نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر
• وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ .
قال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ الآية. والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء .. إلى آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة "بني إسرائيل".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ أصل الطغيان: مجاوزة الحد. ومنه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقوله عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وقوله عنه أيضًا: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ مضارع ونى يني، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:
فا أمْرٍ أو مضارعٍ مِن كوَعَد ... إحْذِف وَفِي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَد
والونى في اللغة: الضعف والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس في معلقته:
مِسَحٍّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرْنَ غبارًا بالكديد المَركِّل
وقول العجاج:
فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر
стр. 2382
فقوله: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ أي: لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ كما تقدم إيضاحه.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه" اهـ منه.
وقال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ لا تزالا في ذكري، واستشهد لذلك بقول طرفة:
كأن القدور الراسيات أمامهم ... قباب بنوها لا تني أبدًا تغلي
أي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أي: كلامًا لطيفًا سهلًا رقيقًا، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ وهذا
стр. 2383
والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى. وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع، كقوله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
مسألة
يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرفق واللين؛ لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بيناه في سورة "المائدة" في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: يا من يتحَبَّب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ اهـ ولقد صدق من قال:
ولو أنَّ فرعون لمَّا طغى ... وقال على الله إفكًا وزورا
أناب إلى الله مستغفرَا ... لما وجدَ اللهَ إلا غفورا
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ قد قدمنا قول بعض العلماء: إن "لعل" في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة "الشعراء": ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضًا أن "لعل" تأتي في العربية للتعليل؛ ومنه قوله:
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثَّقتم لنا كل موثق
فلما كَفَفْنا الحرب كانت عهودكم ... كشبه سراب بالفلا متألق
فقوله: "لعلنا نكف" أي لأجل أن نكف.
стр. 2384
وقال بعض أهل العلم: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجِّي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر. وعزا القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كسيبويه وغيره.
• قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ .
ألف الاثنين في قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾ راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة إلى فرعون. أي: فأتيا فرعون: ﴿فَقُولَا﴾ له: "إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل" أي: خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاءوا، ولا تعذبهم.
العذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل: هو المذكور في سورة "البقرة" في قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾، وفي سورة "إبراهيم" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية، وفي سورة "الأعراف" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية؛ وفي سورة "الدخان" في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾، وفي سورة "الشعراء" في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ الآية.
стр. 2385
وما أمر به الله موسى وهارون في آية "طه" هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم. أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "الشعراء": ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه الإفراد في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ في "الشعراء" مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنَّى في "طه" فما وجه التثنية في "طه" والإفراد في "الشعراء"، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟.
فالذي يظهر -والله تعالى أعلم-: أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذُكِّر وأُفْرِد كما قدمنا مرارًا. فالإفراد في "الشعراء" نظرًا إلى أن أصل الرسول مصدر. والتثنية في "طه" اعتداد بالوصفية العارضة وإعراضًا عن الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتدادًا بوصفيته العارضة، ويفرد مرادًا به الجمع نظرًا إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآية، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مرادًا به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي:
ألِكْني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر
ومن إطلاق الرسول مرادًا به المصدر على الأصل قوله:
لقد كذب الواشون ما مُهْت عندهم ... بقولٍ ولا أرسلتهم برسول
стр. 2386
أي برسالة. وقول الآخر:
ألا بلغ بني عُصم رسولا ... بأني عن فُتاحَتِكم غني (١)
يعني: أبلغهم رسالة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ يراد به جنس الآية، الصادق بالعصا واليد وغيرهما؛ لدلالة آيات أخر على ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ويفهم من الآية: أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك، ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من محمَّد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام .. " إلى آخر كتابه ﷺ .
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ .
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن موسى وهارون. أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب وتولى. أشير إلى نحوه في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى؛ كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)
стр. 2387
وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وهارون لما بلَّغا فرعون ما أُمِرا بتبليغه إياه قال لهما: من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إليَّ!؟ زاعمًا أنه لا يعرفه؛ وأنه لا يعلم لهما إلهًا غير نفسه، كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. وبين جل وعلا في غير هذا الموضع أن قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ تجاهلُ عارفٍ بأنه عبد مربوب لرب العالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ كما تقدم إيضاحه. وسؤال فرعون عن رب موسى، وجواب موسى له جاء موضحًا في سورة "الشعراء" بأبسط مما هنا، وذلك في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ إلى آخر القصة.
стр. 2388
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ فيه للعلماء أوجه لا يَكذِّب بعضها بعضًا، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية لجميعها. منها: أن معنى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجًا. وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا؛ فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ﵄ من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضًا ﴿ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة.
وقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي: أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة.
وقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾: أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له؛ فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديرًا، كما قال الشاعر:
وله في كل شيء خِلْقة ... وكذاك الله ما شاء فعل
يعني بالخلقة: الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد
стр. 2389
ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير ﴿ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه.
وقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾: أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روى عن الضحاك. وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ هو المفعول الأول لـ ﴿أَعْطَى﴾، و ﴿خَلْقَهُ﴾ هو المفعول الثاني.
وقال بعض أهل العلم: إن ﴿خَلْقَهُ﴾ هو المفعول الأول، و ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ هو المفعول الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى: أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ومنه ﴿أَعْطَى﴾ في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن أُمِنَ اللبس، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل، كما هو معلوم في علم النحو. وأشار له في الخلاصة بقوله:
ويلزمُ الأصلُ لموجبٍ عرى ... وتركُ ذاك الأصلِ حتمًا قد يُرَى
قال مقيده -عفا الله عنه-: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة؛ لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به. ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى
стр. 2390
كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع. وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به. فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وأكمل قدرته!.
وفي هذه الأشياء المذكورة في معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه جل وعلا رب كل شيء، وهو المعبود وحده جل وعلا: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن: أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافًا حقيقيًّا متضادًا يكذب بعضه بعضًا, ولكنه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضًا، والآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وأوضَحَ أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة ﵃، وعزاه لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ .
قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي ﴿مَهْدًا﴾ بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف. وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. والمهاد: الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدرًا لا ينافي أن يستعمل اسمًا للفراش.
وقوله في هذه الآية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ في محل رفع
стр. 2391
نعت لـ ﴿رَبِّي﴾ من قوله قبله: ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ أي: لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهدًا. ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة "أعني"، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله:
وارفعْ أو انصب إن قطعت مضمرًا ... مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا
هكذا قال غير واحد من العلماء. والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ محذوف؛ لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لأن قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يعين أنه من كلام الله، كما نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى.
وقد بين جل وعلا في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده؛ ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره، فهي من النعم العظمى على بني آدم.
الأولى: فرشه الأرض على هذا النمط العجيب.
الثانية: جعله فيها سبلًا يمر معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر.
الثالثة: إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب.
الرابعة: إخراجه أنواع النبات من الأرض.
стр. 2392
أما الأولى -التي هي جعله الأرض مهدًا-: فقد ذكر الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.
وأما الثانية: التي هي جَعْله فيها سبلًا؛ فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة؛ كقوله في "الزخرف": ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة "النحل" في الكلام على قوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾.
وأما الثالثة والرابعة: وهما إنزال الماء من السماء وإخراج النبات به من الأرض؛ فقد تكرر ذكرهما في القرآن على سبيل الامتنان والاستدلال معًا؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ الآية. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم؛ ونظيره في القرآن قوله تعالى في "الأنعام": ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
стр. 2393
فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية، وقوله في "فاطر": ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ الآية، وقوله في "النمل": ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآية.
وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات؛ يدل على تعظيم شأن إنبات النبات لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئًا لهلك الناس جوعًا وعطشًا. فهو يدل على عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق إليه، ولزوم طاعتهم له جل وعلا.
وقوله في هذه الآية: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أي أصنافًا مختلفة من أنواع النبات، فالأزواج: جمع زوج، وهو هنا المصنف من النبات، كما قال تعالى في سورة "الحج": ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي: من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى في سورة "لقمان": ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ أي: من كل نوع حسن من أنواع النبات، وقال تعالى في سورة "يس": ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ نعت لقوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ومعنى قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ أي أصنافًا مختلفة الأشكال والمقادير،
стр. 2394
والمنافِع والألوان، والروائح والطعوم. وقيل: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ نعت لـ ﴿نَبَاتٍ﴾ أي نبات مختلف كما بينا. والأظهر الأول، وقوله: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ جمع شتيت؛ كمريض ومرضى. والشتيت: المتفرق؛ ومنه قول رؤبة يصف إبلًا جاءت مجتمعة ثم تفرقت، وهي تثير غبارًا مرتفعًا:
جاءت معًا وأطرقت شتيتًا ... وهي تثير الساطع السختيتا
وثغر شتيت: أي متفلج لأنه متفرق الأسنان؛ أي ليس بعضها لاصقًا ببعض.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ قد قدمنا أن معنى السلك: الإدخال. وقوله: ﴿وَسَلَكَ﴾ هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلًا فجاجًا يمر الخلق معها. وعبر عن ذلك هنا بقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ وعبر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل، كقوله في "الأنبياء": ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقوله في "الزخرف": ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾ وعبر في بعض المواضِع عن ذلك بالإلقاء كقوله في "النحل": ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ لأن عطف السُّبل على الرواسي ظاهر في ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك، وارعوا أنعامكم؛ أي: أسيموها وسرحوها في المرعى
стр. 2395
الذي يصلح لأكلها. تقول: رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها: أي: أسامها وسرَّحها. يلزم ويتعدَّى. والأمر في قوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ للإباحة. ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك للعبادة وحده.
وما ذكره في هذه الآية الكريمة من الامتنان علي بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضَّحًا في مواضعِ أخر؛ كقوله في سورة "السجدة": ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾، وقوله في "النازعات": ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾، وقوله في "عبس": ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾، وقوله في "النحل": ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ أي لأصحاب العقول. فالنُّهى: جمع نُهْية بضم النون، وهي العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نَهُو الرجل بصيغة فعل بالضم: إذا كملت نُهْيته أي عقله. وأصله نهي بالياء، فأبدلت الياء واوًا لأنها لام فعل بعد ضم؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وواوًا إثْرَ الضمِّ رُدَّ الْيا متى ... أُلْفِيَ لامَ فعلٍ أو مِن قَبْل تا
• قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ .
стр. 2396
الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ معًا، وقوله: ﴿وَفِيهَا﴾ راجع إلى ﴿الْأَرْضَ﴾ المذكورة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾.
وقد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنه خلق بني آدم من الأرض.
الثانية: أنه يعيدهم فيها.
الثالثة: أنه يخرجهم منها مرة أخرى. وهذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية جاءت موضحة في غير هذه الموضع.
أما خلقه إياهم من الأرض: فقد ذكره في مواضع من كتابه؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وقوله في سورة "المؤمن": ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
والتحقيق أن معنى خلقه الناس من تراب: أنه خلق أباهم آدم منها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية. ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعًا له في الخلق صدق عليهم أنهم خلقوا من تراب. وما يزعمه بعض أهل العلم من أن معنى خلقهم من تراب أن النطفة إذا وقعت في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة والتراب معًا، فهو خلاف التحقيق؛ لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة؛ فهي غير مقارنة لها بدليل الترتيب بينهما
стр. 2397
بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. وكذلك ما يزعمه بعض المفسرين من أن معنى خلقهم من تراب: أن المراد أنهم خلقوا من الأغذية التي تتولد من الأرض، فهو ظاهر السقوط كما ترى.
وأما المسألة الثانية: فقد ذكرها تعالى أيضًا في غير هذا الموضع؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ فقوله: ﴿كِفَاتًا (٢٥)﴾ أي: موضعهم الذي يكفتون فيه أي يضمون فيه أحياء على ظهرها، وأمواتًا في بطنها، وهو معنى قوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
وأما المسألة الثالثة: وهي إخراجهم من الأرض أحياء يوم القيامة فقد جاءت موضحة في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ أي من القبور بالبعث يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ
стр. 2398
الْخُرُوجِ (٤٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿قَال فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾. والتارة في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ بمعنى المرة. وفي حديث السنن: أن رسول الله ﷺ حضر جنازة، فلما أرادوا دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ثم أخذ أخرى وقال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ثم أخرى وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ .
أظهر القولين أن الإضافة في قوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ مضمنة معنى العهد كالألف واللام. والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ الآية. وقال بعضهم: الآيات التسع المذكورة هي: العصا، واليد البيضاء، وفلق البحر، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. وقد قدمنا كلام أهل العلم في الآيات التسع في سورة "الإسراء". وقال بعض أهل العلم: العموم على ظاهره، وإن الله أرى فرعون جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وذلك بأن عرفه موسى جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء. والأول هو الظاهر.
وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض، كما قال تعالى في
стр. 2399
سورة "الزخرف": ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ وقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾، وقوله: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾؛ لأن الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر، وهي صيغة تفضيل تدل على أنها أكبر من غيرها.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ يعني أنه مع ما أراه الله من الآيات المعجزات الدالة على صدق نبيه موسى، كذب رسول ربه موسى، وأبى عن قبول الحق. وقد أوضح جل وعلا في غير هذا الموضع شدة إبائه وعناده وتكبره على موسى في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَال يَاقَوْمِ أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾. ومقصوده بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول.
وقد بين جل وعلا: أن فرعون كذب وأبى، وهو عالم بأن ما جاء به موسى حق. وأن الآيات التي كذب بها وأبي عن قبولِها ما أنزلها إلا الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وقوله: ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿أَرَينَاهُ﴾ أصله من رأى البصرية على الصحيح.
стр. 2400
• قوله تعالى: ﴿قَال أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لما أرى فرعون آياته على يد نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال: إن الآيات التي جاء بها موسى سحر، وأنه يريد بها إخراج فرعون وقومه من أرضهم.
أما دعواه هو وقومه أن موسى ساحر: فقد ذكره الله جل وعلا في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما ادعاؤهم أنه يريد إخراجهم من أرضهم بالسحر فقد ذكره الله جل وعلا أيضًا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾، وقوله في "الشعراء": ﴿قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾، وقوله في "يونس": ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقال سحرة فرعون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ .
стр. 2401
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون -لعنه الله- لما رأى آيات الله ومعجزاته الباهرة، وادعى أنها سحر؛ أقسم ليأتين موسى بسحر مثل آيات الله التي يزعم هو أنها سحر. وقد بين في غير هذا الموضع: أن إتيانهم بالسحر وجمعهم السحرة كان عن اتفاق ملئهم على ذلك؛ كقوله في "الأعراف": ﴿قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾، وقوله في "الشعراء": ﴿قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾؛ لأن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ في الموضعين يدل على أن قول فرعون: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ وقع بعد مشاورة واتفاق الملأ منهم على ذلك.
• قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون لما وعد موسى بأنه يأته بسحر مثل ما جاء به موسى في زعمه قال لموسى: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ والإخلاف: عدم إنجاز الوعد. وقرر أن يكون مكان الاجتماع للمناظرة والمغالبة في السحر في زعمه مكانًا سوى. وأصح الأقوال في قوله: ﴿سُوًى﴾ على قراءة الكسر والضم: أنه مكان وسط تستوي أطراف البلد فيه؛ لتوسطه بينها، فلم يكن أقرب للشرق من الغرب، ولا للجنوب من الشمال. وهذا هو معنى قول المفسرين: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ أي:
стр. 2402
نصفًا وعدلًا ليتمكن جميع الناس أن يحضروا. وقوله: ﴿سُوًى (٥٨)﴾ أصله من الاستواء؛ لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها بل هي مستوية. وقوله: ﴿سُوًى (٥٨)﴾ فيه ثلاث لغات: الضم، والكسر مع القصر، وفتح السين مع المد. والقراءة بالأوليين دون الثالثة هنا. ومن القراءة بالثالثة: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ﴾ ومن إطلاق العرب ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ على المكان المتوسط بين الفريقين قول موسى بن جابر الحنفي، وقد أنشده أبو عبيدة شاهدًا لذلك:
وإن أبانا كان حلَّ ببلدةٍ ... سِوًى بين قيسٍ قيسِ عيلان والفِزْرِ
والفِزْر: سعد بن زيد مناة بن تميم؛ يعني حل ببلدة مستوية مسافتها بين قيس عيلان والفزر.
وأن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون إلى ما طلب منه من الموعد، وقرر أن يكون وقت ذلك يوم الزينة. وأقوال أهل العلم في يوم الزينة راجعة إلى أنه يوم معروف لهم، يجتمعون فيه ويتزينون؛ سواء قلنا: إنه يوم عيد لهم، أو يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم كانوا يتخذون فيه سوقًا ويتزينون فيه بأنواع الزينة.
قال الزمخشري: وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم؛ ليكون علو كلمة الله وظهور دينه، وكبت الكافر وزهوق الباطل، على رءوس الأشهاد في المجمع الغاص؛ لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكلّ حدُّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدِّث بذلك الأمر؛ ليعلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر
стр. 2403
والحضر اهـ منه. والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ في محل جر عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾ أي موعدكم يوم الزينة وحشر الناس أو في محل رفع عطفًا على قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ على قراءة الجمهور بالرفع. والحشر: الجمع؛ والضحى: من أول النهار حين تشرق الشمس. والضحى يذكر ويؤنث؛ فمن أنثه ذهب إلى أنه جمع ضحوة. ومن ذَكَّرَه ذهب إلى أنه اسم مفرد جاء على "فُعَل" بضم ففتح كـ"صُرَد وزُفَر". وهو منصرف إذا لم تُرِد ضحى يوم معين بلا خلاف. وإن أردت ضحى يومك المعين فقيل: يمنع من الصرف كسحر. وقيل: لا.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون المناظرة بين موسى والسحرة عين لوقتها يوم معلوم يجتمع الناس فيه؛ ليعرفوا الغالب من المغلوب = أشير له في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في "الشعراء": ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾.
فقوله تعالى: ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ اليوم المعلوم: هو يوم الزينة المذكور هنا. وميقاته وقت الضحى منه المذكور في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾.
تنبيه
اعلم أن في تفسير هذه الآية الكريمة أنواعًا من الإشكال معروفة عند العلماء، وسنذكر إن شاء الله تعالى أوجه الإشكال فيها، ونبين إزالة الإشكال عنها.
اعلم أولًا: أن الفعل الثلاثي إن كان مثالًا أعني واوي الفاء
стр. 2404
كـ"وعد ووصل"، فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه كلها "المَفْعِل" -بفتح الميم وكسر العين- ما لم يكن معتل اللام؛ فإن كان معتلها فالقياس فيه المَفْعَل -بفتح الميم والعين- كما هو معروف في فن الصرف.
فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ صالح بمقتضى القياس الصرفي لأن يكون مصدرًا ميميًّا بمعنى الوعد، وأن يكون اسم زمان يراد به وقت الوعد، وأن يكون اسم مكان يراد به مكان الوعد. ومن إطلاق "الموعِد" في القرآن اسم زمان قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي وقت وعدهم بالإهلاك الصبح. ومن إطلاقه في القرآن اسم مكان قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ أي مكان وعدهم بالعذاب.
وأوجه الإشكال في هذا: أن قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ يدل على أن الموعد مصدر؛ لأن الذي يقع عليه الإخلاف هو الوعد لا زمانه ولا مكانه.
وقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم مكان.
وقوله: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم زمان. فإن قلنا: إن الموعد في الآية مصدر، أشْكَل على ذلك ذكر المكان في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾، والزمان في قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وإن قلنا: إن الموعد اسم مكان، أَشْكَل عليه قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾؛ لأن نفس المكان لا يُخلف وإنما يُخْلف الوعد، وأشْكَل
стр. 2405
عليه أيضًا قوله: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وإن قلنا: إن الموعد اسم زمان أشكل عليه أيضًا قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾، وقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾.
هذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة. وللعلماء عن هذا أجوبة؛ منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال: لا يخلو الموعد في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ من أن يجعل زمانًا أو مكانًا أو مصدرًا؛ فإن جعلته زمانًا نظرًا في أن قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ مطابق له، لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفًا وأن يعضل عليك ناصب ﴿مَكَانًا﴾ وإن جعلته مكانًا لقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾، لزمك أيضًا أن توقع الإخلاف على المكان، ولا يطابق قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ إلى أن قال: فبقى أن يجعل مصدرًا بمعنى الوعد ويقدر مضاف محذوف، أي مكان الوعد، ويجعل الضمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ للموعد و ﴿مَكَانًا﴾ بدل من المكان المحذوف.
فإن قلت: كيف طابقه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولابد من أن تجعله زمانًا والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟.
قلت: هو مطابق معنًى وإن لم يطابق لفظًا؛ لأنهم لابد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم؛ فبذكر الزمان علم المكان. انتهى محل الغرض منه. ولا يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من المحذوف.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر ما أجيب به عما
стр. 2406
ذكرنا من الإشكال عندي في هذه الآية الكريمة: أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد، وأنه يكون مكانًا سُوى، أي وسطًا بين أطراف البلد كما بينا. وأن موسى وافق على ذلك وعين زمان الوعد وأنه يوم الزينة ضحى؛ لأن الوعد لابد له من مكان وزمان. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ إنه اسم مكان أي: مكان الوعد، وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ بدل من قوله موعدًا؛ لأن الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان فاتضح كون ﴿مَكَانًا﴾ بدلًا. ولا إشكال في ضمير ﴿نُخْلِفُهُ﴾ على هذا. ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في فن الصرف: أن اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه، فاسم المكان ينحل عن مصدر ومكان. فالمنزل مثلًا مكان النزول، والمجلس مكان الجلوس، والموعد مكان الوعد. فإذا اتضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان، فالضمير في قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم الفعل في قوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ فقوله: ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من ﴿اعْدِلُوا﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: الوعد الكامن في مفهوم اسم المكان الذي هو الموعد؛ لأنه مكان الوعد، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ الوعد وهو مرجع الضمير في ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾.
فإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر الله أن فرعون قاله لموسى؛ فاعلم أن قوله عن موسى ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمنًا، وزاد تعيين زمان الوعد
стр. 2407
بقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولا إشكال في ذلك. هذا هو الذي ظهر لنا صوابه. وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال: إن الموعد في الآية مصدر، وعليه فـ ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ راجع للمصدر، و ﴿مَكَانًا﴾ منصوب بفعل دل عليه الموعد؛ أي عِدْنا مكانًا سوى. ونَصبُ المكان بأنه مفعول المصدر الذي هو ﴿مَوْعِدًا﴾ أو أحد مفعولي ﴿فَاجْعَلْ﴾ غيرُ صواب فيما يظهر لي والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة ﴿سُوًى (٥٨)﴾ بضم السين والباقون بكسرها. ومعنى القراءتين واحد كما تقدم.
• قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ قال بعض العلماء: معنى ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ انصرف مُدْبرًا من ذلك المقام ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعد عليه هو وموسى. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة "النازعات" في القصة بعينها: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ وقوله: ﴿فَحَشَرَ﴾ أي جمع السحرة.
وقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أي: أعرض عن الحق الذي جاءه به موسى. ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيدَهُ﴾ الظاهر أن المراد بـ ﴿كَيدَهُ﴾ ما جمعه من السِّحْر ليغلب به موسى في زعمه. وعليه فالمراد
стр. 2408
بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيدَهُ﴾ هو جمعة للسحرة من أطراف مملكته، ويدل على هذا أمران: أحدهما: تسمية السحر في القرآن كيدًا؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ الآية، وقوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ﴾ وكيدُهم سِحْرُهم. الثاني: أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى في "الأعراف": ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾، وقوله: ﴿حَاشِرِينَ (١١١)﴾ أي: جامعين يجمعون السحر من أطراف مملكته، وقوله في "الشعراء": ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾، وقوله في "يونس": ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ أي: جاء فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير هذا الموضع؛ كقوله في "الأعراف": ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول فعل في موضع، ثم يبين في موضع آخر، فإنا نبين ذلك، وقد حذف هنا في هذه الآية مفعول ﴿تُلْقِيَ﴾، ومفعول أول من ﴿أَلْقَى (٦٥)﴾ وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في
стр. 2409
"الأعراف": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾، وقوله في "الشعراء": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾، وقوله هنا: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ الآية. وما في يمينه هو عصاه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ﴾ الآية.
وقد بين تعالى أيضًا في موضع آخر أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم، وذلك في قوله في "الشعراء": ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضًا بقوله هنا: ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾؛ لأن في الكلام حذفًا دل المقام عليه، والتقدير: قال: بل ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. والمصدر المنسبك من ﴿أَنْ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ نَكُونَ﴾ فيه وجهان من الإعراب: الأول: أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه، والتقدير: إما أن تختار أن تلقي، أي تختار إلقاءك أولًا، أو تختار إلقاءنا أولًا. وتقدير المصدر الثاني: وإما أن تختار أن نكون أي كوننا أول من ألقى. والثاني: أنه في محل رفع، وعليه فقيل: هو مبتدأ، والتقدير: إما إلقاؤك أول، أو إلقاؤنا أول. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك.
• قوله تعالى: ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم
стр. 2410
أو يلقوا قبله قال لهم: ﴿أَلْقُوا﴾ يعني: ألقوا ما أنتم ملقون كما صرح به في "الشعراء" في قوله تعالى: ﴿قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾ وذلك هو المراد أيضًا بقوله في "الأعراف": ﴿قَال أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية.
تنبيه
قول موسى للسحرة: ألقوا المذكور في "الأعراف، وطه، والشعراء" فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف قال هذا النبي الكريم للسحرة: ألقوا؛ أي: ألقوا حبالكم وعصيكم، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله، وهذا أمرٌ بمنكر؟ والجواب: هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام؛ لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم؛ فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل. ولأجل هذا قال لهم: ألقوا، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ .
قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر "تُخَيِّل" بالتاء، أي تخيِّل هي، أي الحبال والعصي أنها تسعى. والمصدر في ﴿أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ بدل من ضمير الحبال والعصي الذي هو نائب فاعل "تخيل" بدل اشتمال. وقرأ الباقون بالياء التحتية. والمصدر في
стр. 2411
﴿أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ نائب فاعل: ﴿يُخَيَّلُ﴾.
وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. وبه تعلم أن ألفاء في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾ عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله:
• وحَذْفَ متبوعٍ بدا هُنا اسْتَبِحْ*
و"إذا" هي الفجائية، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحبال: جمع حبل، وهو معروف. والعِصي: جمع عصا، وألف العصا منقلبة عن واو، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية؛ ومنه قول غيلان ذي الرمة:
فجاءت بنسجِ العنكبوت كأنه ... على عَصَوَيها سابريٌّ مُشَبْرَق
وأصل العِصِيّ "عصوو" على وزن "فعول" جمع عصا؛ فأُعِل بإبدال الواو التي في موضع اللام ياء فصار "عصويًا"، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، فالياءان أصلهما واوان. وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في الخلاصة بقوله:
كذاكَ ذا وجهين جا المفعولُ مِنْ ... ذِي الواو لامَ جمعٍ أو فَرْدٍ يَعِنْ
وضمة الصاد في ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ أبدلت كسرة لمجانسة الياء، وضمة عين ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ أبدلت كسرة لإتباع كسرة الصاد. والتخيل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ هو إبداء أمر لا حقيقة له،
стр. 2412
ومنه الخيال. وهو الطيف الطارق في النوم. قال الشاعر:
ألا يا لقومي للخيال المشوق ... والدار تنأى بالحبيب ونلتقي
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر. وهذا الذي دلت عليه آية "طه" هذه: دلت عليه آية "الأعراف" وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمرًا لا حقيقة له. وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له.
والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ماله حقيقة قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بـ"ما" الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وسيأتي إن شاء الله أن السحر أنواع: منها ما هو أمر له حقيقة، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له. وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة، والآيات الدالة على أنه خيال.
فإن قيل: قوله في "طه": ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ الآية، وقوله
стр. 2413
في "الأعراف": ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في "الأعراف": ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في الجواب -والله أعلم- أنهم أخذوا كثيرًا من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى وهي كثيرة. فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى، لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها، وبتخييل سَعْي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه. وقد قال غير واحد: إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أنها تسعى. وعن ابن عباس: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرًا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل كانوا اثني عشر ألفًا. وقيل أربعة عشر ألفًا. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفًا. وقيل: كانوا مجمعين على رئيس يقال له: شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثني عشر نقيبًا، مع كل نقيب عشرون عريفًا، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من الريف فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى اهـ. وهذه الأقوال من الإسرائيليات، ونحن نتجنبها دائمًا، ونقلل من ذكرها، وربما ذكرنا قليلًا منها منبهين عليه.
• قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ .
стр. 2414
قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وقنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، وشعبة عن عاصم بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة مشددة بعدها فاء ساكنة، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وما بتاءين ابتُدِي قد يُقْتَصَر ... فيه على تا كتبَيَّنُ العِبَر
والمضارع مجزوم؛ لأنه جزاء الطلب في قوله: ﴿أَلْقِ﴾ وجمهور علماء العربية على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب، وتقديره هنا: إن تلق ما في يمينك تلقف ما صنعوا. وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ذكرنا، إلا أنه يشدد تاء تلقف وصلًا. ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى التاءين في الأخرى وهو جائز في كل فعل بدئ بتاءين كما هنا، وأشار إليه في الخلاصة بقوله:
وحَيِيَ افْكُك وادَّغِمْ دونَ حَذَر ... كذاكَ نحوُ تتجلَّى واسْتَتَر
ومحل الشاهد منه قوله: "نحو تتجلى" ومثاله في الماضي قوله:
تولى الضجيع إذا ما التذها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتابع القُبَل
أصله تتابع، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا أنه يضم الفاء، فالمضارع على قراءته مرفوع، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال، أي: ألق بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا. أو مستأنفة، وعليه فهي خبر مبتدأ محذوف، أي
стр. 2415
فهي تلقف ما صنعوا. وقرأ حفص عن عاصم ﴿تَلْقَفْ﴾ بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم، مضارع "لَقِفه" بالكسر يَلْقَفه بالفتح ومعنى القراءتين واحد؛ لأن معنى تلقفه ولقفه إذا تناوله بسرعة، والمراد بقوله: ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ على جميع القراءات أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال والعصى التي خيلوا للناس أنها تسعى وصنعهم في قوله تعالى: ﴿مَا صَنَعُوا﴾ واقع في الحقيقة على تخييلهم إلى الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى، لا على نفس الحبال والعصي لأنها من صنع الله تعالى. ومن المعلوم أن كل شيء كائنًا ما كان بمشيئته تعالى الكونية القدرية.
وهذا المعنى الذي ذكره جل وعلا هنا في هذه الآية الكريمة، من كونه أمر نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يُلقي ما في يمينه أي يده اليمنى، وهو عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾، وقوله تعالى في "الشعراء": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ فذِكْر العصا في "الأعراف، والشعراء" يوضح أن المراد بما في يمينه في "طه" أنه عصاه كما لا يخفى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ أي يختلقونه ويفترونه من الكذب، وهو زعمهم أن الحبال والعصى تسعى حقيقة، وأصله من قولهم: أفكه عن الشيء يأفكه عنه، من
стр. 2416
باب ضرب، إذا صرفه عنه وقلبه. فأصل الأفك بالفتح القلب والصرف عن الشيء. ومنه قيل لقرى قوم لوط: المؤتفكات؛ لأن الله أفكها أي قلبها؛ كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾. ومنه قولي تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أي يصرف عنه من صرف، وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي لتصرفنا عن عبادتها، وقول عمرو بن أذينة:
إن تك عن أحسن المروءة مأ ... فُوْكًا ففي آخرين قد أُفِكُوا
وأكثر استعمال هذه المادة في الكذب؛ لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته بالكذب والافتراء؛ كما قال تعالى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ "ما" موصولة وهي اسم "إن"، و ﴿كَيدُ﴾ خبرها، والعائد إلى الموصول محذوف؛ على حد قوله في الخلاصة:
....................... ... والحذفُ عندهم كثيرٌ مُنْجلي
في عائدٍ متصلٍ إن انتصبْ ... بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يَهَبْ
والتقدير: إن الذي صنعوه كيد ساحر. وأما على قراءة من قرأ (كْيَدَ ساحر) بالنصب فـ ﴿مَا﴾ كافة و (كَيدَ) مفعول ﴿صَنَعُوا﴾ وليست سبعية، وعلى قراءة حمزة والكسائي "كيد سِحْر" بكسر السين وسكون الحاء، فالظاهر أن الإضافة بيانية؛ لأن الكيد المضاف إلى السحر هو المراد بالسحر. وقد بسطنا الكلام في نحو
стр. 2417
ذلك في غير هذا الموضع. والكيد: هو المكر.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ .
قد قدمنا في سورة "بني إسرائيل" أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم؛ لأنه ينحل عند بعض أهل العلم عن مصدر وزمان، وعند بعضهم عن مصدر وزمان ونسبة؛ فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، وهذا المصدر الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور. فظهر أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم، وكذلك الفعل في سياق الشرط؛ لأن النكرة في سياق الشرط أيضًا صيغة عموم. وأكثر أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم، خلافًا لبعضهم فيما إذا لم يؤكد الفعل المذكور بمصدر؛ فإن أكد به فهو صيغة عموم بلا خلاف، كما أشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله عاطفًا على صيغ العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جُلِبا
والتحقيق في هذه المسألة: أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم، خلافًا لمن زعم ذلك، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه؛ لإجماع النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل، والتأكيد لا ينشأ به حكم، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك، كما هو معروف. وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام؛ معروف. وإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِر﴾ الآية. يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد
стр. 2418
ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: ﴿حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًّا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر. ويدل على ما ذكرنا أمران:
الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية؛ فقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ يدل على أنه لو كان ساحرًا -وحاشاه من ذلك- لكان كافرًا. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ صريح في كفر معلم السحر، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقررًا له: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذًا بالله تعالى، وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه.
الأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة "يونس": ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، وقوله في "يونس" أيضًا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾، وقوله في "الأنعام":
стр. 2419
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات.
ويُفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة: أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاحِ عن السحرة والكفرة غيرهم أنه ينال الفلاح، وهو كذلك، كما بينه جل وعلا في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ ومنه قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لمَّا تعقلي ... ولقد أفلح من كان عَقَل
فقوله: "ولقد أفلح من كان عقل" يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب. ويطلق الفلاح أيضًا على البقاء والدوام في النعيم؛ ومنه قول لبيد:
لو أن حيًّا مُدرك الفلاح ... لناله مُلاعبُ الرِّماح
فقوله: "مدرك الفلاح" يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقيل: كعب بن زهير:
لكلِّ همٍّ من الهموم سَعَهْ ... والمُسْي والصبح لا فلاحَ مَعَهْ
يعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من
стр. 2420
المعنيين فسر بعض أهل العلم "حي على الفلاح" في الأذان والإقامة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي معروف يقصد به التعميم؛ كقولهم: فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان؛ ومن هذا القبيل قول زهير:
بان الخليطُ ولم يأووا لمن تَرَكوا ... وزوَّدُوْك اشتياقًا أيَّةً سلكوا
وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث احتال. والمعنى في الآية هو ما بينا والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خَفِي سببه ولَطُف ودق؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلت علامات المودة بيننا ... مصائد لحظهن أخفى من السحر
فأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشَّزْر
ولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي: