← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه -أعني مفهوم مخالفته- أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتُمِن خان". وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾، قد بين في مواضع أخر: أن نبينا ﷺ كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا .. ﴾ الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا .. ﴾ الآية. ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة؛ إلى غير ذلك من الآيات. مسألة اختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد؛ فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله: ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق. واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك

стр. 2242

وبأحاديث. فالآيات كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا .. ﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث "العِدَة دَين" فجَعْلها دينًا دليل على لزومها. قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "العدة دين" رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال: لا يعد أحدكم صبِيَّه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله ﷺ قال: "العِدَة دين" ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له، فإني سمعت رسول الله ﷺ .. وذكره بلفظ "عطية". ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفًا، ورواه الطبراني، والديلمي عن علي مرفوعًا بلفظ: "العِدَة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل له .. " ثلاثًا. ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط. والديلمي أيضًا بلفظ: "الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد" أي: وَعْد الواعد. وفي لفظ له "عدة المؤمن دين. وعدة المؤمن كالأخذ باليد". وللطبراني في الأوسط عن قَباث بن أشيم الليثي مرفوعًا: "العدة عطية". وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلًا: أن امرأة سألت رسول الله ﷺ شيئًا فلم تجد عنده، فقالت: عِدْني. فقال رسول الله ﷺ : "إن العِدَة عطية"، وهو في مراسيل أبي داود. وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن: أن النبي ﷺ قال: "العدة عطية". وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال: سأل رجل النبي ﷺ شيئًا، فقال: "ما عندي ما أعطيك"، قال في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه:

стр. 2243

وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء. انتهى منه. وقد عَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف. وقال شارحه المناوي: وفيه دارم بن قبيصة، قال الذهبي: لا يعرف اهـ. ولكن قد مر بك أن طرقه متعددة. وقد رُوِيَ عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقَبَاث بن أشيم الكناني الليثي ﵄. وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة دالة على الوفاء بالوعد. واحتج من قال بأن الوعد لا يلزم الوفاء به: بالإجماع على أن من وعد رجلًا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر؛ كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة. وحجة من فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم. وبين عدم إدخاله إياه فيها فلا يلزم: أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد، ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة التي أدخله فيها؛ فقد أضرَّ به. وليس للمسلم أن يضر بأخيه، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار". وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: قال مالك: إذا سأل الرجلُ الرجلَ أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.

стр. 2244

وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة بن جندب، قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتجُ بحديث ابن أشوع. اهـ كلام القرطبي. وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه، هو قوله في آخر (كتاب الشهادات): باب من أمر بإنجاز الوعد، وفَعَله الحسن، واذكر في الكتاب (١) إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابنُ الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة. وقال المسور بنِ مخرمة: سمعت النبي ﷺ ، وذكر صهرًا له، قال: وعَدَني فَوَفى لي. قال أبو عبد الله: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله: أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره قال: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؛ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "آية

стр. 2245

المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أوتمن خان، وإذا وعد أخلف". حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج قال: أخبرني عَمرو بن دينار عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قِبَل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قِبَله عِدَة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، قال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل. انتهى من صحيح البخاري. وقوله في ترجمة الباب المذكور: "وفَعَله الحسن" يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ أن الثناء عليه بصدق الوعد يُفْهَم منه أن إخلافه مذموم فاعله، فلا يجوز. وابن الأشوع المذكور هو سعيد بن عَمْرو بن أشوع الهَمْداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه، وهو إسحاق ابن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه يحتج بحديث ابن أشوع، كما قاله ابن حجر في الفتح. والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد.

стр. 2246

وصهر النبي ﷺ الذي أثنى عليه بوفائه له بالوعد هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، وقد أسره المسلمون يوم بدر كافرا، وقد وعده بردِّ ابنته زينب إليه وردَّها إليه. خلافًا لمن زعم أن الصهر المذكور أبو بكر ﵁. وقد ذكر البخاري في الباب المذكور أربعة أحاديث في كل واحد منها دليل على الوفاء بإنجاز الوعد. الأول: حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل وهو طرف من حديث صحيح مشهور. ووجه الدلالة منه في قوله: "فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة"، فإن جميع المذكورات في هذا الحديث مع الوفاء بالعهد كلها واجبة، وهي الصلاة والصدق والعفاف وأداء الأمانة. وقد ذكر بعد ذلك أن هذه الأمور صفة نبيّ، والاقتداء بالأنبياء واجب. الثاني: حديث أبي هريرة في آية المنافق. ومحل الدليل منه قوله: "وإذا وعد أخلف" فكون إخلاف الوعد من علامات المنافق يدل على أن المسلم لا يجوز له أن يتسِمَ بسمات المنافقين. الثالث: حديث جابر في قصته مع أبي بكر: ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال: من كان له على النبي ﷺ دين أو كانت له قِبَله عِدَة .. الحديث. فجعل العدة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده النبي ﷺ من المال؛ فدل ذلك على الوجوب. الرابع: حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى: ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول الله ﷺ إذا قال فعل. فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، وأن يفعلوا إذا

стр. 2247

قالوا. وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾؛ لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على ترجمة الباب المذكور: وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض؛ لاتفاقهم على أن الموعود لا يضاربا بما وعد به مع الغرماء اهـ. ونَقْل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل؛ وقال ابن عبد البر وابن العربي أَجَلُّ من قال به عمرُ بن عبد العزيز. انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح. وقال أيضًا: وخرَّج بعضُهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة، هل تُمْلك بالقبض أو قبله. فإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة. وما استدل به كل فريق منهم؛ فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-: أن إخلاف الوعد لا يجوز، لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرًا؛ بل يؤمر به ولا يجبر عليه، لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يُجْبر على الوفاء به؛ لأنه وعد بمعروف محض. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ

стр. 2248

وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾. الإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة. وقد بين الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم. وزاد على هذا في سورة "النساء" بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾. وبين في سورة الفاتحة: أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين فِي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال السدي وابن جرير رحمهما الله: فالذي عنى به ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: إدريس. والذي عنى به من ذرية ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: إبراهيم. والذي عنى به ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: إسحاق ويعقوب وإسماعيل. والذي عنى به من ذرية ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم. قال ابن جرير: ولذلك فرَّق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح. قلت: هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذًا من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي ﷺ : مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. انتهى

стр. 2249

الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال ابن كثير أيضًا في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى هؤلاء النبيون، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط؛ بل جنس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، إلى أن قال في آخر كلامه: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة "الأنعام": ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ -إلى قوله- أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ اهـ. وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في "الأنعام": ﴿وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾. كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة "مريم": ﴿وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ربهم بكوا وسجدوا. وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ

стр. 2250

اللَّهِ﴾. فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثرًا عظيمًا، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود. ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود، ونحو ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باك. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية من سورة "مريم" فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء. وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك. • قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾ . الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية. أي فخلف من بعد أولئك النبيين خَلْف، أي: أولاد سوء. قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة "الأعراف": قال أبو حاتم: الخَلْف بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء. والخَلَف -بفتح اللام- البَدَل ولدًا كان أو غريبًا. وقال ابن الأعرابي: الخَلَف -بالفتح- الصالح. وبالسكون: الطالح. قال لبيد: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلَف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف؛ ومنه المثل السائر "سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا". فخَلْف في الذم بالإسكان. وخَلَف بالفتح

стр. 2251

في المدح. هذا هو المستعمل المشهور؛ قال ﷺ : "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدُوْله" وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر؛ قال حسان بن ثابت ﵁: لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع وقال آخر: إنا وجدنا خَلَفًا بئس الخَلَف ... أغلقَ عنَّا بابه ثم حَلَف لا يدخل البواب إلا من عرف ... عبدًا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروى: خضف، أي ردم. انتهى منه. والردم: الضراط. ومعنى الآية الكريمة: أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة: أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم ابن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها؛ ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي. وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: وكل هذه الأقوال تدخل

стр. 2252

في الآية؛ لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها؛ كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت. واختلف العلماء أيضًا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد ﷺ يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضًا في الأزقة زنى، ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر. وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيده -عفا الله عنه-: وكونهم من أمة محمد ﷺ ليس بوجيه عندي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية. واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. وعن علي ﵁: من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور؛ فهو ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ اعلم أولًا أن العرب

стр. 2253

تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر: فمن يلق خيرًا يحمد الناسُ أمره ... ومن يغوَ لا يعدم على الغي لائما فقوله: "ومن يغو" يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية أقوال متقاربة. منها: أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى. ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ﴾ ؛ فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه، كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ومنها: أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، وابن زيد. ورُويَ عن ابن زيد أيضًا: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ أي شرًّا أو ضلالًا أو خيبة. وقال بعضهم: إن المراد بقوله ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية: واد في جهنم من قيح؛ لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء ابن عازب. ورُويَ عن عائشة، وشُفيِّ بن ماتع. وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه: أن النبي ﷺ قال: "إن غيًا واد في جهنم" كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة: أن غيًا وأثامًا: نهران

стр. 2254

في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي ﷺ . وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفًا، ثم قال: هذا حديث غريب ورَفْعه منكر. وقيل: إن المعنى: فسوف يلقون غيًا أي: ضلالًا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو: أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذابًا عظيمًا. فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم = فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، وقوله في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾، وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلا وَهُمْ كُسَالى وَلَا يُنْفِقُونَ إلا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 2255

ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) -إلى قوله- وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى أجمع العلماء على أن تارك الصلاة الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفرًا ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجَحْد وجوبه كجحد وجوبها. المسألة الثانية اختلف العلماء في تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفرًا أو حدًّا أو لا يقتل. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قتل كفرًا. وممن قال بهذا: الإمام أحمد ﵀ في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁. وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومنصور الفقيه من الشافعية. ويروى أيضًا عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وهو رواية ضعيفة عن مالك. واحتج أهل هذا القول

стр. 2256

بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية. ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين فهم من الكافرين؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .. ﴾ الآية. ومنها حديث جابر الثابت في صحيح مسلم عنه عن النبي ﷺ من طريقين. لفظ المتن في الأولى منهما: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". ولفظ المتن في الأخرى: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر؛ لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافرًا. ومنها: حديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك الآتيين الدالين على قتال الأمراء إذا لم يصلوا، وهما في صحيح مسلم مع حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال: بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان". فدلَّ مجموع الأحاديث المذكورة أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله برهان. وقد قدمنا هذه الأحاديث المذكورة في سورة "البقرة". وهذا من أقوى أدلة أهل هذا القول. ومنها: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه النسائي، والعراقي. وقال النووي في شرح المهذب: رواه

стр. 2257

الترمذي والنسائي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في المستدرك بعد أن ساق هذا الحديث بإسناده: هذا حديث صحيح الإسناد، لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. فقد احتجَّا جميعًا بعبد الله بن بريدة عن أبيه. واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا. أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على تصحيحه لحديث بريدة المذكور. وقال في أَثَر ابن شقيق عن أبي هريرة المذكور: لم يتكلم عليه وإسناده صالح. قال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن قول الحافظ الذهبي ﵀: "لم يتكلم عليه" سهو منه؛ لأنه تكلم عليه في كلامه على حديث بريدة المذكور آنفًا، حيث قال: ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا؛ يعني أثر ابن شقيق المذكور كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح. اهـ منه، وقد ذكر النووي ﵀ في كلامه هذا الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصبًا. وقال المجد في المنتقى: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي: كان أصحاب رسول الله ﷺ إلى آخره. ثم قال: رواه الترمذي اهـ، ولا يخفى عليك أن رواية الحاكم فيها أبو هريرة

стр. 2258

ورواية الترمذي ليس فيها أبو هريرة. وحديث بريدة بن الحصيب وأثر ابن شقيق المذكورين فيها الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة عمدًا تهاونًا كفر ولو أقر تاركها بوجوبها. وبذلك يعتضد حديث جابر المذكور عند مسلم. ومن الأدلة الدالة على أن ترك الصلاة كفر: ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ، أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبيّ بن خلف" اهـ. وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة؛ لأن انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأُبيّ بن خلف يوم القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد في هذا الحديث: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات اهـ. وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صالح للاحتجاج، وذكر طرفًا منها الهيثمي في مجمع الزوائد. وفيما ذكرناه كفاية. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا إذا كان معترفًا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدًّا كالزاني المحصن لا كفرًا. وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم: ذهب مالك

стр. 2259

والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب؛ فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف اهـ. واعلم أن هذا القول يحتاج إلى الدليل من جهتين، وهما عدم كفره، وأنه يُقتل. وهذه أدلتهم على الأمرين معًا. أما أدلتهم على أنه يقتل: فمنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم للصلاة. ويفهم من مفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يخل سبيلهم وهو كذلك. ومنها: ما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" اهـ. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنهم لا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة كما ترى. ومنها: ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين أربعة؛ فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله. فقال "ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله"؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا،

стр. 2260

لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" مختصر من حديث متفق عليه. فقوله ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا" يعني لا تقتله. وتعليله ذلك بقوله: "لعله أن يكون يصلي" فيه الدلالة الواضحة على النهي عن قتل المصلين، ويفهم منه أنه إن لم يصل يقتل، وهو كذلك. ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" هذا لفظ مسلم في صحيحه. و"ما" في قوله: "ما صلوا" مصدرية ظرفية؛ أي: لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون. ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا، وهو كذلك، مع أنه ﷺ قال في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان"، فحديث أم سلمة هذا ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي يدل على قتل من لم يصل، وبضميمة حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك الصلاة؛ لأنه قال في حديث عبادة بن الصامت: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا .. " الحديث. وأشار في حديث أم سلمة وعوف بن مالك: إلى أنهم إن تركوا الصلاة قوتلوا. فدل ذلك على أن تركها من الكفر البواح. وهذا من أقوى أدلة أهل القول الأول. وحديث عوف بن مالك المذكور هو ما رواه مسلم في صحيحه عنه عن رسول الله ﷺ بلفظ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم

стр. 2261

وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة .. " الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة كما ترى. ومن أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة: ما رواه الأئمة الثلاثة: مالك في موطئه، والشافعي، وأحمد في مسنديهما، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول الله ﷺ وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين؛ فجهر رسول الله ﷺ فقال: "أليس يشهد ألا إله إلا الله"؟ قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: "أليس يشهد أن محمدًا رسول الله"؟ قال: بلى ولا شهادة له! قال: "أليس يصلي"؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم". اهـ (١) . هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة. واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون: إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يضرب بالخشب حتى يموت. وقال ابن سريج: ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة، ويقال له: صل وإلا قتلناك. ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت. واختلفوا في استتابته؛ فقال بعضهم: يستتاب ثلاثة أيام. فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم: لا يستتاب؛ لأنه يقتل حدًّا والحدود

стр. 2262

لا تسقط بالتوبة. وقال بعضهم: إن لم يبق من الضروري إلا قدر ركعة ولم يصل قتل. وبعضهم يقول: لا يقتل حتى يخرج وقتها. والجمهور على أنه يقتل بترك صلاة واحدة، وهو ظاهر الأدلة. وقيل: لا يقتل حتى يترك أكثر من واحدة. وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يقتل حتى يضيق وقت الصلاة الثانية المتروكة مع الأولى. والأخرى لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر الأقوال عندي أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب. والأظهر أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو يمتنع من الصلاة لظواهر النصوص المذكورة، وأنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها. والعلم عند الله تعالى. وأما أدلة أهل هذا القول على عدم كفره، فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز: أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرُحْت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد

стр. 2263

إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" اهـ منه بلفظه. وفي سنن أبي داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا. وفي سنن النسائي: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان. إلى آخر الإسناد والمتن كاللفظ المذكور. وفي سنن ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله على عباده .. " إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريبًا من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلا المخدجي المذكور وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور، وله شواهد يعتضد بها أيضًا. قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا يزيد يعني ابن هارون، ثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب؛ فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله .. " إلى آخر الحديث بمعناه. وعبد الله الصنابحي المذكور قيل: إنه صحابي مدني. وقيل: هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقة، وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور. ورجال سند أبي

стр. 2264

داود هذا غير عبد الله الصنابحي ثقات معروفون لا مطعن فيهم. وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور. وقال الزرقاني في شرح الموطأ: وفيه -يعني حديث عبادة المذكور- أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه؛ بل هو تحت المشيئة بنص الحديث. وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق مالك، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. اهـ منه. وقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد، ورواه أبو داود عن الصنابحي اهـ محل الغرض منه. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور: هذا حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت، لم يختلف عن مالك فيه. فإن قيل: كيف صححه ابن عبد البر مع أنه قال: إن المخدجي المذكور في سنده مجهول؟ فالجواب عن هذا من جهتين: الأولى: أن صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحًا. والثانية: هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور. وحديث عبادة المذكور فيه الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة ليس بكفر؛ لأن كونه تحت المشيئة المذكور فيه دليل على

стр. 2265

عدم الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومن أدلة أهل هذا القول على أن تارك الصلاة المقر بوجوبها غير كافر: ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه. ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" اهـ. وقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق: طريقين متصلتين بأبي هريرة. والطريق الثالثة متصلة بتميم الداري. وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه. وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح، كما قال العراقي، وصححها ابنُ القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة، قال العراقي: وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ محل الغرض منه. ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة: أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمدًا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى. وقال المجد في المنتقى بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على

стр. 2266

عدم كفر تارك الصلاة المقر بوجوبها عمدًا ما نصه: ويعضد هذا المذهب عمومات، منها: ما رُويَ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق = أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" متفق عليه. وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال ومعاذ رديفه على الرحل: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، ثم قال: "ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا، أي خوفًا من الإثم بترك الخبر به. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" رواه مسلم. وعنه أيضًا: أن النبي ﷺ ، قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" رواه البخاري اهـ محل الغرض منه. وقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، والمزني صاحب الشافعي: إن تارك الصلاة عمدًا تكاسلًا وتهاونًا مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر؛ بل يعزَّر ويحبس حتى يصلي، واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفًا لأهل القول الثاني. واحتجوا لعدم قتله بأدلة، منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة "المائدة" وغيرها: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا

стр. 2267

إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". قالوا: هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النبي ﷺ أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة؛ فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل. قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها -أعني مفاهيم المخالفة- كما تقدم إيضاحه. وحديث ابن مسعود دل على ما ذكرنا بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم؛ مع أن المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة ﵀: أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة؛ وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة على قتله؛ لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ذلك بمنطوقه. ومنها قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلًا؛ فإن كل واحد منهما من دعائم الإسلام ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة. أما الذين قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل؛ فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود؛ بأنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وعن قياسه على تارك الحج والصوم: بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن الأحاديث الدالة على عدم الكفر: بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة على كفره. ومنها ما هو ليس كذلك، كحديث عبادة ابن الصامت الدال على أنه تحت المشيئة. فالأحاديث الدالة على كفره مقدمة عليه؛ لأنها أصح منه؛ لأن بعضها في صحيح مسلم وفيه التصريح بكفره وشركه. ومنها حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه، مع حديث أم سلمة وعوف بن مالك في صحيح مسلم

стр. 2268

كما تقدم إيضاحه. ورد القائلون بأنه غير كافر أدلةَ مخالفيهم: بأن المراد بالكفر في الأحاديث المذكورة كفر دون كفر. وليس المراد الكفر المخرج عن ملة الإسلام. واحتجوا لهذا بأحاديث كثيرة يصرح فيها النبي ﷺ بالكفر، وليس مراده الخروج عن ملة الإسلام. قال المجد في المنتقى: وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة، أو على معنى قد قارب الكفر، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك؛ فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" متفق عليه. وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان عمر يحلف "وأبي" فنهاه النبي ﷺ وقال: "من حلف بشيء دون الله فقد أشرك" رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مدمن الخمر إن مات لقى الله كعابد وثن" انتهى منه بلفظه. وأمثاله في السنة كثيرة جدًا. ومن ذلك القبيل تسمية الرياء شركًا؛ ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: بم يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط" هذا لفظ البخاري في بعض

стр. 2269

المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور. وقد أطلق فيه النبي ﷺ اسم الكفر عليهن؛ فلما استفسروه عن ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام. هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال: إنه كافر. وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة؛ لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: ولم يزل المسلمون يوَرِّثون تارك الصلاة ويوْرَثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يَرِث ولم يَوْرَث. وأما الجواب عما احتج به من كَفَّره من حديث جابر وبريدة، ورواية ابن شقيق: فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل. وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها. انتهى محل الغرض منه. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها. وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة: منها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك

стр. 2270

رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". ومنها: ما رواه مسلم عن أنس أيضًا مرفوعًا: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ومنها: ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة ﵁ قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة؟ فقال: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسيَ أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها". ومنها: ما رواه مسلم، والإمام أحمد، عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: ثم أذن بلال بالصلاة؛ فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. ومنها: ما أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن أبي شيبة، والطبراني وغيرهم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: سرينا مع النبي ﷺ ؛ فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشًا إلى طهوره، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الركعتين قبل

стр. 2271

الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم"؟ اهـ. وأصل حديث عمران هذا في الصحيحين، وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة، ولا قوله: فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره. والحاصل أن قضاء النائم والناسي لا خلاف فيه بين العلماء. وقد دلت عليه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكره. المسألة الرابعة اعلم أن التحقيق أنه يجب تقديم الصلوات الفوائت على الصلاة الحاضرة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش. قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؟ فقال النبي ﷺ : "والله ما صليتها" فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها؛ فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن النبي ﷺ صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على المغرب. وهو نص صحيح صريح في تقديم الفائتة على الحاضرة. والمقرر في الأصول: أن أفعال النبي ﷺ المجردة من قرينة الوجوب وغيره تحمل على الوجوب، لعموم النصوص الواردة بالتأسي به ﷺ في أقواله وأفعاله. وللاحتياط في الخروج من عهدة التكليف. ومن أظهر الأدلة في ذلك أنه لما خلع نعله في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم تأسيًا به ﷺ قبل أن يعلموا أن جبريل أخبره أن

стр. 2272

بباطنها أذى، وسألهم ﷺ لِمَ خلعوا نعالهم؟ وأجابوا بأنهم رأوه خلع نعله، وهو فعل مجرد من قرائن الوجوب وغيره؛ أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم؛ فدل ذلك على لزوم التأسِّي به في أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله. والأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التأسي به ﷺ في الكتاب والسنة شاهدة له. وإلى كون أفعاله ﷺ المجردة من القرائن تحمل على الوجوب أشار في مراقي السعود في كتاب السنة بقوله: وكل ما الصفة فيه تُجْهَل ... فللوجوب في الأصح يُجعل وفي حمله على الوجوب مناقشات معروفة في الأصول؛ انظرها في نشر البنود وغيره. ويعتضد ما ذكرنا من أن فعله المجرد الذي هو تقديم العصر الفائتة على المغرب الحاضرة يقتضي الوجوب بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال الحافظ في فتح الباري في استدلال البخاري على تقديم الأولى من الفوائت فالأُوْلَى بفعل النبيِّ ﷺ المذكور ما نصُّه: ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بترتيب الفوائت، إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي ﷺ المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا. انتهى منه. ونحن نقول: الأظهر أن الأفعال المجردة تقتضي الوجوب، كما جزم به صاحب المراقي في البيت المذكور، وكذلك عموم

стр. 2273

حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يقتضي ذلك أيضًا. والعلم عند الله تعالى. واعلم أنه إن تذكَّر فائتةً في وقت حاضرة ضيق؛ فقد اختلف العلماء: هل يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو لا؛ إلى ثلاثة مذاهب: الأول: أنه يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؛ وهذا هو مذهب مالك وجل أصحابه. الثاني: أن يبدأ بالحاضرة محافظة على الوقت؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر أصحاب الحديث. الثالث: أنه يخير في تقديم ما شاء منهما؛ وهو قول أشهب من أصحاب مالك. قال عياض: ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت؛ فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم. وقيل أربع صلوات. المسألة الخامسة أما ترتيب الفوائت في أنفسها؛ فأكثر أهل العلم على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان؛ وهو الأظهر: وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها بل يندب؛ وهو مروي عن طاوس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وداود. وقال بعض أهل العلم: الترتيب واجب مطلقًا، قلّت الفوائت أم كثرت. وبه قال أحمد وزفر. وعن أحمد ﵀. لو نسي الفوائت صحت

стр. 2274

الصلوات التي صلى بعدها. وقال أحمد وإسحاق: لو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى الفائتة، ثم يجب إعادة الحاضرة. واحتج لهم بحديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام". قال النووي في شرح المهذب: وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ. وقال أبو زرعة الرازي، ثم البيهقي: الصحيح أنه موقوف. قال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي وجوب ترتيب الفوائت في أنفسها الأولى فالأولى. والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن مسعود ﵄. قال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل؛ فأنزل الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اهـ. فهذا الإسناد صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون. فعمرو بن علي هو أبو حفص الفلاس وهو ثقة حافظ، ويحيى هو القطان وجلالته معروفة. وكذلك ابن أبي ذئب جلالته معروفة. وسعيد بن أبي سعيد هو المقبري وهو ثقة. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ثقة. فهذا

стр. 2275

إسناد صحيح كما ترى، وفيه التصريح بأن النبي ﷺ رتب الفوائت في القضاء؛ الأولى فالأولى. وقد قدمنا أن أفعاله المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب على الأصح، وأن ذلك يعتضد بحديث مالك بن الحويرث الثابت في الصحيح: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضًا الإمام أحمد. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني أيضًا: عن ابن سيد الناس اليعمري: إن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا هنَّاد، عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا النبي ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء اهـ. أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة قال: حدثنا هشام: أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير: أن أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فلما انصرف المشركون أمر رسول الله ﷺ مناديًا فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم" اهـ.

стр. 2276

وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضًا. قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: إن إسناده لا بأس به. قال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف؛ لأن راويه عنه ابنه أبو عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث أبي سعيد الذي قدمنا آنفًا أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج به ولو لم يعتضد بغيره. واعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها؛ لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وبه تعلم أن ما ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق. تنبيه اعلم أن الأئمة الأربعة وأصحابهم وجماهير فقهاء الأمصار: على أن من نسي صلاة أو أنام عنها قضاها وحدها ولا تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه: (باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة) وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ قال موسى: قال

стр. 2277

همام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي ﷺ مثله اهـ. وقال في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث وترجمته قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: "لا كفارة لها، إلا ذلك" فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى منه. فإن قيل: جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه: ثم قال: يعني النبي ﷺ : "أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى؛ فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" اهـ. فقوله في هذا الحديث: "فإذا كان الغد ... إلخ" يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين: الأولى عند ذكرها، والثانية: عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال: وأما قوله ﷺ : "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول. وليس معناه أنه

стр. 2278

يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا الذي فسَّر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه: "فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحًا فليقض معها مثلها" اهـ. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم. وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكورة ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا؛ بل عدوا الحديث غلطًا من راويه. حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : "لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" اهـ كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدًا تكاسلًا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها: هل يجب عليه قضاؤها أو

стр. 2279

لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره. فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه. واعلم أولًا أن الكافر تارة يكون كافرًا أصليًّا لم يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافرًا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلمًا. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقد أسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير فلم يأمر أحدًا منهم بقضاء شيء فائت وقت (١) كفره. وأما المرتد؛ ففيه خلاف بين العلماء معروف. قال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن إسلامه قبل ردته؛ لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذًا بالله تعالى؛ وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول؛ فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾. وقال بعض أهل العلم: يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام؛ لأن الردة لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ

стр. 2280

حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. ﴾ الآية، فجعل الموت على الكفر شرطًا في حبوط العمل. وبالأول قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ومن وافقه. وهما روايتان عن الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجرى على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضًا في وجوب القضاء عليه. اعلم أولًا أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت، ولابد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقًا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم: الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة. والثاني: كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه؛ لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه. وهذا القول صدر به ابن قدامة في روضة الناظر، وعزاه هو
следующие страницы →