← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

-حاشاها وحاشاه من ذلك- هو المراد بقولهم لها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾. ويدل لذلك قوله تعالى بعده: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾، والبغي: الزانية كما تقدم. يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فما لك أنت ترتكبينها!! ومما يدل على أن ولد الزنى كالشيء المفترى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال بعض العلماء: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي: ولا يأتين بولد زنى يقصدن إلحاقه برجل ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية. وكل عمل أجاده عامله فقد فراه لغة، ومنه قول الراجز وهو زرارة بن صعب بن دهر: قد أطمعتني دقلًا حوليًّا ... مسوسًا مدودًا حجريًا قد كنت تفرين به الفريا يعني تعملين به العمل العظيم. والظاهر أنه يقصد أنها تأكله أكلًا لمًا عظيمًا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه بعض الجهلة. وإنما هو رجل آخر صالح من بني إسرائيل يسمى هارون. والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى العنزي -واللفظ لابن نمير- قالوا: حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة

стр. 2207

ابن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" اهـ. هذا لفظ مسلم في الصحيح. وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. وقال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في قول الزمخشري: إنما عنوا هارون النبي ما نصه: لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند، ورواه الطبري عن السدي قوله وليس بصحيح؛ فإن عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني النبي ﷺ إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئًا يقرءونه ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين، فلم أدر ما أجيبهم؟ فقال لي النبي ﷺ : "هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم"، وروى الطبري من طريق ابن سيرين: نبئت أن كعبًا قال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت؟ فقال لها: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قال فهو أعلم، وإلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة. انتهى كلام ابن حجر. وقال صاحب الدر المنثور في قوله تعالى ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾: أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعَبْد بن حميد، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران .. إلى آخر الحديث كما تقدم آنفًا. وبهذا

стр. 2208

الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه = تعلم أن قول من قال: إن المراد هارون أخو موسى باطل سواء قيل: إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته، كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد يا أخا بني تميم؛ لأنه من ذرية تميم. ومن هذا القبيل قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾؛ لأن هودًا إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته، فهو أخي بني عاد، وهم المراد بعاد في الآية؛ لأن المراد بها القبيلة لا الجد. وإذا حققت أن المراد بهارون في الآية غير هارون أخي موسى، فاعلم أن بعض العلماء قال: إن لها أخًا اسمه هارون. وبعضهم يقول: إن هارون المذكور رجل من قومها مشهور بالصلاح، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبهه في العبادة والتقوى. وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ... ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾، ومنه في كلام العرب قوله: وكل أخ يفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان فجعل الفرقدين أخوين. وكثيرًا ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن: أخا الحرب لبَّاسًا إليها جلالها ... وليس بولَّاج الخوالف أعقلا فقوله: "أخا الحرب" يعني صاحبها؛ ومنه قول الراعي،

стр. 2209

وقيل لأبي ذؤيب: عشية سعدى لو تراءت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشوق إنها ... على النأي إخوان العزاء هيوج فقوله: "إخوان العزاء" يعني أصحاب الصبر. • قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ . معنى إشارتها إليه: أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر. والدليل على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله تعالى بعده: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ فالفعل الماضي الذي هو ﴿كَانَ﴾ بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال كما يدل عليه السياق. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها الله جل وعلا عنه في مواضع أخر؛ كقوله تعالى ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقوله في "آل عمران": ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾، وقوله في "الزخرف": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ

стр. 2210

اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾، وقوله هنا في سورة "مريم": ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... ﴾ الآية؛ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ التحقيق فيه إن شاء الله: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلًا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ -إلى قوله- وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل؛ تنزيلًا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن .. وهذا الذي ذكرنا؛ من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ إلخ؛ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله، خلافًا لمن زعم أنه نُبِّئ وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أي كثير البركات؛ لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿مُبَارَكًا أَيْنَ مَا﴾: عن رسول الله ﷺ حيث كنت. وقال ابن حجر في الكافي الشاف: أخرجه

стр. 2211

أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه اهـ. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ قال الحوفي وأبو البقاء: هو معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. قال أبو حيان في البحر: وفيه بعد الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿وَأَوْصَانِي﴾ ومتعلقها؛ والأولى أنه منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعلني برًّا بوالدتي. ولما قال: ﴿بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل بوالدي؛ عُلِم أنه أمر من قبل الله؛ كما ذكره القرطبي عن ابن عباس ﵄. وقد قدمنا معنى "الجبار والشقي". وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿شَقِيًّا (٣٢)﴾ أي خائبًا من الخير. ابن عباس: عاقًّا. وقيل عاصيًا لربه. وقيل: لم يجعلني تاركًا لأمره فأشقى كما شقى إبليس. اهـ كلام القرطبي. تنبيه احتج مالك ﵀ بهذه الآية على القدرية. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر؛ أخبر عيسى ﵇ بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت اهـ. • وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ . اعلم أن هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان: قرأه نافع وابن كثير

стр. 2212

وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (قَوْلُ الحق) بضم اللام. وقرأه ابن عامر وعاصم: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بالنصب. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى المولود المذكور في الآيات المذكورة قبل هذا. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿عِيسَى﴾، خبره، و ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نعت لـ ﴿عِيسَى﴾ وقيل بدل منه. وقيل خبر بعد خبر. وقوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب مصدر مؤكد لمضمون الجملة. وإلى نحوه أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة: • والثاني كابنى أنت حقًّا صرفا* وقيل: منصوب على المدح؛ وأما على قراءة الجمهور بالرفع (قَوْلُ الحق) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أي نسبته إلى أمه فقط قول الحق؛ قاله أبو حيان. وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: اعلم أن لفظة ﴿الْحَقِّ﴾ في قوله هنا: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ فيها للعلماء وجهان: الأول: أن المراد بالحق ضد الباطل بمعنى الصدق والثبوت؛ كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وعلى هذا القول فإعراب قوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم. وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ محذوف كما تقدم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في "آل عمران" في القصة بعينها: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾. الوجه الثاني: أن المراد بالحق في الآية الله جل وعلا؛ لأن

стр. 2213

من أسمائه "الحق" كقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الآية. وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب أنه منصوب على المدح. وعلى قراءة الرفع فهو بدل من ﴿عِيسَى﴾ أو خبر بعد خبر، وعلى هذا الوجه فـ (قولُ الحق) هو ﴿عِيسَى﴾ كما سماه الله كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ الآية. وإنما سمى ﴿عِيسَى﴾ كلمة؛ لأن الله أوجده بكلمته التي هي ﴿كُنْ﴾ فكان؛ كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ﴾. والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد. وقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ أي: يشكون؛ فالامتراء افتعال من المرية وهي الشك. وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ وهذا القول الحق الذي أوضح الله به حقيقة الأمر في شأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد نزوله على نبينا ﷺ ، أمره ربه أن يدعو من حاجَّه في شأن عيسى إلى المباهلة؛ ثم أخبره أن ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. ولما نزلت ودعا النبي ﷺ وفد نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور.

стр. 2214

• قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ . اعلم أولًا أن لفظ ﴿مَا كَانَ﴾ يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. وتارة يدل على التعجيز، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ الآية. وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ وقد أعقبه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهًا له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾ بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ولدًا، عن ذلك علوًا كبيرًا. والآية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾. وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم: "عيسى ابن الله" وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم كذبًا كعيسى؛ نزه عنه نفسه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ -إلى قوله- إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية. والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة "الكهف". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي أراد

стр. 2215

قضاءه، بدليل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وحَذْف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، أي إذا أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ أي إذا أردت قراءة القرآن، كما تقدم مستوفى. وقوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ زيدت فيه لفظة ﴿مِنْ﴾ قبل المفعول به لتأكيد العموم. وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ﴿مِنْ﴾ لتوكيد العموم كانت نصًّا صريحًا في العموم، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع: قبل الفاعل كقوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾، وقبِل المفعول كهذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ﴾ الآية؛ وقبل المبتدأ كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾. • قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ . أظهر الأقوال في ﴿الْأَحْزَابُ﴾ المذكورة في هذه الآية: أنهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى. فقالت طائفة: هو ابن زنى. وقالت طائفة: هو ابن الله. وقالت طائفة: هو الله. وقالت طائفة: هو إله مع الله. ثم إن الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة؛ وذلك يشمل من كفر بالتفريط

стр. 2216

في عيسى كالذي قال: إنه ابن زنى. ومن كفر بالإفراط فيه كالذين قالوا: إنه الله أو ابنه. وقوله: "ويل" كلمة عذاب؛ فهو مصدر لا فعل له من لفظه. وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء. والظاهر أن "المشهد" في الآية مصدر ميمي؛ أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي حضوره، لما سيلاقونه فيه من العذاب. خلافًا لمن زعم أن "المشهد" في الآية اسم مكان؛ أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال والعذاب. والأول هو الظاهر وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة "الزخرف" في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَال قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. وما أشار إليه في الآيتين: من أن الذين كفروا بالإفراط أو التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنه لم يعاجلهم بالعذاب، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك = أشار له في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾. وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا يهمله. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"؛ ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ

стр. 2217

ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ قال أبو حيان في البحر: ومعنى قوله: ﴿مِنْ بَينِهِمْ﴾ أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين. انتهى محل الغرض منه. • قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ . قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ صيغتا تعجب. ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي أخبرتهم بها الرسل سمعًا وإبصارًا عجيبين، وأنهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة لا يسمعون الحق ولا يبصرونه؛ وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية الكريمة؛ بينه في مواضع أخر؛ كقوله في سمعهم وإبصارهم يوم القيامة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾، وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم إبصارهم وسمعهم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾، وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾، وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَينِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ... ﴾ الآية. والمراد بالأعمى والأصم: الكفار. والآيات بمثل هذا كثيرة. واعلم أن صيغة التعجب إذا كانت على

стр. 2218

وزن "أفْعِل به" فهي فعل عند الجمهور، وأكثرهم يقولون: إنه فعل ماض جاء على صورة الأمر. وبعضهم يقول: إنه فعل أمر لإنشاء التعجب، وهو الظاهر من الصيغة، ويؤيده دخول نون التوكيد عليه؛ كقول الشاعر: ومستبدلٍ من بعدِ غَضْبَى صريمةً ... فأَحْرِ بِهِ من طول فقرٍ وأَحْرِيا لأن الألف في قوله: "وأحريا" مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله في الخلاصة: وأبدلَنْها بعد فتحٍ ألفًا ... وَقْفًا كما تقول في قِفَنْ: قِفا والجمهور أيضًا على أن صيغة التعجب الأخرى التي هي "ما أفعله" فعل ماض. خلافًا لجماعة من الكوفيين في قولهم: إنها اسم بدليل تصغيرها في قول العرجى: ياما أُمَيلحَ غزلانا شدنَّ لنا ... من هؤلَيَّاء، بين الضَّالِ السَّمُر قالوا: والتصغير لا يكون إلا في الأسماء. وأجاب من خالفهم بأن تصغيرها في البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. • قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾. الحسرة: أشد الندم والتلف على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه. والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد؛ أي أنذر الناس يوم القيامة. وقيل له: يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على التفريط.

стр. 2219

وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾. وأشار إلى ما يحصل فيه من الحسرة في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: في غفلة الدنيا معرضون عن الآخرة. وجملة ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ حالية، والعامل فيها ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ أي: أنذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين. خلافًا لمن قال: إن العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله هنا: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب قوله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾) حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه؛ فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار

стр. 2220

خلود فلا موت" ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون. انتهى من صحيح البخاري. والحديث مشهور متفق عليه. وقراءة النبي ﷺ الآية بعد ذكره ذبح الموت تدل على أن المراد بقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. وفي معناه أقوال أخر غير هذا تركناها لدلالة الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرنا. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ . معنى قوله جل وعلا في هذه الآية: أنه يرث الأرض ومن عليها: أنه يميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض، ويبقى هو جل وعلا لأنه الحي الذي لا يموت، ثم يرجعون إليه يوم القيامة. وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ . أمر الله جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله:

стр. 2221

إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر. وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه جل وعلا. فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في الكتاب إبراهيم: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِر﴾ الآية. أوضحه في سورة "الشعراء" في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾. فقوله هنا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو معنى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، وزاد في "الشعراء" أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله أيضًا لسائر قومه. وكرر تعالى الإخبار عنه بهذا النهي لأبيه وقومه عن عبادة الأوثان في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)

стр. 2222

إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٨٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ﴾ الظرف الذي هو ﴿وَإِذْ﴾ بدل اشتمال من ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كما تقدم نظيره في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ .. ﴾ الآية. وقد قدمنا هناك إنكار بعضهم لهذا الإعراب. وجملة: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ معترضة بين البدل والمبدل منه على الإعراب المذكور. والصِّدِّيق صيغة مبالغة من الصدق؛ لشدة صدق إبراهيم في معاملته مع ربه وصدق لهجته، كما شهد الله له بصدق معاملته في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. ومن صدقه في معاملته ربه: رضاه بأن يذبح ولده، وشروعه بالفعل في ذلك طاعة لربه؛ مع أن الولد فلذة من الكبد. لكنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا .. ﴾ الآية. ومن صدقه في معاملته مع ربه: صبره على الإلقاء في النار؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾،

стр. 2223

وقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ .. ﴾ الآية. وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! وأما إلى الله فنعم. فقال له: لم لا تسأله؟ فقال: علمه بحالي كاف عن سؤالي!. ومن صدقه في معاملته ربه: صبره على مفارقة الأهل والوطن فرارًا بدينه؛ كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق. وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذًا وترك الكبير من الأصنام، ولما سألوه هل هو الذي كسرها؟ قال لهم: إن الذي فعل ذلك كبير الأصنام، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق؛ كما قال تعالى عنه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)

стр. 2224

قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، فقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ أي مال إلى الأصنام يضربها ضربا بيمينه حتى جعلها جذاذًا، أي: قطعًا متكسرة من قولهم: جَذَّه إذا قطعه وكسره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا ﴾ أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي، وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح لهذا في سورة "الأنبياء". وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ﴾ التاء فيه عوض عن ياء المتكلم؛ فالأصل: يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله: وفي النِّدا أبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ ... واكسِرْ أو افْتَح ومِنَ اليا التَّا عِوَضْ وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ أصله ﴿مَا﴾ الاستفهامية، فدخل عليها حرف الجر الذي هو "اللام" فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة: وما في الاستفهام إن جُرَّتْ حُذِف ... ألِفُها وأَوْلِها الْها إنْ تَقِف ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس؛ ولذا يوقف على ﴿لِمَ﴾ بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت. ومعنى عبادته للشيطان في قوله: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ طاعته للشيطان في الكفر والمعاصى. فذلك الشرك شرك طاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ كما تقدم هذا المبحث مستوفى

стр. 2225

في سورة "الإسراء" وغيرها. والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان؛ لقوله هنا: ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾. والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا من ذلك في سورة الكهف وغيرها، كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ .. ﴾ الآية، أي يخوفكم أولياءه؛ وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان؛ كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ يعني ما علمه الله من الوحي وما ألهمه وهو صغير، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى الله بها على إبراهيم، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ .. ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ .. ﴾ الآية، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة "الأنعام" لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن أصل

стр. 2226

المحاجة في شيء واحد وهو توحيد الله جل وعلا، وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلا هو وحده جل وعلا في سورة "الأنعام" وفي غيرها. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ . بين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان؛ خاطبه هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له: يا بُني في مقابلة قوله له: يا أبتِ. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا. وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه قيل بالحجارة وقيل باللسان شتمًا، والأول أظهر. ثم أمره بهجره مليًّا أي زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضًا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية. وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾. وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة، قابله

стр. 2227

أبوه بالعنف والشدة؛ بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجئوا إلى استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ فلما أفحمهم بهذه الحجة لجئوا إلى القوة، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ .. ﴾ الآية، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم مني فلا أوذيك. وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وعد من إبراهيم لأبيه باستعفاره له، وقد وفى بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾، وكما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾. ولكن الله لما بين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولم يستغفر له بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ والموعدة المذكورة هي قوله هنا: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي .. ﴾ الآية. ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين، واستغفر النبي ﷺ لعمه أبي طالب؛

стр. 2228

أنزل الله فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ .. ﴾ الآية. وبين في سورة "الممتحنة" أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الأسوة بإبراهيم، والأسوة الاقتداء، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ -إلى قوله- إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .. ﴾ الآية، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك. ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ .. ﴾ الآية. بين الله تعالى أنهم معذورون في ذلك؛ لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ .. ﴾. وقوله في هذه الآية: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ يجوز فيه أن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ خبرًا مقدمًا، و ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ مؤخرًا، وأن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ مبتدأ و ﴿أَنْتَ﴾ فاعل سد مسد الخبر. ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين: الأول: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير؛ والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم. الوجه الثاني: هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين معموله الذي ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بما ليس بمعمول للعامل؛ لأن الخبر ليس هو عاملًا في المبتدأ، بخلاف كون ﴿أَنْتَ﴾ فاعلًا؛ فإنه معمول ﴿أَرَاغِبٌ﴾ فلم يفصل بين ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمدًا للزهد فيه، وعدم

стр. 2229

الحاجة إليه. وقد قدمنا في سورة "النساء" الفرق بين قولهم: رغب عنه، وقولهم: رغب فيه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ .. ﴾ الآية. والتحقيق في قوله: ﴿مَلِيًّا (٤٦) ﴾ أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل: فتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات مليًّا وأصله واويّ اللام؛ لأنه من الملاوة وهي مدة العيش. ومن ذلك قيل لليل والنهار: الملوان. ومنه قول ابن مقبل: ألا يا ديار الحي بالسبعان ... أملّ عليها بالبِلَى المَلَوان وقول الآخر: نهار وليل دائمٌ مَلَواهما ... على كلِّ حالِ المرء يختلفان وقيل "الملوان" في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) ﴾ أي لطيفًا بي. كثير الإحسان إلي. وجملة: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ عطف على جملة: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: وإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رَسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّل (١) فجملة "وإن شفائي" خبرية، وجملة "وهل عند رسم" الخ إنشائية معطوفة عليها. وقول الآخر أيضًا:

стр. 2230

تناغى غزالًا عند باب ابن عامر ... وكحل مآقيك الحسان بإثمد وهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: علام عطف ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي فاحذرني واهجرني؛ لأن ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تهديد وتقريع. اهـ. • قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ . اعلم أن في قوله: ﴿مُخْلَصًا﴾ قراءتين سبعيتين: قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي .. ﴾ الآية. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ فالذين أخلصهم الله هم المَخْلَصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (مُخْلِصًا) بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) .. ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ . قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها، وهذه القصة جاءت مبينة

стр. 2231

في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. وذلك أن موسى لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعًا من مدين إلى مصر آنس من جانب الطور نارًا، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها؛ فناداه الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون؛ لأنه لما رأى العصا في المرة الأولى صارت ثعبانًا ولَّى مدبرًا ولم يعقِّب، فلو فعل ذلك عندما انقلبت ثعبانًا لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان ذلك غير لائق، ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنسًا غير خائف منها حين تصير ثعبانًا مبينًا. قال تعالى في سورة "طه": ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾، وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾ هو معنى قوله في "طه": ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. وقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ أي شهاب؛ بدليل قوله في "النمل": ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ وذلك هو المراد بالجذوة في قوله: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها؛ لأنهم كانوا ضلوا الطريق، والزمن زمن برد، وقوله: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرتها. وقوله: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ قال بعض العلماء: لأنهما كانتا

стр. 2232

من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروى أيضًا عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر، وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي والله تعالى أعلم: أن الله أمره بخلع نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع. والله تعالى أعلم. وقول من قال: إنه أمر بخلعهما احترامًا للبقعة يدل له أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه: أن "إن" من حروف التعليل. وأظهر الأقوال في قوله: ﴿طُوًى (١٢)﴾: أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي اصطفيتك برسالتي، كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾ أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها. ونظير ذلك من كلام العرب قول الأعشى: تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق وقال تعالى في سورة "النمل": ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ

стр. 2233

اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، فقوله في "النمل": ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ هو معنى قوله في "مريم": ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾. وقوله في "طه": ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١)﴾ الآية، وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ومعنى قوله في "طه": ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها. وقال تعالى في سورة "القصص": ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية. فالنداء في هذه الآية هو المذكور في "مريم، وطه، والنمل". وقد بين هنا أنه نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة. فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن يمين الجبل الذي هو الطور، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول بأن طوى اسم له. وقد قدمنا قول ابن جرير: أن المراد يمين موسى؛ لأن الجبل ومثله الوادي لا يمين له ولا شمال. وقال ابن كثير في قوله: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب؛ كما قالى تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل الغربي عن يمينه اهـ منه. وهو معنى قوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا .. ﴾ الآية. والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة: نداء الله له؛

стр. 2234

فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام خَلَقَه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، ولو فُرِضَ أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراءً على الله، كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ على سبيل فرض المحال = فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق وصواب. فقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك؛ كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ قال الزمخشري في الكشاف: ﴿مِنَ﴾ الأولى والثانية لابتداء الغاية؛ أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾ بدل اشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ؛ كقوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾. وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ .. ﴾ الآية. قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى ﵇ من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء. انتهى منه. وشاطئ الوادي جانبه. وقال بعض أهل العلم: معنى ﴿الْأَيمَنِ﴾ في قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾. وقوله:

стр. 2235

﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾ من اليُمْن وهو البركة؛ لأن تلك البلاد بارك الله فيها. وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى "نور" وهو يظنها نارًا. وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد إلا خضرة وحسنًا. قيل: هي شجرة عوسج. وقيل: شجرة عليق. وقيل: شجرة عناب. وقيل: سمرة. والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في سورة "النمل": ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ في هذه الآية من سورة "النمل" فقال بعضهم: هو الله جل وعلا، وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: تقدس الله وتعالى. وقالوا: كان نور رب العالمين في الشجرة. واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن، ولا ينبغي أن يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة؛ سواء قلنا: إنها نار أو نور، سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ سلطانه وقدرته لا يصح، لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ . وبه تعلم أن قول أبي حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس، وابن جبير،

стр. 2236

والحسن وغيرهم: أراد بمن في النار ذاته. وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أُوِّلَ على حذف، أي: بورك من قدرته وسلطانه في النار اهـ = أنه أصاب في تنزيهه لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل، والله أعلم. وقال بعضهم: إن معنى ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: بوركت النار لأنها نور. وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن أيضًا واضح كما ترى. وإطلاق لفظة ﴿مَن﴾ على الشجرة وعلى ما في النار من أمر الله، غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى. وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم: قول من قال: إن في النار التي هي نور ملائكة وحولها ملائكة وموسى. وأن معنى: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها؛ أي وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم. وممن يروى عنه هذا: السدي. وقال الزمخشري في الكشاف: ومعنى أن ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ وتدل عليه قراءة أُبّي: "أن تباركت النار ومن حولها". وعنه "بوركت النار". وقال القرطبي ﵀ في قوله: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل

стр. 2237

البيت. وقوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ نائب فاعل ﴿بُورِكَ﴾ والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك؛ فهي أربع لغات. قال الشاعر: فبوركْتَ مولودًا وبوركْتَ ناشئًا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب وقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية: ليت شعري مسافر بن أبي عمـ ... ـر وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما ... بورك نبع الرمان والزيتون وقال آخر: فبورك في بنيك وفي بنيهم ... إذا ذكروا ونحن لك الفداء والآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولَّى مدبرًا خوفًا منها في المرة الأولى لما صارت ثعبانًا؛ جاءت في مواضع متعددة؛ كقوله تعالى في سورة "طه": ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَال خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾، فقوله: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يدل على أنه فزع منها لما صارت ثعبانًا مبينًا؛ كما جاء مبينًا في "النمل والقصص". وقوله في آية "طه" هذه ﴿مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير برص. وفيه ما يسميه البلاغيون احتراسًا، وكقوله تعالى في سورة "النمل": ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ

стр. 2238

لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ ... ﴾ الآية. وقوله في "القصص": ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾. والبرهانان المشار إليهما بقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ هما اليد والعصا؛ فلما تمرَّن موسى على البرهانين المذكورين، وبلغ الرسالة هو وأخوه إلى فرعون وملئه، طالبوه بآية تدل على صدقه؛ فجاءهم بالبرهانين المذكورين، ولم يخف من الثعبان الذي صارت العصا إياه، كما قال تعالى: ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ ونحوها من الآيات. وقوله في "النمل، والقصص": ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: لم يرجع من فراره منها؛ يقال: عقَّب الفارس إذا كر بعد الفرار. ومنه قوله: فما عقَّبوا إذ قيل هل من مُعَقِّب ... ولا نزلوا يوم الكريهة منزلًا وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: قرب الله موسى في حال كونه نجيًّا. أي مناجيًا لربه. وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير كالقعيد والجليس. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: روى ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان، حدثنا سفيان، عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: أُدْنيَ حتى سمع

стр. 2239

صريف القلم. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: أُدْخِل في السماء فكُلِّم. وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: نجيًا بصدقه. اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقوله تعالى في طه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ أي: قَوِّني به. والأزر: القوة وآزره: أي قوَّاه. وقوله في القصص: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك به؛ وذلك لأن العَضُد هو قوام اليد، وبشدتها تشتد اليد، قال طرفة: أبنى لُبَينَى لستمو بيدٍ ... إلا يد ليست لها عضدُ وقوله: ﴿ردءًا﴾ أي: مُعِينًا؛ لأن الرِّدْء اسم لكل ما يعان به. ويقال: ردأته أي أعنته. • قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ . معنى الآية الكريمة: أن الله وهب لموسى نبوة هارون. والمعنى أنه سأله ذلك فآتاه سؤله. وهذا المعنى أوضحه تعالى في آيات أخر، كقوله في سورة "طه" عنه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) -إلى قوله- قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ وقوله في "القصص": ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾،

стр. 2240

وقوله في سورة "الشعراء": ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦)﴾ فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه، فأجاب ربه جل وعلا سؤاله في ذلك. وذلك يبين أن الهبة في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أكبر من موسى، كما قاله أهل التاريخ. • قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ . أمر اللهُ جل وعلا نبيَّه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم جدَّه إسماعيل، وأثنى عليه -أعني إسماعيل- بأنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًّا. ومما يبين من القرآن شدة صدقه في وعده: أنه وعد أباه بصبره على ذبحه ثم وفَّى بهذا الوعد. ومن وفي بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ فهذا وعده. وقد بين تعالى وفاءه به في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) ... ﴾ الآية. والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل. وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك إن شاء الله غاية الإيضاح في سورة "الصافات". وثناؤه جل وعلا في

стр. 2241

هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه -أعني مفهوم مخالفته- أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتُمِن خان". وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾، قد بين في مواضع أخر: أن نبينا ﷺ كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا .. ﴾ الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا .. ﴾ الآية. ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة؛ إلى غير ذلك من الآيات. مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد؛ فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله: ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق. واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك

стр. 2242

وبأحاديث. فالآيات كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا .. ﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث "العِدَة دَين" فجَعْلها دينًا دليل على لزومها. قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "العدة دين" رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال: لا يعد أحدكم صبِيَّه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله ﷺ قال: "العِدَة دين" ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له، فإني سمعت رسول الله ﷺ .. وذكره بلفظ "عطية". ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفًا، ورواه الطبراني، والديلمي عن علي مرفوعًا بلفظ: "العِدَة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل له .. " ثلاثًا. ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط. والديلمي أيضًا بلفظ: "الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد" أي: وَعْد الواعد. وفي لفظ له "عدة المؤمن دين. وعدة المؤمن كالأخذ باليد". وللطبراني في الأوسط عن قَباث بن أشيم الليثي مرفوعًا: "العدة عطية". وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلًا: أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئًا فلم تجد عنده، فقالت: عِدْني. فقال رسول الله ﷺ : "إن العِدَة عطية"، وهو في مراسيل أبي داود. وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن: أن النبي ﷺ قال: "العدة عطية". وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال: سأل رجل النبي ﷺ شيئًا، فقال: "ما عندي ما أعطيك"، قال في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه:

стр. 2243

وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء. انتهى منه. وقد عَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف. وقال شارحه المناوي: وفيه دارم بن قبيصة، قال الذهبي: لا يعرف اهـ. ولكن قد مر بك أن طرقه متعددة. وقد رُوِيَ عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقَبَاث بن أشيم الكناني الليثي ﵄. وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة دالة على الوفاء بالوعد. واحتج من قال بأن الوعد لا يلزم الوفاء به: بالإجماع على أن من وعد رجلًا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر؛ كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة. وحجة من فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم. وبين عدم إدخاله إياه فيها فلا يلزم: أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد، ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة التي أدخله فيها؛ فقد أضرَّ به. وليس للمسلم أن يضر بأخيه، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار". وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: قال مالك: إذا سأل الرجلُ الرجلَ أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.

стр. 2244

وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة بن جندب، قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتجُ بحديث ابن أشوع. اهـ كلام القرطبي. وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه، هو قوله في آخر (كتاب الشهادات): باب من أمر بإنجاز الوعد، وفَعَله الحسن، واذكر في الكتاب (١) إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابنُ الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة. وقال المسور بنِ مخرمة: سمعت النبي ﷺ ، وذكر صهرًا له، قال: وعَدَني فَوَفى لي. قال أبو عبد الله: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله: أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره قال: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؛ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "آية

стр. 2245

المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أوتمن خان، وإذا وعد أخلف". حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج قال: أخبرني عَمرو بن دينار عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قِبَل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قِبَله عِدَة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، قال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل. انتهى من صحيح البخاري. وقوله في ترجمة الباب المذكور: "وفَعَله الحسن" يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ أن الثناء عليه بصدق الوعد يُفْهَم منه أن إخلافه مذموم فاعله، فلا يجوز. وابن الأشوع المذكور هو سعيد بن عَمْرو بن أشوع الهَمْداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه، وهو إسحاق ابن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه يحتج بحديث ابن أشوع، كما قاله ابن حجر في الفتح. والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد.
следующие страницы →