَكْسٌ قد يَحِق
والآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضًا. أما إطلاقاها في اللغة، الأول منهما: أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ... ﴾ الآية، وقول عمر بن أبي ربيعة:
بآية ما قالت غداةَ لقيتها ... بمدفع أكنانٍ أهذا المُشَهَّرُ
стр. 1918
يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله:
ألِكْني إليها بالسلام فإنه ... يُشَهَّر إلمامي بها ويُنَكَّرُ
وقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله:
توهَّمتُ آياتٍ لها فعرفتها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده:
رمادٌ ككُحْل العين لأيًا أُبيْنُه ... ونُويٌ كجِذْم الحوض أَثْلَم خاشِعُ
وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره:
خرجنا من النقبين لا حَيّ مثلنا ... بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا
فقو له: "بآياتنا" أي: بجماعتنا.
وإما إطلاقاها في القرآن؛ فالأول منهما: إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من "الآية" بمعنى العلامة لغة.
وأما إطلاقها الثاني في القرآن؛ فهو إطلاقها على الآية
стр. 1919
الشرعية الدينية، كقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ ... ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.
والآية الشرعية الدينية قيل: هي من "الآية" بمعنى العلامة لغة؛ لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها.
وقيل: من "الآية". بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن.
• قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الهدى والإضلال بيده وحده جل وعلا، فمن هداه فلا مضل له، ومن أضله فلا هادي له.
وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ والآيات
стр. 1920
بمثل هذا كثيرة جدًا.
ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقل بعمله من خير أو شر، وأن ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد. سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته! وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا! وسيأتي بسط هذا المبحث إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحناه أيضًا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "الشمس" في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.
وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ أي: لن يكون بينه وبينه سبب للموالاة يرشده إلى الصواب والهدى، أي: لن يكون ذلك؛ لأن من أضله الله فلا هادي له. وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ قرأه بإثبات الياء في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو. وبقية السبعة قرءوه بحذف الياء في الحالين.
• قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ .
الحسبان بمعنى الظن. والأيقاظ: جمع يقظ -بكسر القاف وضمها-، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلما رأت من قد تنبَّه منهم ... وأَيْقاظَهم قالت أَشِرْ كيفَ تأمُرُ
والرقود: جمع راقد وهو النائم، أي: تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظًا والحال أنهم رقود. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا .. ﴾ الآية. وقال
стр. 1921
بعض العلماء: سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة. وقيل: لكثرة تقلبهم. وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. وكلام المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه؛ ولذا أعرضنا عن ذكر الأقوال فيه.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ قرأه بفتح السين على القياس ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان مشهورتان، والفتح أقيس والكسر أفصح.
• قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ .
اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ فقيل: هو فناء البيت. ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقيل الوصيد: الباب، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل: الوصيد العتبة. وقيل: الصعيد. والذي يشهد له القرآن أن الوصيد هو الباب. ويقال له "أصيد" أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ أي مغلقة مطبقة؛ وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد، وهو الباب من أبوابها. ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر:
تحن إلى أجبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء موصدة
وقول ابن قيس الرقيات:
إن في القصر لو دخلنا غزالًا ... مُصْفقًا موصدًا عليه الحجابُ
فالمراد بالإيصاد في جميع ذلك: الإطباق والإغلاق؛ لأن
стр. 1922
العادة فيه: أن يكون بالوصيد وهو الباب. ويقال فيه أصيد. وعلى اللغتين القراءتان في قوله: ﴿مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ مهموزًا من "الأصيد"، وغير مهموز من "الوصيد".
ومن إطلاق العرب الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل زهير:
بأرض فضاءٍ لا يُسد وصيدُها ... علَيَّ ومعروفي بها غير منكر
أي: لا يسد بابها علَيَّ، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي؛ كقول الآخر:
• ولا ترى الضب بها ينجحر*
فإن قيل: كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية، والكهف غار في جبل لا باب له؟.
فالجواب: أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه؛ فلا مانع من تسمية المدخل إلى الكهف بابًا. ومن قال: الوصيد الفناء، لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن فناء الكهف هو بابه. وقد قدمنا مرارًا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا وتكون فى الآية قرينة تدل على خلافه.
وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالكلب في هذه الآية: رجل منهم لا كلب حقيقي. واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة، كقراءة "وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد" وقراءة "وكالئهم باسط ذراعيه".
стр. 1923
وقوله جل وعلا: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قرينة على بطلان ذلك القول؛ لأن بسط الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي، وقراءة "وكالئهم" بالهمزة لا تنافي كونه كلبًا، لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم. والكلاءة: الحفظ.
فإن قيل: ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو ﴿بَاسِطٌ﴾ في مفعوله الذي هو ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾، والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة "أل" لا يعمل إلا إذا كان واقعًا في الحال أو المستقبل؟.
فالجواب: أن الآية هنا حكاية حال ماضية، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.
واعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطًا ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم - يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن اهـ.
ويدل لهذا المعنى قوله ﷺ لمن قال إني أحب الله ورسوله: "أنت مع من أحببت" متفق عليه من حديث أنس.
стр. 1924
ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم؛ كما بينه الله تعالى في سورة "الصافات" في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) -إلى قوله- تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.
وما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم، فيقول بعضهم: اسمه قطمير. ويقول بعضهم: اسمه حمران، إلى غير ذلك، لم نطل به الكلام لعدم فائدته.
ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه.
وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائمًا؛ كلون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه، ولا دليل على التحقيق فيه.
وقد قدمنا في سورة "الأنعام" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ .. ﴾ الآية حكمَ أكل لحم الكلب وبيعه، وأخذ قيمته إن قتل، وما يجوز اقتناؤه منها وما لا يجوز. وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء فيه.
• قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ
стр. 1925
مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ليتساءلوا بينهم، أي ليسأل بعضهم بعضًا عن مدة لبثهم في الكهف في تلك النومة، وأن بعضهم قال: إنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، وبعضهم رد علم ذلك إلى الله جل وعلا.
ولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ كما تقدم.
• قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ .
في قوله هذه الآية ﴿أَزْكَى﴾ قولان للعلماء.
أحدهما: أن المراد بكونه ﴿أَزْكَى﴾ أطيب لكونه حلالًا ليس مما فيه حرام ولا شبهة.
والثاني: أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم: زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب
أي: أكثر من ثلاثة.
والقول الأول هو الذي يدل له القرآن؛ لأن أكل الحلال
стр. 1926
والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا .. ﴾ الآية، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
فالزكاة في هذه الآيات ونحوها: يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم: الحِلِّيَّة والطهارة، لا الكثرة. وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين. وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ وقيل: كان فيها أهل كتاب ومجوس. والعلم عند الله تعالى.
والوَرِق في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾: الفضة. وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفقه:
المسألة الأولى: جواز الوكالة وصحتها؛ لأن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ .. ﴾ الآية يدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام. وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقًا بل مع التقية والخوف؛ لأنهم لو خرجوا كلهم
стр. 1927
لشراء حاجتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام.
قال ابن العربي: وكأنَّ سحنون تلقَّفه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام قضائه. ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافًا منهم وإذلالًا لهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل اهـ.
وقال القرطبي: كلام ابن العربي هذا حسن؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح: ما أخرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه" فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سنًا فوقها. فقال "أعطوه" فقال: أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي ﷺ : "إن خيركم أحسنكم قضاء" لفظ البخاري.
فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي ﷺ : أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي ﷺ مريضًا ولا مسافرًا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلاف قولهما اهـ كلام القرطبي.
ولا يخفى ما فيه؛ لأن أبا حنيفة وسحنونًا إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في
стр. 1928
الوكالة في دفع الحق.
وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيهًا بها على غيرها.
اعلم أولًا: أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة؛ فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا .. ﴾ الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها.
واستدل لذلك بعض العلماء أيضًا بقوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي .. ﴾ الآية؛ فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيرًا.
واستدل بعضهم لذلك أيضًا بقوله تعالى عن يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الآية، فإنه توكيل على ما في خزائن الأرض.
وأما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها؛ من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي ﷺ نحوه.
ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي: أن النبي ﷺ -
стр. 1929
أعطاه دينارًا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين. فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه؛ وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني، وفيه التوكيل على الشراء.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته" أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه ﷺ بأن له وكيلًا.
ومنها قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود.
ومنها حديث علي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا" متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وعدم إعطاء الجازر شيئًا منها.
ومنها حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على أصحابه فبقى عتود، فذكره للنبي ﷺ ، فقال "ضح أنت به" متفق عليه أيضًا. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما طرفا كافيًا منها، ذكرنا بعضه هنا.
стр. 1930
وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة -يعني من صحيح البخاري- على ستة وعشرين حديثًا، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثًا، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها، سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها.
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة، قال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كلَّ أحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجةُ إليها. انتهى منه. وهذا مما لا نزاع فيه.
فروع تتعلق بمسألة الوكالة
الفرع الأول: لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه؛ فلا تصح في فعل محرم؛ لأن التوكيل من التعاون، والله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ﴾ الآية.
ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما؛ لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه، فلا ينوب فيه أحد عن أحد؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) . .﴾ الآية.