← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد عرف في تاريخ النبي ﷺ وأصحابه، أنهم كانوا يسعون في التقدم في جميع الميادين مع المحافظة على طاعة خالق السموات والأرض جل وعلا. وأظهر الأقوال عندي في معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ أن المعنى: أم أعطاه الله عهدًا أنه سيفعل له ذلك، بدليل قوله تعالى في نظيره في سورة "البقرة": ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. وخير ما يفسره به القرآن القرآن. وقيل: العهد المذكور: العمل الصالح. وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله. • قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيكتب ما قاله ذلك الكافر افتراء عليه، من أنه يوم القيامة يؤتى مالًا وولدًا مع كفره بالله، وأنه يمد له من العذاب مدًّا. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾: أي يزيده عذابًا فوق عذاب. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ أي نطول له من العذاب ما يستأهله؛ ونعذبه بالنوع الذي يعذب به المستهزئون، أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد، يقال: مده وأمده بمعنى. وتدل عليه قراءة علي بن أبي طالب ﵁: (ونُمِدّ له) بالضم وأكد ذلك بالمصدر. وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به

стр. 2347

من التعرض لما يستوجب غضبه اهـ. وأصل المدد لغة: الزيادة، ويدل لذلك المعنى قوله تعالى في أكابر الكفار الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾، وقوله في الأتباع والمتبوعين: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾. وقوله في هذه الآية: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من مال وولد، أي نسلبه منه في الدنيا ما أعطيناه من المال والولد بإهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه من المال والولد في الآخرة، ونجعله للمسلمين. ويدل للمعنى الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ ، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ كما تقدم إيضاحه في هذه السورة الكريمة. وقوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .. ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ كما تقدم إيضاحه. فإن قيل: كيف عبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بحرف التنفيس الدال على الاستقبال في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ مع أن ما يقوله الكافر يكتب بلا تأخير؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾؟. فالجواب: أن الزمخشري في كشافه تعرض للجواب عن هذا السؤال بما نصه: قلت فيه وجهان: أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا

стр. 2348

كتبنا قوله؛ على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي: إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تجدي من أن تقري بها بدًا أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، فجردها هنا لمعنى الوعيد اهـ منه بلفظه. إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكملته. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعددة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾؛ وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المتقدم

стр. 2349

ذكرهم في قوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) ﴾ اتخذوا من دون الله آلهة، أي معبودات من أصنام وغيرها يعبدونها من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزًّا؛ أي أنصارًا وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله؛ كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أفَلُوه بهم؛ وكقوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. فالشفاعة عند الله عز لهم (١) يزعمونه كذبًا وافتراء على الله؛ كما بينه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَلَّا﴾ زجر وردع لهم عن ذلك الظن الفاسد الباطل؛ أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون الله عزًّا لكم، بل تكون بعكس ذلك؛ فيكونون عليكم ضدًّا، أي أعوانًا عليكم في خصومتكم وتكذيبكم والتبرؤ منكم. وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا الذي ذكرنا؛ كقول ابن عباس: ﴿ضِدًّا﴾ أي أعوانًا. وقول الضحاك: ﴿ضِدًّا﴾ أي أعداء. وقول قتادة: ﴿ضِدًّا﴾ أي قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، وكقول ابن عطية: ﴿ضِدًّا﴾ يجيئهم منهم خلاف ما أملوه فيئول بهم ذلك إلى الذل والهوان، ضد ما أملوه من العز. وهذا المعنى الذي ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بينه أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ

стр. 2350

اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وضمير الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُوَنَ﴾ فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن؛ إلا أن لأحدهما قرينة ترجحه على الآخر. الأول: أن واو الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُوَنَ﴾ راجعة إلى المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله. أما العاقل منها فلا إشكال فيه. وأما غير العاقل فالله قادر على أن يخلق له إدراكًا يخاطب به من عبدوه ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينَنَا وَبَينَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن العابدين هم الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾، وقوله عنهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والقرينة المرجحة للوجه الأول: أن الضمير في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ راجع للمعبودات؛ وعليه فرجوع الضمير في: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾

стр. 2351

للمعبودات أظهر؛ لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. أما على القول الثاني: فإنه يكون ضمير: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للعابدين، وضمير: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ للمعبودين، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر. والعلم عند الله تعالى. وقول من قال من العلماء. إن ﴿كَلَّا﴾ في هذه الآية متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وأن المعنى: كلا سيكفرون، أي حقًّا سيكفرون بعبادتهم؛ محتمل، ولكن الأول أظهر منه وأرجح، وقائله أكثر. والعلم عند الله تعالى، وفي قوله: ﴿كَلَّا﴾ قراءات شاذة تركنا الكلام عليها لشذوذها. وقوله في هذه الآية: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ أفرد فيه العز مع أن المراد الجمع؛ لأن أصله مصدر على حد قوله في الخلاصة: ونعتوا بمصدرٍ كثيرا ... فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا والإخبار بالمصدر يجري على حكم النعت به. وقوله: ﴿ضِدًّا﴾ مفردًا أيضًا أريد به الجمع. قال ابن عطية: لأنه مصدر في الأصل؛ حكاه عنه أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: الضد العون، وحد توحيده قوله ﵇: "هم يد على من سواهم" لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. • قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ . قوله: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية: أي سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم؛ وهذا هو الصواب. خلافًا لمن زعم أن معنى: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية؛ أي خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من

стр. 2352

شرهم؛ يقال: أرسلت البعير أي خليته. وقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: الأز والهز والاستفزاز بمعنى، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج. فقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ أي تهيجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي. وأقوال أهل العلم في الآية راجعة إلى ما ذكرنا: كقول ابن عباس ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تغويهم إغواء. وكقول مجاهد ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تشليهم إشلاء. وكقول قتادة ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تزعجهم إزعاجًا. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه سلط الشياطين على الكافرين، وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع أخر من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ . قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ﴾ أي لا تستعجل وقوع العذاب بهم فإن الله حدد له أجلًا معينًا معدودًا، فإذا انتهى ذلك الأجل جاءهم العذاب. فقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ أي نعد الأعوام والشهور والأيام التي دون وقت هلاكهم، فإذا جاء الوقت المحدد لذلك

стр. 2353

أهلكناهم؛ والعرب تقول: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن هلاك الكفار حدد له أجل معدود ذكره في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ورُويَ أن المأمون قرأ هذه السورة الكريمة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار إلى ابن السماك أن يعظه. فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. والأظهر في الآية هو ما ذكرنا من أن العد المذكور عد الأعوام والأيام والشهور من الأجل المحدد. وقال بعض أهل العلم: هو عد أنفاسهم؛ كما أشار إليه ابن السماك في موعظته للمأمون التي ذكرنا إن صح ذلك. وعن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد: فراق أهلك، آخر العدد: دخول قبرك. وقال بعض أهل العلم: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ أي نعد

стр. 2354

أعمالهم لنجازيهم عليها، والظاهر هو ما قدمنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدًا. والوفد على التحقيق: جمع وافد كصاحب وصَحْب، وراكب ورَكْب. وقدمنا في سورة "النحل" أن التحقيق أن "الفَعْل" بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفًا، وبينا شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلًا في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَفْدًا (٨٥)﴾ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول: يحشرون ركبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك

стр. 2355

في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: ركبانًا. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي، عن سعيد، عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسًا عند علي ﵁ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد: عليها رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد .. ، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن عليًا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله ( ﷺ )؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق. بيض لها أجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور

стр. 2356

يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب؛ فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي؛ فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجدًا) فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخفّ الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه .. " إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁، وهو أشبه بالصحة. والله أعلم. وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من القبر فالظاهر أنهم يحشرون مشاة؛ بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي. والله تعالى أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ السَّوْق معروف. والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب. ولم يأت الإجرام في القرآن إلا من "أجرم" الرباعي على وزن "أفعل". ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول: جَرَم يجرم، كضرب يضرب؛ والفاعل منه جارم، والمفعول مجروم، كما هو ظاهر، ومنه قول عمرو بن

стр. 2357

البرَّاقة النِّهمي: وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وِرْدًا (٨٦)﴾ أي عطاشًا. وأصل الورد: الإتيان إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش أطلق هنا اسم الوِرْد على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش في الآخرة والدنيا. ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز يخاطب ناقته: رِدِي رِدِي وِرْدَ قطاةٍ صمَّا ... كُدْرِيَّةٍ أعجَبَها بَرْدُ المَا واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ فقيل منصوب بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾ بعده؛ أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين. واختاره أبو حيان في البحر. وقيل: منصوب بـ"اذكر" أو احذر مقدرًا. وفيه أقوال غير ذلك. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة "الزمر": ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾. • قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ

стр. 2358

عَهْدًا (٨٧)﴾. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع. قال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ المذكورين في قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي لا يملك المجرمون الشفاعة، أي لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب. وهذا الوجه من التفسير تشهد له آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ فالاستثناء منقطع و ﴿مَنِ﴾ في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يملكون الشفاعة، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكها الشافعون

стр. 2359

بما ذكرنا، ويستحقها به المشفوع لهم، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. وقال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ راجحة إلى "المتقين والمجرمين" جميعًا المذكورين في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾ وعليه فالاستثناء في قوله: ﴿إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: متصل. و ﴿مَنِ﴾ بدل من الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا وهم المؤمنون. والعهد: العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدخل في ذلك؛ أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الآية: أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الآية. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة. والعلم عند الله تعالى. وفي إعراب جملة ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ وجهان: الأول: أنها حالية؛

стр. 2360

أي: نسوق المجرمين إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون الشفاعة. أو نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهدًا. والثاني: أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية: أنه المحافظة على الصلوات الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة بن الصامت الذي قدمنا الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. وقال بعضهم: العهد المذكور: هو أن يقول العبد كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة؛ إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعًا ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة. انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعًا عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وليس فيه قوله: فإذا قال ذلك إلخ. وذكر صاحب الدر المنثور أيضًا: أن الحكيم الترمذي أخرج نحوه مرفوعًا عن أبي بكر الصديق ﵁. والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر لي أن العهد في الآية يشمل الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه. خلافًا لمن

стр. 2361

زعم أن العهد في الآية كقول العرب: عَهِد الأمير إلى فلان بكذا؛ أي أمره به. أي لا يشفع إلا من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحًا في المراد بالآية وإن كان صحيحًا في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ , وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى الآيات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ . قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر في القرآن لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أنه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكر أنه سيجعل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات ودًّا؛ أي محبة في قلوب عباده. وقد صرح في موضع آخر بدخول نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا العموم، وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآية. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل،

стр. 2362

ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يجب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض" اهـ. • قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إنما يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي العربي الكريم، ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء وهم الكفرة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر. أما ما ذكر فيها من تيسير هذا القرآن العظيم فقد أوضحه في مواضع أخر، كقوله في سورة "القمر" مكررًا لذلك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقوله في آخر "الدخان": ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾. وأما ما ذكر فيها من كونه بلسان هذا النبي العربي الكريم فقد ذكره في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وقوله تعالى. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 2363

وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة "الكهف" وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأظهر الأقوال في قوله: ﴿لُدًّا﴾ أنه جمع الألد، وهو شديد الخصومة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾، وقول الشاعر: أبيتُ نجيًّا للهموم كأنني ... أخاصم أقوامًا ذوي جدل لُدَّا • قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ . ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في هذه الآية الكريمة هي الخبرية، وهي في محل نصب لأنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾؛ و ﴿مِنَ﴾ هي المبينة لـ ﴿وَكَمْ﴾ كما تقدم إيضاحه. وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي هل ترى أحدًا منهم، أو تشعر به، أو تجده ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ أي صوتًا. وأصل الركز: الصوت الخفي؛ ومنه ركز الرمح: إذا غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومنه الركاز: وهو دفن جاهلي مغيب بالدفن في الأرض. ومن إطلاق الركز على الصوت قول لبيد في معلقته: فتوجست رِكْز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيسُ سَقامها وقول طرفة في معلقته: وصادقتا سَمْع التوجّس للسُّرى ... لرِكْز خفيٍّ أو لصوت مندد وقول ذي الرمة:

стр. 2364

إذا توجس رِكزًا مقفر ندس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ﴾ يراد به النفي. والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم الماضية فما ترى منهم أحد ولا تسمع لهم صوتًا. وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم؛ ذكر بعضه في غير هذا الموضع؛ كقوله في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾، وقوله فيهم: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. * * *

стр. 2365

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿طه (١)﴾ أظهر الأقوال فيه عندي: أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور، ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السور، جاءتا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة. أما الطاء ففي فاتحة "الشعراء": ﴿طسم (١)﴾ وفاتحة "النمل": ﴿طس﴾؛ وفاتحة "القصص" وأما الهاء ففي فاتحة "مريم" في قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾، وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أول سورة "هود" وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وقال بعض أهل العلم: قوله ﴿طه (١)﴾: معناه: يا رجل. قالوا: وهي لغة بني عك بن عدنان، وبني طيء، وبني عكل، قالوا: لو قلت لرجل من بني عك: يا رجل، لم يفهم أنك تناديه حتى تقول: طه، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي: دعوت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا ويروى: مزايلا؛ وقال عبد الله بن عمرو: معنى (طه) بلغة عك: يا حبيبي، ذكره الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيء، وأنشد ليزيد بن المهلهل: إن السفاهة طه في شمائلكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين

стр. 2366

ويروى: إن السفاهة طه من خلائقكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين وممن روى عنه أن معنى ﴿طه (١)﴾: يا رجل، ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله ﴿طه (١)﴾ يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة، والهمزة خففت بإبدالها ألفا كقول الفرزدق: راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هَناك المرتع (١) ثم بنى عليه الأمر والهاء للسكت. ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد عن الظاهر. وفي قوله: ﴿طه (١)﴾ أقوال أخر ضعيفة، كالقول بأنه من أسماء النبي ﷺ . والقول بأن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، يقول لنبيه: يا طاهرًا من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب إن شاء الله في الآية هو ما صدَّرْنا به، ودل عليه القرآن في مواضع أخر. • قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ .

стр. 2367

في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ وجهان من التفسير، وكلاهما يشهد له قرآن: الأول: أن المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى؛ أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم؛ وتحسرك على أن يؤمنوا. وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك. الوجه الثاني: أنه ﷺ صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فأنزل الله ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة؛ وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة. وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويفهم من قوله: ﴿لِتَشْقَى﴾ أنه أنزل عليه ليسعد؛ كما يدل له الحديث الصحيح: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم ﵁، عن النبي ﷺ : أن الله يقول للعلماء يوم القيامة: "إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي". وقال ابن كثير: إن إسناده جيد، ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ الآية. وأصل الشقاء في لغة

стр. 2368

العرب: العناء والتعب، ومنه قول أبي الطيب: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾. • وقوله تعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ . أظهر الأقوال فيه: أنه مفعول لأجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، أي إلا لأجل التذكرة لمن يخشى الله ويخاف عذابه. والتذكرة: الموعظة التي تلين لها القلوب؛ فتمتثل أمر الله، وتجتنب نهيه. وخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾. فالتخصيص المذكور في الآيات بمن تنفع فيهم الذكرى لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. وما ذكره هنا من أنه ما أنزل القرآن إلا للتذكرة، بينه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلا ذِكْرَى لِلْعَالمِينَ (٩٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وإعراب: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ بأنه بدل من ﴿لِتَشْقَى﴾ لا يصح؛ لأن التذكرة ليست بشقاء. وإعرابه مفعولًا مطلقًا أيضًا غير ظاهر. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾: ما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ﴿تَذْكِرَةً﴾ حالًا ومفعولًا له. • قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ .

стр. 2369

في قوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ أوجه كثيرة من الإعراب ذكرها المفسرون. وأظهرها عندي: أنه مفعول مطلق، منصوب بـ"نزَّل" مضمرة دل عليها قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ أي نزَّله الله تنزيلًا ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ الآية، أي فليس بشعر ولا كهانة، ولا سحر ولا أساطير الأولين، كما دل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣)﴾ والآيات المصرحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة جدًا معروفة، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ . تقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة "الأعراف" مستوفى. فأغنى عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ . خاطب الله نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة بأنه: إن يجهر بالقول أي: يقُلْه جهرة في غير خفاء، فإنه جل وعلا يعلم السر وما هو أخفى من السر. وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وفي المراد بقوله في هذه الآية: ﴿وَأخَفَى﴾ أوجه معروفة

стр. 2370

كلها حق ويشهد لها قرآن. قال بعض أهل العلم ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أي ما قاله العبد سرًّا ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ أي ويعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما توسوس به نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾. وقال بعض أهل العلم: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أي ما توسوس به نفسه ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ من ذلك، وهو ما علم الله أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾، وكما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ فالله يعلم ما يسره الإنسان اليوم؛ وما سيسره غدًا. والعبد لا يعلم ما في غد، كما قال زهير في معلقته: وأعلمُ علم اليوم والأمسِ قبلَه ... ولكنِّني عن عِلْم ما في غدٍ عَمِ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ صيغة تفضيل كما بينا، أي ويعلم ما هو أخفى من السر. وقول من قال: إن ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق، وأخفى عنهم ما يعلمه هو؛ كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾، ظاهر السقوط كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية. ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح؛ لأن النبي ﷺ لما سمع أصحابه

стр. 2371

رفعوا أصواتهم بالتكبير قال ﷺ : "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". • قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه المعبود وحده، وأن له الأسماء الحسنى. وبين أنه المعبود وحده في آيات لا يمكن حصرها لكثرتها، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ الآية. وبين في مواضع أخر أن له الأسماء الحسنى، وزاد في بعض المواضع الأمر بدعائه بها، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وزاد في موضع آخر تهديد من ألحد في أسمائه؛ وهو قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. قال بعض العلماء: ومن إلحادهم في أسمائه أنهم اشتقوا العُزَّى من اسم العزيز، واللات من اسم الله. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة". وقد دل بعض الأحاديث على أن من أسمائه جل وعلا ما استأثر به ولم يعلمه خلقه، كحديث: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" الحديث. وقوله: ﴿الْحُسْنَى (٨)﴾ تأنيث الأحسن، وإنما وصف أسماءه جل وعلا بلفظ المؤنث المفرد؛ لأن جمع التكسير مطلقًا وجمع المؤنث السالم

стр. 2372

يجريان مجرى المؤنثة الواحدة المجازية التأنيث، كما أشار له في الخلاصة بقوله: والتاءُ مع جمعٍ سوى السالمِ مِن ... مذكَّرٍ كالتاءِ مع إحدى اللَّبِن ونظير قوله هنا: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ من وصف الجمع بلفظ المفرد المؤنث قوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾، وقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾. • وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) .. ﴾ الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة "مريم" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ . قال بعض العلماء: دل قوله: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ بالتنكير والإفراد، وإتباعه لذلك بقوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها. وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى عنه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ الآية، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ والاستدلال بقول فرعون في موسى، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ .

стр. 2373

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مَنَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّهِ عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه، أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلَّمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبيًّا، و ﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله: ﴿مَا يُوحَى (٣٨)﴾ للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ومعنى ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء: أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان في البحر المحيط: و ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها. الوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أريد بها

стр. 2374

الأمر الكوني القدري، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ فالبحر لابد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كونًا وقدرًا. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. وما ذكره جل وعلا في هذه الآيات، أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "القصص": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه اليم بالساحل وأخذه عدوه فرعون = في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ مجزوم في جواب الطلب الذي هو ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار -وهو الزفت- لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطنًا محلوجًا. وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نَجَره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلًا فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره

стр. 2375

الله تعالى في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ الآية. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾؛ أشار إلى ما يشبهه في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ . من آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ما ذكره جل وعلا في "القصص" في قوله: ﴿وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال؛ لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه؛ قاله القرطبي. • قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ . اختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو ﴿إِذْ﴾ من قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ فقيل: هو ﴿وَأَلْقَيتُ﴾ أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك. وقيل: هو ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ أي تصنع على عيني حين تمشي أختك. وقيل: هو بدل ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ﴾. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه

стр. 2376

أن يقول لك الرجل: لقيت فلانًا سنة كذا. فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾؛ أوضحه جل وعلا في سورة "القصص" فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قِبَل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته عن بعد وهم لا يشعرون بذلك. وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريمًا كونيًّا قدريًّا. فقالت لهم أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: على مرضع يقبل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ فقوله تعالى في آية "القصص" هذه: ﴿وَقَالتْ لِأُخْتِهِ﴾ أي: قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره، وتطَلَّبي خبره حتى تطلعي على حقيقة أمره. وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعًا من أن يقبل ثدي مرضعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي تحريمًا كونيًّا قدريًّا، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه؛ لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن

стр. 2377

ابن عباس: أنها لما قالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ أخذوها وشكُّوا في أمرها وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟! فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاء جزيلًا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. ثم سألتها "آسية" أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمنًا في عز وجاه، ورزق دار. اهـ من ابن كثير. وقوله تعالى في آية "القصص": ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وعد الله المذكور هو قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكوره اسمها "مريم". وقوله: ﴿كَي تَقَرَّ عَينُهَا﴾ إن قلنا فيه: إن ﴿كَي﴾ حرف مصدري فاللام محذوفة، أي: لكي تقر. وإن قلنا: إنها تعليلية، فالفعل منصوب بـ"أن" مضمرة. وقوله: ﴿تَقَرَّ عَينُهَا﴾ قيل: أصله من القرار؛ لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره؛ كما قال أبو الطيب: وخَصْر تثبت الأبصار فيه ... كأنَّ عليه من حَدَق نطاقا

стр. 2378

وقيل: أصله من القُر -بضم القاف- وهو البرد، تقول العرب: يوم قر -بالفتح- أي بارد، ومنه قول امرئ القيس: تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرَّقَتِ الأرضُ واليوم قر ومنه أيضًا قول حاتم الطائي الجواد: أوْقِد فإن الليلَ ليلٌ قرُّ ... والريحُ يا واقد ريحُ صِرُّ عسى يرى نارَك من يمرُّ ... إن جلبَتْ ضيفًا فأنت حُرُّ وعلى هذا القول: فقرة العين من بردها؛ لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جدًا، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جدًا. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك. • قوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ . لم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه النفس، ولا ممن هي، ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة "القصص" خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ ,

стр. 2379

وأشار إلى القتيل المذكور في قوله: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الآية. وقد أشار تعالى في "القصص" أيضًا إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) -إلى قوله- قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول. وقال بعضهم: هو جمع فتنة. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فُتُونًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، أي فتناك ضروبًا من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث "الفتون"، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده. وهو حديث طويل يقتضي أن الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك أُلقي في التابوت وقُذِف في اليم فألقاه اليم بالساحل. وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير

стр. 2380

ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير ﵀ بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵁ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا اهـ. • قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ . السنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وقد قدمنا في سورة "مريم" أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من السنة. وبه تعلم أن الأجل في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أنه عشر سنين لا ثمان. وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مَدْين ثمانيًا وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو اختيارًا. والله تعالى أعلم. وأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ أي جئت على القدر الذي قدَّرْته وسبق في علمي أنك تجيء فلم تتأخر عنه ولم تتقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾. وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:

стр. 2381

نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر • وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ . قال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ الآية. والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء .. إلى آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة "بني إسرائيل". وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ أصل الطغيان: مجاوزة الحد. ومنه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقوله عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وقوله عنه أيضًا: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ مضارع ونى يني، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: فا أمْرٍ أو مضارعٍ مِن كوَعَد ... إحْذِف وَفِي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَد والونى في اللغة: الضعف والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس في معلقته: مِسَحٍّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرْنَ غبارًا بالكديد المَركِّل وقول العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر

стр. 2382

فقوله: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ أي: لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ كما تقدم إيضاحه. وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه" اهـ منه. وقال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ لا تزالا في ذكري، واستشهد لذلك بقول طرفة: كأن القدور الراسيات أمامهم ... قباب بنوها لا تني أبدًا تغلي أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ . أمر الله جل وعلا نبيه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أي: كلامًا لطيفًا سهلًا رقيقًا، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ وهذا

стр. 2383

والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى. وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع، كقوله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. مسألة يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرفق واللين؛ لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بيناه في سورة "المائدة" في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: يا من يتحَبَّب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ اهـ ولقد صدق من قال: ولو أنَّ فرعون لمَّا طغى ... وقال على الله إفكًا وزورا أناب إلى الله مستغفرَا ... لما وجدَ اللهَ إلا غفورا وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ قد قدمنا قول بعض العلماء: إن "لعل" في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة "الشعراء": ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضًا أن "لعل" تأتي في العربية للتعليل؛ ومنه قوله: فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثَّقتم لنا كل موثق فلما كَفَفْنا الحرب كانت عهودكم ... كشبه سراب بالفلا متألق فقوله: "لعلنا نكف" أي لأجل أن نكف.

стр. 2384

وقال بعض أهل العلم: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجِّي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر. وعزا القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كسيبويه وغيره. • قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ . ألف الاثنين في قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾ راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة إلى فرعون. أي: فأتيا فرعون: ﴿فَقُولَا﴾ له: "إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل" أي: خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاءوا، ولا تعذبهم. العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل: هو المذكور في سورة "البقرة" في قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾، وفي سورة "إبراهيم" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية، وفي سورة "الأعراف" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية؛ وفي سورة "الدخان" في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾، وفي سورة "الشعراء" في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ الآية.

стр. 2385

وما أمر به الله موسى وهارون في آية "طه" هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم. أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "الشعراء": ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾. تنبيه فإن قيل: ما وجه الإفراد في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ في "الشعراء" مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنَّى في "طه" فما وجه التثنية في "طه" والإفراد في "الشعراء"، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟. فالذي يظهر -والله تعالى أعلم-: أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذُكِّر وأُفْرِد كما قدمنا مرارًا. فالإفراد في "الشعراء" نظرًا إلى أن أصل الرسول مصدر. والتثنية في "طه" اعتداد بالوصفية العارضة وإعراضًا عن الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتدادًا بوصفيته العارضة، ويفرد مرادًا به الجمع نظرًا إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآية، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مرادًا به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي: ألِكْني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر ومن إطلاق الرسول مرادًا به المصدر على الأصل قوله: لقد كذب الواشون ما مُهْت عندهم ... بقولٍ ولا أرسلتهم برسول
следующие страницы →