← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضًا. قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: إن إسناده لا بأس به. قال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف؛ لأن راويه عنه ابنه أبو عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث أبي سعيد الذي قدمنا آنفًا أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج به ولو لم يعتضد بغيره. واعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها؛ لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وبه تعلم أن ما ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق. تنبيه اعلم أن الأئمة الأربعة وأصحابهم وجماهير فقهاء الأمصار: على أن من نسي صلاة أو أنام عنها قضاها وحدها ولا تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه: (باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة) وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ قال موسى: قال

стр. 2277

همام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي ﷺ مثله اهـ. وقال في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث وترجمته قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: "لا كفارة لها، إلا ذلك" فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى منه. فإن قيل: جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه: ثم قال: يعني النبي ﷺ : "أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى؛ فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" اهـ. فقوله في هذا الحديث: "فإذا كان الغد ... إلخ" يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين: الأولى عند ذكرها، والثانية: عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال: وأما قوله ﷺ : "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول. وليس معناه أنه

стр. 2278

يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا الذي فسَّر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه: "فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحًا فليقض معها مثلها" اهـ. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم. وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكورة ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا؛ بل عدوا الحديث غلطًا من راويه. حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ : "لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" اهـ كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدًا تكاسلًا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها: هل يجب عليه قضاؤها أو

стр. 2279

لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره. فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه. واعلم أولًا أن الكافر تارة يكون كافرًا أصليًّا لم يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافرًا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلمًا. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقد أسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير فلم يأمر أحدًا منهم بقضاء شيء فائت وقت (١) كفره. وأما المرتد؛ ففيه خلاف بين العلماء معروف. قال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن إسلامه قبل ردته؛ لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذًا بالله تعالى؛ وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول؛ فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾. وقال بعض أهل العلم: يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام؛ لأن الردة لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ

стр. 2280

حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. ﴾ الآية، فجعل الموت على الكفر شرطًا في حبوط العمل. وبالأول قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ومن وافقه. وهما روايتان عن الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجرى على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضًا في وجوب القضاء عليه. اعلم أولًا أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت، ولابد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقًا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم: الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة. والثاني: كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه؛ لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه. وهذا القول صدر به ابن قدامة في روضة الناظر، وعزاه هو

стр. 2281

والغزالي في المستصفى إلى بعض الفقهاء. وذهب جمهور أهل الأصول إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت، واستدلوا لذلك بقاعدة وهي: أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة. قالوا: فتخصيصه الصلوات بأوقاتها المعينة، والصوم برمضان مثله، كتخصيص الحج بعرفات، والزكاة بالمساكين، والصلاة بالقبلة، والقتل بالكافر ونحو ذلك. واعلم أن الذين قالوا: إن الأمر لا يستلزم القضاء، وهم الجمهور؛ اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة عمدًا على قولهم: إن تاركها غير كافر، فذهب جمهورهم إلى وجوب إعادتها، قالوا: نحن نقول: إن القضاء لابد له من أمر جديد، ولكن الصلاة المتروكة عمدًا جاءت على قضائها أدلة، منها: قياس العامد على الناسي والنائم، المنصوص على وجوب القضاء عليهما، قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم، والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى، وقال النووي في شرح المهذب: ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يومًا مع الكفارة، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدًا. رواه البيهقي بإسناد جيد، وروى أبو داود نحوه. انتهى كلام النووي. ومن أقوى الأدلة على وجوب القضاء على التارك عمدًا عموم

стр. 2282

الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة "الإسراء" الذي قال فيه النبي ﷺ : "فدين الله أحق أن يقضى"، فقوله: "دين الله" اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ .. ﴾ الآية، فهو عام في كل نعمة. ولا شك أن الصلاة المتروكة عمدًا دين لله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ولا معارض لهذا العموم. وقال بعض أهل العلم: ليس على التارك الصلاة عمدًا قضاء؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التارك عمدًا. وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية ﵀. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: والأمر لا يستلزم القضاءَا ... بل هو بالأمر الجديد جاءا لأنه في زمن معين ... يجي لما عليه من نفع بُني وخالف الرازي إذ المركبُ ... لكلِّ جزء حكمه ينسحبُ تنبيه سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة أنها تجاذبها أصلان مختلفان؛ فنظرت كل طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين: أحدهما: الأمر بالمركب أمر بأجزائه؛ وإليه نظر الحنفية ومن وافقهم. والثاني: الأمر بالعبادة في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بالوقت المذكور، وإليه نظر الجمهور. ومثل هذا من الأشياء التي تكون سببًا للاختلاف في المسألة كما أشار له الشيخ

стр. 2283

ميارة في التكميل بقوله: وإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان • قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنات عدن. ثم بين أن وعدَه مأتي؛ بمعنى أنهم يأتونه وينالون ما وعدوا به؛ لأنه جل وعلا لا يخلف الميعاد. وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ .. ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿مَأْتِيًّا (٦١)﴾ اسم مفعول "أتاه" إذا جاءه. والمعنى: أنهم لابد أن يأتون ما وعدوا به. خلافًا لمن زعم أن ﴿مَأْتِيًّا (٦١)﴾ صيغة مفعول أريد بها الفاعل؛ أي كان وعده آتيًا، إذ لا داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية.

стр. 2284

تنبيه مثَّل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل؛ وهو بدل الكل من البعض، قالوا: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بدل من الجنة في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ بدل كل من بعض. قالوا: ومن أمثلة بدل الكل من البعض قوله: رحم الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات "فطلحة" بدل من قوله "أعظمًا" بدل كل من بعض. وعليه فأقسام البدل ستة: بدل الشيء من الشيء. وبدل البعض من الكل. وبدل الكل من البعض. وبدل الاشتمال. وبدل البداء. وبدل الغلط. قال مقيده -عفا الله عنه-: ولا يتعين عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كل من بعض، بل يجوز أن يكون بدل الشيء من الشيء؛ لأن الألف واللام في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ للجنس، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنات، فيكون قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بدلًا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ لأن المراد بالأول الجمع كما تقدم كثير من أمثلة ذلك. والأعْظُم في البيت كناية عن الشخص، "فطلحة" بدل منه بدل الشيء من الشيء؛ لأنهم لم يدفنوا الأعْظُم وحدها بل دفنوا الشخص المذكور جميعه، أعظمه وغيرها من بدنه، وعبر هو عنه بالأعظم. • قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ .

стр. 2285

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي في الجنات المذكورة ﴿لَغْوًا﴾ أي كلامًا تافهًا ساقطًا كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤبة وقيل العجاج: ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم كما تقدم في سورة "المائدة". والظاهر أن قوله: ﴿إلا سَلَمًا﴾ استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلامًا؛ لأنهم يسلم بعضهم على بعض. وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿تَحِيُّهُم فِيها سَلَام (٢٣) .. ﴾ الآية وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ. ... (٢٤)﴾ الآية. كما تقدم مستوفى. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضًا كقوله في "الواقعة": ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ.. ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾، وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان:

стр. 2286

وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد إلَّا الأواريّ لأيًا ما أُبَيُّنها ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومة الجَلَد "فالأواري" التي هي مرابط الخيل ليست من جنس "الأحد". وقول الفرزدق: وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنان وعامله وقول جران العود: وبلدةٍ ليس بها أنيسٌ ... إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ "فالسنان" ليس من جنس "الخاطب" و"اليعافير والعيس" ليس واحد منهما من جنس"الأنيس". وقول ضرار بن الأزور: أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ... ولله بالعبد المجاهد أعلم عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النيل إلَّا المشرفي المصمم وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين، خلافًا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشَّافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلًا حتَّى يخرج بالاستثناء. تنبيهات الأول: اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل؛ وإن اختل

стр. 2287

واحد منهما فهو منقطع. الأول: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلَّا زيدًا؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلَّا حمارًا. الثاني: أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثني منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس، ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا؛ فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وإنَّما كان منقطعًا في الآيتين؛ لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ هو: يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: كلوها بالباطل، ولم يحكم له في المستثنى. فتحصَّل أن انقطاع الاستثناء قسمان؛ أحدهما: بالحكم على غير جنس المستثنى منه؛ كقولك: رأيت أخويك إلَّا ثوبًا. الثاني: بالحكم بغير النقيض؛ نحو: رأيت أخويك إلَّا زيدًا لم يسافر. التنبيه الثاني: اعلم أنَّه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية؛ فلو أقر رجل لآخر فقال له: علَيَّ

стр. 2288

ألف دينار إلَّا ثوبًا؛ في القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله: "إلَّا ثوبًا" لغوًا وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يُلغى قوله: "إلَّا ثوبًا" وتسقط قيمة الثوب من الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين: أحدهما: أنَّه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته. والثاني: أن فيه إضمارًا؛ أي حذف مضاف، يعني: إلَّا قيمة ثوب. فمن قال: يقدم المجاز على الإضمار قال: "إلَّا ثوبًا" مجاز، أطلق الثوب وأراد القيمة؛ كإطلاق الدم على الدية. ومن قال: يقدم الإضمار على المجاز، قال: "إلَّا ثوبًا" أي: إلَّا قيمة ثوب. واعتمد صاحب مراقي السعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله: وبعد تخصيص مجاز فَيَلي ... الإضمار فالنقل على المعول ومعنى البيت: أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل؛ مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليلٌ مخَصِّص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنَّه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد البعض؛ فيقدم التخصيص لأمرين: أحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز. الثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبًا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة. ومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنًّا: أنت أبي،

стр. 2289

يحتمل أنَّه مجاز مرسل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق؛ لأن الأَبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار؛ أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. في الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته: المسألة التي نحن بصددها. ومثال تقديم الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يحتمل الإضمار؛ أي: أَخْذ الرِّبَا وهو الزِّيادة في بيع درهم بدرهمين مثلًا. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم بالدرهم. ويحتمل نقل الرِّبَا إلى معنى العقد؛ فيمتنع عقد بيع الدرهم بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلابد من عقد جديد مطلقًا. قال مقيده -عفا الله عنه-: وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في "له علي ألف دينارًا إلَّا ثوبًا" وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا؛ لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا إنها معبر عنها بلفظ الثوب. التنبيه الثالث: اعلم أن الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي؛ لأن الذين منعوه لم يمنعوه بالكلية، وإنَّما قالوا: إنه ليس من الاستثناء الحقيقي؛ لأن أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلَّا الاستثناء. وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول: إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندمًا من المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به قيل: إنها نسبة تواطؤ. وقيل: إنها من

стр. 2290

قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله: والحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكم قبل متصل وغيره منقطع ورجحا ... جوازه وهو مجازًا وَضُحا فَلْتنمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندم وقيل بالحذف لدى الإقرار ... والعقدُ معنى الواو فيه جار بِشِرْكَةٍ وبالتواطي قالا ... بعضٌ وأوجب فيه الاتصالا وما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾ منقطع هو الظاهر. وقيل: هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان: ولا عيب فيهم غير أن سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائب وقول الآخر: فما يك فيّ من عيبٍ فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل وعلى هذا القول فالآية كقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة "براءة". وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشيّ، مع

стр. 2291

أن الجنَّةَ ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: الأول: أن المراد بالبكرة والعشيّ قدر ذلك من الزمن، كقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرُ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: قدر شهر. ورُويَ معنى هذا عن ابن عبَّاس، وابن جريج وغيرهما. الجواب الثاني: أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغِّبة لهم وإن كان ما في الجنَّةِ أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قَتَادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. الجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشيّ، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحًا ومساء، وبكرة وعشيًّا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين. الجواب الرابع: أن تكون البكرة هي الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي: هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول. الجواب الخامس: هو ما رواه التِّرمِذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: "وما يهيجك على هذا"؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ ققلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله ﷺ : "ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على

стр. 2292

الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة" انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في تفسيره. وقال القرطبي بعد أن نقل هذا: وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ثم قال: وقال العلماء ليس في الجنَّة ليل ولا نهار، وإنَّما هو في نور أبدًا، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحُجُب، وإغلاق الأَبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأَبواب؛ ذكره أَبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما اهـ منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم التِّرمِذي عن الحسن وأبي قلابة عن النبي ﷺ راجع إلى الجواب الأول. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ . الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ .. ﴾ الآية، وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه يورث المتقين من عباده جنته. وقد بين هذا المعنى أيضًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) -إلى قوله- أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣). ... ﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات،

стр. 2293

ومعنى إيراثهم الجنَّة: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور، قال الزمخشري في الكشاف: نورث أي نبقي عليه الجنَّة كما نبقي على الوارث مال الموروث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنَّة. فإذا أدخلهم الجنَّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. اهـ. وقال بعض أهل العلم: معنى إيراثهم الجنَّة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، فإذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، أراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله؛ ليزداد سرورهم وغبطتهم، وعند ذلك يقولون: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا ... ﴾ الآية. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنَّة لو آمنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنَّة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنَّة لأهل الجنَّة فيرثون منازل أهل النار في الجنَّة. وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، إلَّا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنَّة يرثون من الجنَّة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنَّة إلَّا ما أورثوا من منازل أهل النار، والواقع بخلاف

стр. 2294

ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة: "كل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكر. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لولا أن الله هداني فيكون عليه حسرة" اهـ. وعَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة، وقال شارحه المناوي: قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح اهـ. • قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ . قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية في أُبيّ بن خلف، وجد عظامًا بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت! قاله الكلبي، وذكره الواحدي والثعلبي. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وهو قول ابن عبَّاس. وقيل: نزلت في العاص بن وائل. وقيل: في أبي جهل، وعلى كل واحد من هذه الأقوال (١) فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس؛ لأن من الأساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي: (فإن قَتَلُوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مرارًا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك

стр. 2295

قول الفرزدق: فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنَّه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء، وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة. وقد بين تعالى في هذه الآية: أن هذا الإنسان الكافر يقول منكرًا البعث: أئذا مت لسوف أخرج حيًّا؟ زعمًا منه أنَّه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ يعني: أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئًا، بل كان عدمًا فأوجدناه، وإيجادنا له المرة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى. وهذا البرهان الذي أشار له هنا قد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة "البقرة، والنحل" وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ .. ﴾ الآية وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ .. ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم

стр. 2296

إيضاحه. وفي الحديث الصحيح الذي يرويه ﷺ عن ربه: "يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق أهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحدُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد". فإن قيل: أين العامل في الظرف الذي هو "إذا" فالجواب: أنَّه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج حيًّا إذا ما مت، أي: حين يتمكَّن في الموت والهلاك أخرج حيًّا. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل: لم لا تقول بأنه منصوب ب ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكور في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ على العادة المعروفة، من أن العامل في "إذا" هو جزاؤها؟ فالجواب: أن لام الابتداء في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية. فلا يجوز أن تقول: اليوم لزيد قائم؛ تعني لزيد قائم اليوم. وما زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو "سوف" مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضًا، حتَّى إنه على قراءة طلحة بن مصرف "أئذا ما مت سأخرج حيًّا" بدون اللام يمتنع نصب "إذا" بـ ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكورة؛ فهو خلاف التحقيق. والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر: فلما رأته آمنا هان وجدها ... وقالت أَبونا هكذا سوف يفعل فقوله: "هكذا" منصوب بقوله: "يفعل" كما أوضحه أَبو حيان

стр. 2297

في البحر. وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله: "إذا" منصوب بقوله: "أخرج" لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله. تنبيه فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب: أن اللام هنا جردت من معنى الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط. ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أَبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطى معنى الحال، وعلى قوله يسقط الإشكال من أصله. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ . لما أقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة، أنَّه يحشرهم أي الكافرين المنكرين للبعث وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثيًّا. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ على أحد التفسيرات. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ

стр. 2298

فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾. وأما إحضارهم حول جهنم جثيًّا فقد أشار له في قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جِثِيًّا﴾، جمع جاث. والجاثي اسم فاعل جثا يجثو جثوًا. وجثى يجثي جثيًّا: إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب: أنهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر شديد، جثوا على ركبهم، ومنه قول بعضهم: فمن للحماة ومن للكماة ... إذا ما الكماة جثوا للركب إذا قيل مات أَبو مالك ... فتى المكرمات قريع العرب وكون معنى قوله: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الآية: أنَّه جثيهم على ركبهم هو الظاهر، وهو قول الأكثر، وهو الإطلاق المشهور في اللغة؛ ومنه قول الكميت: هم تركوا سَرَاتهم جثيًّا ... وهم دون السراة مقرَّنينا وعن ابن عبَّاس في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ أن معناه جماعات. وعن مقاتل ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾، : أي جمعًا جمعًا، وهو على هذا القول جمع "جثوة" مثلثة الجيم، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع. فأهل الخمر يحضرون حول جهنم على حدة، وأهل الزنى على حدة؛ وأهل السرقة على حدة، وهكذا. ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلقته: ترى جُثْوتين من ترابٍ عليهما ... صفائحُ صمّ من صفيح منضَّد

стр. 2299

هكذا قال بعض أهل العلم. ولكنه يرد عليه أن "فعلة" كجثوة لم يعهد جمعها على "فعول" كجثى. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ بكسر الجيم إتباعًا للكسرة بعده وقرأ الباقون: (جُثِيًّا) بضم الجيم على الأصل. • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ . قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنستخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: من كل أمة أهل دين واحد. وأصل الشيعة فِعْلة كفرقة، وهي الطائفة التي شاعت غيرها أي: تبعته في هدى أو ضلال؛ تقول العرب: شاعه شياعًا: إذا تبعه. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ أي: لنستخرجن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، والإضلال والضلال. وهذا هو الظاهر في معنى الآية الكريمة: أن الرؤساء القادة في الكفر يعذبون قبل غيرهم ويشدد عليهم العذاب لضلالهم وإضلالهم. وقد جاءت آيات من كتاب الله تعالى تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ولأجل هذا كان في أمم النار أولى وأخرى.

стр. 2300

فالأولى: التي يبدأ بعذابها وبدخولها النار. والأخرى التي تدخل بعدها على حسب تفاوتهم في أنواع الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿قَال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ يعني: أنَّه جل وعلا أعلم بمن يستحق منهم أن يصلى النار، ومن هو أولى بذلك. وقد بين أن الرؤساء والمرءوسين كلهم ممن يستحق ذلك في قوله: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ .. ﴾ الآية، والصِّلِي مصدر صَلِي النار كرضي يصلاها صِلِيًّا -بالضم والكسر- إذا قاسى ألمها، وباشر حرها. واختلف العلماء في وجه رفع "أي" مع أنَّه منصوب؛ لأنه مفعول ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ فذهب سيبويه ومن تبعه إلى أن لفظة "أي" موصولة، وأنها مبنية على الضم إذا كانت مضافة وصدر صلتها ضمير محذوف كما هنا. وعقده ابن مالك في الخلاصة بقوله: أيٌّ كما وأُعْرِبت ما لم تُضَف ... وصدْرُ وصلها ضميرٌ انحَذَف وبعضُهم أعربَ مطلقًا .. إلخ. ويدل على صحة قول سيبويه ﵀ قول غسان بن وعلة: إذا ما لقيتَ بني مالك ... فسلِّم على أيُّهم أفضل

стр. 2301

والرواية بضم "أيهم"، وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في "أي" المذكورة. فقال الخليل: إنها في الآية استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال فيه: أيهم أشد؛ وأنشد الخليل لهذا المعنى الذي ذهب إليه قول الشاعر: ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزل ... فأبيتُ لا حَرِج ولا محروم أي: فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. وأما يونس فذهب إلى أنَّها استفهامية أيضًا؛ لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب، واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسان بن وعلة المذكور آنفًا؛ لأن الرواية فيه بضم ﴿أَيُّهُمْ﴾ مع أن حروف الجر، لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلق على الأصوب، وإن خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من أن جميع النحويين غلَّطوا سيبويه في قوله هذا في "أي" في هذه الآية الكريمة = خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائى وحفص ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين. و ﴿صِلِيًّا (٧٠)﴾ بكسر الصاد للإتباع. وقرأ الباقون بالضم فيهما على الأصل. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ . اختلف العلماء في المراد بورود النار في هذه الآية الكريمة على أقوال: الأول: أن المراد بالورود الدخول، ولكن الله يصرف أذاها

стр. 2302

عن عباده المتقين عند ذلك الدخول. الثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط؛ لأنه جسر منصوب على متن جهنم. الثالث: أن الورود المذكور هو الإشراف عليها والقرب منها. الرابع: أن حظ المؤمنين من ذلك الورود هو حر الحمى في دار الدنيا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائي على عدم خروجه من معنى الآية. وقد قدمنا أمثلة لذلك. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن ابن عبَّاس ﵄ استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل الذي ذكرنا أنَّه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك. وإيضاحه: أن ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كل واحدة منها الدخول. فاستدل بذلك ابن عبَّاس على أن الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول، لدلالة الآيات الأخرى على ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ قال: فهذا ورود دخول، وكقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ فهو ورود دخول أيضًا، وكقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ وبهذا استدل ابن عبَّاس على نافع بن الأزرق في أن الورود الدخول.

стр. 2303

واحتج من قال بأن الورود: الإشراف والمقاربة بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ... ﴾ الآية. قال: فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوْا وَارِدَهُمْ ... ﴾ الآية. ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: فلما وردن الماء زرقًا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم قالوا: والعرب تقول: وردت القافلة البلد وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتج من قال بأن الورود في الآية التي نحن بصددها؛ ليس نفس الدخول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدل على عدم دخولهم فيها؛ فالورود غير الدخول. واحتج من قال: بأن ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين -حر الحمى في دار الدنيا- بحديث: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر ورافع بن خديج ﵃. ورواه البخاريّ أيضًا مرفوعًا عن ابن عبَّاس. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول أدلة: الأول: هو ما ذكره ابن عبَّاس ﵄ من أن جميع ما في القرآن من ورود النار معناه دخولها غير محل النزاع، فدل ذلك على أن محل النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني: هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك، وهي أنَّه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم

стр. 2304

سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ بيَّن مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ أي: نترك الظالمين فيها؛ دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ونذر الظالمين فيها؛ بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنَّه هلكة، ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. الدليل الثالث: ما روى من ذلك عن النبي ﷺ ، قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أخرج أحمد وعبد بن حميد، والحكيم التِّرمِذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله ﵄ فذكرت له ذلك فقال وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلَّا دخلها: فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتَّى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا" اهـ. وقال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في هذا الحديث: رواه أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد قالوا: حدَّثنا سليمان بن حرب، وأخرجه أَبو يعلى والنَّسائي في الكنى، والبيهقي في الشعب في باب النار، والحكيم في

стр. 2305

النوادر، كلهم من طريق سليمان قال: حدَّثنا أَبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فسألنا جابرًا فذكر الحديث أتم من اللفظ الذي ذكره الزمخشري. وخالفهم كلهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال عن سمية الأزدية عن عبد الرحمن بن شيبة بدل أبي سمية عن جابر اهـ. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال الإمام أحمد: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا في الورود فقال: يدخلونها جميعًا .. ثم ذكر الحديث المتقدم. ثم قال ابن كثير ﵀: غريب ولم يخرجوه. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الظاهر أن الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأن طبقته الأولى: سليمان بن حرب، وهو ثقة إمام حافظ مشهور. وطبقته الثانية: أَبو صالح أو أَبو سلمة غالب بن سليمان العتكي الجهضمي الخراساني أصله من البصرة، وهو ثقة. وطبقته الثالثة: كثير بن زياد أَبو سهل البرساني بصري نزل بلخ، وهو ثقة. وطبقته الرابعة: أَبو سمية وقد ذكره ابن حبان في الثقات، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب، وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال هذا الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عبَّاس، وآثار جاءت عن علماء السلف ﵃ كما ذكره ابن كثير عن

стр. 2306

خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة ﵁، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول. وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها. فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية الكريمة. وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح جهنم" بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) -إلى أن قال- وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى. والقراءة في قوله تعالى: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ كما قدمنا في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ قرأه الكسائي بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأه الباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب أن جماعة رووا عن ابن مسعود: أن ورود النار المذكور في الآية هو المرور عليها؛ لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم. وأن الحسن وقَتَادة رُوي عنهما نحو ذلك أيضًا. ورُوي عن ابن مسعود أيضًا مرفوعًا: أنهم يردونها جميعًا ويُصَدُّون عنها بحسب أعمالهم. وعنه أيضًا

стр. 2307

تفسير الورود بالوقوف عليها. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ يعني أن ورودهم النار المذكور كان حتمًا على ربك مقضيًّا، أي: أمرًا واجبًا مفعولًا لا محالة، والحتم: الواجب الذي لا محيد عنه. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: عبادك يخطئون وأنت رب ... يكفيك يكفيك المنايا والحتوم فقوله: "والحتوم" جمع حتم، يعني الأمور الواجبة التي لابد من وقوعها. وما ذكره جماعة من أهل العلم من أن المراد بقوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ قسمًا واجبًا، كما رُوي عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقَتَادة وغيرهم؛ لا يظهر كل الظهور. واستدل من قال: إن في الآية قسمًا بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين. قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا علي، حدَّثنا سفيان قال: سمعت الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلَّا تحلة القسم" قال أَبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ اهـ. وقال مسلم في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلَّا تحِلّة القسم". حدَّثنا أَبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا: حدَّثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا عبد بن حميد، وابن رافع، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما عن الزُّهْريّ بإسناد مالك، وبمعنى حديثه إلَّا أن في

стр. 2308

حديث سفيان: "فيلج النار إلَّا تحلة القسم" اهـ. قالوا: المراد بالقسم المذكور في هذا الحديث الصحيح هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في قوله: قال أَبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. والذين استدلوا بالحديث المذكور على أن الآية الكريمة قسمًا اختلفوا في موضع القسم من الآية، فقال بعضهم: هو مقدر دل عليه الحديث المذكور، أي: والله وإن منكم إلَّا واردها. وقال بعضهم: هو معطوف على القسم قبله، والمعطوف على القسم قسم، والمعنى: فوربك لنحشرنهم والشياطين وربك إن منكم إلَّا واردها، وقال بعضهم: القسم المذكور مستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ أي قسمًا واجبًا كما قدمناه عن ابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، وقَتَادة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبتّ من السياق؛ فإن قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ وهذا بمنزلة القسم في تأكيد الإخبار. بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنفي والإثبات. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن الآية ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه. وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه لا يتعين منه أن في الآية قسمًا؛ لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة

стр. 2309

الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلًا. يقولون: ما فعلت كذا إلَّا تحلة القسم، يعنون إلَّا فعلًا قليلًا جدًا قدر ما يحلل به الحالف قسمه. وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته: تَخْذِي على يَسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ ... ذوابلٌ مَسُّهُنَّ الأرضَ تحليلُ يعني: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلَّا قدر تحليل القسم، ومعلوم أنَّه لا يمين من ناقته أنَّها تمس الأرض حتَّى يكون ذلك المس تحليلًا لها كما ترى. وعلى هذا المعنى المعروف: فمعنى قوله ﷺ "إلَّا تحلة" أي: لا يلج النار إلَّا ولوجًا قليلًا جدًا لا ألم فيه ولا حر، كما قدمنا في حديث جابر المرفوع. وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسمًا قول من قال: إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾، لأن الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك. أما قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضًا، ومحتمل للاستئناف. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿خَيرٌ مَقَامًا﴾ قرأه ابن كثير بضم الميم. والباقون بفتحها. وقوله: ﴿وَرِئْيًا (٧٤)﴾ قرأه قالون وابن ذكوان "ورِيّا" بتشديد الياء من غير همز. وقرأه الباقون بهمزة

стр. 2310

ساكنة بعد الراء وبعدها ياء مخففة. ومعنى الآية الكريمة: أن كفار قريش كانوا إذا يتلوا عليهم رسول الله ﷺ وأصحابه آيات هذا القرآن، في حال كونها بينات أي مرتلات الألفاظ، واضحات المعاني، بينات المقاصد، إما محكمات جاءت واضحة، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول ﷺ قولًا أو فعلًا، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها، أو حججًا وبراهين. والظاهر أن قوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال مؤكدة؛ لأن آيات الله لا تكون إلَّا كذلك. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ أي: إذا تُتلى عليهم آيات الله في حال كونها متصفة بما ذكرنا عارضوها واحتجوا على بطلانها، وأن الحق معهم لا مع من يتلوها، بشبهة ساقطة لا يحتج بها إلَّا من لا عقل له. ومضمون شبهتهم المذكورة: أنهم يقولون لهم: نحن أوفر منكم حظًّا في الدنيا، فنحن أحسن منكم منازل، وأحسن منكم متاعًا، وأحسن منكم منظرًا، فلولا أننا أفضل عند الله منكم لما آثرنا عليكم في الحياة الدنيا، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم. فقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا﴾ أي. نحن وأنتم أينا خير مقامًا. والمقام على قراءة ابن كثير بضم الميم محل الإقامة، وهو المنازل والأمكنة التي يسكنونها. وعلى قراءة الجمهور فالمقام -بفتح الميم- مكان القيام وهو موضع قيامهم وهو مساكنهم ومنازلهم. وقيل: وهو موضع القيام بالأمور الجليلة. والأول هو الصواب.

стр. 2311

وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ أي: مجلسًا ومجتمعًا. والاستفهام في قوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ﴾ الظاهر أنَّه استفهام تقرير؛ ليحملوا به ضعفاء المسلمين الذين هم في تقشف ورثاثة هيئة على أن يقولوا أنتم خير مقامًا وأحسن نديًا منا. وعلى كل حال فلا خلاف أن مقصودهم بالاستفهام المذكور أنهم -أي كفار قريش- خير مقامًا وأحسن نديًّا من أصحاب النبي ﷺ ، وأن ذلك هو دليلهم على أنهم على الحق، وأنهم أكرم على الله من المسلمين. وما في التلخيص وشروحه من أن السؤال بـ ﴿أَيُّ﴾ في الآية التي نحن بصددها سؤال بها عما يميز أحد المشتركين في أمر يعمهما كالعادة في "أي"؛ غَلَطٌ منهم؛ لأنهم فسروا الآية الكريمة بغير معناها الصحيح. والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى. واستدلالهم هذا بحظهم في الحياة الدنيا على حظهم يوم القيامة، وأن الله ما أعطاهم في الدنيا إلَّا لمكانتهم عنده، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم = ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾، وقوله: ﴿قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا

стр. 2312

مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فكل هذه الآيات دالة على أنهم لجهلهم يظنون أن الله لم يعطهم نصيبًا من الدنيا إلَّا لرضاه عنهم، ومكانتهم عنده، وأن الأمر في الآخرة سيكون كذلك. وقد أبطل الله تعالى دعواهم هذه في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ والمعنى: أهلكنا قرونًا كثيرة، أي: إنما كانت قبلهم وهم أكثر نصيبًا في الدنيا منهم، فما منعهم ما كان عندهم من زينة الدنيا ومتاعها من إهلاك الله إياهم لما عصوا وكذبوا رسله، فلو كان الحظ والنصيب في الدنيا يدل على رضا الله والمكانة عنده، لما أهلك الذين من قبلكم، الذين هم أحسن أثاثًا ورئيًا منكم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَمْ﴾ هي الخبرية، ومعناها الإخبار بعدد كثير، وهي في محلِّ نصب على المفعول به لأهلكنا، أي: أهلكنا كثيرًا. و ﴿مِنْ﴾ مبينة لـ ﴿وَكَمْ﴾ وكل أهل عصر قَرْن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. قيل: سموا قرنًا لاقترانهم في الوجود. والأثاث: متاع البيت. وقيل: هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى "الخُرْثيّ" بضم الخاء وسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطوسي قول الشاعر: تقادم العهد من أم الوليد بنا ... دهرًا وصار أثاث البيت خُرْثيّا والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع

стр. 2313

البيت مطلقًا. قال الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشًا، قاله الجوهري عن أبي زيد. وقوله: ﴿وَرِئْيًا (٧٤) ﴾ على قراءة الجمهور مهموزًا، أي: أحسن منظرًا وهيئة، وهو فعل بمعنى مفعول من رأى البصرية. والمراد به الذي تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم الحسن. وأنشد أَبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي في هذا المعنى قوله: أشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الرِّئي الجميل من الأثاث وعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز. فقال بعض العلماء: معناه معنى القراءة الأولى، إلَّا أن الهمزة أبدلت ياء فأدغمت في الياء. وقال بعضهم: لا همز على قراءتهما أصلًا بل عليها (١) فهو من الرِّي الذي هو النعمة والترَفُّه، من قولهم: هو ريَّان من النعيم، وهي رَيًّا منه. وعلى هذا فالمعنى أحسن نعمة وترَفّها. والأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم. والآيات التي أبطل الله بها دعواهم هذه كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) ﴾؛ وقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ

стр. 2314

بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وقد قدمنا شيئًا من ذلك. وقول الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام والندي: أن المقام هو محل السكنى الخاص لكل واحد منهم. والندي محل اجتماع بعضهم ببعض، فإذا كان كل منهما للكفار أحسن من نظيره عند المسلمين دل ذلك على أن نصيبهم في الدنيا أوفر من نصيب أصحاب النبي ﷺ في ذلك الوقت. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب والمقامات: جمع مقامة بمعنى المقام. والأندية: جمع ناد بمعنى الندي وهو مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فالنادي والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق: وما قام منا قائم في نديِّنا ... فينطق إلَّا بالتي هي أعرف وقوله تعالى هنا: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾. ومن إطلاقه على القوم قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾. ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة: لهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها والجملة في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾؛ قال الزمخشري:

стр. 2315

هي في محل نصب صفة لقوله: ﴿وَكَمْ﴾ ألا ترى أنك لو تركت لفظة ﴿هُمْ﴾ لم يكن لك بد من نصب ﴿أَحْسَنُ﴾ على الوصفية اهـ. وتابع الزمخشري أَبو البقاء على ذلك. وتعقبه أَبو حيان في البحر بأن بعض علماء النحو نصوا على أن ﴿وَكَمْ﴾ سواء كانت استفهامية أو خبرية لا توصف ولا يوصف بها. قال: وعلى هذا يكون ﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْنٍ﴾ وجمع نعت القرن اعتبارًا لمعنى القرن، وهذا هو الصواب عندي لا ما ذكره الزمخشري وأَبو البقاء. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ تلزمها ﴿مِنْ﴾ لتجردها من الإضافة والتعريف، إلَّا أنَّها محذوفة لدلالة المقام عليها. والتقدير: هم أحسن أثاثًا ورئيًا منهم، على حد قوله في الخلاصة: وأفعلَ التفضيلِ صِلْه أبدًا ... تقديرًا أو لفظًا بِمِن إن جُرَّدا فإن قيل: أين مرجع الضمير في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية؟ فالجواب: أنَّه راجع إلى الكفار المذكورين في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ ... ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ قاله القرطبي. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ . في معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء. وكلاهما يشهد له قرآن: الأول: أن الله جل وعلا أمر نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن
следующие страницы →