Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
راوية، ومن الثالث العمل: على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يجوز هذا؟ اختلف في ذلك. فمن العلماء من قال لا يجوز هذا. وهو مذهب مالك، وهو ظاهر قول الشَّافعي؛ وممن قال بذلك: القاضي من الحنابلة وأجازه بعض الحنابلة. وقال ابن قدامة في "المغني": إنَّه صحيح في قياس قول أحمد ﵀.
الفرع الثالث: أن يشترك أربعة: من أحدهم دكان، ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن الرابع العمل، على أن يطحنوا بذلك، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يصح ذلك أو لا. اختلف فيه، فقيل: يصح ذلك وهو مذهب الإمام أحمد. وخالف فيه القاضي من الحنابلة وفاقًا للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة: ومَنْعه هو ظاهر قول الشَّافعي؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة. فلو كان صاحب الرحى، وصاحب الدابة، وصاحب الحانوت اتفقوا على أن يعملوا جميعًا وكان كراء الحانوت والرحى والدابة متساويًا، وعمل أربابها متساويًا فهو جائز عند المالكيّة. وهذه المسألة هي التي أشار إليها خليل في مختصره بقوله عاطفًا على ما لا يجوز: "وذي رحًى، وذي بيت، وذي دابة ليعملوا إن لم يتساو الكراء وتساووا في الغلة وترادوا الأكرية. وإن اشْتُرط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما".
ولا يخفى أن "الشركة" باب كبير من أبواب الفقه، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة ﵃. وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع. ونذكر أقسامها ومعانيها اللغوية والاصطلاحية، واختلاف العلماء
стр. 1962
فيها. وبيان أقوالهم، وذكر بعض فروعها تنبيهًا بها على غيرها، وقد أتينا على جميع ذلك. والحمد لله رب العالمين.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أصحاب الكهف: أنهم قالوا: إن قومهم الكفار الذين فروا منهم بدينهم إن يظهروا عليهم؛ أي يطلعوا عليهم ويعرفوا مكانهم، يرجموهم بالحجارة، وذلك من أشنع أنواع القتل. وقيل: يرجموهم بالشتم والقذف، أو يعيدوهم في ملتهم؛ أي يردوهم إلى ملة الكفر.
وهذا الذي ذكره هنا من فعل الكفار مع المسلمين -من الأذى أو الرد إلى الكفر- ذكر في مواضع أخر أنَّه هو فعل الكفار مع الرسل وأتباعهم؛ كقوله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
مسألة
أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله من أصحاب الكهف: ﴿إِن
стр. 1963
يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر. ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النَّار في ذباب قرَّبه مع الإكراه بالخوف من القتل؛ لأنَّ صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابًا قتلوه.
ويشهد له أيضًا دليل الخطاب؛ أي مفهوم المخالفة في قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فإنَّه يفهم من قوله: "تجاوز لي عن أمتي" أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك. وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديمًا وحديثًا بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "الكهف"، في الكلام على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ .. ﴾ الآية؛ ولذلك اختصرناها هنا. أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ .
لم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم، هل هم من المسلمين، أو من الكفار؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين: أحدهما: أنهم كفار. والثَّاني: أنهم مسلمون، وهي قولهم:
стр. 1964
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ لأنَّ اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار. هكذا قال بعض أهل العلم. ولقائل أن يقول: اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله ﷺ ، لا من فعل المسلمين، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة "الحجر" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾.
• قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ .
أخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اختلاف النَّاس في عدة أصحاب الكهف، فذكر ثلاثة أقوال. على أنَّه لا قائل برابع، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن القول الثالث هو الصَّحيح والأولان باطلان؛ لأنَّه لما ذكر القولين الأولين بقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي قولًا بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه فإنَّه لا يكاد يصيب، وإن أصاب بلا قصد، كقوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ وقال القرطبي: الرجم القول بالظن، يقال لكل ما يُخرص: رجم فيه ومرجوم ومُرْجم، كما قال زهير:
وما الحرب إلَّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجَّم
ثم حكى القول الثالث بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأقره، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب، فدل على
стр. 1965
أنَّه الصَّحيح. وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم، كانوا سبعة. وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فيه تعليم للنَّاس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها جل وعلا وإن علموا بها، كما أعلم نبيه ﷺ بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه جل وعلا في قوله جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. ﴾ الآية. وما قدمنا من أنَّه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذًا من ظاهر الآية الكريمة. مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا: كانوا ثمانية، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ .
نهى الله نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنَّه سيفعل شيئًا في المستقبل إلَّا معلقًا ذلك على مشيئة الله الذي لا يقع شيء في العالم كائنًا ما كان إلَّا بمشيئته جل وعلا، فقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أي: لا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل: إنِّي فاعل ذلك الشيء غدًا. والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربيَّة إطلاق الغد على المستقبل من الزمان؛ ومنه قول زهير:
وأعلمُ علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غدٍ عمِ
يعني أنَّه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلَّا قائلًا في ذلك: إلَّا أن يشاء الله؛ أي معلقًا بمشيئة الله. أو لا تقولنه إلَّا بإن شاء الله،
стр. 1966
أي إلَّا بمشيئة الله. وهو في موضع الحال، يعني إلَّا متلبسًا بمشيئة الله قائلًا: إن شاء الله، قاله الزمخشري وغيره.
وسبب نزول هذه الآية الكريمة: أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدًا " ﷺ " عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، وعن فتية لهم قصَّة عجيبة في الزمان الماضي (يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله ﷺ : "سأخبركم غدًا عما سألتم عنه" ولم يقل إن شاء الله، فلبث عنه الوحي مدة، قيل: خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة، قال في الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي .. ﴾ الآية. وقال في الفتية: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ .. ﴾ الآيات إلى آخر قصتهم. وقال في الرجل الطواف: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) . .﴾ الآيات إلى آخر قصته.
فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة وسبب نزولها، وأن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله: إن شاء الله، لما قال لهم سأخبركم غدًا = فاعلم أنَّه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله: إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان بذلك كانت أشد؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيّ ﷺ قال: "قال سليمان ابن داود عليهما وعلى نبينا الصَّلاة والسلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة -وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة- تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في
стр. 1967
سبيل الله" فقيل له: وفي رواية قال له الملك: "قل إن شاء الله" فلم يقل. فطاف بهن فلم تلد منهن إلَّا امرأة واحدة نصف إنسان؛ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته". وفي رواية "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون" اهـ.
فإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصَّحيح بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا .. ﴾ الآية. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله: "إن شاء الله"، وأنَّه لم يلد من تلك النساء إلَّا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي أُلقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا .. ﴾ الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ .. ﴾ الآية، من قصَّة الشَّيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه؛ حتَّى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه، إلى آخر القصة = لا يخفى أنَّه باطل لا أصل له، وأنَّه لا يليق بمقام النبوة؛ فهو من الإسرائيليات التي لا يخفى أنَّها باطلة.
والظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجملة، واختاره بعض المحقّقين. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ .
في هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير:
الأوَّل: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى:
стр. 1968
أنك إن قلت: سأفعل غدًا كذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل: إن شاء الله؛ أي اذكر ربك معلقًا على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غدًا إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو الظاهر؛ لأنَّه يدل عليه قوله تعالى قبله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهو قول الجمهور. وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم.
القول الثَّاني: أن الآية لا تعلق لها بما قبلها. وأن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله؛ لأنَّ النسيان من الشَّيطان؛ كما قال تعالى عن فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، وكقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ وذكر الله تعالى يطرد الشَّيطان؛ كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ الآية؛ أي: الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغرًا عند ذكر الله، فإذا ذهب الشَّيطان ذهب النسيان. وقال بعضهم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: صلِّ الصَّلاة التي كنت ناسيًا لها عند ذكرك لها، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ وقول من قال: إذا نسيت؛ أي إذا غضبت، ظاهر السقوط.
مسألة
اشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس ﵄ أنَّه
стр. 1969
استنبط من هذه الآية الكريمة: أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمنًا طويلًا. قال بعضهم: إلى شهر. وقال بعضهم: إلى سنة. وقال بعضهم عنه: له الاستثناء أبدًا. ووجه أخذه ذلك من الآية: أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول: إنَّه سيفعل شيئًا في المستقبل إلَّا من الاستثناء بـ"إن شاء الله". ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: إن نسيت تستثنى بـ"إن شاء الله" فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب.
والتحقيق الذي لا شك فيه: أن الاستثناء لا يصح إلَّا مقترنًا بالمستثنى منه. وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين. ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدُّنيا أنَّه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى. ويحكى عن المنصور أنَّه بلغه أن أبا حنيفة ﵀ يخالف مذهب ابن عباس المذكور؛ فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك! إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك!؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه.
فائدة
قال ابن العربي المالكي: سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحًا في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ بل يقول: استثن بـ"إن شاء الله". انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح قوله في مراقي السعود:
стр. 1970
بشركة وبالتوطي قالا ... بعض وأوجب فيه الاتصالا
وفي البواقي دون ما اضطرار ... وأبطلن بالصمت للتذكار
فإن قيل: فما الجواب الصَّحيح عن ابن عباس ﵄ فيما نسب إليه من القول بصحة الاستثناء المتأخر.
فالجواب: أن مراد ابن عباس ﵄: أن الله عاتب نبيه على قوله: إنَّه سيفعل كذا غدًا ولم يقل: إن شاء الله، وبين له أن التعليق بمشيئة الله هو الذي ينبغي أن يفعل؛ لأنَّه تعالى لا يقع شيء إلَّا بمشيئته، فإذا نسي التعليق بالمشيئة ثم تذكّر ولو بعد طول فإنَّه يقول: إن شاء الله؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، ويكون قد فوض الأمر إلى من لا يقع إلَّا بمشيئته. فنتيجة هذا الاستثناء: هي الخروج من عهدة تركه الموجب للعتاب السابق، لا أنَّه يحل اليمين لأنَّ تداركها قد فات بالانفصال. هذا هو مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره. وهذا لا محذور فيه ولا إشكال.
وأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر وهو: أنَّه نوى الاستثناء بقلبه ونسي المنطق به بلسانه؛ فأظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين.
هكذا قاله بعضهم. والأول هو الظاهر. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض. وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله:
стр. 1971
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾. وبين في مواضع أخر أنَّه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ .. ﴾ الآية. وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ .
أي: ما أبصره وما أسمعه جلَّ وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جلَّ وعلا بالسمع والبصر، ذكره أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ
стр. 1972
رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾. والآيات بذلك كثيرة جدًا.
• قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ فبين أنَّه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه، والولي: هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به بالثواب والنصر والإعانة.
وبين في مواضع أخر: أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .. ﴾ الآية. وبين في مواضع أخر: أن نبينا ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
وبين في موضع آخر: أنَّه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنَّه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة، كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾. وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾
стр. 1973
راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقيل: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ﴾ راجع لمعاصري النَّبيّ ﷺ من الكفار؛ ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ . قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدًا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة: "ولا تُشْركْ" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النَّهي، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التّشريع دخولًا أوليًا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ
стр. 1974
شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
ويفهم من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: أن متبعي أحكام المشرِّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله فيمن اتبع تشريع الشَّيطان في إباحة الميتة بدعوى أنَّها ذبيحة الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التّشريع المخالف لما شرعه الله تعالى، هو المراد بعبادة الشَّيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ أي: ما يعبدون إلَّا شيطانًا، أي وذلك باتباع تشريعه؛ ولذا سمَّى اللهُ تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي: شركاءَ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ .. ﴾ الآية.
стр. 1975
وقد بين النَّبيّ ﷺ هذا لعديّ بن حاتم ﵁ لما سأله عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ﴾ الآية، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابًا.
ومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.
وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشَّيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ ، أنه لا يشكُّ في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
تنبيه
أعلم أنَّه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.
وإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف
стр. 1976
للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النَّبيّ ﷺ ؛ ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النَّبيّ ﷺ لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلَّا بعد أن وصل تبوك ﷺ ، وكاشترائه -أعني عمر ﵁ دار صفوان بن أميَّة وجعله إياها سجنًا في مكّة المكرمة، مع أنَّه ﷺ لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع، لا بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
وأمَّا النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم، كفر بخالق السموات والأرض، وتمرُّد على نظام السماء الذي وضعه من خَلَق الخلائق
стр. 1977
كلها وهو أعلم بمصالحها من أن يكون معه مُشَرِّع آخر علوًا كبيرًا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يتلو هذا القرآن الذي أوحاه إليه ربه. والأمر في قوله: ﴿وَاتْلُ﴾ شامل للتلاوة بمعنى القراءة. والتلو: بمعنى الاتباع.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى نبيه ﷺ بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ .. ﴾ الآية. وكقوله تعالى في آخر سورة النمل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ .. ﴾ الآية، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على الأمر بتلاوته، وكقوله تعالى في الأمر باتباعه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ
стр. 1978
أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على الأمر باتباع هذا القرآن العظيم.
وقد بين في مواضع أخر بعض النتائج التي تحصل بسبب تلاوة القرآن واتباعه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
• قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه لا مبدل لكلماته؛ أي لأنَّ أخبارها صدق، وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذبًا. ولا أن يبدل عدلها جورًا، وهذا الذي ذكره هنا جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ يعني في الإخبار. وقوله: ﴿وَعَدْلًا﴾ أي في الأحكام. وكقوله ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾.
وقد بين تعالى في مواضع أخر، أنَّه هو يبدل ما شاء من الآيات مكان ما شاء منها؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ .. ﴾ الآية. وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
стр. 1979
نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي .. ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ .
أصل الملتحد: مكان الالتحاد وهو الافتعال، من اللحد بمعنى الميل، ومنه اللحد في القبر؛ لأنَّه ميل في الحَفْر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ .. ﴾، الآية. فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك: الميل عن الحق. والملحد المائل عن دين الحق. وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فمصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول كما هنا. فالملتحد بصيغة اسم المفعول، والمراد به مكان الالتحاد، أي المكان الذي يميل فيه إلى ملجإ أو منجى ينجيه مما يريد الله أن يفعله به.
وهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه ﷺ لا يجد من دونه ملتحدًا؛ أي مكانًا يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه، جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) .. ﴾ الآية.
وكونه ليس له ملتحد؛ أي مكان يلجأ إليه، تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة؛ كالمناص، والمحيص، والملجأ، والموئل،
стр. 1980
والمفر، والوَزَر، كقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾، وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، وقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾، فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجئون إليه ويعتصمون به.
• قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه -أي يحبسها- مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلَّا رضاه جل وعلا.
وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين، كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم. لما أراد صناديد الكفار من النَّبيّ ﷺ أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين. وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنَّه إذا رآهم يسلم عليهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) -إلى قوله- وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ
стр. 1981
يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا﴾. وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا ﷺ من طرده فقراء المؤمنين وضعفائهم تكبرًا عليهم وازدراء بهم، طلبه أيضًا قوم نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصَّلاة والسلام، وأنَّه امتنع من طردهم أيضًا، كقوله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾، وقوله عنهم أيضًا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وقال عن نوح في امتناعه من طردهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾، وكقوله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.
وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة:
فصبرت عارفة بذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع
والغداة: أول النهار. والعشيّ: آخره. وقال بعض العلماء: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي يصلون صلاة الصبح والعصر. والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصَّلاة. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
نهى الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحًا إلى الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدُّنيا. ومعنى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ أي: لا تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رثاثة زيهم، محتقرًا لهم طامحًا إلى أهل الغني
стр. 1982
والجاه والشرف بدلًا منهم. وعدا يعدو: تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في محل حال، والرابط الضمير، على حد قوله في الخلاصة:
وذاتُ بدءٍ بمضارع ثبت ... حَوَت ضميرًا ومن الواو خَلَت
وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿عَيْنَاكَ﴾ وإنَّما ساغ ذلك لأنَّ المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة:
ولا تُجِزْ حالًا من المضاف له ... إلَّا إذا اقتضى المضافُ عملَه
أو كان جزءُ مالَه أُضيفا ... أو مِثْل جزئه فلا تحيفا
وما نهى الله عنه نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدُّنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين = أشار له أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ .. ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ .
نهى الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطًا. وقد
стр. 1983
كرر في القرآن نهي نبيه ﷺ عن أتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدُّنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنَّما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لا يقع شيء البتة كائنًا ما كان إلَّا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .. ﴾ الآية، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ .. ﴾ الآية، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلَّا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائمًا تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته بأفعاله دون مشيئة الله = لا يخفى بطلانه، كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفًا، وأمثالها في القرآن كثيرة.
стр. 1984
ومعنى اتباعه هواه: أنَّه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطًا. وقيل: من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مُضر وساداتها، إن اتبعناك اتبعك جميع النَّاس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: قَدَمًا في الشر. من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي -بحسب اللُّغة العربية التي نزل بها القرآن- أن معنى قوله ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متقدمًا للحق والصَّواب، نابذًا له وراء ظهره؛ من قولهم: فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته:
ولقد حَمَيت الخيلَ تَحْمِل شَكَّتي ... فُرْطُ وِشاحي إذ غدوتُ لجامها
وإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي ضياعًا. وكقول مقاتل بن حيان ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي سرفًا. وكقول الفراء ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متروكًا. وكقول الأخفش ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي مجاوزًا للحد، إلى غير ذلك من الأقوال.
• قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يقول
стр. 1985
للناس الحقَّ من ربكم. وفي إعرابه وجهان:
أحدهما: أن ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا. فليس من وحي الشيطان، ولا من افتراء الكهنة، ولا من أساطير الأولين، ولا غير ذلك. بل هو من خالقكم جل وعلا، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، فلا حق إلا منه جل وعلا.
الوجه الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي جئتكم به الحق.
وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة ذكره أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله في سورة البقرة: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾، وقوله في آل عمران: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
ظاهر هذه الآية الكريمة -بحسب الوضع اللغوي- التخيير بين الكفر والإيمان، ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا
стр. 1986
بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف؛ إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أصله من الإعتاد، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح؛ ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء. ومعنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أرصدنا وأعددنا. والمراد بالظالمين هنا: الكفار؛ بدليل قوله قبله: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقد قدمنا كثرة إطلاق الظلم على الكفر في القرآن؛ كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وَضْع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئًا﴾ وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل في الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم؛ لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وقائلة ظلمت لكم سقائي ... وهل يخفى على العكد الظليم
فقوله "ظلمت لكم سقائي" أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمة بنحو ذلك:
стр. 1987
وصاحب صدق لم تُرِبني شَكاتُه ... ظلمتُ وفي ظلمي له عامدًا أجر
وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم، إذا كان عالمًا. ومن ذلك أيضًا قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان:
إلا الأواريَّ لأيًا ما أُبَيَّنُهَا ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومة الجَلَدِ
وما زعمه بعضهم من أن "المظلومة" في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد = غير صواب. والصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلًا مات ودفن:
فأصبح في غبراء بعد إشاحة ... على العيش مردود عليها ظليمها
وقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله: ﴿سُرَادِقُهَا﴾ أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كُرْسف فهو سرادق. والكرسف: القطن، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحِرْمازي:
يا حكم ابن المنذر بن الجارودْ ... سُرادِقُ المجدِ عليك ممدودْ
وبيت مسردق: أن مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة:
هو المُدْخِل النعمان بيتًا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيتٍ مُسَرْدَق
стр. 1988
هذا هو أصل معنى السُّرَادق في اللغة. ويطلق أيضًا في اللغة على الحجرة التي حول الفُسْطاط.
وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة، ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: أي سورها، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي. ومنهم من يقول: هو دخان يحيط بهم. وهو المذكور في "المرسلات" في قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ ، و"الواقعة" في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ .
ومنهم من يقول: هو البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى بن أمية عن النبي ﷺ أنه قال: "البحر هو جهنم، ثم تلا: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، ثم قال: والله لا أدخلها أبدًا ما دمت حيًّا ولا تصيبني منها قطرة" ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "لسرادق النار أربعة جدر كشف، كل جدار مسيرة أربعين سنة"، أخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. انتهى من القرطبي.
وهذا الحديث رواه أيضًا الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي الدنيا؛ قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني.
وحديث يعلى بن أمية رواه أيضًا ابن جرير في تفسيره. قال
стр. 1989
الشوكاني. ورواه أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه، وأحمد وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي.
وعلى كل حال، فمعنى الآية الكريمة: أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ ، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ ، وقال: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك.
ويطلق أيضًا على دُرْديّ الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دُرْديّ الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل: السم.
فإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾؟.
فالجواب: أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم:
غضبت تميمٌ أن تَقَتَّلَ عامرٌ ... يوم النِّسار فأُعْتِبوا بالصَّيْلَمِ
فمعنى قوله "أعتبوا بالصيلم": أي أُرضوا بالسيف. يعني ليس
стр. 1990
لهم منا إرضاء إلا بالسيف. وقول عمرو بن معد يكرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيةَ بينهم ضربٌ وجيعُ
يعني: لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل: علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة. والياء في قوله: ﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ والألف في قوله: ﴿يُغَاثُوا﴾ كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت الساكن الصحيح قبلها، على حد قوله في الخلاصة:
لساكنٍ صحَّ انقل التحريكَ من ... ذي لينٍ آتٍ عينَ فعلٍ كأَبنْ
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ أي: يحرقها حتى تسقط فروة الوجه، أعاذنا الله والمسلمين منه! وعن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوه﴾ هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه". قال ابن حجر ﵀ في (الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف): أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، واستغربه وقال: لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد، وتعقب قوله بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق وهب عن عمرو بن الحارث.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المخصوص بالذم فيه محذوف، تقديره: بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به. والضمير الفاعل في قوله: ﴿وَسَاءَتْ﴾ عائد إلى النار.
стр. 1991
والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمدًا على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقًا: أي منزلًا. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: مقرًا، وهو مروي عن عطاء. وقيل: مجلسًا وهو مروي عن العتبيّ. وقال مجاهد: مرتفقًا أي مجتمعًا. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار.
وحاصل معنى الأقوال: أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ ، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق، معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
نام الخليُّ وبتُّ الليل مرتفقًا ... كأنَّ عَينيَ فيها الصابُ مذبوحُ
ويروى "وبت الليل مشتجرًا" وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة:
قد بتُّ مرتفقًا للنجم أرقبه ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر
وقول الراجز:
قالت له وارتفقت: ألا فتًى ... يسوق بالقومِ غزالات الضُّحى
وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفات هذا الشراب، الذي يسقى به أهل النار، جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا
стр. 1992
وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ والحميم الآني: الماء المتناهي في الحرارة، وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .. ﴾ الآية؛ وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة "يونس".
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من عمل صالحًا وأحسن في عمله أنه جل وعلا لا يضيع أجره، أي جزاء عمله؛ بل يُجازى بعمله الحسن الجزاء الأوفى.
وبيَّن هذا المعنى في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾؛ وقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًّا. وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان عند العلماء:
الأول: أن يقال: أين خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؟ فإذا قيل: خبرها جملة ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ توجه السؤال.
стр. 1993
الثاني: وهو أن يقال: أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم ﴿إِنَّ﴾؟.
اعلم أن خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل هو جملة ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وعليه فقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ جملة اعتراضية. وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه. وقيل: ﴿إِنَّ﴾ الثانية واسمها وخبرها، كل ذلك خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى. ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن ﴿إِنَّ﴾ بـ ﴿إِنَّ﴾ وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة "الحج": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..﴾ الآية، وقول الشاعر:
إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ ألبسه ... سربال ملك به تُرْجى الخواتيم
على أظهر الوجهين في خبر "إن" الأولى في البيت. وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين:
الأول: أن الضمير الرابط محذوف، تقديره: لا نُضِيع أجر من أحسن منهم عملا؛ كقولهم: السَّمْن مَنَوانٌ بدرهم، أي مَنَوانٌ منه بدرهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ... ﴾ الآية. أي: يتربصن بعدهم.
الوجه الثاني: أن ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وإذا كان الذين آمنوا، ومن أحسن عملًا، ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير. وهذا هو مذهب الأخفش، وهو الصواب؛ لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى.
стр. 1994
• قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ -إلى قوله- وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ .
بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملًا، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار، ويحلون فيها أساور الذهب، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والاستبرق، في حال كونهم متكئين فيها على الأرائك وهي السرر في الحجال، والحجال: جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة. ثم أثنى على ثوابهم بقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾؛ وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جاء مبينًا في مواضع كثيرة جدًّا من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) -إلى قوله- وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾، وكقوله في سورة "الواقعة": ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) -إلى قوله- لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.
وقد بين في سورة السجدة أن ما أخفاه الله لهم من قرة أعين لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وذلك في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ... ﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ أصله من عدن بالمكان: إذا أقام به. وقد تقدم في سورة النحل معنى السندس والإستبرق بما أغنى عن إعادته هنا، والأساور:
стр. 1995
جمع سوار. وقال بعضهم: جمع أسورة. والثواب: الجزاء مطلقًا على التحقيق؛ ومنه قول الشاعر:
لكلِّ أخي مدحٍ ثوابٌ علمته ... وليس لمدحِ الباهليِّ ثواب
وقول من قال: إن الثواب في اللغة يختص بجزاء الخير بالخير، غير صواب: بل يطلق الثواب أيضًا على جزاء الشر بالشر؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ .. ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ الضمير في قوله: ﴿وَحَسُنَتْ﴾ راجع إلى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. والمرتفق قد قدمنا أقوال العلماء فيه. وقوله هنا في الجنة: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ يبين معناه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي ضربه مثلًا مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار، الذين افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء كما تقدم، أنه دخل جنته في حال كونه ظالمًا لنفسه وقال: إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى؛ لما رأى من حسنها ونضارتها، وقال: إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قُدِّر أن يبعث ويرد إلى ربه
стр. 1996
ليجدن عنده خيرًا من الجنة التي أعطاه في الدنيا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضًا بالمال والولد، كما أنعم عليهم في الدنيا، جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله في "فصلت": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ، وقوله في "مريم": ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ ، وقوله في "سبأ": ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ ، وقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ .
وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ ، وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا وعاقبة. وانتصابه على التمييز. وقوله: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا﴾ قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير "منهما" بصيغة تثنية الضمير. وقرأه الباقون ﴿مِنْهَا﴾ بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله:
стр. 1997
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ﴾، وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَينِ﴾. وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ... ﴾ الآية.
فإن قيل: ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب: أنه قال ما ذكره الله عنه حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما معًا في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما نبه عليه أبو حيان في البحر.
• قوله تعالى: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلًا للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلًا لذوي المال والجاه من الكفار منكرًا عليه كفره: أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلًا، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلًا، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشرًا سويًا، ويجعله يستبعد منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى المبين هنا بينه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
стр. 1998
يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا كثيرًا من الآيات الدالة على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره: أن يكون هو الذي يخلق المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ معنى خلقه إياه من تراب: أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية. ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي بعد أن خلق آدم من التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجًا له؛ كانت طريق إيجاد الإنسان بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة؛ ثم طور العلقة إلى آخر أطواره المذكورة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ وقد أوضحها تعالى إيضاحًا تامًّا في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ .
ومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة: قوله تعالى في "السجدة": ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ
стр. 1999
كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
وقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي بعد أن كان نطفة صار إنسانًا خصيمًا شديد الخصومة في توحيد ربه. وقوله: ﴿سَوَّاكَ﴾ أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾، وقوله: ﴿رَجُلًا﴾ أي ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة، ومنه قول الشاعر:
كل جار ظل مغتبطًا ... غير جيران بني جبله
مزقوا ثوب فتاتهم ... لم يراعوا حرمة الرَّجُله
وانتصاب ﴿رَجُلًا﴾ على الحال. وقيل مفعول ثان لـ"سَوَّى" على تضمينه معنى: جعلك أو صيرك رجلًا. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ مضمن معنى الاستبعاد، لأنه يستبعد جدًّا كفر المخلوق بخالقه، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم أن الله خلقه من
стр. 2000
تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلًا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول الشاعر:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر: أنت كافر! لكن أنا لست بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني، أي لأنه هو الذي يستحق مني أن أعبده، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في "يس" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون. وما قدمنا عن إبراهيم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة "الرعد" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ .
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا﴾ أصله "لكن أنا"
следующие страницы →