ليجدن عنده خيرًا من الجنة التي أعطاه في الدنيا.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضًا بالمال والولد، كما أنعم عليهم في الدنيا، جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله في "فصلت": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ، وقوله في "مريم": ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ ، وقوله في "سبأ": ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ ، وقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ .
وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ ، وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا وعاقبة. وانتصابه على التمييز. وقوله: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا﴾ قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير "منهما" بصيغة تثنية الضمير. وقرأه الباقون ﴿مِنْهَا﴾ بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله:
стр. 1997
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ﴾، وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَينِ﴾. وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ... ﴾ الآية.
فإن قيل: ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب: أنه قال ما ذكره الله عنه حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما معًا في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما نبه عليه أبو حيان في البحر.
• قوله تعالى: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلًا للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلًا لذوي المال والجاه من الكفار منكرًا عليه كفره: أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلًا، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلًا، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشرًا سويًا، ويجعله يستبعد منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى المبين هنا بينه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
стр. 1998
يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا كثيرًا من الآيات الدالة على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره: أن يكون هو الذي يخلق المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ معنى خلقه إياه من تراب: أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية. ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي بعد أن خلق آدم من التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجًا له؛ كانت طريق إيجاد الإنسان بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة؛ ثم طور العلقة إلى آخر أطواره المذكورة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ وقد أوضحها تعالى إيضاحًا تامًّا في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ .
ومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة: قوله تعالى في "السجدة": ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ
стр. 1999
كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
وقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي بعد أن كان نطفة صار إنسانًا خصيمًا شديد الخصومة في توحيد ربه. وقوله: ﴿سَوَّاكَ﴾ أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾، وقوله: ﴿رَجُلًا﴾ أي ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة، ومنه قول الشاعر:
كل جار ظل مغتبطًا ... غير جيران بني جبله
مزقوا ثوب فتاتهم ... لم يراعوا حرمة الرَّجُله
وانتصاب ﴿رَجُلًا﴾ على الحال. وقيل مفعول ثان لـ"سَوَّى" على تضمينه معنى: جعلك أو صيرك رجلًا. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ مضمن معنى الاستبعاد، لأنه يستبعد جدًّا كفر المخلوق بخالقه، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم أن الله خلقه من
стр. 2000
تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلًا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول الشاعر:
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر: أنت كافر! لكن أنا لست بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني، أي لأنه هو الذي يستحق مني أن أعبده، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في "يس" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون. وما قدمنا عن إبراهيم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة "الرعد" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ .
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا﴾ أصله "لكن أنا"
стр. 2001
فحذفت همزة "أنا" وأدغمت نون "لكن" في نون "أنا" بعد حذف الهمزة. وقال بعضهم: نقلت حركة الهمزة إلى نون "لكن" فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم أدغمت النون في النون؛ ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكنَّ إيَّاكِ لم أَقْلِ
أي: لكن أنا إياك لم أَقْلِ. وقال بعضهم: لا يتعين في البيت ما ذكر؛ لجواز أن يكون المقصود لكنني فحذف اسم "لكن" كقول الآخر:
فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ... ولكنَّ زنجي عظيم المشافر
أي: لكنك زنجي في رواية من روى "زنجي" بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا الحذف من "لكن أنا" قول الآخر:
لهنَّكِ من عَبْسية لَوَسيمَة ... على هَنَواتٍ كاذب من يقولها
قال: أراد بقوله "لهنك" لله إنك؛ فحذف إحدى اللامين من "لله"، وحذف الهمزة من "إنك" نقله القرطبي عن أبي عبيد.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قرأه جماهير القراء في الوصل "لكن" بغير ألف بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبعة ﴿لَكِنَّا﴾ بالألف في الوصل. ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجميع على إثبات الألف في الوقف. ومد نون "أنا" لغة تميم إن كان بعدها همزة. وقال أبو حيان في البحر: إن إثبات ألف "أنا" مطلقًا في الوصل لغة بني تميم، وغيرها يثبتونها على الاضطرار. قال:
стр. 2002
فجاءت قراءة ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف في الوصل على لغة تميم. ومن شواهد مد "أنا" قبل غير الهمزة قول الشاعر:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تذريت السناما
وقول الأعشى:
فكيف أنا وانتحال القوافي ... بعد المشيب كفى ذاك عارا
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُحَاورُهُ﴾ جملة حالية. والمحاورة: المراجعة في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، وقول عنترة في معلقته:
لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ... ولكان لو عَلِم الجوابَ مُكَلِّمي
وكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن أي الناس هما؛ أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقًا من عدم الفائدة فيه، وعدم الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ .
معنى قوله: ﴿غَوْرًا﴾ أي غائرًا؛ فهو من الوصف بالمصدر؛ كما قال في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا
والغائر: ضد النابع. وقوله: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ لأن الله إذا أعدم ماءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به
стр. 2003
غيره جل وعلا. وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ولا شك أن الجواب الصحيح: لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله وحده؛ كما قال هنا: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ .
اعلم أن في هذه الآية الكريمة: قراءات سبعية، وأقوالًا لعلماء التفسير، بعضها يشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد تكون فيها مذاهب للعلماء، يشهد لكل واحد منها قرآن؛ فنذكر الجميع وأدلته في القرآن. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي "ولم يكن له فئة" بالياء المثناة التحتية. وقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي أيضًا: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بفتح الواو. وقرأه حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله: ﴿الْحَقِّ﴾ قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتًا ﴿لِلَّهِ﴾ وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتًا للولاية. فعلى قراءة من قرأ ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ بفتح الواو؛ فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان:
الأول: أن معنى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ أي في ذلك المقام، وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى:
стр. 2004
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ ، وقوله في فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده، فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ . وله على الكافرين ولاية الملك والقهر، كما في قوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ .
وعلى قراءة حمزة والكسائي فـ (الولاية) بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ ، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ .
وعلى قراءة ﴿الْحَقِّ﴾ بالجر نعتًا لله، فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وعلى قراءة ﴿الْحَقُّ﴾ بالرفع نعتًا للولاية، على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ... ﴾ الآية.
وما ذكره جل وعلا عن هذا الكافر: من أنه لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، ذكر نحوه عن غيره من الكفار، كقوله في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 2005
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ ، وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ ، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.
وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال بعض العلماء: هو متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾ . وقال بعضهم: هو متعلق بما قبله، فعلى القول الأول فالظرف الذي هو ﴿هُنَالِكَ﴾ عامله ما بعده، أي الولاية كائنة لله هنالك. وعلى الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو ﴿مُنْتَصِرًا﴾ أي لم يكن انتصاره واقعًا هنالك. وقوله: ﴿هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا﴾ أي جزاء كما تقدم. وقوله: ﴿عُقْبًا﴾ أي عاقبة ومآلًا. وقرأه السبعة ماعدا عاصمًا وحمزة ﴿عُقُبًا﴾ بضمتين. وقراءة عاصم وحمزة ﴿عُقْبًا﴾ بضم العين وسكون القاف والمعنى واحد. وقوله: ﴿ثَوَابًا﴾ وقوله: ﴿عُقْبًا﴾ كلاهما منصوب على التمييز بعد صيغة التفضيل التي هي ﴿خَيرٌ﴾ كما قال في الخلاصة:
والفاعلَ المعنى انصبَنْ بأفعلا ... مُفَضِّلًا كأنتَ أعلى منزِلا
ولفظة "خير وشر" كلتاهما تأتي صيغة تفضيل حذفت منها الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، قال ابن مالك في الكافية:
وغالبًا أغناهم خَير وشَرّ ... عن قولهم أخيْرَ منه وأشَر
تنبيه
قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فِئَةٌ﴾ محذوف منه حرف بلا خلاف، إلا أن العلماء اختلفوا في الحرف المحذوف؛ هل هو ياء أو واو، وهل هو العين أو اللام؟ قال بعضهم: المحذوف العين،
стр. 2006
وأصله ياء. وأصل المادة (ف ي أ)، من فاء يفيء إذا رجع، لأن فئة الرجل طائفته التي يرجع إليها في أموره، وعلى هذا فالتاء عوض عن العين المحذوفة، ووزنه بالميزان الصرفي "فلة". وقال بعضهم: المحذوف اللام، وأصله واو؛ من فأوت رأسه إذا شققته نصفين. وعليه فالفئة الفرقة من الناس. وعلى هذا فوزنه بالميزان الصرفي "فعة" والتاء عوض عن اللام. وكلا القولين نصره بعض أهل العلم، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثوابًا وخير أملًا.
والمراد من الآية الكريمة: تنبيه الناس للعمل الصالح؛ لئلا يشتغلوا بزينة الحياة الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله من الأعمال الباقيات الصالحات. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا
стр. 2007
أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته. وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهو الأعمال التي ترضي الله، سواء قلنا: إنها الصلوات الخمس، كما هو مروي عن جماعة من السلف؛ منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل. أو أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعائشة ﵃.
قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق أن ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ لفظ عام، يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضًا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى. وقوله: ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ تقدم معناه. وقوله: ﴿وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات، خير مما يؤمله أهل الدنيا من زينة حياتهم الدنيا، وأصل الأمل: طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في المستقبل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في "مريم": ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ والمَرَدّ: المرجع إلى الله يوم القيامة. وقال بعض العلماء: ﴿مَرَدًّا (٧٦)﴾
стр. 2008
مصدر ميمي، أي: وخير ردًّا للثواب على فاعلها، فليست كأعمال الكفار التي لا ترد ثوابًا على صاحبها.
• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ .
قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بـ"اذكر" مقدرًا. أو بفعل للقول المحذوف كل قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أي: قلنا لهم يوم نسير الجبال: لقد جئتمونا فرادى. وقول من زعم أن العامل فيه ﴿خَيرٌ﴾ يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال، بعيد جدًّا كما ترى.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن يوم القيامة يختل فيه نظام هذا العالم الدنيوي، فتسير جباله، وتبقى أرضه بارزة لا حجر فيها ولا شجر، ولا بناء ولا وادي ولا عَلَم = ذكره في مواضع أخر كثيرة، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما، ويدكهما دكة واحدة، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) .. ﴾ الآية.
وما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة: ذكره أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾، وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ... ﴾ الآية.
ثم ذكر في مواضع أخر: أنه جل وعلا يفتتها حتى تذهب
стр. 2009
صلابتها الحجرية وتلين، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش، وكالرمل المتهايل، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ والعهن: الصوف. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي فتتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، على أشهر التفسيرات.
ثم ذكر جل وعلا: أنه يجعلها هباءً وسرابًا، قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٥]، وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ .
وبين في موضع آخر: أن السراب عبارة عن لا شيء؛ وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ -إلى قوله- لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ .
وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال﴾ قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو (تُسَيَّرُ الجبالُ) بالتاء المثناة الفوقية وفتح الياء المشددة من قوله "تُسَيَّر" مبينًا للمفعول. و"الجبال" بالرفع نائب فاعل "تسير" والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله جل وعلا. وقرأه باقي السبعة (نُسَيِّرُ) بالنون وكسر الياء المشددة مبنيًّا للفاعل، و ﴿الْجِبَال﴾ منصوب مفعول به، والنون في قوله: ﴿نُسَيِّرُ﴾ للتعظيم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ البروز: الظهور؛ أي ترى الأرض ظاهرة منكشفة لذهاب الجبال والظراب
стр. 2010
والآكام، والشجر والعمارات التي كانت عليها. وهذا المعنى الذي ذكره هنا؛ بينه أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ . وأقوال العلماء في معنى ذلك راجعة إلى شيء واحد، وهو أنها أرض مستوية لا نبات فيها، ولا بناء ولا ارتفاع ولا انحدار. وقول من قال: إن معنى ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: أي بارزًا ما كان في بطنها من الأموات والكنوز، بعيد جدًّا كما ترى. وبروز ما في بطنها من الأموات والكنوز دلت عليه آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ ، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢)﴾ ، وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ .
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي جمعناهم للحساب والجزاء. وهذا الجمع المعبر عنه بالحشر هنا: جاء مذكورًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وبين في موضع آخر: أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
стр. 2011
الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ أي لم نترك. والمغادرة: الترك؛ ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء والأمانة.
وسمى الغدير من الماء غديرًا، لأن السيل ذهب وتركه. ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته:
هل غادر الشعراء من متردَّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقوله أيضًا:
غادرتُه مُتَعَفِّرًا أوصالُه ... والقومُ بين مجرِّحِ ومُجَدَّلِ
وما ذكره في هذه الآية الكريمة -من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحدًا- جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ... ﴾ الآية، ونحوها من الآيات، لأن حشرهم جميعًا هو معنى أنه لم يغادر منهم أحدًا.
• قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفًّا، أي في حال كونهم مصطفين. قال بعض العلماء: صفًّا بعد صف. وقال بعضهم: صفًّا واحدًا وقال بعض العلماء: ﴿صَفًّا﴾ أي جميعًا، كقوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ على القول فيه بذلك. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: "إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة
стр. 2012
بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحْضِروا حُجَّتكم ويسروا جوابًا فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفًا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب". قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية. ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه، والحمد لله. انتهى كلام القرطبي. والحديث المذكور يدل على أن ﴿صَفًّا﴾ في هذه الآية يراد به صفوفًا؛ كقوله في الملائكة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ . ونظير الآية قوله في الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨)﴾ .
فإذا علمت أن الله جل وعلا ذكر في هذه الآية الكريمة حالًا من أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة؛ فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء أخر من أحوال عرضهم عليه؛ كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ . وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار، وما يقال لهم عند ذلك العرض على ربهم؛ كقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾ .
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَفًّا﴾ أصله مصدر، والمصدر المنكر قد يكون حالًا على حد قوله في الخلاصة:
ومصدرٌ منكَّرٌ حالًا يقع ... بكثرةٍ كبغتةً زيدٌ طَلَع
стр. 2013
• قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
هذا الكلام مقول قول محذوف. وحذف القول مطرد في اللغة العربية، كثير جدًّا في القرآن العظيم. والمعنى: يقال لهم يوم القيامة: لقد جئتمونا، أي: والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلًا، أي غير مختونين، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد، ولا خدم ولا حشم.
وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ كما تقدم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ "ما" مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. وإيضاح تقريره: ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي: مجيئا مثل مجيء خلقكم، أي: حفاة عراة غرلا كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد. وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضًا حالًا، أي: جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
ويكثرُ الجمودُ في سعرٍ وفي ... مُبْدِي تأوُّلٍ بلا تكلُّفِ
كبِعْه مُدًّا بكذا يدًا بيدْ ... وكرَّ زيدٌ أسدًا أي كأسدْ
стр. 2014
فقوله: "وكر زيد أسدًا أي كأسد" مثال لمُبْدي التأوُّل، لأنه في تأويل "كر" في حال كونه مشابهًا للأسد كما ذكرنا، واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفًا. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جدًّا، ومنه قول الشاعر:
لنحن الألى قلتم فأنى مُلِئتم ... برؤيتنا قبل اهتمامٍ بكم رُعبا (١)
لأن المراد: لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة "نقاتلهم" التي هي مقول القول. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدًّا في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾. ومنه قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا.
• قوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعدًا. والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى: أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتًا ولا مكانًا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم للبعث؛ جاء
стр. 2015
مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ... ﴾ الآية، وقوله عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ , ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة؛ كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد قدمنا في سورة "البقرة" وسورة "النحل" البراهينَ التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. و"أن" في قوله: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ﴾ مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف؛ على حد قوله في الخلاصة.
وإن تخفف أن ... البيت
والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي؛ على حد قوله في الخلاصة:
وإن يكن فعلًا ولم يكن دعا .. البيتين
• قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
стр. 2016
وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكتاب يوضع يوم القيامة. والمراد بالكتاب: جنس الكتاب؛ فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا. وأن المجرمين يشفقون مما فيه، أي يخافون منه، وأنهم يقولون: ﴿يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ﴾ . أي لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ من المعاصي التي عملنا ﴿إلا أَحْصَاهَا﴾ أي ضبطها وحصرها.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ . وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه. وبعضهم يؤتاه بشماله. وبعضهم يؤتاه وراء ظهره. قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) ..﴾ الآية, وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ وقد قدمنا هذا في سورة "بني إسرائيل". وما ذكره من وضع الكتاب هنا ذكره في "الزمر" في قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ ... ﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ تقدم معنى مثله في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ ... ﴾ الآية. والمجرمون: جمع المجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه
стр. 2017
النكال. ومعنى كونهم ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم السيئة، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد، وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي. وقولهم: ﴿يَاوَيلَتَنَا﴾ الويلة: الهلكة، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا: يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان حضورك! وقال أبو حيان في البحر: المراد من بحضرتهم: كأنهم قالوا: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ، ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ، ﴿يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، وقوله:
يا عجبًا لهذه الفليقة.
فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل.
إنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى. انتهى كلام أبي حيان. وحاصل ما ذكره: أن أداة النداء في قوله: ﴿يَاوَيلَتَنَا﴾ ينادى بها محذوف، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف، والتقدير كما ذكره: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب؛ ومنه قول عنترة في معلقته:
يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حلَّتْ له ... حَرُمَت عليَّ وليتها لم تَحْرُم
يعني: يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارَمَيَّ على البِلَى ... ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعانك القَطْر
يعني: يا هذه اسلمي.
стр. 2018
وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ أي: أي شيء ثبت لهذا الكتاب ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ أي لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي من المعاصي. وقول من قال: الصغيرة القُبْلة، والكبيرة الزنى، ونحو ذلك من الأقوال في الآية، إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر. وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الأصول. وقد صرح تعالى بأن المنهيات منها كبائر. ويفهم من ذلك أن منها صغائر. وبين أن اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر؛ وذلك في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، وجملة ﴿لَا يُغَادِر﴾ حال من ﴿الْكِتَابِ﴾.
تنبيه
هذه الآية الكريمة يفهم منها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنهم وجدوا في كتاب أعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم، فلو كانوا غير مخاطبين بها لما سجلت عليهم في كتاب أعمالهم. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم في يوم القيامة يجدون أعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة عليهم. وأوضح هذا أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ... ﴾ الآية، وقوله:
стр. 2019
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا يظلم أحدًا، فلا ينقص من حسنات محسن، ولا يزيد من سيئات مسيء، ولا يعاقب على غير ذنب.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ .
قدمنا في سورة "البقرة" أن قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمرًا معلقًا على وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزًا بعد وجود آدم. وأنه جل وعلا بين في سورة "الحجر" وسورة "ص" أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه. قال في "الحجر": ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ
стр. 2020
لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ ، وقال في "ص": ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ ولا ينافي هذا أنه بعد وجود أدم جدد لهم الأمر بالسجود له تنجيزًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوا﴾ محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ ونحوها من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في "مسلك النص" وفي "مسلك الإيماء والتنبيه": أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ أي لعلة سرقتهما. وكذلك قوله هنا: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي لعلة كينونته من الجن، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو. ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان يتعبد معهم، فأطلق عليه اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها.
والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه الله شيطانًا، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة
стр. 2021
لدخوله فيهم وتعبده معهم؛ مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال: إن أصله ليس من الملائكة أمران: أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ ، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ . والثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة. قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال: إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ﴾ قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص. ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة؛ ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود:
وسخَّر من جن الملائك تسعة ... قيامًا لديه يعملون بلا أجر
قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا- وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري في تفسيره. وقال القرطبي في تفسير سورة "البقرة": إن كونه من الملائكة هو
стр. 2022
قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ﴾ اهـ. وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل، كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها.
وأظهر الحجج في المسألة؛ حجة من قال: إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ .. ﴾ الآية، هو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة أمر ربه. والفسق في اللغة: الخروج؛ ومنه قول رؤية بن العجاج:
يَهْوِينَ في نجد وغورًا غائرا ... فواسقًا عن قَصْدِها جوائرا
وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه. فلا حاجة لقول من قال: إن ﴿عَنْ﴾ سببية، كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بسببه، وأن المعنى: ففسق عن أمر ربه، أي بسبب أمره حيث لم يمتثله، ولا غير ذلك من الأقوال.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مرارًا. أي: أَبَعْدَ ما ظهر منه من الفسق والعصيان، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم
стр. 2023
وحواء، تتخذونه وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا! بئس للظالمين بدلًا من الله إبليس وذريته! وقال: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنهم اعتاضوا الباطل من الحق، وجعلوا مكان ولايتهم لله ولايتهم لإبليس وذريته. وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه؛ كما تقدم مرارًا. والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام، وتقديره: بئس البدل من الله إبليس وذريته. وفاعل ﴿بِئْسَ﴾ ضمير محذوف يفسره التمييز الذي هو ﴿بَدَلًا (٥٠)﴾ على حد قوله له في الخلاصة:
ويرفعان مضمرًا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره
والبدل: العوض من الشيء، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عداوة الشيطان لبني آدم جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ . وكذلك الأبوان، كما قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ .
وقد بين في غير هذا الموضع: أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء بدلًا من ولاية الله يحسبون أنهم في ذلك على حق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ . وبين في مواضع أخر أن الكفار أولياء الشيطان؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ
стр. 2024
مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ دليل على أن للشيطان ذرية؛ فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى. وكل ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك! ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره، لا دليل عليها من نص صريح، والعلماء مختلفون فيها. وقال الشعبي: سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم. وما فهمه الشعبي من هذه الآية من أن الذرية تستلزم الزوجة رُوي مثله عن قتادة. وقال مجاهد: إن كيفية وجود النسل منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات؛ قال: فهذا أصل ذريته. وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرًا، وفي اليسرى فرجًا، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانًا وشيطانة. ولا يخفى أن هذه الأقوال ونحوها لا معوَّل عليها لعدم اعتضادها بدليل من كتاب أو سنة. فقد دلت الآية الكريمة على أن له ذرية. أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنَّه خرج في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من
стр. 2025
يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ" وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه.
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك؛ هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك. مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلو من احتمال؛ لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تُغَيَّر ألفاظها.
وما يذكره كثير من المفسرين وغيرهم من تعيين أسماء أولاده ووظائفهم التي قلدهم إياها؛ كقوله: زَلَنْبور صاحب الأسواق. وثَبْر صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ونحو ذلك. والأعور صاحب أبواب الزنى، ومِسْوَط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلًا. وداسم هو الشيطان الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلِّم ولم يذكر اسم الله بَصَّرَه ما لم يرفع من المتاع وما لم يحسن موضعه يثير شره على أهله. وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس صاحب الصلاة يوسوس فيها. ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس، إلى غير ذلك من تعيين أسمائهم ووظائفهم؛ كله لا معول عليه؛ إلا ما ثبت منه عن النبي ﷺ .
ومما ثبت عنه ﷺ من تعيين وظيفة الشيطان واسمه ما رواه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن خلف الباهلي،
стр. 2026
حدثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء: أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبسها عليَّ!! فقال: رسول الله ﷺ "ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.
وتحريش الشيطان بين الناس وكون إبليس يضع عرشه على البحر، ويبعث سرايا فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة؛ كل ذلك معروف ثابت في الصحيح. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ .
التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة؛ أن الله يقول: ما أشهدت إبليس وجنوده؛ أي ما أحضرتهم خلق السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق أنفسهم، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين به على خلقه، بل تفردت بخلق جميع ذلك لغير معين ولا ظهير! فكيف تصرفون لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء؟!.
وهذا المعنى الذي أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده؛ جاء مبينًا في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع متعددة، كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ
стр. 2027
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مرارًا.
وقال بعض العلماء ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾: ما أشهدتهم خلق أنفسهم؛ بل خلقتهم على ما أردت وكيف شئت.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ فيه الإظهار في محل الإضمار، لأن الأصل الظاهر: وما كنت متخذهم عضدًا، كقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار هي ذمه تعالى لهم بلفظ الإضلال. وقوله: ﴿عَضُدًا (٥١)﴾ أي أعوانًا.
وفي هذه الآية الكريمة: التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. والمعنى المذكور أشير له في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ والظهير: المعين، والمضلون: الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق. وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية.
• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ .
أي: واذكر يوم يقول الله جل وعلا للمشركين الذين كانوا يشركون معه الآلهة والأنداد من الأصنام وغيرها من المعبودات من
стр. 2028
دون الله توبيخًا لهم وتقريعًا: نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء معي، فالمفعولان محذوفان، أي: زعمتموهم شركاء لي كذبًا وافتراء. أي: ادعوهم واستغيثوا بهم لينصروكم ويمنعوكم من عذابي، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من عدم استجابتهم لهم إذا دعوهم يوم القيامة جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة "القصص": ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَال الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَينَا أَغْوَينَاهُمْ كَمَا غَوَينَا تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ ، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ ، والآيات في تبرئهم منهم يوم القيامة، وعدم استجابتهم لهم كثيرة جدًّا. وخطبة الشيطان المذكورة في سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ -إلى قوله- إِنَي كفرت بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (٢٢)﴾ من
стр. 2029
قبيل ذلك المعنى المذكور في الآيات المذكورة.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ اختلف العلماء فيه من ثلاث جهات:
الأولى: في المراد بالظرف الذي هو "بين". والثانية: في مرجع الضمير. والثالثة: في المراد بالموبق. وسنذكر هنا أقوالهم، وما يظهر لنا رجحانه منها إن شاء الله تعالى.
أما الموبق؛ فقيل: المهلك. وقيل واد في جهنم. وقيل الموعد. قال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ يقول: مهلكًا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ يقول: مهلكًا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: واد في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن أنس في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال. واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال: الموبق الذي ذكر الله: واد في النار، بعيد القعر، يفرق الله به يوم القيامة بين أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: هو نهر يسيل نارا على حافتيه
стр. 2030
حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها: غليظ، وموبق، وأثام، وغي. انتهى كلام صاحب الدر المنثور.
ونقل ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة؛ أن الموبق: الموعد، واستدل لذلك بقول الشاعر:
وحادَ شَرَوْرَى والسِّتار فلم يدع ... تِعارًا له والوادِيَين بمَوْبِق
يعني بموعد. والتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم وَبَق يَبِق، كوَعَد يَعِد: إذا هلك. وفيه لغة أخرى وهي: وَبِق يَوْبَق كوَجل يَوْجل. ولغة ثالثة أيضًا وهي: وَبِق يَبقُ كَورِث يَرِث. ومعنى كل ذلك: الهلاك. والمصدر من وَبَق -بالفتح- الوبوق على القياس، والوبق. ومن وَبق -بالكسر- الوَبَق بفتحتين على القياس. وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: يهلكهن، ومنه الحديث: "فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها" وحديث "السبع الموبقات" أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير:
ومن يشتري (١) حسنَ الثناءِ بماله ... يَصُن عرضَه عن كل شنعاءَ موبِقِ
وقول من قال: إن الموبق العداوة، وقول من قال: إنه المجلس؛ كلاهما ظاهر السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا.
стр. 2031
وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة "بين" فعلى قول الحسن ومن وافقه: أن الموبق العداوة، فالمعنى واضح؛ أي وجعلنا بينهم عداوة؛ كقوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... (٦٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء: المراد بالبين في الآية: الوصل؛ أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكًا لهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وكما قال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ ، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾: جعلنا الهلاك بينهم؛ لأن كلًّا منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ ، وقوله: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾: أي بين المؤمنين والكافرين موبقًا، أي مهلكًا يفصل بينهم، فالداخل فيه في هلاك، والخارج عنه في عافية.
وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى: وجعلنا بين الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقًا أي مهلكًا؛ لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب،
стр. 2032
كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ... ﴾ الآية. وقال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقًا، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله: ﴿بَينَهُمْ﴾ قيل: راجع إلى أهل النار. وقيل: راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معًا. وقيل: راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهر السياق عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ثم قال مخبرًا عن العابدين والمعبودين: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ أي مهلكًا يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا المعنى كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَينَهُمْ ... ﴾ الآية. أي فرقنا بينهم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية. وقرأه حمزة "نقول" بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أي يقول هو، أي الله.
• قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظن في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون
стр. 2033
بالواقع؛ كقوله عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ ، وكقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ... ﴾ الآية. ومن إطلاق الظن على اليقين قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ فالظنُّ في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين. والعرب تطلق الظن على اليقين وعلى الشك. ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد ابن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفَي مُدَجَّج ... سراتهم في الفارسي المسرد
وقول عميرة بن طارق:
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبًا مرجمًا
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار، وبين في موضع آخر أنها هي تراهم أيضًا، وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ . وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد اصطلاح للأصوليين والفقهاء. ولا مشاحة في الاصطلاح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾
стр. 2034
المصْرِف: المَعْدِل، أي: ولم يجدوا عن النار مكانًا ينصرفون إليه ويعدلون إليه، ليتخذوه ملجأ ومعتصمًا ينجون فيه من عذاب الله. ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان؛ قول أبي كبير الهذلي:
أزهيرُ هل عن شيبةٍ من مَصْرِف ... أم لا خلودَ لباذلٍ متكلَّفِ
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّار﴾ من رأى البصرية، فهي تتعدى لمفعول واحد، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظرًا لتحقق الوقوع، فكان ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما تقدم مرارًا. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ .
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي ردَّدنا وكثَّرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس؛ ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا؛ فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل: هو القول الغريب السائر في الآفاق. وضَرْب الأمثال كثير في القرآن جدًّا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ومن أمثلة ضرب المثل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾، وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَص
стр. 2035
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية، وكقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ .. الآية، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾، وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ..﴾ الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وفي هذه الأمثال وأشباهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جدًا، لا لبس في الحق معها؛ إلا أنها لا يعقل معانيها إلا أهل العلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾. ومن حكم ضرب المثل: أن يتذكر الناس؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾.
وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قومًا، ويضل بها قومًا آخرين؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾، وأشار إلى هذا المعنى في سورة "الرعد"؛ لأنه لما ضرب المثل بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ