الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلًا: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد الفعل للمجموع مرادًا بعضه قد بيناه فيما مضى مرارًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ اعلم أولًا أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين؛ الأول: قولهم: فلان سَمِيّ فلان أي: مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحدًا فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه.
والثاني: إطلاق السمِيّ يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل؛ كالقعيد والجليس بمعنى: المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى: المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي: لم نجعل من قبله أحدًا يتسمى باسمه؛ فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه لم نجعل له سميًّا أي نظيرًا في السمو والرفعة، غير صواب؛ لأنه ليس بأفضل
стр. 2137
من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضًا. وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم نسم أحدًا باسمه قبله؛ فاعلم أن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ معناه: أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق. وقال بعض العلماء: وهو مروي عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ هل تعلم أحدًا يسمَّى باسمه الرحمن جل وعلا. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا لما بشر بيحيى قال: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضًا في "آل عمران" في قوله: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين اتباعًا للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء وقرأه الباقون (عُتِيًّا) بضمها على الأصل. ومعنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ أنه بلغ غاية الكبر في السن؛ حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها؛ يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس. وقد عتا يعتو عتوًا وعتيًا. وعسا يعسو
стр. 2138
عسيًا وعسوًا. وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء.
فالجواب من ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "آل عمران" وواحد منها فيه بُعد، وإن رُويَ عن عكرمة والسدي وغيرهما.
الأول: أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام؛ لأنه لا يعلم هل الله يأتيه بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة. أو يأمره بأن يتزوج شابة، أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. ولا إشكال في هذا، وهو أظهرها.
الثاني: أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى.
الثالث: وهو الذي ذكرنا أن فيه بعدًا هو ما ذكره ابن جرير عن عكرمة والسدي: من أن زكرياء لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان، فداخل زكرياء الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند ذلك الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ولذا طلب الآية من الله على ذلك بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآية. وإنما قلنا: إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكرياء
стр. 2139
نداء الملائكة بنداء الشيطان.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عِتِيًّا﴾ أصله عتوًا، فأبدلت الواو ياء. ومن إطلاق العتيّ على الكبر المتناهي قول الشاعر:
إنما يعذر الوليد ولا يعـ ... ـذر من كان في الزمان عتيًّا
وقراءة "عسيا" بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها. وقال القرطبي: وبها قرأ ابن عباس، وهي كذلك في مصحف أبي.
• قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ .
هذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة؛ ذكره أيضًا في "آل عمران" في قوله: ﴿قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿كَذَلِكَ﴾ للعلماء في إعرابه أوجه:
الأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: الأمر كذلك، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور. وقيل: الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقر. وعلى هذا فقوله: ﴿قَال رَبُّكَ﴾ ابتداء كلام.
الوجه الثاني: أن ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب بـ ﴿قَال﴾ وعليه فالإشارة بقوله: "ذلك" إلى مبهم يفسره قوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ونظيره على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾، وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي يسير سهل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ
стр. 2140
تَكُ شَيئًا (٩)﴾ أي: ومن خلقك ولم تك شيئًا فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى. وهذا الذي قاله هنا لزكرياء: من أنه خلقه ولم يك شيئًا؛ أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾، وهذا هو الصواب. خلافًا للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ قالوا: قد سماه الله شيئًا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده. ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئًا يعتد به؛ كقولهم: عجبت من لا شيء. وقول الشاعر:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا
لأن مراده بقوله: غير شيء، أي إذا رأى شيئًا تافهًا لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلًا؛ لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء؟ والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله:
стр. 2141
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية، وأمثال ذلك. كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى: أطلقت مرادًا بها المستقبل؛ لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل. وكذلك تسميته شيئًا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي ﴿خَلَقْتُكَ﴾ بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم. وقرأه حمزة والكسائي: (وقد خلقناك) بنون بعدها ألف، وصيغة الجمع فيها للتعظيم.
• قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾ .
المراد بالآية هنا: العلامة، أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به من الولد. قال بعض أهل العلم: طلب الآية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما بشر به. ونظيره على هذا القول قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وقيل: أراد بالعلامة أن يعرف ابتداء حمل امرأته؛ لأن الحمل في أول زمنه يخفى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾ أي: علامتك على وقوع ذلك ألا تكلم الناس، أي أن تُمْنَع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سويًّا، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك
стр. 2142
ممنوع من الكلام على سبيل خرق العادة، كما قدمنا في "آل عمران". أما ذكر الله فليس ممنوعًا منه بدليل قوله في "آل عمران": ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. وقول من قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾ أي ثلاث ليال متتابعات؛ غير صواب، بل معناه هو ما قدمنا من كون اعتقال لسانه عن كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به؛ ولكن بقدرة الله تعالى وقد قال تعالى هنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في "آل عمران"، في قوله: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ الآية. فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني إلا بالإشارة أو الكتابة، كما دل عليه قوله هنا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾، وقوله في "آل عمران": ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ الآية؛ لأن الرمز: الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب. والإيحاء في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ الآية، قال بعض العلماء: هو الإشارة وهو الأظهر بدليل قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾ كما تقدم آنفًا. وممن قال بأن الوحي في الآية الإشارة: قتادة، والكلبي، وابن منبه، والقتيبي، كما نقله عنهم القرطبي وغيره. وعن مجاهد، والسدي ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي كتب لهم في الأرض. وعن عكرمة: كتب لهم في كتاب. والوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء. ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ الآية. ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية
стр. 2143
الكريمة. وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:
فمدافع الريَّان عُرِّي رسمُها ... خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سلامها
فقوله "الوُحِيّ" بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وَحْي بمعنى الكتابة. وقول عنترة:
كوَحْي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طَمْطَمِي
وقول ذي الرمة:
سوى الأرْبُعِ الدُّهْم اللواتي كأنها ... بقيةُ وَحْي في بطونِ الصحائفِ
وقول جرير:
كأنَّ أخا الكتاب يخطُّ وحيًا ... بكافٍ في منازلها ولام
• قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكرياء خرج على قومه من المحراب فأشار إليهم، أو كتب لهم: أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول النهار، والعشي آخره. وقد بين تعالى في "آل عمران" أن هذا الذي أمر به زكرياء قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيًّا: أن الله أمر زكرياء به أيضًا، وذلك في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه، المذكور في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ
стр. 2144
الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: والمحراب: أرفع المواضع، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض اهـ. وقال الجوهري في صحاحه: قال الفراء: المحاريب: صدور المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب: الغرفة. قال وضاح اليمن:
ربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلمًا
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ الآية.
تنبيه
أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة. مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة؛ لأن المحراب موضع صلاة زكرياء، كما دل عليه قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. والمحراب أرفع من غيره، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعًا عندهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره، متمسكًا بقصة المنبر، ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام.
قلت: وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان؛ فأخذ أبو مسعود
стр. 2145
بقميصه فجبذه؛ فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا، أو ينهى عن ذلك؟ قال: بلى، ذكرت ذلك حين مددتني. وروى أيضًا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن؛ فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة. فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم" أو نحو ذلك؟ فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.
قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر؛ فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه: أن فيه عملًا زائدًا في الصلاة وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي ﷺ كان معصومًا من الكبر؛ لأن كثيرًا من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرًا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: سنتكلم هنا إن شاء الله تعالى على الأحاديث المذكورة، ونبين أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل.
أما الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود فقد ساقهما أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المَعْنيّ قال: ثنا يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن
стр. 2146
همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، إلى آخر الحديث. ثم قال أبو داود ﵀: حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو خالد عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. إلى آخر الحديث.
ولا يخفى أن هذا الحديث الأخير ضعيف، لأن الراوي فيه عن عمار رجل لا يدرى من هو كما ترى. وأما الأثر الأول فقد صححه غير واحد، ورُوي مرفوعًا صريحًا. قال ابن حجر في التلخيص في الكلام على الأثر والحديث المذكورين: ويعارضه ما رواه أبو داود من طريق همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه آخر، وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر، والذي جبذه حذيفة، وهو مرفوع لكن فيه مجهول. والأول أقوى، ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن أبي مسعود. نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه أسفل منه. اهـ من التلخيص.
وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث صلاة حذيفة على الدكان وجبذ أبي مسعود له المذكور: رواه الشافعي وأبو داود والبيهقي؛ ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، وإسناده صحيح. ويقال: جذب وجبذ، لغتان مشهورتان اهـ منه.
стр. 2147
وأما قصة المنبر التي أشار لها القرطبي، وقال: إنها حجة من يجيز ارتفاع الإمام على المأموم؛ فهي حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: "أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي" متفق عليه.
أما أقوال الأئمة في هذه المسألة: فمذهب الشافعي فيها هو كراهة علو الإمام على المأموم. وكذلك عكسه إلا إذا كان ذلك لغرض صحيح محتاج إليه، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النبي ﷺ في صلاته على المنبر، وبين أنه فعل ذلك لقصد التعليم، وكارتفاع المأموم ليبلغ غيره من المأمومين تكبيرات الإمام، فإن كان ارتفاع أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور.
قال النووي في شرح المهذب: هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية: أنه يكره الارتفاع مطلقًا، وبه قال مالك والأوزاعي. وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي: أنه قال تبطل به الصلاة.
وأما مذهب مالك في المسألة ففيه تفصيل بين علو الإمام على المأموم وعكسه. فعلو المأموم جائز عنده. وقد رجع إلى كراهته، وبقى بعض أصحابه على قوله بجوازه. وعلو الإمام لا يعجبه. وفي المدونة قال مالك: لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد.
стр. 2148
ثم كرهه. وأخذ ابن القاسم بقوله الأول. انتهى بواسطة نقل المواق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في مختصره عاطفًا على ما يجوز: "وعلو مأموم ولو بسطح". وفي المدونة أيضًا قال مالك: إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني. انتهى بواسطة نقل المواق أيضًا. وقوله "لا يعجبني" ظاهر في الكراهة. وحمله بعضهم على المنع. وفي وجوب إعادة الصلاة قولان. ومحل الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التكبر على الناس، فإن قصد ذلك بطلت صلاته عندهم إمامًا كان أو مأمومًا. وهذه المسألة ذكرها خليل بن إسحاق في مختصره في قوله: "وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلب بقصد إمام ومأموم به الكبر إلا بكشبرٍ اهـ. وقوله "إلا بكشبر" يعني إلا أن يكون الارتفاع بكشبرٍ، ونحو الشبر عظم الذراع عندهم. ومحل جواز الارتفاع اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر. فقوله "إلا بكشبر" مستثنى من قوله "لا عكسه" لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقًا: قال المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة: كره مالك وغيره أن يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه. قال ابن القاسم: فإن فعل أعادوا أبدًا، لأنهم يعبثون إلا أن يكون ذلك دكانًا يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو محمد: مثل الشبر وعظم الذراع؛ إلى أن قال: وانظر إذا صلى المقتدي كذلك أعني على موضع مرتفع قصدًا إلى التكبر عن مساواة الإمام. قال ابن بشير: صلاته أيضًا باطلة، اهـ محل الغرض منه. وقول ابن القاسم "لأنهم يعبثون" يعني برفع ذلك البنيان الذي
стр. 2149
يصلي عليه الإمام، كما قال تعالى عن نبيه هود مخاطبًا لقومه عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس؛ أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم وإليه أشار خليل في مختصره بقوله: "وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم تردد". هذا هو حاصل مذهب مالك في هذه المسألة.
وأما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: فهو أن ارتفاع كل من الإمام والمأموم على الآخر مكروه. وقال الطحاوي: لا يكره علو المأموم على الإمام، ومحل الكراهة عند الحنفية في الارتفاع غير اليسير، ولا كراهة عندهم في اليسير. وقدر الارتفاع الموجب للكراهة عندهم قدر قامة، ولا بأس بما دونها، ذكره الطحاوي، وهو مروي عن أبي يوسف. وقيل: هو مقدر بقدر ما يقع عليه الامتياز. وقيل: مقدر بقدر ذراع اعتبارًا بالسترة. قال صاحب تبيين الحقائق: وعليه الاعتماد. وإن كان مع الإمام جماعة في مكانه المرتفع، وبقية المأمومين أسفل منهم فلا يكره ذلك على الصحيح عندهم. انتهى بمعناه من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق.
وأما مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة: فهو التفصيل بين علو الإمام على المأموم، فيكره على المشهور من مذهب أحمد. وبين علو المأموم على الإمام فيجوز. قال ابن قدامة في المغني: المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أو لم يرد. وهو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. ورُوي عن أحمد ما يدل على أنه لا
стр. 2150
يكره. اهـ. محل الغرض منه. وقال في المغني أيضًا: فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد: لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال القاضي: لا تبطل، وهو قول أصحاب الرأي. اهـ محل الغرض منه.
فإذا عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة؛ فاعلم أن حجة من كره علو الإمام على المأموم أو منعه؛ هي ما قدمنا في قصة جبذ أبي مسعود لحذيفة لمَّا أمَّ الناس، وقام يصلي على دكان. الحديث المتقدم. وقد بينا أقوال أهل العلم في الحديث المذكور. وحجة من أجاز ذلك للتعليم حديث سهل بن سعد المتفق عليه في قصة صلاة النبي ﷺ على المنبر وجواب المخالفين عن صلاته على المنبر بأنه ارتفاع يسير، وذلك لا بأس به، أو بأنه منسوخ كما تقدم في كلام القرطبي.
وحجة من أجاز علو المأموم على الإمام ما رُوِي عن أبي هريرة: أنه صلى بصلاة الإمام وهو على سطح المسجد. قال ابن حجر في التلخيص: رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال: حدثني صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة يصلي فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد. ورواه البيهقي من حديث القعنبي عن ابن أبي ذئب عن صالح، ورواه سعد بن منصور، وذكره البخاري تعليقًا. انتهى محل الغرض من كلامه. فقد رأيت مذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم.
قال مقيده -عفا الله عنه-: والذي يظهر -والله تعالى أعلم-
стр. 2151
وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأن علو الإمام مكروه لما تقدم. ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره. ويدل لهذا إخباره ﷺ أنه ارتفع على المنبر ليعلمهم الصلاة؛ لأنه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلا من يليه، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر. أما علو المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة؛ لأن القياس يقتضي كراهة ارتفاع المأموم قياسًا على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس، وهو مذهب مالك وجماعة، ومنهم من يقول بتقديم قول الصحابي. ولا شك أن الأحوط تجنب علو كل واحد من الإمام والمأموم على الآخر. والعلم عند الله تعالى.
و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ هي المفسرة. والمعنى أن ما بعدها يفسر الإيحاء المذكور قبلها. فهذا الذي أشار لهم به هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشيًّا، وهذا هو الصواب. ويحتمل أن تكون مصدرية بناء على أن "أن" المصدرية تأتي مع الأفعال الطلبية؛ وعليه فالمعنى: أوحى إليهم، أي أشار إليهم بأن سبحوا، أي بالتسبيح أو كتب لهم ذلك بناء على القول بأن المراد به الكتابة، وكونها مفسرة هو الصواب. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ .
اعلم أولًا: أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من
стр. 2152
أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر شيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع آخر، فإنا نبينها، وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك، وأكثرها في الموصوفات من أسماء الأجناس لا الأعلام، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى، وقد ذكر شيئًا من صفاته أيضًا في غير هذا الموضع. وسنبين إن شاء الله المراد بالمذكور منها هنا، والمذكور في غير هذا الموضع.
اعلم أنه هنا وصفه بأنه قال له: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ووصفه بقوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ -إلى قوله- وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾، فقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ مقول قول محذوف؛ أي وقلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة. والكتاب: التوراة؛ أي خذ التوراة بقوة؛ أي: بجدٍّ واجتهاد، وذلك بتفهُّم المعنى أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا: التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل: هو كتاب أنزل على يحيى، وقيل: هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمة. وقيل: هو صحف إبراهيم. والأظهر قول الجمهور: إنه التوراة كما قدمنا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ﴾ أي أعطيناه الحكم، وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة، مرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الله أعطاه الفهم في الكتاب؛ أي إدراك
стр. 2153
ما فيه والعمل به في حال كونه صبيًّا. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا! فلهذا أنزل الله ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾. وقال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرني معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للعب خلقنا، فأنزل الله ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ﴾ أي الحكمة، ومنه قول نابغة ذبيان:
احكُم كحكم فتاةِ الحيِّ إذ نظرت ... إلى حمامٍ شِراعٍ واردِ الثَّمَدِ
وقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية: والحكم النبوة، أو حكم الكتاب، أو الحكمة، أو العلم بالأحكام. أو اللب وهو العقل، أو آداب الخدمة، أو الفراسة الصادقة. أقوال.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي: هو أن الحكم العلم النافع والعمل به، وذلك بفهم الكتاب السماوي فهمًا صحيحًا، والعمل به حقًّا، فإن هذا يشمل جميع أقوال العلماء في الآية الكريمة. وأصل معنى ﴿الْحُكْمَ﴾ المنع، والعلم النافع والعمل
стр. 2154
به يمنع الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان.
وقوله تعالى: ﴿صَبِيًّا (١٢)﴾ أي لم يبلغ، وهو الظاهر. وقيل: صبيًّا أي: شابًّا لم يبلغ سن الكهولة؛ ذكره أبو حيان وغيره، والظاهر الأول. قيل ابن ثلاث سنين، وقيل ابن سبع، وقيل ابن سنتين. والله أعلم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف على ﴿الْحُكْمَ﴾ أي: وآتيناه حنانًا من لدنا. والحنان: هو ما جبل عليه من الرحمة، والعطف والشفقة. وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب، ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يارب، بمعنى رحمتك. ومن هذا المعنى قول امرئ القيس:
أبنت الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان
ويمنحُها بنو شَمَجَى بن جَرْم ... مَعِيزَهم حنانك ذا الحنان
يعني رحمتك يا رحمن؛ وقول طرفة بن العبد:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقول منذر بن درهم الكلبي:
وأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف
فقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
فقوله "حنان" أي: أمري حنان؛ أي رحمة لك وعطف وشفقة عليك، وقول الحطيئة أو غيره:
تحنَّنْ عليَّ هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
стр. 2155
وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي من عندنا. وأصح التفسيرات في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ أنه معطوف على ما قبله، أي: أو أعطيناه زكاة، أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة، والتقرب إلى الله بما يرضيه. وقد قدمنا في سورة "الكهف" الآيات الدالة على إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَزَكَاةً﴾ الزكاة: التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير؛ أي جعلناه مباركًا للناس يهديهم. وقيل المعنى: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي الشهود إنسانًا. وقيل: "زكاة" صدقة على أبويه؛ قاله ابن قتيبة. انتهى كلام القرطبي. وهو خلاف التحقيق في معنى الآية. والتحقيق فيه إن شاء الله هو ما ذكرنا من أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وقول من قال من العلماء: بأن المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح، راجع إلى ما ذكرنا؛ لأن العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ أي: ممتثلًا لأوامر ربه مجتنبًا كل ما نهى عنه؛ ولذا لم يعمل خطيئة قط، ولم يلم بها، قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعًا، إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس: وإما بضعف راو، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد قدمنا معنى التقوى مرارًا وأصل مادتها في اللغة العربية.
وقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ﴾ البَرَّ بالفتح هو فاعل البر -بالكسر-
стр. 2156
كثيرًا، أي: وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسنًا إليهما، لطيفًا بهما، لين الجانب لهما. وقوله: ﴿وَبَرًّا﴾ معطوف على قوله: ﴿تَقِيًّا (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ أي لم يكن مستكبرًا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعًا لله، متواضعًا لوالديه، قاله ابن جرير. والجبار: هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم. وكل متكبر على الناس يظلمهم، فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. والظاهر أن قوله: ﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة؛ التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
إن يسكنِ السابقُ من واوٍ ويا ... واتَّصلا ومن عُرُوضٍ عَرِيا
فياءً الواوَ اقلبنَّ مُدْغمًا ... وشذَّ مُعْطًى غيرَ ما قد رُسِما
فأصل ﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ على هذا "عصويًا" كصبور، أي كثير العصيان. ويحتمل أن يكون أصله فعيلًا وهي من صيغ المبالغة أيضًا، قاله أبو حيان في البحر.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ قال ابن جرير: وسلام عليه، أي: أمان له. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحيَّاه في المواطن
стр. 2157
التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول. انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية. ومرجع القولين إلى شيء واحد؛ لأن معنى سلام التحية، الأمانُ والسلامة مما يكره. وقول من قال: هو الأمان، يعني أن ذلك الأمان من الله. والتحية من الله معناها الأمان والسلامة مما يكره. والظاهر المتبادر أن قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ تحية من الله ليحيى ومعناه الأمان والسلامة. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في معنى الدعاء، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت بعثه، في قوله: ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ .. ﴾ الآية، لأنها أوحش من غيرها. قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يُبْعَث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها. رواه عنه ابن جرير وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن ﵀ قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال الآخر: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني، سلَّمْتُ على نفسي وسلَّمَ الله عليك. وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال: إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة
стр. 2158
من أن يُسَلّم عليه، قال ابن عطية: ولكل وجه. انتهى كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ كما هو ظاهر.
تنبيه
الفتحة في قوله: ﴿ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ يحتمل أن تكون في الظروف الثلاثة فتحة إعراب نصبًا على الظرفية. ويحتمل أن تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ذلك، والأجود أن تكون فتحة ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ فتحة بناء، وفتحة ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فتحة نصب؛ لأن بناءَ ما قبل الفعل الماضي أجودُ من إعرابه، وإعرابَ ما قبل المضارعِ والجملةِ الاسمية أجودُ من بنائه، كما عقده في الخلاصة بقوله:
وابنِ أو اعْرِب ما كإذْ قد أُجْرِيا ... واخترْ بنا متلُوّ فِعْلٍ بُنِيا
وقَبْلَ فِعْلٍ معربٍ أو مُبْتدا ... أعْرِب ومَنْ بنى فَلَن يُفَنَّدا
والأحوال في مثل هذا أربعة:
الأول: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء أصليًّا وهو الماضي، كقول نابغة ذبيان:
على حين عاتبت المشيب على الصِّبا ... فقلت ألمَّا أَصْحُ والشيبُ وازع
فبناء الظرف في مثل ذلك أجود، وإعرابه جائز.
الثاني: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني
стр. 2159
بناء عارضًا، كالمضارع المبني لاتصاله بنون النسوة؛ كقول الآخر:
لأجتذِبَنْ منهنَّ قلبي تحلُّما ... على حين يستصبين كلَّ حليمِ
وحكم هذا كما قبله.
الثالث: أن يضاف إلى جملة فعلية فعلها معرب؛ كقول أبي صخر الهذلي:
إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطَّلِع الفجر
فإعراب مثل هذا أجود، وبناؤه جائز.
الرابع: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة اسمية؛ كقول الشاعر:
ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل
وقول الآخر:
تذكر ما تذكر من سليمى ... على حين التواصل غير دان
وحكم هذا كما قبله. واعلم أن هذه الأوجه إنما هي في الظرف المبهم الماضي. وأما إن كان الظرف المبهم مستقبل المعنى، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فإنه لا يضاف إلا إلى الجمل الفعلية دون الاسمية؛ فتكون فيه الأوجه الثلاثة المذكورة دون الرابع. وأجاز ابن مالك إضافته إلى الجملة الاسمية بقلة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾. وقول سواد بن قارب:
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغْنٍ فتيلًا عن سوادِ بن قارب
стр. 2160
لأن الظرف في الآية والبيت المذكورين مستقبل لا ماض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ قال أبو حيان: فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها. وعليه فبعثه مقيد بكونه حيًّا، وتلك حياة الشهداء، وليس بظاهر كل الظهور. والله تعالى أعلم.
هذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع، كقوله في "آل عمران": ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ ومعنى كونه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أنه مصدق بعيسى، وإنما قيل لعيسى: كلمة؛ لأن الله أوجده بكلمة هي قوله: ﴿كُنْ﴾ فكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية. وقال: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية. وهذا هو قول جمهور المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: المراد بـ"كلمة" الكتاب، أي: مصدقًا بكتاب الله. والكلمة في القرآن تطلق على الكلام المفيد، كقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وباقي الأقوال تركناه لظهور ضعفه. والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. وقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ وزن السيد بالميزان الصرفي "فيعل" وأصل مادته (س و د) سكنت ياء الفيعل الزائدة قبل الواو
стр. 2161
التي هي في موضع العين، فأبدلت الواو ياء عن القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة:
• إن يسكن السابق من واو ويا*
البيتين المتقدمين آنفًا. وأصله من السواد وهو الخلق الكثير. فالسيد من يطيعه، ويتبعه سواد كثير من الناس. والدليل على أن عين المادة واو أنك تقول فيه: ساد يسود بالواو، وتقول: سودوه إذا جعلوه سيدًا. والتضعيف يردّ العين إلى أصلها، ومنه قول عامر بن الطفيل العامري:
وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سوَّدتني عامرٌ عن وراثة ... أبي الله أن أسمو بأم ولا أب
وقال الآخر:
وإن بقوم سودوك لحاجة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
وشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه. والآية فيها دليل على إطلاق السيد على من ساد من الناس، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال في الحسن بن علي ﵄: "إن ابني هذا سيد" الحديث. وأنه ﷺ : لما جاء سعد بن معاذ ﵁ للحكم في بني قريظة قال ﷺ : "قوموا لسيدكم".
والتحقيق في معنى قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلًا منه، وانقطاعًا لعبادة الله. وكان ذلك جائزًا في شرعه. وأما سنة النبي ﷺ فهي التزوج وعدم
стр. 2162
التبتل. أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن = فليس بصحيح؛ لأن العُنَّة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثني عليه بها. فالصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، واختاره غير واحد من العلماء. وقول من قال: إن الحصور هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر كما قال الأخطل:
وشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار
قول ليس بالصواب في معنى الآية. بل معناها هو ما ذكرنا وإن كان إطلاق الحصور على ذلك صحيحًا لغة. وقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾ على قراءة نافع بالهمزة معناه واضح، وهو فعيل بمعنى مفعول، من النبإ وهو الخبر الذي له شأن؛ لأن الوحى خبر له شأن يخبره الله به. وعلى قراءة الجمهور بالياء المشددة فقال بعض العلماء: معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء التي قبلها. وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ بالهمزة وتشديد الياء. وقال بعض العلماء: هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النبي وشرفه. والصالحون: هم الذين صلحت عقائدهم، وأعمالهم، وأقوالهم، ونياتهم، والصلاح ضد الفساد. وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة "الأنعام" في قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ .
стр. 2163
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب، وهو القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا. وقوله: ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أي: تنحَّت عنهم واعتزلتهم منفردة عنهم. وقوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ أي مما يلي شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذِ﴾ بدل اشتمال؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه. قاله الزمخشري في الكشاف، واعترضه عليه أبو البقاء وأبو حيان؛ والظاهر سقوط اعتراضهما، وأن الصواب معه، والله تعالى أعلم.
ولم يذكر هنا شيئًا عن نسب "مريم" ولا عن قصة ولادتها، وبين في غير هذا الموضع أنها ابنة عمران، وأن أمها نذرت ما في بطنها محررًا، تعني لخدمة بيت المقدس، تظن أنها ستلد ذكرًا فولدت "مريم". قال في بيان كونها ابنة عمران: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. وذكر قصة ولادتها في "آل عمران" في قوله: ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ منصوب لأنه ظرف.
• قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا﴾ .
أظهر الأقوال أن المراد بقوله: ﴿رُوحَنَا﴾ جبريل. ويدل
стр. 2164
لذلك قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ .. ﴾ الآية، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم.
• قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧)﴾ .
تمثله لها بشرًا سويًّا المذكور في الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي. وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. وهذا الذي بشرها به هو الذي قال لها هنا: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾. وقوله: ﴿بَشَرًا سَويًّا (١٧)﴾ حالان من ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾.
• قوله تعالى: ﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها: إنه رسول ربها ليهب لها، أي ليعطيها (غلامًا) أي ولدًا (زكيًّا) أي طاهرًا من الذنوب والمعاصي، كثير البركات. وبين في غير هذا الموضع كثيرًا من صفات هذا الغلام الموهوب لها، وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ
стр. 2165
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على صفات هذا الغلام.
وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضًا بخلف عنه "لِيَهب" بالياء المفتوحة بعد اللام، أي: ليهب لك هو، أي ربك غلامًا زكيًّا. وقرأ الباقون ﴿لِأَهَبَ﴾ بهمزة المتكلم، أي: لأهب لك أنا أيها الرسول من ربك غلامًا زكيًّا. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء. وأظهر الأقوال في ذلك عندي: أن المراد بقول جبريل لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ أي: لأكون سببًا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي وصل إلى الفرج، فصار بسببه حملها عيسى. وبين تعالى في سورة "التحريم" أن هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ الآية. والضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى فرجها. ولا ينافي ذلك قوله تعالى في "الأنبياء": ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ لأن النفخ وصل إلى الفرج فكان منه حمل عيسى، وبهذا فسر الزمخشري في الكشاف الآية.
وقال بعض العلماء: قول جبريل ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾ حكاية منه لقول الله جل وعلا. وعليه فالمعنى: إنما أنا رسول ربك، وقد قال لي: أرسلتك لأهب غلامًا. والأول أظهر. وفي الثاني بعد عن ظاهر اللفظ. وقال بعض العلماء: جعل الهبة من قِبَله لما كان الإعلام بها من قِبَله. وبهذا صدر القرطبي في تفسيره. وأظهرها الأول. والعلم عند الله تعالى.
стр. 2166
• قوله تعالى: ﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم لما بشرها جبريل بالغلام الزكي -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف ألد غلامًا والحال أني لم يمسسني بشر. تعني: لم يجامعني زوج بنكاح، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾، أي لم أك زانية. وإذا انتفى عنها مسيس الرجال حلالًا وحرامًا فكيف تحمل. والظاهر أن استفهامها استخبار واستعلام عن الكيفية التي يكون بها حمل الغلام المذكور؛ لأنها مع عدم مسيس الرجال لم تتضح لها الكيفية. ويحتمل أن يكون استفهامها استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى، وهذا الذي ذكر الله جل وعلا عنها: أنها قالته هنا ذكره عنها أيضًا في سورة "آل عمران" في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾. واقتصارها في آية "آل عمران" على قولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يدل على أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس بنكاح والمسيس بزنى، كما هو الظاهر. وعليه فقولها في سورة "مريم": ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ يظهر فيه أن قولها: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ تخصيص بعد تعميم؛ لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ والزنى
стр. 2167
ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. اهـ.
والأظهر الأول، وآية آل عمران تدل عليه. ويؤيده أن لفظة ﴿بَشَرٌ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر؛ فينتفي مسيس كل بشر كائنًا من كان. والبَغِيّ: المجاهرة المشتهرة بالزنى. ووزنه "فعول" عند المبرّد، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في "عِصيّ ودليّ" جمع "عصا ودلو". كما قدمنا هذا مرارًا. والقائل بأن أصل البغيّ "فعول"، يقول: لو كان أصله "فعيلًا" للحقته هاء التأنيث؛ لأنها لازمة في فعيل بمعنى فاعل. وقال ابن جني في كتاب التمام: أصل البَغِيّ على وزن فعيل، ولو كان فعولًا لقيل: بغو؛ كما قيل: فلان نهو عن المنكر. وعلى هذا القول فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث: بأن البغيّ وصف مختص بالإناث. والرجل يقال فيه: باغٍ لا بغي؛ كما قاله أبو حيان في البحر. والأوصاف المختصة بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى كحائض، كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله:
وما من الصفات بالأنثى يخص ... عن تاء استغنى لأن اللفظ نص
• قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .
قد قدمنا تفسير هذه الآية مستوفى في قصة زكرياء، فأغنى عن إعادته هنا. وقول جبريل لمريم في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: وستلدين ذلك الغلام المبشر به من غير أن يمسِّك بشر، وقد أشار تعالى إلى معنى هذه الآية في سورة "آل عمران"
стр. 2168
• في قوله: ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من حِكَم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس؛ أي علامة دالة على كمال قدرته. وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء. إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى. وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء؛ كما نص على ذلك في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء. وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم. وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم. فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء! وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير زوج أشار له أيضًا في "الأنبياء" بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾، وفي "الفلاح" بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً .. ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ فيه حذف دل المقام عليه. قال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ تعليل معلله محذوف، أي: ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ اهـ.
стр. 2169
وقوله في هذه الآية: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي لمن آمن به. ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة لنفسه، كما قال تعالى في نبينا ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: وكان وجود ذلك الغلام منك أمرًا مقضيًّا، أي مقدرًا في الأزل، مسطورًا في اللوح المحفوظ لابد من وقوعه، فهو واقع لا محالة.
• قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم حملت عيسى. فقوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: عيسى ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها ﴿مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ أي: في مكانٍ بعيد. والجمهور على أن المكان المذكور بيت لحم. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: ألجأها الطلق إلى جذع النخلة، أي: جذع نخلة في ذلك المكان. والعرب تقول: جاء فلان، وأجاءه غيره: إذا حمله على المجيء، ومنه قول زهير:
وجار سار معتمدًا إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء
وقول حسان ﵁:
إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل
والمخاض: الطلق، وهو وجع الولادة، وسمى مخاضًا من المخض، وهو الحركة الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج.
стр. 2170
وقوله: ﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴾ تمنت أن تكون قد ماتت قبل ذلك ولم تكن شيئًا يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين، فاعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به، ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم من أجله، وتمنت من أجله أن تكون ماتت قبل ذلك، وكانت نسيًا منسيًّا، وهو خوفها من أن يتهموها بالزنى، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك، كما قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقال: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا .. ﴾ الآية. والذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) ﴾ كما تقدم. ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا﴾؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ بل من (١) أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل منه إلا بمشيئته جل وعلا -أسنده إلى نفسه- والله تعالى أعلم.
وقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب
стр. 2171
درعها؛ ظاهر السقوط، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل.
وقد بين تعالى في مواضع أخر، أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة؛ قد وقعت فيه، ولكن الله برأها، وذلك كقوله عنهم: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون الفاحشة، وقوله عنهم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾.
وقوله: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ القصي: البعيد، ومنه قول الراجز:
لتقعدن مقعد القصيّ ... مني ذي القاذورة المقليّ
أو تحلفي بربك العلي ... أني أبو ذيالك الصبيّ
وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾؛ وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: انتبذت وهو في بطنها. والإشارة في قوله: (هذا) إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع.
وقوله في هذه الآية الكريمة عنها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ النَّسْي والنِّسْي -بالكسر والفتح-: هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته؛ كخرق الحيض، وكالوتد والعصا، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم: "انظروا أنساءكم" جمع نَسْي، أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا
стр. 2172
والوتد؛ ونحو ذلك. فقولها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أي شيئًا تافهًا حقيرًا من حقه أن يترك وينسى عادة. وقولها: ﴿مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ تعني أن ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك ويُنسى قد نُسِي وطُرِح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت:
أتجعلنا جسرًا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معدٍّ ولا دَخْل
فقوله "بنسي" أي شيء تافه منسي، وقول الشنفرى:
كان لها في الأرض نسيًا تقصّه ... على أمها وإن تُحَدْثك تَبْلَت
فقوله: "نسيًا" أي شيء تركته ونسيته، وقوله: "تبلت" بفتح التاء وسكون الباء الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث. أي تقطع كلامها من الحياء. والبلت في اللغة: القطع. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿يَاليتَنِي مِتُّ﴾ بكسر الميم. وقرأ الباقون (مُتُّ) بضم الميم. وقرأ حفص عن عاصم وحمزة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ بفتح النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان صحيحتان.
تنبيه
قراءة (مِتُّ) بكسر الميم كثيرًا ما يخفى على طلبة العلم وجهها؛ لأن لغة "مات يموت" لا يصح منها "مِتّ" بكسر الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من "مات يمات"، كخاف يخاف؛ لا من "مات يموت"؛ كقال يقول. فلفظ "مات" فيها لغتان عربيتان فصيحتان؛ الأولى منهما: "مَوَت" بفتح الواو فأبدلت الواو ألفًا على
стр. 2173
القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة:
من ياءٍ أو واو بتحريكٍ أَصُل ... ألفًا أبدل بعد فتحٍ مُتَّصل
إن حُرِّك التالي ........ ... .................... إلخ
ومضارع هذه المفتوحة "يموت" بالضم على القياس، وفي هذه ونحوها إن أسند الفعل إلى تاء الفاعل أو نونه سقطت العين بالاعتلال وحُرِّكت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة، فتقول "مُت" بضم الميم، ولا يجوز غير ذلك.
الثانية أنها "مَوِت" بكسر الواو، أبدلت الواو ألفًا للقاعدة المذكورة آنفًا. ومضارع هذه "يمات" بالفتح؛ لأن "فَعِل" بكسر العين ينقاس في مضارعها "يَفْعَل" بفتح العين، كما قال ابن مالك في اللامية:
• وافتح موضع الكسر في المبنيِّ من فَعِلا*
ويستثنى من هذه القاعدة كلمات معروفة سماعية تحفظ ولا يقاس عليها. والمقرر في فن الصرف: أن كل فعل ثلاثي أجوف -أعني معتل العين- إذا كان على وزن "فَعِل" بكسر العين، أو "فَعُل" بضمها فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه إن كان من "فَعِل" بكسر العين، وتضم إن كان من "فَعُل" بضمها. مثال الأول: "مِتّ" من مات يمات؛ لأن أصلها "مَوت" بالكسر وكذلك خاف يخاف، ونام ينام، فإنك تقول فيها: "مِت" بكسر الميم، و"نمت" بكسر النون، "وخفت" بكسر الخاء؛ لأن حركة
стр. 2174
العين نقلت إلى الفاء وهي الكسرة، ومثاله في الضم "طال" فأصلها "طول" بضم الواو فتقول فيها "طلت" بالضم لنقل حركة العين إلى الفاء. أما إذا كان الثلاثي من "فَعَل" بفتح العين كمات يموت، وقال يقول، فإن العين تسقط بالاعتلال وتحرك الفاء بحركة مناسبة للعين الساقطة فيُضم الفاء إن كانت العين الساقطة واوًا كمات يموت، وقال يقول، فتقول: مُت وقُلت -بالضم- وتكسر الفاء إن كانت العين الساقطة ياء، كباع وسار، فتقول: بِعت وسِرت -بالكسر فيهما- وإلى هذا أشار ابن مالك في اللامية بقوله:
وانقل لفاء الثلاثيِّ شكل عينٍ إذا اعْـ ... ـتلَّت وكان بتا الإضمار متصلا
أو نوْنِه وإذا فتحًا يكون فمنـ ... ـه اعتض مجانسَ تلك العين منتقِلا
واعلم أن "مات يمات"، من "فَعِل" -بالكسر- يَفْعَل -بالفتح- لغة فصيحة. ومنها قول الراجز:
بنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا نأمن أن تما
وأما "مات يميت" فهي لغة ضعيفة. وقد أشار إلى اللغات الثلاث الفصيحتين والردية بعض أدباء قُطر شنقيط في بيت رجز هو قوله:
مِن مَنَعَت زوجتُه منه المبيت ... مات يموت ويمات ويميت
وأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع لم نذكرها، لعدم دليل على شيء منها. وأظهرها: أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقًا للعادة، والله تعالى أعلم.
стр. 2175
• قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ .
اعلم أولًا: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين: قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بكسر الميم على أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر، وخفض تاء ﴿تَحْتِهَا﴾؛ لأن الظرف مجرور بـ ﴿مِنْ﴾. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم، (فناداها مَنْ تَحْتَها) بفتح ميم (مَن) على أنه اسم موصول هو فاعل نادى، أي ناداها الذي تحتها. وفتح (تَحْتَها)، فعلى القراءة الأولى ففاعل النداء ضمير محذوف. وعلى الثانية فالفاعل الاسم الموصول الذي هو (مَن).
وإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون في هذا المنادى الذي ناداها، المعبَّرُ عنه في إحدى القراءتين بالضمير، وفي الثانية بالاسم الموصول من هو؟ فقال بعض العلماء: هو عيسى. وقال بعض العلماء: هو جبريل. وممن قال: إن الذي نادى مريم هو جبريل: ابن عباس، وعَمْرو بن ميمون الأودي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وأهل هذا القول قالوا: لم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.
وممن قال: إن الذي ناداها هو عيسى عندما وضعته: أُبيٌّ، ومجاهد، والحسن، ووهب بن منبه، وسعيد بن جبير في الرواية الأخرى عنه، وابن زيد.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن من قال: إنه الملك يقول: فناداها جبريل من مكان تحتها؛ لأنها على ربوة مرتفعة، وقد ناداها من