Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
للمضارع و"ما" المصدرية الظرفية، أي: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، أي مدة رؤيتي له مقاتلًا.
• قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وفتاه نسيا حوتهما لما بلغا مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى؛ لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه. وإنما أسند النسيان إليهما؛ لأن إطلاق المجموع مرادًا بعضه أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي: (فإنْ قَتَلوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين لا من القتال، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ .. ﴾ الآية؛ لأن قول موسى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ يعني به الحوت، فهو يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه: بأنه نسيه بقوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ .. ﴾ الآية.
وفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى:
стр. 2067
﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ عائد إلى ﴿الْبَحْرَينِ﴾ المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ ..﴾ الآية. والمجمع: اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما.
والعلماء مختلفون في تعيين ﴿الْبَحْرَينِ﴾ المذكورين. فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ عند طنجة في أقصى بلاد المغرب. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: هما الكر والرس حيث يصبان في البحر. وقال ابن عطية: ﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي بر الشام. وقيل: هما بحر الأردن والقلزم. وعن ابن المبارك قال: قال بعضهم: بحر أرمينية. وعن أبي بن كعب قال: بإفريقية. إلى غير ذلك من الأقوال. ومعلوم أن تعيين ﴿الْبَحْرَينِ﴾ من النوع الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه. وزَعْمُ بعضِ الملاحدة الكفرة المعاصرين: أن موسى لم يسافر إلى مجمع بحرين، بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تاريخه = زَعْمٌ في غاية الكذب والبطلان، ويكفي في القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا .. ﴾ الآية، مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾. ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل؛ لأن نقيض الحق باطل بإجماع العقلاء لاستحالة صدق النقيضين معًا.
стр. 2068
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ قرأه عامة القراء ما عدا حفصًا (أنْسَنِيهِ) بكسر الهاء. وقرأه حفص عن عاصم ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ بضم الهاء.
• قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر ﵇ بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النبي ﷺ . وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما، لم يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؛ كما قال الراجز:
واختلفت في خضر أهل العقول ... قيل نبيٌّ أو وليٌّ أو رسول
وقيل: مَلَك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة. وأن هذا العلم اللدُنِّي علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء.
اعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن. وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في "الزخرف": ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ .. ﴾ الآية. أي: نبوته، حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة "الدخان": ﴿فِيهَا
стр. 2069
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى في آخر "القصص": ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه: أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة أن الرحمة والعلم اللدني اللذين أمتنَّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا. وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ و ﴿إِنَّمَا﴾ صيغة حصر.
فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام؟
فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به. بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به،
стр. 2070
وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وبخبر: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" كله باطل لا يُعَوَّل عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال:
وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعضُ من تصوَّفا ... وعصمة النبي توجب اقتفا
وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاءوا به ولو في مسألة واحدة؛ فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ ولم يقل: حتى نلقي في القلوب إلهامًا. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ
стр. 2071
بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ... ﴾ الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد بينا طرفًا من ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف؛ من أن لهم ولأشياخهم طريقًا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفةً لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى = زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره.
قال القرطبي ﵀ في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذا الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون". قال شيخنا ﵁: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن
стр. 2072
أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل، فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﷺ ؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول.
وبيان ذلك؛ أن من قال: يأخذ عن قلبه؛ وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة؛ فإن هذا نحو ما قاله ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي .. " الحديث. انتهى من تفسير القرطبي.
وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن
стр. 2073
آيات الكتاب) في سورة "آل عمران".
وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام؛ لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل معنى الحديث: التحذير من الشبه؛ لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمها كل الناس. فقد يفتيك المفتي بحِلِّيةِ شيء وأنت تعلم من طريق آخر أنه يحتمل أن يكون حرامًا، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة. والحديث كقوله: "دع ما يَرِيبك إلى ما لا يَريبك"، وقوله ﷺ : "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁، وحديث وابصة بن معبد ﵁ المشار إليه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "جئت تسأل عن البر"؟ قلت: نعم، قال: "استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه، الحث على الورع وترك الشبهات، فلو التبست مثلًا ميتة بمذكَّاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين بحلية إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في الثاني؛ فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض، لا
стр. 2074
يتحقق إلا بتجَنُّب الجميع؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك مستند لنصوص الشرح لا للإلهام.
ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح: قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري ﵀: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه ﵀، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وبهذا كله تعلم: أن قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة، وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾، وقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ مع قول الخضر له: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾.
مسألة
اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح، والنقاش وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى، يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم
стр. 2075
القيامة. وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.
وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر. ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية؛ كل ذلك معروف. ومستند القائلين بذلك ضعيف جدًّا؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة.
ومن أقواه عند القائلين به: آثار التعزية حين توفي النبي ﷺ . وقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي ﵁ قال: لما توفي النبي ﷺ وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم أهل البيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ... ﴾ الآية. إن في الله خلقًا عن كل هالك، وعوضًا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجو؛ فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر ﵇ ؛ يعني أصحاب النبي ﷺ . انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.
قال مقيده -عفا الله عنه-: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفًا، مردود من وجهين:
الأول: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح. قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث،
стр. 2076
ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف. اهـ. منه.
الثاني: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلًا ولا شرعًا ولا عرفانًا أن يكون ذلك المعزى هو الخضر؛ بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. ودعوى أن ذلك المعزى هو الخضر تحكم بلا دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفى، وذلك لعدة أدلة:
الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله. والخضر بشر من قبله؛ فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد.
الثاني: قوله ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا هناد بن السريّ، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن
стр. 2077
الخطاب قال: لما كان يوم بدر، (ح) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي، حدثني عبد الله ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا؛ فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه؛ فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فأمده الله بالملائكة .. الحديث. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "لا تعبد في الأرض" فِعلٌ في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض؛ لأن الفعل ينحلّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة "بني إسرائيل". وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا
فإذا علمت أن معنى قوله ﷺ : "إن تهلك هذه العصابة لا
стр. 2078
تعبد في الأرض" أي لا تقع عبادة لك في الأرض؛ فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله في الأرض.
وقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾؛ فقوله ﷺ في هذا الحديث: "اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض؛ فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر.
الثالث: إخباره ﷺ على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة؛ فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا، وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان: أن عبد الله بن عمر قال:
стр. 2079
صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته؛ فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد". قال ابن عمر: فوَهَل الناسُ في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال رسول الله ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب. ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه.
حدثني هارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة". حدثنيه محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد، ولم يذكر: "قبل موته بشهر".
حدثني يحيى بن حبيب، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر، قال ابن حبيب: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك: "ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ". وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن قال:
стр. 2080
نقص العمر. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي بالإسنادين جميعًا مثله. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو خالد عن داود واللفظ له. (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سليمان بن حيان عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: لما رجع النبي ﷺ من تبوك سألوه عن الساعة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم". حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن سالم عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة" فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. اهـ منه بلفظه.
فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي ﷺ ابن عمر، وجابر، وأبو سعيد، فيه تصريح النبي ﷺ بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. فقوله "نفس منفوسة" ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نكرة في سياق النفي فهي تعم كل نفس مخلوقة على الأرض. ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر؛ لأنه نفس منفوسة على الأرض.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النبي ﷺ فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه
стр. 2081
الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال النبي ﷺ : "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن. انتهى منه بلفظه. وقد بينا وجه دلالته على المراد قريبًا.
الرابع: أن الخضر لو كان حيًّا إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة "آل عمران": أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.
وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا ﷺ ، كما قاله ابن العباس وغيره، فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولًا أوليًّا؛ فلو كان الخضر حيًّا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ﵁: أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها
стр. 2082
بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني" اهـ. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفًا. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه بعد أن ساق آية "آل عمران" المذكورة آنفًا مستدلًّا بها على أن الخضر لو كان حيا لجاء النبي ﷺ ونصره ما نصه: قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه، ذكره البخاري عنه.
فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًّا فالصديق أفضل منه. وإن كان نبيًّا فموسى أفضل منه.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني" وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلهم أتباعًا له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما
стр. 2083
اجتمع بهم في الإسراء رُفِع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم؛ فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن- عُلِم أنه لو كان الخضر حيًّا لكان من جملة أمة محمد ﷺ ، وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه واستنصره واستفتحه على من كفره: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض" وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇؛ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
فلو كان الخضر حيًّا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟
стр. 2084
فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله ﷺ ، نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قيل: فهل يقال إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات، ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام، أفضل مما يقال عن كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟!.
وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.
فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيًّا باقيًا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه.
وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر وبقائه:
стр. 2085
ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرًا من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًّا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ، والله أعلم. إلى أن قال ﵀: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضر) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد. اهـ منه.
واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته؛ فزعموا أنه لا يشمله عموم ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ولا عموم حديث: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم" كما تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى: ولا حجة لمن استدل به -يعني الحديث المذكور- على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي؛ لعموم قوله: "ما من نفس منفوسة. ." لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصًّا فيه، بل هو قابل
стр. 2086
للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى ﵇ فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة؛ فكذلك لم يتناول الخضر ﵇ ، وليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى ﵇ كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اهـ منه.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط، كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي ﷺ عام في منفس منفوسة عمومًا مؤكدًا؛ لأن زيادة "مِن" قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصًّا صريحًا في العموم لا ظاهرًا فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة "المائدة".
ولو فرضنا صحة ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- من أنه ظاهر في العموم لا نصٌّ فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندًا ومتنًا؛ فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعًا.
وقوله: "إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث"، فيه: أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى؛ لأن النبي ﷺ قال فيه: "لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد"؛ فخصص
стр. 2087
ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله عن الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ وهذا واضح جدًا كما ترى.
ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط، ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه.
وقوله "إن الخضر ليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا" يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:
الأولى: أن دعوى كون الخضر محجوبًا عن أعين الناس كالجن والملائكة، دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها؛ لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضًا لاتفاقهم في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم.
الثانية: أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدليًّا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون، وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم، فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافًا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق.
قال صاحب جمع الجوامع في مبحث العام ما نصه: "والصحيح
стр. 2088
دخول النادرة وغير المقصودة تحته". فقوله: "النادرة وغير المقصودة"، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله: "تحته" يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق؛ لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما، اختلاف العلماء في جواز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيل. وإيضاحه: أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" ولم يذكر فيه ابن ماجه "أو نصل" والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيلة. والسَّبَق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: "إلا في خف" نكرة في سياق الإثبات؛ لأن ما بعد "إلا" مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في العام.
قال الشيخ زكريا: وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حَيِّز الشرط معنى، إذ التقدير: إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي: أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبًا ببال المتكلم لندرة وقوعه.
стр. 2089
ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة: هل تدخل في العام والمطلق أو لا؛ اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة؛ كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني. فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم "إنما الماء من الماء" فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أو لا؟ فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق: ما لو وكَّلَ رجلٌ آخر على أن يشتري له عبدًا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدًا يعتق على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادمًا يخدمه، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله:
هل نادر في ذي العموم يدخل ... ومطلق أو لا خلافَ يُنْقَل
فما لغير لذةٍ والفيلُ ... ومُشْبِهٌ فيه تنافَى القِيل
وما من القصد خلا فيه اختلف ... وقد يجيء بالمجاز متصف
وممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى.
стр. 2090
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول، شمول العام والمطلق للصور النادرة؛ لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة. وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد؛ فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه، بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص. وقد كان الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..﴾ الآية وعموم قوله ﷺ : "أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد" هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص.
ومما يوضح ذلك: أن الخنثى صورة نادرة جدًّا، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص والعتق، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع. وما ذكره القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه؛ لأن الدجال أخرجه دليلَ صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي ﷺ يقول: إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد -واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد- حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة
стр. 2091
حدثني عامر بن شراحيل الشعبي -شعب همدان- أنه سأل فاطمة بنت قيس -وكانت من المهاجرات الأول- فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله ﷺ لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل حدثيني. فقالت:. . ثم ساق الحديث وفيه طول. ومحل الشاهد منه قول تميم الداري: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك مالك؟! الحديث بطوله -إلى قوله- وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما. . . الحديث.
فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يُخْرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول: أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل، كما قدمناه مرارًا وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله:
стр. 2092
وهو حجة لدى الأكثر إن ... مخَصِّص له معينًا يَبِن
وبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر قبله؛ تتناول بظواهرها الخضر، ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في نسب الخضر، فقيل: هو ابن آدم لصلبه. وقال ابن حجر في الإصابة: وهذا قول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس، ورواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وقيل: إنه ابن قابيل ابن آدم، قال ابن حجر: ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين. ثم ساق سنده وقال: هو معضل، وحكى صاحب هذا القول: أن اسمه خضرون وهو الخضر. وقيل: اسمه عامر، ذكره أبو الخطاب بن دحية عن ابن حبيب البغدادي. وقيل: إن اسمه بليان بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه، قاله ابن كثير وغيره. وقيل: إن اسمه المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وهذا قول إسماعيل بن أبي أويس، نقله عنه ابن كثير وغيرهما.
وقيل: خضرون بن عماييل من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وهذا القول حكاه ابن قتيبة أيضًا ذكره عنه ابن حجر. وقيل: إنه من سبط هارون أخي موسى، وروى ذلك عن
стр. 2093
الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، ذكره ابن حجر أيضًا ثم قال: وهو بعيد، وأعجب منه قول ابن إسحاق: إنه أرميا بن حلقيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير. وقيل: إنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة.
وقيل: ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش. وقيل: إنه اليسع، حُكي عن مقاتل. وقال ابن حجر: إنه بعيد. وقيل: إنه من ولد فارس. قال ابن حجر: جاء ذلك عن ابن شوذب، أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب. وقيل: إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه عن أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه. وقيل: كان أبوه فارسيًّا، وأمه رومية. وقيل عكس ذلك اهـ. والله أعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة أنه قال: إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة البيضاء: ما على وجه الأرض من الحشيش الأبيض وشبهه من الهشيم. وقيل: الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها. وقيل: هي الهشيم اليابس.
ومن ذلك القبيل تسمية جلدة الرأس فروة، كما قدمنا في سورة "البقرة" في قول الشاعر:
دنس الثياب كأن فروة رأسه ... غرست فأنبت جانباها فلفلا
• قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ .
هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون:
стр. 2094
بأن المجاز في القرآن؛ زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة؛ لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالًا وأقوالًا لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة.
فمن الآيات الدالة على ذلك؛ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية. فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك؛ لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ .. ﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت، أي خافت؛ دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: "إني لأعرف حجرًا كان يسلم علَيَّ بمكة" وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ جَزَعًا لفراقه، فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله:
стр. 2095
﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
وزَعْمُ من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال = زَعْمٌ باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جدًا. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جدًا كما ترى. مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل
أي: يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير:
في مَهْمَهٍ قلقت به هامتها ... قلق الفؤوس إذا أردن نضولا
فقوله: "إذا أردن نضولا" أي قاربنه. وقول الآخر:
إن دهرًا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان
فقوله "لزمان يهم بالإحسان"، أي: يقع الإحسان فيه. وقد بينا في رسالتنا المسماه (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها. وبينا أدلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ .
ظاهر هذه الآية الكريمة: أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة،
стр. 2096
صحيحة كانت أو معيبة. ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة، وهي قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي لئلا يأخذها، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب؛ لأن عيبها يزهده فيها. ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالًا عند علماء العربية لحذف النعت؛ أي: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة، بدليل ما ذكرنا. وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا .. ﴾ الآية. واسم ذلك الملك: هدد بن بدر؛ وقوله: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: أمامهم كما تقدم في سورة "إبراهيم".
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ .
قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿حَمِئَةٍ﴾ بلا ألف بعد الحاء، وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (حامية) بألف بعد الحاء، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل. فعلى القراءة الأولى فمعنى ﴿حَمِئَةٍ﴾ وذات حمأة وهي الطين الأسود، ويدل لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ والحمأ: الطين كما تقدم. ومن هذا المعنى قول تُبَّع الحميري فيما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين:
стр. 2097
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خُلُب وثأْطٍ حَرْمد
والخُلُب -في لغة حِمْير-: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. وعلى قراءة (حامية) بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنها حارة، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. ولا منافاة بين القراءتين لأن كلا القراءتين حق. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه. . إلى آخر كلامه. ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين تطلق في اللغة على ينبوع الماء. والينبوع: الماء الكثير. فاسم العين يصدق على البحر لغة. وكون من على شاطئ المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف. وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ .
اعلم أولًا أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النبي ﷺ فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له. وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك فإذا علمت ذلك فاعلم؛ أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن
стр. 2098
بيانًا وافيًا بالمقصود، والله جل وعلا قال في كتابه لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السدَّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكًّا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ..﴾ الآية. وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أنه: يوم إذ جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم. وإذا تقرر أن معنى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم؛ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ على القول بأنه لجميع بني آدم، فالمراد يوم القيامة. وإذًا فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد، وقربه منه. وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج. فقوله بعده: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ هو إشارة إلى السد؛ أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكًّا؛ أي مدكوكًا مبسوطًا مسوّى بالأرض. وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك؛ ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام. اهـ.
وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ
стр. 2099
يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ وإتْباعه لذلك بقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها. وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسية، وأن السد فتح منذ زمان طويل. فإذا قيل: إنما تدل الآيات المذكورة في "الكهف" و"الأنبياء" على مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد، واقترابه من يوم القيامة لا ينافي كونه قد وقع بالفعل؛ كما قال قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ... ﴾ الآية. وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، وقال النبي ﷺ : "ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها-. ." الحديث، وقد قدمناه في سورة "المائدة". فقد دل القرآن والسنة الصحيحة على أن اقتراب ما ذُكِر لا يستلزم اقترانه له، بل يصح اقترابه مع مهلة، وإذًا فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن.
فالجواب: هو ما قدمنا أن هذا البيان بهذه الآيات ليس وافيًا بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير
стр. 2100
الحضرمي: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثني محمد بن مهران الرازي (واللفظ له)، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخَفَّض فيه ورَفَّع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: "ما شأنكم"؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداةً فخفَّضْت فيه ورَفَّعْت، حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم! إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسِه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة "الكهف"، إنه خارج خَلَّة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد الله فاثبتوا" قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، أقدروا له قدره". قلنا. يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح. فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًا وأسبغه ضروعًا، وأمدَّه خواصر؛ ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردُّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمْحِلِين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه
стр. 2101
كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغَرَض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ؛ فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيثما ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون؛ فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بِقِحْفها، ويُبارك في الرِّسْل حتى إن اللِّقْحَة من الإبل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة
стр. 2102
من الناس. واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم؛ فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة" انتهى بلفظه من صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ : بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق ﷺ فهو باطل؛ لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود.
والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هم روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلًا؛ هي حجة عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج نقيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول: لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد، ينتج فهم: ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي: لأن
стр. 2103
نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم؛ هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركبا من شرطية متصلة واستثنائية، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
الأولى: أن يقدح فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحًا.
الثانية: أن يقدح فيه من جهة استثنائيته.
الثالثة: أن يقدح فيه من جهتهما معًا. وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض: الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة "المائدة" من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ..﴾ الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعمين أنه منزل في التوراة أو غيره من الكتب السماوية؛ باطل يقينًا لا يعول عليه؛ لأن الله جل وعلا
стр. 2104
صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم؛ كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات؛ بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله إلى أحد حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ﴾، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. وقال في النبي ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقد صح عن النبي ﷺ أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق.
ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات، في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضًا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفًا: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا
стр. 2105
كذبه. وبهذا التحقيق: تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجد بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة؛ يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. والعلم عند الله تعالى.
• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (دكًّا) بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدمنا إيضاحه.
• قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ .
قوله: ﴿وَعَرَضْنَا﴾ أي أبرزنا وأظهرنا جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ جمعناهم جمعًا؛ كما دل على ذلك قوله قبله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾. وقال بعض العلماء: اللام في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى على، أي عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة؛ لأن العرض في القرآن يتعدى بعلى لا باللام؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على؛ البيت الذي قدمناه في أول سورة "هود"، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله:
هتكتُ له بالرمح جيب قميصه ... فخَرَّ صريعًا لليدين وللفم
أي: خر صريعًا على اليدين.
следующие страницы →