Полный текст (5 235 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وضع حمل حملته من زوجها.
فهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة معه إلى كلام آخر. وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله: "ثَلاثَةَ قُرُوءٍ"؛ لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار؛ لأنها مذكرة، والحيضات مؤنثة.
وجواب بعض العلماء عن هذا: بأن لفظ القرء مذكر ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جىء بها مراعاة للفظ، وهو مذكر لا للمعنى المؤنث. يقال فيه: إن اللفظ إذا كان مذكرا، ومعناه مؤنثا لا تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرد العدد من التاء كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
فجرد لفظ الثلاثة من التاء؛ نظرا إلى أن مسمى العدد نساء، مع أن لفظ الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
فجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر، نظرا إلى معنى القبيلة، وكذلك العكس كقوله:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي
فإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظا؛ نظرا إلى أن المراد بها أنفس ذكور.
стр. 212
وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير، وتلحقه التاء في الأول، ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظا ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقه له لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي يجوز أن يكون غيره بدلا عنه، ولم تدل عليه قرينة كما ترى.
فإن قيل: ذكر بعض العلماء: أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى كثيرا، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين.
قال الأشموني في شرح قول ابن مالك:
ثلاثة بالتاء قل للعشرة ... في عد ما آحاده مذكرة
في الضد جرد ... إلخ.
ما نصه: الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسما فبلفظه، تقول: ثلاثة أشخص، قاصدا نسوة، وثلاث أعين قاصد رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث، هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو يكثر فيه قصد المعنى، فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، فالأول كقوله: ثلاث شخوص كاعبان ومعصر، وكقوله: وإن كلابا البيت. والثاني كقوله: ثلاثة أنفس وثلاث ذود. اهـ. منه.
وقال الصبان في حاشيته عليه: وبما ذكره الشارح يرد ما
стр. 213
استدل به بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على أن الأقراء الأطهار، لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير مقبولة؛ لأن الحيض جمع حيضة: فلو أريد الحيض لقيل: ثلاث، ولو أريد النساء لقيل: بأربع. ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين. منه بلفظه.
فالجواب والله تعالى أعلم: أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدل عليه استقراء اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقا، وجزم بجواز مراعاة المعنى في لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب التسهيل، وشارحه الدماميني أن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة.
قال الصبان في حاشيته ما نصه: قوله: "فبلفظه": ظاهره أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان. اهـ.
ويخالفه أيضا ما في التسهيل وشرحه للدماميني، وعبارة التسهيل: "تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى حقيقة أو مجازا".
قال الدماميني: استفيد منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى، لا باللفظ، فلهذا يقال: ثلاثة طلحات. ثم قال في التسهيل: وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجىء بالعدد على حسب التأويل. ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة وعشر أبطن، يريد قبائل. والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص
стр. 214
وتسعة وقائع، أي مشاهد، فتأمل. انتهى منه بلفظه.
وما جزم به صاحب التسهيل وشارحه، من تعين مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كونه القرء في الآية هو الطهر. كما ذكرنا.
وفي حاشية الصبان أيضا ما نصه: قوله جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ليس قياسيا، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان. أي ولو لم يكن هناك مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن التسهيل وشرحه أن العبرة بالمعنى فتأمل. اهـ منه.
وأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية - فيقال فيه: إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء الحيضات، لأن الأقراء لا تقال إلا في الأطهار التي يتخللها حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر؛ لأن الطهر المراد يلزمه وجود الحيض، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فانتفاء الحيض يلزمه انتفاء الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضا على انتفاء الأطهار، المدلول عليه بانتفاء الحيض.
وأما الاستدلال بآية: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ فهو ظاهر السقوط؛ لأن كون القروء الأطهار لا يبيح للمعتدة كتم الحيض، لأن العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها، فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة انقضاء الطهر، ولو
стр. 215
ادعت حيضا لم يكن كانت كاتمة، لعدم انقضاء الطهر كما هو واضح.
وأما الاستدلال بحديث "دعي الصلاة أيام أقرائك" فيقال: فيه: إنه لا دليل في الحديث البتة على محل النزاع؛ لأنه لا يفيد شيئا زائدا على أن القرء يطلق على الحيض. وهذا مما لا نزاع فيه.
أما كونه يدل على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ولا خلاف بين العلماء القائلين بوقوع الاشتراك في أن إطلاق المشترك على أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه في موضع آخر. ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة، والجارية مثلا، فهل تقول: إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية- يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾.
والحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث "دعي الصلاة أيام أقرائك" مناسب للحيض دون الطهر؛ لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض، دون وقت الطهر.
ولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلا؛ لأنه كل ما أطلقه على أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله، مع أنا قدمنا تصريح النبي - ﷺ - في حديث ابن عمر المتفق عليه "بأن الطهر هو العدة" وكل هذا على
стр. 216
تقدير صحة حديث "دعي الصلاة أيام أقرائك"، لأن من العلماء من ضعفه، ومنهم من صححه.
والظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن درجة القبول، إلا أنه لا دليل فيه لمحل النزاع، ولو كان فيه لكان مردودا بما هو أقوى منه وأصرح في محل النزاع، وهو ما قدمنا، وكذلك اعتداد الأمة بحيضتين على تقرير ثبوته عنه - ﷺ -، لا يعارض ما قدمنا؛ لأنه أصح منه وأصرح في محل النزاع. واستبراؤها بحيضة مسألة أخرى؛ لأن الكلام في العدة، لا في الاستبراء.
ورد بعض العلماء الاستدلال بالآية والحديث الدالين على أنها الأطهار، بأن ذلك يلزمه الاعتداد بالطهر الذي وقع فيه الطلاق كما عليه جمهور القائلين بأن القروء: الأطهار، فيلزم عليه كون العدة قرءين وكسرا من الثالث، وذلك خلاف ما دلت عليه الآية من أنها ثلاثة قروء كاملة = مردود بأن مثل هذا لا تعارض به نصوص الوحي الصريحة، وغاية ما في الباب إطلاق ثلاثة قروء على اثنين وبعض الثالث. ونظيره قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد شهران وكسر، وادعاء أن ذلك ممنوع في أسماء العدد يقال فيه: إن النبي - ﷺ - هو الذي ذكر إن بقية الطهر الواقع فيه الطلاق عدة، مبينا أن ذلك مراد الله في كتابه، وما ذكره بعض أجلاء العلماء ﵏ من أن الآية والحديث المذكورين يدلان على أن الأقراء الحيضات بعيد جدا من ظاهر اللفظ كما ترى، بل لفظ الآية والحديث المذكورين صريح في نقيضه، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
стр. 217
• قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها.
ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ لأن الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء. واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إلى إذا ارتجعها، لا بنية الإصلاح، بل بقصد الإضرار بها؛ لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾.
فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعا، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ الآية، وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ لم يبين هنا ما هذه
стр. 218
الدرجة التي للرجال على النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة؛ وذلك لأن الذكورة شرف وكمال، والأنوثة نقص خلق طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك؛ لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي، وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي ونحوه. وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها المراد جبره، والتغطية عليه بالحلي، كما قال الشاعر:
وما الحلي إلا زينة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا
وأما إذا كان الجمال موفرا ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
كما قال الشاعر:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
فلم يعتذر عذر البرىء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال: مريب
ولا عبرة بنوادر النساء؛ لأن النادر لا حكم له. وأشار بقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته، يناسب حاله أن يكون قائما على الضعيف الناقص خلقة.
ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفا على ميراثها؛ لأن من يقوم على غيره مترقب للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب
стр. 219
للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة.
كما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة، لا ينبغي أن يرغم على الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا المعنى أن آلة الازدراع بيد الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها إن أردت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل النسل منه الذي هو أعظم الغرض من النكاح، بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو ضروري.
• قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة، لا مطلقا، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج، وهي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. وعلى هذا القول فقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني به عدم الرجعة.
وقال بعض العلماء: الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وروي هذا مرفوعا إليه ﷺ .
تنبيه: ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. يؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد. وأشار البخاري بقوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث؛ لقول الله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ". والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني:
стр. 220
من أنه تعالى لما قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق، وجعل الآية دليلا لنقيض ذلك.
قال مقيده- عفا الله عنه -: الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض؛ لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور: هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره. ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر، وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء الله تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحا تاما.
فنقول وبالله نستعين: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه، فإن فيه "فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين" أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه. ووجه الدليل منه: أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره
стр. 221
رسول الله - ﷺ -. ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث، بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان، فلم يصادف تطليقه الثلاث محلا، ورد هذا الاعتراض، بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النبي - ﷺ - لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان، وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة ولا إجماع، والعلماء مختلفون في ذلك.
فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معا، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك. وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما، إلى أنها لا تقع حتى يوقعها الحاكم؛ واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر "أن رسول الله - ﷺ - فرق بين رجل وامرأة قذفها، وأحلفها رسول الله - ﷺ -. وأخرج أيضا في صحيحه عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال: "لاعن رسول الله بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرق بينهما". ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر. وبه تعلم أن قول يحيى بن معين: إن الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين خطأ؛ يعني في خصوص حديث سهل بن سعد المتقدم، لا مطلقا، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر كما ترى. قال ابن عبد البر: إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ: فرق بين المتلاعنين: إنما
стр. 222
المراد به في حديث سهل بخصوصه. فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، وقال بعده: لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد، ثم أخرج من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر "فرق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان" اهـ. محل الغرض منه بلفظه، وقد قدمنا في حديث سهل "فكانت سنة المتلاعنين".
واختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من كلام الزهري، فيكون مرسلا، وبه قال جماعة من العلماء؛ أو هو من كلام سهل، فهو مرفوع متصل؛ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل، قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - ﷺ -، فأنفذه رسول الله - ﷺ -، وكان ما صنع عند رسول الله - ﷺ - سنة.
قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - ﷺ -، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. هذا الحديث سكت عليه أَبو داود، والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم: أن احتاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري ﵀ يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم
стр. 223
يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة "بأن النبي - ﷺ - أنفذ طلاق الثلاث دفعة" يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته - ﷺ - وتقريره له؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى.
وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين: إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج، وذهب أبو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف، وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا، حتى ترد به دلالة تقرير النبي - ﷺ - عويمر العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه - ﷺ - أنفذ ذلك، فإن قيل: قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ولا متوفى عنها.
فالجواب: أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى؛ للملاعنة بعدم طلاق، أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعا إليه - ﷺ -. وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول الله - ﷺ - من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة.
والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق، أو بالفسخ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلا، فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق.
стр. 224
وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه - ﷺ - من حديث فاطمة بنت قيس ﵂: "أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله علىيم نفقة ولا سكنى" أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم. وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لها السكنى والنفقة". فقد قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعا، وأيضا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنها كذب على عمر وكذب على رسول الله - ﷺ -، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾. فأي أمر يحدث بعد الثلاث، ورواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ومسلم بمعناه. فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب الله معها.
وهذا المذهب بحسب الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها. وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال غير هذا. فمنهم من
стр. 225
أوجبهما معا، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم من عكس. فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن. وأيضا فالتصريح بأنه - ﷺ - أنفذ الثلاث دفعة في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن عباس المذكور؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث، والمثبت مقدم على النافي.
فإن قيل: إنفاذه - ﷺ - الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي - ﷺ - غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين:
الأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله - ﷺ -، وإن كانت ولادته في عهده - ﷺ -، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.
стр. 226
الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه. ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا.
قال ابن حجر في التقريب: روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره. والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.
الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه - ﷺ - أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل؛ كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا.
ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي - ﷺ - أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن
стр. 227
وقت الحاجة.
الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث" وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.
الوجه الرابع؛ هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام.
وممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد؛ وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وعن الضحاك والشعبي: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته.
وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره - ﷺ - عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته - ﷺ - لا دليل فيه، بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.
ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه "فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي" الحديث. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها: "فبت طلاقي" ظاهر في أنه قال لها: أنت
стр. 228
طالق البتة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر، لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي، أي: بحصول الطلقة الثالثة. ويبينه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: "فبت طلاقي" وأنه لم يكن دفعة واحدة.
ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضا "أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي - ﷺ - أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" فإن قوله: ثلاثا ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة، لا مجموعة. ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة، فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب اهـ. محل الحاجة منه بلفظه.
стр. 229
ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال: "أخبر النبي - ﷺ - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه: أن المطلق يظن الثلاثة المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبين النبي - ﷺ - أنها لا تقع؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا: أن إسناده جيد. وقال الحافظ في بلوغ المرام: رواته موثقون. وقال في الفتح: رجاله ثقات.
فإن قيل: غضب النبي - ﷺ -، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع؛ لقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
فالجواب أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدل له ما سيأتي قريبا عن ابن عمر من قوله لمن سأله: وأن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح، ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النبي - ﷺ - قال له: كانت تبين منك وتكون معصية، ويؤيده أيضا ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسناده صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية
стр. 230
التشديد، لا التخفيف بعدم الإلزام.
ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر ﵄: أنه قال: "فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية"، وفي إسناده عطاء الخراساني، وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، وقال البخاري: ليس فيمن روي عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة: كان نسيا، وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، غير أنه كثير الوهم، سيء الحفظ، يخطئ ولا يدري، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. وأيضا الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله: "أرأيت لو طلقتها" الخ مما تفرد به عطاء المذكور، وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة. وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعل عبد الحق في أحكامه هذا الحديث، بأن في أسناده معلى بن منصور، وقال: رماه أحمد بالكذب.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أما عطاء الخراساني المذكور فهو من رجال مسلم في صحيحه، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ. ومن كان كذلك فليس مردود
стр. 231
الحديث، لا سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن الحسن بن علي ﵄، فإنه قال في السنن الكبرى ما نصه: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة. قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵄، فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة، إذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثا. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: "أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها".
وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة اهـ. منه بلفظه. وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد بن حبان الرازي، قال فيه ابن حجر في التقريب: حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري. قال فيه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. وروي من غير هذا الوجه، وروي نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد حديث ابن عمر
стр. 232
المذكور أيضا ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال: "وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك". ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع.
وعلى ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع، فما ذكره بعض أهل العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة؛ بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة؛ لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع. ومن أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، عن عبادة ابن الصامت، قال: "طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك، فقال النبي - ﷺ -: ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له" وفي رواية: "إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه". وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد الله ولا يحتج بواحد منهم. وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده.
ومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ -، وفي رواية أبي أسامة
стр. 233
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: "يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا فأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت". وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن الخ. وفيه عن أبي سلمة أيضا أنها قالت: "فطلقني البتة".
قالوا: فهذه الروايات، ظاهرة في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولاسيما حديث الشعبي؛ لقولها فيه: فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ -، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة. ورد الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض الروايات الصحيحة؛ كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضا: أن فاطمة أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ذلك وقع مفرقا لا دفعة.
ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ البتة، والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة؛ لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ فطلقني آخر ثلاث تطليقات. فلم تخص لفظا منها عن لفظ؛ لعلمها بتساوي الصيغ، ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه.
قالوا: والشعبي قال لها: حدثيني عن طلاقك أي: عن كيفيته
стр. 234
وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث؛ فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده. هكذا ذكره بعض الأجلاء. والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال: قال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - ﷺ - بذلك. فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله - ﷺ -: والله ما أردت إلا واحدة؛ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - ﷺ -، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، والحاكم. وقال فيه ابن ماجه: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال ابن كثير: قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر، فهو حسن إن شاء الله.
وهو نص في محل النزاع؛ لأن تحليفه - ﷺ - لركانة "ما أراد بلفظ البتة إلا واحدة" دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ البتة؛ لأن البتة كناية، والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة لما كان لتحليفه معنى، مع
стр. 235
اعتضاد هذا الحديث بما قدمناه من الأحاديث، وبما سنذكره بعده إن شاء الله تعالى. وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي.
قال فيه ابن حجر في التقريب: لين الحديث. وقد ضعفه غير واحد. وقيل: إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه لين الحديث.
وذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه، يقال: ثلاثا، وتارة قيل: واحدة، وأصحها أنه طلقها البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: تكلموا في هذا الحديث.
وقد قدمنا آنفا تصحيح أبي داود، وابن حبان؛ والحاكم له.
وأن ابن كثير قال: إنه حسن، وإنه معتضد بالأحاديث المذكورة قبله؛ كحديث ابن عمر عند الدارقطني؛ وحديث الحسن عند البيهقي؛ وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولاسيما على رواية فأنفذه رسول الله - ﷺ - يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم، ويعتضد أيضا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك: أنها ثلاث غير الحسن؛ قال: لا. ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: ثلاث فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي. وقال
стр. 236
الترمذي. لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. وتكلم في هذا الحديث من ثلاث جهات.
الأولى: أن البخاري لم يعرفه مرفوعا، وقال: إنه موقوف على أبي هريرة. ويجاب عن هذا: بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وقد رواه سليمان ابن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعا، وجلالتهما معروفة. قال في مراقي السعود:
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبول عند إمام الحفظ .. الخ
الثانية: أن كثيرا نسيه. ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه؛ لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور. وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني ولم ينكر عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله:
وإن يرده بلا أذكر أو ... ما يقتضي نسيانه فقد رأوا
الحكم للذاكر عند المعظم ... وحكي الإسقاط عن بعضهم
كقصة الشاهد واليمين إذ ... نسيه سهيل الذي أخذ
عنه، فكان بعد عن ربيعه ... عن نفسه يرويه أن يضيعه
الثالثة: تضعيفه بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم: إنه مجهول. ويجاب عنه بأن ابن حجر قال في التقريب: إنه مقبول.
стр. 237
ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث زاذان عن علي ﵁ قال: سمع النبي - ﷺ - رجلا طلق البتة فغضب، وقال: أتتخذون آيات الله هزوا؛ أو دين الله هزوا، أو لعبا؛ من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف.
ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته" وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف أيضا.
فهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضا، فصلح مجموعها للاحتجاج، ولاسيما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة البتة، وحسنه ابن كثير، ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه - ﷺ - طلاق عويمر ثلاثا مجموعة عند أبي داود. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم:
لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا
وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
стр. 238
ذَلِكَ أَمْراً (١)﴾.
قالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيا، فلا يندم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢)﴾ وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها، "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة"، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه يفسِّر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال - ﷺ -: "اللهم علمه التأويل". وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإجماع.
واحتج المخالفون بأربعة أحاديث.
الأول: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى؛ وصححه بعضهم قال: طلق
стр. 239
ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي - ﷺ - كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد، فقال النبي - ﷺ -: "إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت فارتجعها".
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن: الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد، بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال: بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى.
وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول: بالقول بالموجب، فيقال: سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم. وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم.
الثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب: داود بن
стр. 240
الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج. اهـ. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة، مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحا لما كانت فيه حجة.
الثالث: ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس اهـ. منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة، عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلا على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور.
الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة: هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر: من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة.
وقال القرطبي في تفسيره ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في
стр. 241
الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن اهـ منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور.
الحديث الثالث من أدلتهم: هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: "ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي - ﷺ - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فقال النبي - ﷺ -: طلقها. ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ".
قال مقيده - عفا الله عنه -: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو؟ فسقوطها واضح كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من
стр. 242
الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتة، وأن النبي - ﷺ - أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم.
الحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج، وحدثنا ابن رافع واللفظ له. حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؛ فقال ابن عباس: نعم.
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في صحيحه.
وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم
стр. 243
بن ميسرة. وقال بدله: عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس -يعني: عمر- قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوننا عليهم.
وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة:
الأول: أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، في وقت واحد. فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؛ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له: طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة وهو أسعد بظاهر اللفظ. قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط
стр. 244
الاستدلال به من أصله في محل النزاع.
ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث. فقال: "باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة" ثم قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بإلفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي ﵀ من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت. الحديث. فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال: ثلاثا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. اهـ. منه بلفظه.
стр. 245
وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم ﵀ في حديث عائشة المذكور آنفا.
وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ابن سريج، فإنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ابن حجر في الفتح. وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.
وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو تأكيدا، ولا استئنافا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁، وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند الإطلاق على الثلاث، عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز
стр. 246
تغير الحال عند تغير القصد، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا. وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي - ﷺ -، مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله - ﷺ -: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد؟ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم، وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر.
الجواب الثاني عن حديث ابن عباس هو: أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو يستعملونها نادرا، وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها.
ومعنى قوله: "فأمضاه عليهم" على هذا القول أنه صنع فيهم من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده
стр. 247
الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي إنما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء.
الجواب الثالث: عن حديث ابن عباس ﵄، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في "باب من جعل الثلاث واحدة" عن الإمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - ﷺ - واحدة، يعني أنه بأمر النبي - ﷺ -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس علم أن كان شيئا فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي - ﷺ - فيه خلاف.
قال الشيخ: ورواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.
قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال
стр. 248
فيه ابن عباس بقول عمر ﵁. قيل: قد علمنا أن ابن عباس ﵄ يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - ﷺ - فيه خلافه؟ اهـ. محل الحاجة من البيهقي بلفظه.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث".
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية -بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفا ما نصه-: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسن به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة -يعني: ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا، ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله - ﷺ - وذكرت له ذلك، فأنزل الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو قال:
стр. 249
فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا. وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته، ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار، وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا تفسير هذه الآية. اهـ. من ابن كثير بلفظه.
وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري ﵀ ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ
стр. 250
من أوجه متعددة، قال بعده ما نصه: قلت: نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع.
أحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم: يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.
الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما.
الثالث: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيب أيضا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ. اهـ. محل الحاجة من فتح الباري بلفظه، ولا إشكال فيه؛ لأن كثيرا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول الله - ﷺ -، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله - ﷺ - في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله - ﷺ - الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثا. حتى أخبره أبو موسى
следующие страницы →