لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيًّا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله؛ قلت: فوقع الشق الأول كما في هذا الحديث الصحيح. وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت. فلا يبقى على هذا الملحد حجة.
وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر من ذلك كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى: "حتى كاد ينكر بصره" أي صار كالذي أنكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته؛ فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه ﷺ في خبر من الأخبار أنه قال قولًا فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلب: صون النبي ﷺ من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح: أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته، فأمكنه الله منه. فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض؛ من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول، ويبطل الله كيد الشياطين.
واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: "أما أنا فقد شفاني الله" وفي الاستدلال به نظر؛ لكن يؤيد المدعى أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل: فكان يدور ولا يدري ما وجعه. وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: مرض النبي ﷺ ، وأخذ عن النساء
стр. 2452
والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان .. الحديث. انتهى من فتح الباري.
وعلى كل حال فهو ﷺ معصوم بالإجماع من كل ما يؤثر خللًا في التبليغ والتشريع. وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية: كأنواع الأمراض والآلام، ونحو ذلك فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر؛ لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ فمعناه أنهم يزعمون أن ﷺ مسحور أو مطبوب، قد خبله السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره. يقولون ذلك لينفروا الناس عنه. وقال مجاهد: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ أي مخدوعًا؛ مثل قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ أي من أين تخدعون. ومعنى هذا راجع إلى ما قبله؛ لأن المخدوع مغلوب في عقله. وقال أبو عبيدة: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ معناه أن له سَحْرًا أي: رِئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك؛ كقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله عن الكفار: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات. ويقال لكل من أكل أو شرب من آدمي أو غيره: مسحور ومسحَّر؛ ومنه قول لبيد:
فإن تسألينا فيمَ نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المُسَحَّر
وقال امرؤ القيس:
стр. 2453
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونُسْحَر بالطعام وبالشراب
أي: نغذى ونعلل.
وإذا علمت أن أقوال العلماء في قوله: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ راجعة إلى دعواهم اختلال عقله بالسحر أو الخديعة، أو كونه بشرًا؛ علمت أنه لا دليل في الآية على منع بعض التأثيرات العرضية التي لا تعلق لها بالتبليغ والتشريع كما ترى، والعلم عند الله تعالى.
وقد أشرنا فيما تقدم لحكم ساحر أهل الذمة، واختلاف العلماء في قتله، واستدلال من قال بأنه لا يقتل بعدم قتله ﷺ لبيد بن الأعصم الذي سحره. والقول بأنه قتله ضعيف، ولم يثبت أنه قتله. وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين. وأما عدم قتله ﷺ لابن الأعصم فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة، فدل على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه؛ فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خرُّوا سجدًا لله تعالى قائلين: آمنا بالله الذي هو رب هارون وموسى. فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي، هذه الهداية العظيمة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في "الأعراف": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى
стр. 2454
مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾، وقوله في "الشعراء": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨﴾، وقوله: ﴿فَأُلْقِيَ﴾ يدل على قوة البرهان الذي عاينوه؛ كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها. وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم. والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظرًا إلى حالهم الماضية؛ كقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ فأطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظرًا إلى الحال الماضية كما هو معروف في محله.
والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة فواصل الآيات.
واعلم أن علم السحر مع خِسَّته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ينفع، قد كان سببًا لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أنَّ معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك؛ فكان ذلك سببًا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد. ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدًا، لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي
стр. 2455
عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرًا عليهم: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم. يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم؛ لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئًا إلا بعد إذنه هو لهم. وقال لهم أيضًا: إن موسى هو كبيرهم؛ أي كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر. ثم هددهم مقسمًا على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلًا؛ لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة؛ لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح، بخلاف قطعهما من خلاف. فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم. وأنه يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف.
وما ذكره جل وعلا عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع أيضًا؛ كقوله في سورة "الشعراء": ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾. وذكر هذا أيضًا في سورة "الأعراف" وزاد فيها التصريح بفاعل "قال". وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالئوا على أن يظهروا أنه غلبهم مكرًا ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر؛ وذلك في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
стр. 2456
إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ وقوله في "طه": ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يبين أن التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في "الأعراف، والشعراء": ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾؛ أي في جذوع النخل. وتعدية التصليب بـ"في" أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كامل:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
ومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة "القصص". وقد أوضحنا في كتابنا المسمى (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن ما يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازًا كلها أساليب عربية نطقت بها العرب في لغتها. وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ قال بعض أهل العلم: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾: يعني: أنا أم رب موسى أشد عذابًا وأبقى. واقتصر على هذا القرطبي؛ وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله؛ وهذا كقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. وقال بعضهم: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ أنا أم موسى أشد عذابًا وأبقى. وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم
стр. 2457
يطعه؛ كقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ الآية. والله جل وعلا أعلم.
واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟ فقال قوم: قتلهم وصلبهم. وقوم أنكروا ذلك، وأظهرهما عندي: أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى؛ لأن الله يقول لموسى وهارون: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ .
قوله: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نختار اتباعك، وكوننا من حزبك، وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات؛ كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها. والواو في قوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عاطفة على ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ أي: لن نختارك ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ولا على ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي: خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود. وقيل: هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ لا نؤثرك ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي اصنع ما أنت صانع، فلسنا راجعين عما نحن عليه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ أي إنما ينفذ أمرك فيها. فـ ﴿هَذِهِ﴾ منصوب على الظرف على الأصح. أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها.
وما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع؛ من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده رغبة فيما عند الله =
стр. 2458
قد ذكره في غير هذا الموضع؛ كقوله في "الشعراء" عنهم في القصة بعينها: ﴿قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ عائد الصلة محذوف، أي: ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
كذاك حذف ما يوصف خفضا ... كأنت قاضٍ بعد أمرٍ من قَضَى
ونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني:
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا
أي: طالبه.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون لعنه الله لما قال للسحرة ما قال لما آمنوا، قالوا له: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أي: ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر. وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في "الشعراء" عنهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾، وقوله عنهم في "الأعراف": ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.
وفي آية "طه" هذه سؤال معروف، وهو أن يقال: قولهم:
стр. 2459
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ يدل على أنه أكرههم عليه، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين، كقوله في "طه": ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾، فقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ صريح في أنهم غير مكرهين، وكذلك قوله عنهم في "الشعراء": ﴿ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين.
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة:
منها: أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض، ويدل لهذا قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾.
ومنها: أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر. ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين.
ومنها: أنهم فعلوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا: ففعل فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام
стр. 2460
بطل سحره؛ فأبى إلا أن يعارضوه، وألزمهم بذلك. فلما لم يجدوا بدًا من ذلك فعلوه طائعين. وأظهرها عندي الأول، والعلم عند الله تعالى.
وقوله: في هذه الآية الكريمة ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع خطيئة، وهي الذنب العظيم: كالكفر ونحوه. والفعيلة تجمع على فعائل، والهمزة في فعائل مبدلة من الياء في فعيلة، ومثلها الألف والواو، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والمدُّ زِيد ثالثًا في الواحدِ ... همزًا يُرَى في مِثْل كالقلائدِ
فأصل خطايا: خطايئ بياء مكسورة، وهي ياء خطيئة، وهمزة بعدها هي لام الكلمة. ثم أبدلت الياء همزة على حد الإبدال في صحائف! فصارت "خطائئ" بهمزتين، ثم أبدلت الثانية ياء للزوم إبدال الهمزة المتطرفة بعد الهمزة المكسورة ياء، فصارت "خطائي"، ثم فتحت الهمزة الأولى تخفيفًا فصار "خطاءي"، ثم أبدلت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار "خطاءًا" بألفين بينهما همزة، والهمزة تشبه الألف؛ فاجتمع شبه ثلاثة ألفات، فأبدلت الهمزة ياء فصار "خطايا" بعد خمسة أعمال، وإلى ما ذكرنا أشار في الخلاصة بقوله:
وافتحْ ورُدَّ الهمز يا فيما أُعِلْ ... لامًا وفي مِثْل هراوةٍ جُعِلْ
واوًا ... إلخ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ ظاهره المتبادر منه: أن المعنى خير من فرعون وأبقى منه؛ لأنه باق لا يزول
стр. 2461
ملكه، ولا يذل ولا يموت، ولا يعزل. كما أوضحنا هذا المعنى في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ الآية. أي بخلاف فرعون وغيره من ملوك الدنيا فإنه لا يبقى، بل يموت أو يعزل، أو يذل بعد العز. وأكثر المفسرين على أن المعنى: أن ثوابه خير مما وعدهم فرعون في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾. وأبقى: أي أدْوَم؛ لأن ما وعدهم به فرعون زائل، وثواب الله باق؛ كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾. وقال بعض العلماء: ﴿وَأَبْقَى (١٧)﴾ أي أبقى عذابًا من عذابك، وأدوم منه. وعليه فهو رد لقول فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ ومعنى ﴿وَأَبْقَى (٧١)﴾ أكثر بقاء.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ .
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ﴾ أي الأمر والشأن ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿مُجْرِمًا﴾ أي: مرتكبًا الجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك كالكافر عياذًا بالله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ عند الله ﴿جَهَنَّمَ﴾ يُعَذَّب فيها فـ ﴿لَا يَمُوتُ﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ حياة فيها راحة.
وهذا الذي ذكره هنا؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا
стр. 2462
وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ , وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة:
ألا مَن لنفسٍ لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي في الدنيا حتى مات على ذلك ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾ عند الله ﴿الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ والعلى: جمع عُلْيا وهي تأنيث الأعلى. وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ونحو ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يسري بعباده، وهم بنو
стр. 2463
إسرائيل فيخرجهم من قبضة فرعون ليلًا، وأن يضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، أي يابسًا لا ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركًا من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله في سورة "الشعراء": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾، فقوله في "الشعراء": ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أي فضربه فانفلق؛ يوضح معنى قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، وقوله: ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ الآية. يوضح معنى قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٢)﴾ وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في "الدخان": ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من ذلك في سورة "البقرة" والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم. وقرأ نافع وابن كثير ﴿أَنْ أسْرِ﴾ بهمزة وصل وكسر نون "أن" لالتقاء الساكنين. والباقون قرءوا ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون ﴿أَنْ﴾ وقد قدمنا في سورة "هود" أن أسْرَى وسَرَى لغتان وبينا شواهد ذلك العربية.
وقرأ حمزة ﴿لَا تَخَفْ﴾ بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء
стр. 2464
والفاء، وهو مجزوم لأنه جزاء الطلب، أي فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف، وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف. وعلى قراءة الجمهور ﴿لَا تَخَفْ﴾ بالرفع، فلا إشكال في قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ لأنه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله: ﴿لَا تَخَافُ﴾. وأما على قراءة حمزة ﴿لَا تَخَفْ﴾ بالجزم ففي قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من ﴿تَخْشَى (٧٧)﴾ على حد قوله في الخلاصة:
.... واحذف جازما ... ثلاثَهُنَّ تقْضِ حكمًا لازِمًا
والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك.
وأُجيب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وأنت لا تخشى، أي: ومن شأنك أنك آمن لا تخشى.
والثاني: أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾، وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾.
والثالث: أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
стр. 2465
وتضحك منِّي شيخةٌ عبشمية ... كأنْ لم ترا قبلي أسيرًا يمانيًّا
وقول الراجز:
إذا العجوز غضبت فطلِّقِ ... ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ
وقول الآخر:
قلت وقد خرت على الكلكال ... يا ناقتي ما جلت من مجال
وقول عنترة في معلقته:
ينباعُ من ذِفْرى غضوبٍ جَسْرة ... زيَّافةٍ مثلَ الفنيقِ المُكْدَم
فالأصل في البيت الأول: "كأن لم تر"، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني: "ولا ترضها"، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث: "على الكلكل" يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع: "ينبع" يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة الشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون: كلكلًا، وخاتمًا، ودانقًا. وقد أوضحنا هذه المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "البلد" في الكلام على قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ مع قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾.
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾: فاجعل لهم طريقًا، من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا، وضرب
стр. 2466
اللبن عمله اهـ. والتحقيق أن ﴿يَبَسًا﴾ صفة مشبهة جاءت على "فَعَل" بفتحتين كبَطَل وحَسَن. وقال الزمخشري: اليبس مصدر وصف به؛ يقال: يبس يُبْسًا ويَبَسًا، ونحوهما العُدْم والعَدَم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس؛ إذا جف لبنها.
وقوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ الدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده، ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك. وعلى قراءة الجمهور: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فالجملة حال من الضمير في قوله: ﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: فاضرب لهم طريقًا في حال كونك غير خائف دركًا ولا خاش. وقد تقرر في علم النحو أن الفعل المضارع المنفي بلا إذا كانت جملته حالية وجب الربط فيها بالضمير وامتنع بالواو؛ كقوله هنا: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي في حال كونك لا تخاف دركًا، وقوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
ولو أن قومًا لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتُها لا أحجبُ
يعني: دخلتها في حال كوني غير محجوب، وبذلك تعلم أن قوله في الخلاصة:
وذاتُ بدءٍ بمضارعٍ ثَبَت ... حَوَت ضميرًا ومن الواو خَلَت
في مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو.
• قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ .
стр. 2467
التحقيق أن أتبع واتبع بمعنى واحد؛ فقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ أي: اتبعهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقوله: فـ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾ الآية. والمعنى: أن موسى لما أسرى ببني إسرائيل ليلًا أتبعهم فرعون وجنوده ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ أي: أغرق الله فرعون وجنوده في البحر فهلكوا عن آخرهم. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن فرعون أتبع بني إسرائيل هو وجنوده، وأن الله أغرقهم في البحر؛ أوضحه في غير هذا الموضع. وقد بين تعالى أنهم اتبعوهم في أول النهار عند إشراق الشمس، فمن الآيات الدالة على اتباعه لهم قوله تعالى في "الشعراء": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يعني سيتبعكم فرعون وجنوده. ثم بين كيفية اتباعه لهم فقال: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾.
وقوله في هذه الآية: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ أي أول النهار عند إشراق الشمس. ومن الآيات الدالة على ذلك أيضًا قوله تعالى في "يونس": ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾، وقوله في "الدخان": ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إتباعه لهم. وأما غرقه هو وجميع قومه المشار إليه بقوله هنا: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ فقد أوضحه تعالى في مواضع متعددة من كتابه العزيز؛ كقوله في "الشعراء": ﴿فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ
стр. 2468
فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ الآية، وقوله في "الأعراف": ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الآية، وقوله في "الزخرف": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله في "البقرة": ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ وقوله في "يونس": ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾، وقوله في "الدخان": ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ يدل على تعظيم الأمر وتضخيم شأنه، ونظيره في القرآن قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾، وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾. واليم: البحر. والمعنى: فأصابهم من البحر ما أصابهم وهو الغرق والهلاك المستأصل.
• قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ .
يعني أن فرعون أضل قومه عن طريق الحق وما هداهم إليها. وهذه الآية الكريمة بين الله فيها كذب فرعون في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾. والنكتة البلاغية في حذف المفعول في قوله: ﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ ولم يقل وما هداهم، هي مراعاة فواصل الآيات، ونظيره في القرآن قوله تعالى:
стр. 2469
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ .
وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: امتنانه على بني إسرائيل بإنجائه إياهم من عدوهم فرعون، وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن، وأنه نزل عليهم المن والسلوى، وقال لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم؛ ولا تطغوا فيغضب عليكم ربكم. وما ذكره هنا أوضحه في غير هذا الموضع؛ كقوله في امتنانه عليهم بإنجائهم من عدوهم فرعون في "سورة البقرة": ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾، وقوله في "الدخان": ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾، وقوله في سورة "إبراهيم": ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾، وقوله في "الشعراء": ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية، وقوله في "الدخان": ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية، وقوله في "القصص": ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً -إلى قوله- يَحْذَرُونَ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 2470
وقوله هنا: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ﴾ الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ وهو الوعد بإنزال التوراة. وقيل فيه غير ذلك.
وقوله هنا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ قد أوضح امتنانه عليهم بذلك في غير هذا الموضع؛ كقوله في "البقرة": ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله في "الأعراف": ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وأكثر العلماء على أن المن: الترنجبين، وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض. والسلوى: طائر يشبه السماني. وقيل: هو السماني. وهذا قول الجمهور في المن والسلوى. وقيل: السلوى العسل. وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل. والتحقيق: أن "السلوى" يطلق على العسل لغة؛ ومنه قول خالد بن زهير الهذلي:
وقاسمها بالله جهدًا لأنتم ألذ ... من السلوى إذا ما نشورها
يعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن الشور: استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة؛ سمي به لأنه يسلى؛ قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية. واختلفوا في السلوى؛ هل هو جمع أو مفرد؟ فقال بعضهم: هو جمع، واحده سلواة، وأنشد الخليل لذلك قول الشاعر:
وإني لتعروني لذِكْراك هِزَّة ... كما انتفض السلواة من بلل القطر
стр. 2471
ويروى هذا البيت:
• كما انتفض العصفورُ بلَّله القطرُ*
وعليه فلا شاهد في البيت. وقال الكسائي: السلوى مفرد وجمعه سلاوى. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له من لفظه؛ مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده "سلوى" مثل جماعته؛ كما قالوا: دِفْلى وسمانى وشُكَاعَى في الواحد والجمع. والدِّفْلى كذِكْرَى: شجر أخضر مر حسن المنظر، يكون في الأودية. والشُّكاعى كحُبارى وقد تفتح: نوع من دقيق النبات صغير أخضر، دقيق العيدان يتداوى به. والسمانى: طائر معروف.
قال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي منَّ الله به علي بني إسرائيل في التيه. ويشمل غير ذلك مما يماثله. ويدل على هذا قوله ﷺ الثابت في الصحيحين: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
والأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق لغة على العسل، كما بينا.
وقوله في آية "طه" هذه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة والامتنان.
وقد ذكر ذلك أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله في "البقرة": ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ
стр. 2472
كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾، وقوله في "الأعراف: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا﴾ في هذه الآيات مقول قول محذوف، أي وقلنا لهم: كلوا، والضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ راجع إلى الموصول الذي ﴿مَا﴾ أي كلوا من طيبات الذي رزقناكم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أي فيما رزقناكم. ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك.
وبين أن ذلك يسبب لهم أن يحل عليهم غضبه جل وعلا؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها؛ لأنه بعد النهي وهو طلب محض، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:
وبعدَ فا جوابَ نفي أو طَلَب ... محضَين أن وسَتْره حتمٌ وجب
وقرأ هذا الحرف الكسائي (فَيَحُلّ) بضم الحاء (ومن يَحْلُل) بضم اللام. والباقون قرءوا "يحل" بكسر الحاء و ﴿يَحْلِلْ﴾ كسر اللام. وعلى قراءة الكسائي (فيَحُل) بالضم أي ينزل بكم غضبي. وعلى قراءة الجمهور فهو من حل يحل بالكسر: إذا وجب، ومنه = حل دينه إذا وجب أداؤه. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾. وقوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ أي هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن
стр. 2473
يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر:
هوى من رأس مرقبة ... ففتت تحتها كبده
ويقولون: هوت أمه، أي سقط سقوطًا لا نهوض بعده. ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:
هَوَتْ أمُّه ما يبعثُ الصبحُ غاديًا ... وماذا يؤدي الليلُ حين يؤُوبُ
ونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ وعن شُفَي بن ماتع الأصبحي قال: إن في جهنم جبلًا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يرقاه؛ قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ وإن في جهنم قصرًا يقال له: هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفًا قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ قاله القرطبي وابن كثير، والله تعالى أعلم.
واعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك -مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين عن ذلك علوًا كبيرًا- كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة "الأعراف". وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية: "قد أنجيتكم من عدوكم وواعدتكم" بتاء المتكلم فيهما. وقرأه الباقون: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ و ﴿أَنْجَينَاكُمْ﴾ بالنون الدالة على العظمة، فصيغة الجمع في قراءة
стр. 2474
الجمهور للتعظيم. وقرأ أبو عمرو: "ووعدناكم" بلا ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد، من الوعد لا من المواعدة مع نون التعظيم.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ .
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفار أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وفي الحديث: "قل آمنت بالله ثم استقم". وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ .
أشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته
стр. 2475
موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه وجعل له الميقات المذكور، وأوصى أخاه هارون أن يخلفه في قومه، استعجل إلى الميقات فقال له ربه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع؛ كقوله في "الأعراف": ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ الآية.
وفي هذه الآية سؤال معروف: وهو أن جواب موسى ليس مطابقًا للسؤال الذي سأله ربه؛ لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقا لذلك؛ لأنه أجاب بقوله: ﴿قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ﴾ الآية.
وأجيب عن ذلك بأجوبة: (منها) أن قوله: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. (ومنها) أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم.
وقوله: ﴿هُمْ أُولَاءِ﴾ المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله:
والمد أولى ...
ولغة التميميين (أُوْلا) بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة
стр. 2476
التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر:
أولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا
وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها.
• قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ .
الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل؛ فهي فتنة إضلال؛ كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة؛ كقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
قوله هنا: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ -إلى قوله- اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ أي: اتخذوه إلهًا، وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ والسامري: قيل اسمه هرون، وقيل: اسمه موسى بن ظفر. وعن ابن عباس أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلًا من القبط؛ وكان جارًا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. والفتنة أصلها في اللغة. وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت
стр. 2477
في القرآن إطلاقات متعددة: (منها) الوضع في النار، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يحرقون بها، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية؛ أي أحرقوهم بنار الأخدود. (ومنها) الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة؛ كقوله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. (ومنها) نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وقوله هنا: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ الآية. (ومنها) الحجة، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ أسند إضلالهم إليه؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلًا جسدًا له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، وقال في "الأعراف": ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدًا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحمًا ولا دمًا، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحمًا ودمًا، كما جعل آدم لحمًا ودمًا وكان طينًا.
стр. 2478
• قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفًا على قومه من أجل عبادتهم العجل.
وقوله: ﴿أَسِفًا﴾ أي شديد الغضب. فالأسف هنا: شدة الغضب. وعلى هذا فقوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: غضبان شديد الغضب. ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في "الزخرف": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء: والأسف هنا الحزن والجزع؛ أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزينًا جزعًا لكفر قومه بعبادتهم العجل. وقيل: أسفًا أي مغتاظًا؛ وقائل هذا يقول: الفرق بين الغضب والغيظ: أن الله وصف نفسه بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ؛ حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية؛ لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور.
وقوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ حالان. وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحدًا؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والحالُ قد يجيءُ ذا تعدِّد ... لمفردٍ فاعلم وغيرِ مفردِ
وما ذكره جل وعلا في آية "طه" هذه من كون موسى رجع
стр. 2479
إلى قومه ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في "الأعراف": ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ الآية. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في "الأعراف": ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقال في "طه" مشيرًا لأخذه برأس أخيه: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان؛ لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه فلم يلق الألواح، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرًا لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لِمَا أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسيره في سورة "الأعراف": وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح".
• قوله تعالى: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ .
стр. 2480
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾.
وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن؛ أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتابًا فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ﴾ الآية، وفيه أقوال غير ذلك.
وقوله: ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد؛ كما يقال في المثل: وما بالعهد من قدم؛ لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم يطل، فكيف نسيتم؟.
وقوله: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال بعض العلماء: ﴿أَمْ﴾ هنا هي المنقطعة، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل.
وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى؛ فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره، ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قرأه نافع وعاصم ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي ﴿بِمُلْكِنَا﴾ بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بكسر
стр. 2481
الميم. والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى!! ولقد صدق من قال:
إذا كان وجه العذر ليس ببيِّن ... فإن اطِّراح العذرِ خيرٌ من العذر
وأما على قول من قال: إن الذين قالوا لموسى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ هم الذين لم يعبدوا العجل؛ لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرءوا على مفارقتهم خوفًا من الفرقة؛ فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣) قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾. والمصدر في قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي: كأنه قال: بملكنا الصواب بل أخطأنا؛ فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم.
تنبيه
كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ"لم" إذا تقدمتها همزة استفهام؛ كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء:
стр. 2482
الأول: أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتًا؛ فيصير قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ بمعنى وعدكم، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بمعنى شرحنا، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ (٨)﴾ بمعنى جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر؛ لأن "لم" حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتًا أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في "لم" فينفيه، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات.
الوجه الثاني: أن الاستفهام في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: "بلى" وعليه فالمراد من قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا: بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
فإذا عرفت أن قوله هنا: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا -إلى قوله- بِمَلْكِنَا﴾ قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ الآية؛ فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله في "الأعراف" في القصة بعينها: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾، وبين بعض ما فعل بقوله في "الأعراف": ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقد أشار إلى ذلك هنا في "طه" في قوله:
стр. 2483
﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾.
قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي (حَمَلْنَا) بفتح الحاء والميم المخففة مبنيًّا للفاعل مجردا. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبنيًّا للمفعول. و"نا" على القراءة الأولى فاعل "حمل" وعلى الثانية نائب فاعل "حمل" بالتضعيف. والأوزار في قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾ قال بعض العلماء: معناها الأثقال. وقال بعض العلماء: معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلى القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى.
وقوله: ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ المراد بالزينة الحُلي، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة، وأمَرَنا أن نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلى في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة؛ لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء
стр. 2484
جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس، أخذ السامري ترابًا مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلى في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له: كن عجلًا جسدًا له خوار؛ فجعله الله عجلًا جسدًا له خوار؛ فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه احتمال أنه من غيرهم؛ لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعينًا غير محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر؛ قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضًا من طريق عكرمة ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضًا ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافرًا بادعاء ألوهية العجل وعبادته.
стр. 2485
• قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ .
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعًا لمن عبده، ولا ضرًّا لمن عصاه. وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزًا عن النفع والضر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله في "الأعراف" في القصة بعينها: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلًا إلهًا أنه من أظلم الظالمين. ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢)﴾، وقوله تعالى عنه أيضًا: ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾. وقد قدمنا الكلام مستوفى في همزة الاستفهام التي بعدها أداة عطف كالفاء والواو، كقوله هنا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ بالرفع لأن "أن" مخففة من الثقيلة. والدليل على أنها مخففة من الثقيلة تصريحه تعالى
стр. 2486
بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في "الأعراف": ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ الآية، ورأى في آية "طه، والأعراف" علمية على التحقيق؛ لأنهم يعلمون علمًا يقينًا أن ذلك العجل المصوغ من الحُلي لا ينفع ولا يضر ولا يتكلم.
واعلم أن المقرر في علم النحو أن: "أن" لها ثلاث حالات: الأولى: أن تكون مخففة من الثقيلة قولًا واحدًا، ولا يحتمل أن تكون "أن" المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه: أن تكون بعد فعل للعلم وما جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر:
واعلم فعِلْم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
وقول الآخر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالِكٌ كلُّ من يَحْفى ويَنْتعل
وإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب كقوله:
علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
و"أن" هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكنًا غالبًا، والأغلب أن يكون ضمير الشأن. وقيل: لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:
وإن تخفف أنْ فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملةً من بعد أن
стр. 2487
وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن؛ فمن ضرورة الشعر؛ كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
لقد علمَ الضيفُ والمُرمِلون ... إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شِمالا
بأنْكَ ربيعٌ وغَيثٌ مَرِيع ... وأنك (١) هناك تكون الثِّمالا
وقول الآخر:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق
الحالة الثانية: أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع. ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة، وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بنصب ﴿تَكُونَ﴾ ورفعه، وضابط "أن" هذه أن تكون بعد فعل يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية، وقيل: إن "أن" الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب؛ نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي.
الحالة الثالثة: أن تكون "أن" ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي المصدرية الناصبة للفعل المضارع
стр. 2488
قولًا واحدًا. وإلى الحالات الثلاث المذكورة أشار بقوله في الخلاصة:
وبلَنْ انصِبْه وكي كذا بأنْ ... لا بعدَ عِلْمٍ والتي مِن بعدِ ظنْ
فانصب بها والرفعَ صحِّح واعتقِدْ ... تخفيفَها مِن أنَّ فهوَ مطَّرد
تنبيه
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهًا؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطًا بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط. انتهى كلامه. وما ذكره مقرر في الأصول؛ فكل ما توقف على شرطين فصاعدًا لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه دينارًا؛ لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة. ومحل هذا ما لم يكن تعليق الشروط على سبيل البدل فإنه يكفي فيه واحد. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهمًا؛ فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله:
وإن تعلق على شرطَين ... شيء فبالحصول للشرطين
وما على البدل قد تعلَّقا ... فبحصول واحدٍ تحقَّقا
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه
стр. 2489
يهموت. وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلى فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ (يعني الحسين ﵁ وهم يسألون عن دم البعوضة. انتهى منه.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَال لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى (٩١)﴾ .
بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامريّ وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم أن عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها؛ أي: كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلًا مصطنعًا من حُلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، والوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن يطيعوه في ذلك؛ فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى، وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه.
وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": ﴿قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ
стр. 2490
بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فقوله عنهم في خطابهم له: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ﴾ يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في "الأعراف" كما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأُعلِمَ حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًّا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه:
يا شيخُ كفَّ عن الذنوب ... قبلَ التفرُّق والزَّلَل
واعمل لنفسك صالحًا ... مادام ينفعك العمل
أما الشبابُ فقد مضى ... ومشيبُ رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما الرقص والتواجد؛ فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب؛ فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم