كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغَرَض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ؛ فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيثما ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون؛ فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بِقِحْفها، ويُبارك في الرِّسْل حتى إن اللِّقْحَة من الإبل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة
стр. 2102
من الناس. واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم؛ فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة" انتهى بلفظه من صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ : بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق ﷺ فهو باطل؛ لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود.
والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هم روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلًا؛ هي حجة عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج نقيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول: لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد، ينتج فهم: ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي: لأن
стр. 2103
نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم؛ هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركبا من شرطية متصلة واستثنائية، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:
الأولى: أن يقدح فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحًا.
الثانية: أن يقدح فيه من جهة استثنائيته.
الثالثة: أن يقدح فيه من جهتهما معًا. وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض: الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة "المائدة" من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ..﴾ الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعمين أنه منزل في التوراة أو غيره من الكتب السماوية؛ باطل يقينًا لا يعول عليه؛ لأن الله جل وعلا
стр. 2104
صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم؛ كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات؛ بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله إلى أحد حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) ﴾، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. وقال في النبي ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقد صح عن النبي ﷺ أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق.
ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات، في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضًا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفًا: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا
стр. 2105
كذبه. وبهذا التحقيق: تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجد بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة؛ يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. والعلم عند الله تعالى.
• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (دكًّا) بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدمنا إيضاحه.
• قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ .
قوله: ﴿وَعَرَضْنَا﴾ أي أبرزنا وأظهرنا جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ جمعناهم جمعًا؛ كما دل على ذلك قوله قبله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾. وقال بعض العلماء: اللام في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى على، أي عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة؛ لأن العرض في القرآن يتعدى بعلى لا باللام؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على؛ البيت الذي قدمناه في أول سورة "هود"، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله:
هتكتُ له بالرمح جيب قميصه ... فخَرَّ صريعًا لليدين وللفم
أي: خر صريعًا على اليدين.
стр. 2106
وقد علم من هذه الآيات: أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها؛ لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها؛ كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾، وقال في عرضهم عليها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ .. ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئًا من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. وقول من قال: إن قوله هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ الآية فيه قلب، وأن المعنى: وعرضنا الكافرين لجهنم، أي عليها = بعيد، كما أوضحه أبو حيان في البحر. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ .
التحقيق في قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾ أنه في محل خفض نعتًا للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة، أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعًا. وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله في تغطية أعينهم: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) .. ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. وقال في عدم استطاعتهم السمع: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. وقد بينا معنى كونهم لا
стр. 2107
يستطيعون السمع في أول سورة "هود" في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضًا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وقد بين تعالى في موضع آخر: أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبه شيطانًا فيجعله له قرينًا؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) .. ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ .
الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ﴾ للإنكار والتوبيخ. وفي الآية حذف دل المقام عليه. قال بعض العلماء: تقدير المحذوف هو: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد؟ كلا!! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد؛ بدليل قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ وقال بعض العلماء: تقديره. أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، وأن ذلك ينفعهم. كلا! لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم؛ أو أن ذلك ينفعهم؛ جاء مبينًا في مواضع، كقوله في أول
стр. 2108
سورة "الأعراف": ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ .. ﴾ الآية. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية؛ لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي مني دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله، كقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح وأمثلة.
والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: ﴿عِبَادِي﴾ أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزير، لا الشياطين ونحوهم، لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبًا. وقد بين تعالى: أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ قد أوضحنا معناه في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا .. ﴾ الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله: ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ أوجه من التفسير للعلماء، أظهرها: أن "النزل" هو ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه. والمعنى: أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ لأن ذلك
стр. 2109
الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو القادم.
الوجه الثاني: أن ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ بمعنى المنزل، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلًا، أي: مكان نزول، لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن "النزل" جمع نازل، كجمع الشارف على شُرُف بضمتين. والذي يظهر في إعراب ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ أنه حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول لـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾ بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ .
المعنى: قل لهم يا نبي الله: هل ننبئكم أي: نخبركم بالأخسرين أعمالًا، أي: بالذين هم أخسر الناس أعمالًا وأضيعها. فالأخسر صيغة تفضيل من الخسران وأصله نقص مال التاجر، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم في حظوظهم مما عند الله لو أطاعوه؛ وقوله: ﴿أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ منصوب على التمييز.
فإن (١) قيل: نبئنا بالأخسرين أعمالًا من هم؟
كان الجواب: هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وبه تعلم أن ﴿الَّذِينَ﴾ من قوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف جوابًا للسؤال المفهوم من المقام، ويجوز نصبه على الذم، وجره على أنه بدل من (الأخسرين) أو
стр. 2110
نعت له، وقوله: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل عملهم وحبط، فصار كالهباء وكالسراب وكالرماد! كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ .. ﴾ الآية؟ وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند الله.
والتحقيق: أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق، وأن فيه رضي ربهم؛ كما قال عن عبدة الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع صحيح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) .. ﴾ الآية، على القول فيها بذلك. وقوله تعالى في الكفار: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾، والدليل على نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ .. ﴾ الآية. فقول من قال: إنهم الكفار، وقول من قال: إنهم الرهبان، وقول من قال: إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي ﷺ = كل ذلك تشمله هذه الآية. وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سأله ابنه مصعب عن ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ في هذه الآية هل هم الحرورية؟ فقال: لا هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكفروا بمحمد ﷺ . وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين
стр. 2111
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعيد يسميهم الفاسقين. اهـ من البخاري. وما روي عن علي ﵁ من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا؛ لأنهم يرتكبون أمورًا شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل. وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:
الأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل؛ كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر، وهذا أكثر استعمالاته في القرآن؛ ومنه قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.
الثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي غاب واضمحل، وقوله هنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل، وقول الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا
стр. 2112
أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالًا؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:
فآب مضلوه (١) بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل
فقوله "مضلوه" يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ .. ﴾ الآية. فمعنى: ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها فغابت واستهلكت فيها.
الثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) ﴾ أي ذاهبًا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) ﴾ أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي تذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) ﴾ ومن هذا المعنى قول الشاعر:
стр. 2113
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم
فقوله "أراها في الضلال" أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغي بها بدلًا، والواقع بخلاف ذلك.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ أي يظنون. وقرأه بعض السبعة بكسر السين، وبعضهم بفتحها، كما قدمنا مرارًا في جميع القرآن. ومفعولا "حسب" هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما "أن" والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم. وقوله: ﴿صُنْعًا﴾ أي عملًا وبين قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ و ﴿يُحْسِنُونَ﴾ الجناس المسمى عند أهل البديع "تجنيس التصحيف" وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين، كقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه
فبين "المغتر والمعتز" الجناس المذكور.
• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية، نص في أن الكفر بآيات الله ولقائه يحبط العمل، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًا، كقوله تعالى في "العنكبوت": ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريبًا إن شاء الله.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ فيه للعلماء أوجه:
أحدها: أن المعنى أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة
стр. 2114
الأخرى في مقابلة سيئاتهم، بل لم يكن لهم إلا السيئات، ومن كان كذلك فهو في النار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ .. ﴾ الآية، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال بعض أهل العلم: معنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أنهم لا قدر لهم عند الله لحقارتهم وهوانهم بسبب كفرهم؛ وذلك كقوله عنهم: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ أي صاغرين أذلاء حقيرين، وقوله: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم وحقارتهم.
وقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر السمين العظيم البدن؛ لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة. قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال: اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾" وعن يحيى بن بكير، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن
стр. 2115
أبي الزناد مثله اهـ. من البخاري.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه، وهو يدل على أن نفس الكافر العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة. وفيه دلالة على وزن الأشخاص. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور ما نصه: وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه؛ لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم. بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغى به الترفه والسمن؛ وقد قال ﷺ : "إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين" ومن حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن من بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" وهذا ذم. وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها؛ فهو عبد نفسه لا عبد ربه. ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد من سحت فالنار أولى به. وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم تنعمهم في كل أحواله وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام. ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائمًا، وليله نائمًا اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي، وما تضمنه كلامه من الجزم بأن النبي ﷺ قال: "إن الله
стр. 2116
يبغض الحبر السمين" فيه نظر؛ لأنه لم يصح مرفوعًا، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب. وما ذكر من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة "وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه".
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في نيل جنات الفردوس. والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سببًا في دخول الجنة كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي بسببه، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه
فإن قيل: هذه الآيات فيها الدلالة على أن طاعة الله بالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة. وقوله ﷺ : "لن يدخل أحدكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" يرد بسببه إشكال على ذلك.
فالجواب: أن العمل لا يكون سببًا لدخول الجنة إلا إذا تقبله
стр. 2117
الله تعالى، وتَقَبُّله له فضل منه. فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سببًا لدخول الجنة. وللجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي. والعلم عند الله تعالى. وقد قدمنا أن "النزل" هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم.
• قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ .
أي: خالدين في جنات الفردوس ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ أي: تحولًا إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائمًا من غير تحول ولا انتقال. وهذا المعنى المذكور هنا جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي الإقامة أبدًا، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها، ودوام نعيمها لهم. والحِوَل: اسم مصدر بمعنى التحول.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ .
أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يقول: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ أي لو كان ماء البحر مدادًا للأقلام التي تكتب بها كلمات الله ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربي ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ أي ببحر آخر مثله مددًا، أي زيادة عليه. وقوله: ﴿مَدَدًا (١٠٩)﴾ منصوب على التمييز، ويصح
стр. 2118
إعرابه حالًا. وقد زاد هذا المعنى إيضاحًا في سورة "لقمان" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ الآية. وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها علوًا كبيرًا.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ .
أمر جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: لا أقول لكم إني ملك ولا غير بشر، بل أنا بشر مثلكم أي بشر من جنس البشر، إلا أن الله تعالى فضلني وخصني بما أوحى إلي من توحيده وشرعه. وقوله هنا: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي فوحدوه، ولا تشركوا به غيره. وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية، أوضحه في مواضع أخر، كقوله في أول "فصلت": ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ .. ﴾ الآية. وهذا الذي أمر الله به نبيه ﷺ في هذه الآية من أنه يقول للناس: إنه بشر، ولكن الله فضله على غيره بما أوحى إليه من وحيه جاء؛ مثله عن الرسل غيره صلوات الله وسلامه عليهم في قوله تعالى: ﴿قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية. فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم واحد، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية، لا ينافي تفضيلهم على سائر البشر بما خصهم الله به من وحيه واصطفائه
стр. 2119
وتفضيله كما هو ضروري.
وقال بعض أهل العلم: معنى هذه الآية قل يا محمد للمشركين: إنما أنا بشر مثلكم، فمن زعم منكم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإنني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين. وهذا له اتجاه والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ .
قوله في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يشمل كونه يأمل ثوابه، ورؤية وجهه الكريم يوم القيامة، وكونه يخشى عقابه؛ أي فمن كان راجيًا من ربه يوم يلقاه الثواب الجزيل والسلامة من الشر؛ فليعمل عملًا صالحًا. وقد قدمنا إيضاح العمل الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ قال جماعة من أهل العلم: أي لا يرائي الناس في عمله؛ لأن العمل بعبادة الله لأجل رياء الناس من نوع الشرك، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك. وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة. وقد ساق طرقها ابن كثير في تفسير هذه الآية. والتحقيق أن قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ أعم من الرياء وغيره، أي: لا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئًا من حقوق خالقه لأحد من خلقه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ .. ﴾ الآية في الموضعين، ويقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ
стр. 2120
الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الذي يشرك أحدًا بعبادة ربه، ولا يعمل صالحًا أنه لا يرجو لقاء ربه، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله يوم القيامة.
وهذا المفهوم جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى فيما مضى قريبًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ .. ﴾ الآية؛ لأن من كفر بلقاء الله لا يرجو لقاءه. وقوله في "العنكبوت": ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي .. ﴾ الآية، وقوله في "الأعراف": ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ وقوله في "الأنعام": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا .. ﴾ الآية، وقوله تعالى في "يونس": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾، وقوله في "الفرقان": ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾، وقوله في "الروم": ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه
اعلم أن الرجاء كقوله هنا: ﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا. واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي:
стр. 2121
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل
فقوله "لم يرج لسعها" أي لم يخف لسعها. ويُرْوَى "حالفها" بالحاء والخاء، ويروى "عواسل" بالسين، و"عوامل" بالميم.
فإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا الأمرين المذكورين؛ فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس.
واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا .. ﴾ الآية، فعن ابن عباس أنها نزلت في جندب بن زهير الأزدي الغامدي، قال: يا رسول الله، إنني أعمل العمل لله تعالى وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني؟ فقال النبي ﷺ : "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ما شورك فيه" فنزلت الآية. ذكره القرطبي في تفسيره، وذكر ابن حجر في الإصابة: أنه من رواية ابن الكلبي في التفسير عن أبي صالح عن أبي هريرة، وضَعْف هذا السند مشهور، وعن طاوس أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى، وأحب أن يرى مكاني. فنزلت هذه الآية. وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني، وأُحْمَد عليه فيسرني ذلك، وأعجب به. فسكت رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ انتهى من تفسير القرطبي.
ومعلوم أن من قصد بعمله وجه الله ففعله لله ولو سره اطلاع
стр. 2122
الناس على ذلك، ولاسيما إن كان سروره بذلك لأجل أن يقتدوا به فيه. ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. والعلم عند الله تعالى. وقال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ .. ﴾ الآية قال: نزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلاهًا غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله إني أقف مواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي موصولًا عن طاوس عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه. فأنزل الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ .. ﴾ الآية. وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس فلامه الله، فنزل في ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾، وأخرج هناد في الزهد عن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله، وأحب أن يقال لي خير، فنزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ .. ﴾ الآية اهـ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والعلم عند الله تعالى.
стр. 2123
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ .
قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور؛ كقوله هنا: ﴿كهيعص (١)﴾ في سورة "هود"، فأغنى عن إعادته هنا. وقوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، والأول أظهر. والقول بأنه خبر عن قوله: ﴿كهيعص (١)﴾ ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما. وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ لفظة ﴿ذِكْرُ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله. ولفظة ﴿رَحْمَتِ﴾ مصدر مضاف إلى فاعله وهو ﴿رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول به للمصدر الذي هو ﴿رَحْمَتِ﴾ المضاف إلى فاعله، على حد قوله في الخلاصة:
وبعد جره الذي أضيف له ... كمل بنصب أو برفع عمله
وقوله: ﴿زَكَرِيَّا (٢)﴾ بدل من قوله: ﴿عَبْدَهُ﴾ أو عطف بيان عليه.
وقد بين جل وعلا في هذه الآية: أن هذا الذي يتلى في أول
стр. 2124
هذه السورة الكريمة هو ذكر الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفيًّا أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه بكون دعائه خفيًّا يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. فقول من قال: إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن امرأته، وكونها عاقرًا، وقول من قال: إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي، فإن أجاب الله دعاءه فيه نال ما كان يريد. وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد، إلى غير ذلك من الأقوال، كل ذلك ليس بالأظهر. والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء. ودعاء زكريا هذا لم يبين الله في هذا الموضع مكانه ولا وقته، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة في "آل عمران" في قوله: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآية. فقوله ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ذلك الرزق عند مريم. وقال بعضهم: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك الوقت، بناء على أن هنا ربما أشير بها إلى الزمان. وقوله في دعائه هذا: ﴿ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف. والوهن: الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه
стр. 2125
فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن؛ لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن.
وقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ الألف واللام في ﴿الرَّأْسُ﴾ قاما مقام المضاف إليه. إذ المراد: واشتعل رأسي شيبًا. والمراد باشتعال الرأس شيبًا: انتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه؛ شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزًا، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مرارًا: أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس باشتعال الرأس شيبًا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر:
ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما أرعويت وشيبًا رأسي اشتعلا
ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته:
واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا
وقوله: ﴿شَيبًا﴾ تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب. خلافًا لمن زعم أنه ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ﴾ لأنه اشتعل بمعنى شاب، فيكون ﴿شَيبًا﴾ مصدرًا منه في المعنى؛ ومن زعم أيضًا أنه مصدر منكر في موضع الحال.
وهذا الذي ذكره الله هنا عن زكرياء في دعائه من إظهار
стр. 2126
الضعف والكبر جاء في مواضع أخر؛ كقوله هنا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾، وقوله في "آل عمران": ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ .. ﴾ الآية. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ أي لم أكن بدعائي إياك شقيًّا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني الإجابة فيما مضى. والعرب تقول: شقى بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وربما أطلقت الشقاء على التعب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ وأكثر ما يستعمل في ضد السعادة. ولا شك أن إجابة الدعاء من السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء.
• قوله تعالى عن زكرياء: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.
معنى قوله: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ أي خفت أقاربي وبني عمي وعصبتي: أن يضيعوا الدين بعدي، ولا يقوموا لله بدينه حق القيام، فارزقني ولدًا يقوم بعدي بالدين حق القيام. وبهذا التفسير تعلم أن معنى قوله ﴿يَرِثُنِي﴾ أنه إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله وقيام بدينه، لا إرث مال. ويدل لذلك أمران:
أحدهما: قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين.
والأمر الثاني: ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله
стр. 2127
وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين؛ فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق ﵁، عنه ﷺ أنه قال: "لا نورث، ما تركنا صدقه". ومن ذلك أيضًا ما رواه الشيخان أيضًا عن عمر ﵁ أنه قال لعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد، وعلي، والعباس، ﵃: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، قالوا: نعم. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان أيضًا عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي ﷺ حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن؛ فقالت عائشة: أليس قال النبي ﷺ : "ما تركنا صدقة". ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة" وفي لفظ عند أحمد: "لا تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا". ومن ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه؛ عن أبي هريرة: أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر ﵁: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث النبي ﷺ ؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن النبي لا يورث" ولكن أَعُوْل من كان رسول الله ﷺ يعوله، وأنفق على من كان رسول الله ﷺ ينفق.
فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين. فإن قيل: هذا مختص به ﷺ ؛ لأن قوله "لا نورث" يعني به نفسه؛ كما قال عمر ﵁ في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفًا: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء
стр. 2128
والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" يريد رسول الله ﷺ نفسه. فقال الرهط: قد قال ذلك. . . الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح أن عمر قال: إن مراد النبي ﷺ بقوله: "لا نورث" نفسه، وصدقه الجماعة المذكورون في ذلك، وهذا دليل على الخصوص فلا مانع إذن من كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها هو المال؟ فالجواب من أوجه:
الأول: أن ظاهر صيغة الجمع شمول جميع الأنبياء، فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة. وقول عمر لا يصح تخصيص نص من السنة به؛ لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول.
الوجه الثاني: أن قول عمر "يريد ﷺ نفسه" لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو ﷺ يعني نفسه فإنه لا يورث، ولم يقل عمر إن اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أن غيره من الأنبياء لا يورث أيضًا.
الوجه الثالث: ما جاء من الأحاديث صريحًا في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء. وسنذكر طرفًا من ذلك هنا إن شاء الله تعالى.
قال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ "نحن" لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد
стр. 2129
بلفظ "إنا معاشر الأنبياء لا نورث. ." الحديث، أخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور. وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور. وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانئ عن فاطمة ﵂، عن أبي بكر الصديق بلفظ: "إن الأنبياء لا يورثون" انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء. وقد قال ابن حجر: إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم إلا بالنسبة لخصوص لفظ "نحن" وهذه الروايات التي أشار لها تشد بعضها. وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحًا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، وعليه؛ فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه "لا نورث" أنه يعني نفسه كما قال عمر، وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك. قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان:
تصيير مشكل من الجلي ... وهو واجب على النبي
إذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العما
وبهذا الذي قررنا تعلم: أن قوله هنا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني وراثة العلم والدين لا المال. وكذلك قوله: ﴿وَوَرِثَ
стр. 2130
سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ الآية؛ فتلك الوراثة أيضًا وراثة علم ودين. والوراثة قد تطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "العلماء ورثة الأنبياء" وهو في المسند والسنن قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعًا بزيادة "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم" وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما. انتهى منه بلفظه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "العلماء ورثة الأنبياء" رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعًا بزيادة "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم. ." الحديث، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد. ولذا قال الحافظ: له طرق يعرف بها أن للحديث أصلًا، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة اهـ محل الغرض منه. والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض. فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال، فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
стр. 2131
الأول: هو ما ذكرنا.
والثاني: أنها وراثة مال.
والثالث: أنها وراثة مال بالنسبة له، وبالنسبة لآل يعقوب في قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وراثة علم ودين. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. وقد ذكر من قال: إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثًا عن النبي ﷺ في ذلك أنه قال: "رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته" أي ماذا يضره إرث ورثته لماله. ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ . والأرجح فيما يظهر لنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين؛ للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه. قال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾: وجه خوفه أنه خشى أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده؛ ليسوسهم بنبوءته بما يوحي إليه فأجيب في ذلك؛ لا أنه خشى من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم. وهذا وجه.
الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال؛ بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه. ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولاسيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" وفي رواية عند الترمذي
стр. 2132
بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء لا نورث" وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة. ولهذا قال ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة. إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل: أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة" اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له "يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله" الحديث. ثم قال في أسانيده: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح.
واعلم أن لفظ "نحن معاشر الأنبياء" ولفظ "إنا معاشر الأنبياء" مؤداهما واحد؛ إلا أن "إن" دخلت على "نحن" فأبدلت لفظة "نحن" التي هي المبتدأ بلفظة "نا" الصالحة للنصب، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت بـ"إن" كما لا يخفى.
• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء؛ بدليل قوله تعالى في القصة نفسها: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً .. ﴾ الآية، وأشار إلى أنه الولد أيضًا بقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ﴾ فقوله: ﴿لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي واحدًا بلا ولد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ
стр. 2133
الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين. وقد قدمنا أن الموالي الأقارب والعصبات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. والمولى في لغة العرب: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. وكثيرًا ما يطلق في اللغة على ابن العم؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة ابن العبد:
واعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
سهلا ابن عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ ظاهر في أنها كانت عاقرًا في زمن شبابها. والعاقر: هي العقيم التي لا تلد وهو يطلق على الذكر والأنثى؛ فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضًا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كل محضر
وقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم، وأصلحها، فجعلها ولودًا بعد أن كانت عاقرًا في قوله : ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيمًا. وقول من قال: إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق لا ينافي
стр. 2134
ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها، مع أن كون الإصلاح هو جعلها ولودًا بعد العقم هو ظاهر السياق، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم. والقول الثاني يروى عن عطاء.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ أي مرضيًا عندك وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه، وهو فعيل بمعنى مفعول.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين، أعني (يَرِثْنِي ويَرِثْ من آل يعقوب) وهما على هذه القراءة مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو "هب لي" والمقرر عند علماء العربية: أن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط مقدر يدل عليه فعل الطلب، وتقديره في هذه الآية التي نحن بصددها: إن تهب لي من لدنك وليًّا يرثنى ويرث من آل يعقوب. وقرأ الباقون: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ برفع الفعلين على أن الجملة نعت لقوله: ﴿وَلِيًّا (٥)﴾ أي وليًّا وارثًا لي، ووارثًا من آل يعقوب، كما قال فِي الخلاصة:
ونعتوا بجملةٍ منكَّرًا ... فأُعْطِيَت ما أُعْطِيَتْه خَبَرا
وقراءة الجمهور برفع الفعلين أوضح معنى. وقرأ ابن كثير بفتح الياء من قوله: ﴿مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي﴾ والباقون بإسكانها. وقرأ (زكريا) بلا همزة بعد الألف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والباقون قرءوا (زكرياء) بهمزة بعد الألف،
стр. 2135
وبه تعلم أن المد في قوله: (وزكريا إذ نادى) منفصل على قراءة حمزة والكسائي وحفص، ومتصل على قراءة الباقين. والهمزة الثانية على قراءة الجمهور التي هي همزة "إذا" مسهلة في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ومحققة في قراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم. وقراءة: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بفتح الخاء والفاء المشددة بصيغة الفعل الماضي بمعنى أن مواليه خفوا أي قلوا شاذة لا تجوز القراءة بها وإن رويت عن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين، وغيرهم ﵃. وامرأة زكريا المذكورة قال القرطبي: هي إيشاع بنت فاقوذ بن قبيل، وهي أخت حنة بنت ناقوذ، قاله الطبري. وحنة: هي أم مريم. وقال القتيبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران؛ فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى ﵉ على الحقيقة. وعلى القول الأول يكون ابن خالة أمه. وفي حديث الإسراء قال ﵊: "فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى" شاهدًا للقول الأول. اهـ منه. والظاهر شهادة الحديث للقول الثاني لا للأول، خلافًا لما ذكره رحمه الله تعالى، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ .
في هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، وتقديره: فأجاب الله دعاءه فنودي: ﴿يَازَكَرِيَّا .. ﴾ الآية. وقد أوضح جل وعلا في موضع آخر هذا الذي أجمله هنا، فبين أن الذي ناداه بعض الملائكة، وأن النداء المذكور وقع وهو قائم يصلي في المحراب؛ وذلك قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي
стр. 2136
الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلًا: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد الفعل للمجموع مرادًا بعضه قد بيناه فيما مضى مرارًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ اعلم أولًا أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين؛ الأول: قولهم: فلان سَمِيّ فلان أي: مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحدًا فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه.
والثاني: إطلاق السمِيّ يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل؛ كالقعيد والجليس بمعنى: المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى: المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي: لم نجعل من قبله أحدًا يتسمى باسمه؛ فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه لم نجعل له سميًّا أي نظيرًا في السمو والرفعة، غير صواب؛ لأنه ليس بأفضل
стр. 2137
من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضًا. وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم نسم أحدًا باسمه قبله؛ فاعلم أن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ معناه: أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق. وقال بعض العلماء: وهو مروي عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ هل تعلم أحدًا يسمَّى باسمه الرحمن جل وعلا. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا لما بشر بيحيى قال: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضًا في "آل عمران" في قوله: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين اتباعًا للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء وقرأه الباقون (عُتِيًّا) بضمها على الأصل. ومعنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ أنه بلغ غاية الكبر في السن؛ حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها؛ يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس. وقد عتا يعتو عتوًا وعتيًا. وعسا يعسو
стр. 2138
عسيًا وعسوًا. وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء.
فالجواب من ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "آل عمران" وواحد منها فيه بُعد، وإن رُويَ عن عكرمة والسدي وغيرهما.
الأول: أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام؛ لأنه لا يعلم هل الله يأتيه بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة. أو يأمره بأن يتزوج شابة، أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. ولا إشكال في هذا، وهو أظهرها.
الثاني: أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى.
الثالث: وهو الذي ذكرنا أن فيه بعدًا هو ما ذكره ابن جرير عن عكرمة والسدي: من أن زكرياء لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان، فداخل زكرياء الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند ذلك الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ولذا طلب الآية من الله على ذلك بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآية. وإنما قلنا: إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكرياء
стр. 2139
نداء الملائكة بنداء الشيطان.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عِتِيًّا﴾ أصله عتوًا، فأبدلت الواو ياء. ومن إطلاق العتيّ على الكبر المتناهي قول الشاعر:
إنما يعذر الوليد ولا يعـ ... ـذر من كان في الزمان عتيًّا
وقراءة "عسيا" بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها. وقال القرطبي: وبها قرأ ابن عباس، وهي كذلك في مصحف أبي.
• قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ .
هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة؛ ذكره أيضًا في "آل عمران" في قوله: ﴿قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿كَذَلِكَ﴾ للعلماء في إعرابه أوجه:
الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: الأمر كذلك، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور. وقيل: الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقر. وعلى هذا فقوله: ﴿قَال رَبُّكَ﴾ ابتداء كلام.
الوجه الثاني: أن ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب بـ ﴿قَال﴾ وعليه فالإشارة بقوله: "ذلك" إلى مبهم يفسره قوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ونظيره على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾، وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي يسير سهل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ
стр. 2140
تَكُ شَيئًا (٩)﴾ أي: ومن خلقك ولم تك شيئًا فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى. وهذا الذي قاله هنا لزكرياء: من أنه خلقه ولم يك شيئًا؛ أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾، وهذا هو الصواب. خلافًا للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ قالوا: قد سماه الله شيئًا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده. ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئًا يعتد به؛ كقولهم: عجبت من لا شيء. وقول الشاعر:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
لأن مراده بقوله: غير شيء، أي إذا رأى شيئًا تافهًا لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلًا؛ لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء؟ والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله: