← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في "الأعراف": ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ الآية، ورأى في آية "طه، والأعراف" علمية على التحقيق؛ لأنهم يعلمون علمًا يقينًا أن ذلك العجل المصوغ من الحُلي لا ينفع ولا يضر ولا يتكلم. واعلم أن المقرر في علم النحو أن: "أن" لها ثلاث حالات: الأولى: أن تكون مخففة من الثقيلة قولًا واحدًا، ولا يحتمل أن تكون "أن" المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه: أن تكون بعد فعل للعلم وما جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر: واعلم فعِلْم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا وقول الآخر: في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالِكٌ كلُّ من يَحْفى ويَنْتعل وإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب كقوله: علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل و"أن" هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكنًا غالبًا، والأغلب أن يكون ضمير الشأن. وقيل: لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وإن تخفف أنْ فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملةً من بعد أن

стр. 2487

وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن؛ فمن ضرورة الشعر؛ كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب: لقد علمَ الضيفُ والمُرمِلون ... إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شِمالا بأنْكَ ربيعٌ وغَيثٌ مَرِيع ... وأنك (١) هناك تكون الثِّمالا وقول الآخر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق الحالة الثانية: أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع. ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة، وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بنصب ﴿تَكُونَ﴾ ورفعه، وضابط "أن" هذه أن تكون بعد فعل يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية، وقيل: إن "أن" الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب؛ نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي. الحالة الثالثة: أن تكون "أن" ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي المصدرية الناصبة للفعل المضارع

стр. 2488

قولًا واحدًا. وإلى الحالات الثلاث المذكورة أشار بقوله في الخلاصة: وبلَنْ انصِبْه وكي كذا بأنْ ... لا بعدَ عِلْمٍ والتي مِن بعدِ ظنْ فانصب بها والرفعَ صحِّح واعتقِدْ ... تخفيفَها مِن أنَّ فهوَ مطَّرد تنبيه قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهًا؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطًا بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط. انتهى كلامه. وما ذكره مقرر في الأصول؛ فكل ما توقف على شرطين فصاعدًا لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه دينارًا؛ لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة. ومحل هذا ما لم يكن تعليق الشروط على سبيل البدل فإنه يكفي فيه واحد. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهمًا؛ فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله: وإن تعلق على شرطَين ... شيء فبالحصول للشرطين وما على البدل قد تعلَّقا ... فبحصول واحدٍ تحقَّقا وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه

стр. 2489

يهموت. وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلى فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ (يعني الحسين ﵁ وهم يسألون عن دم البعوضة. انتهى منه. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَال لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى (٩١)﴾ . بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامريّ وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم أن عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها؛ أي: كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلًا مصطنعًا من حُلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، والوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن يطيعوه في ذلك؛ فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى، وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": ﴿قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ

стр. 2490

بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فقوله عنهم في خطابهم له: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ﴾ يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في "الأعراف" كما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأُعلِمَ حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًّا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه: يا شيخُ كفَّ عن الذنوب ... قبلَ التفرُّق والزَّلَل واعمل لنفسك صالحًا ... مادام ينفعك العمل أما الشبابُ فقد مضى ... ومشيبُ رأسك قد نزل وفي مثل هذا ونحوه. الجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما الرقص والتواجد؛ فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب؛ فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم

стр. 2491

الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق. انتهى منه للفظه. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد قدمنا في سورة "مريم" ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق؛ ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلامًا مفصلًا كما هو معلوم، كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني، وكعون بن عبد الله الذي كان يقال له: حكيم الأمة، وأضرابهما، وكسهل بن عبد الله التستري، وأبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فمن كان منهم متبعًا لرسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال، وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال. نعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء، أن عامة الذين يدعون التصوف في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف

стр. 2492

العقول من طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعًا وخدمًا، وأموالًا وجاهًا، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعملون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال: إذا رأيت رجلًا يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف عند حدودِ الشرع ... فإنه مُسْتدرج أو بِدعي والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، فمن كان عمله مخالفًا للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال، ومن كان عمله موافقًا لما جاء به نبينا ﵊ فهو المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه ﷺ التي هي محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. • قوله تعالى: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ . قال بعض أهل العلم: "لا" في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في "الأعراف": ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ قال لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؛

стр. 2493

بدليل قوله في القصة بعينها في سورة "ص": ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية؛ فحذف لفظة "لا" في "ص" مع ثبوتها في "الأعراف" والمعنى واحد؛ فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة "لا" في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة؛ كقوله هنا: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي ما منعك أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ بدليل قوله في "ص": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: فوربك لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ الآية على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: فلا وأبيك ابنةَ العامري ... لا يدَّعِي القومُ أني أَفِرْ يعني: فوأبيك. وقول أبي النجم: فما ألوم البِيضَ ألا تسخرا ... لما رأَين الشَّمَط القَفَنْدَرا يعني: أن تسخر. وقول الآخر: ما كان يرضي رسول الله دينهم ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر يعني: وعمر. وقول الآخر:

стр. 2494

وتلحينني في اللهو ألَّا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل يعني أن أحبه، و"لا" مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبهه كالمنع في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ونحو ذلك. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم: أن زيادة لفظة "لا" لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة "لا" قول ساعدة الهذلي: أفعنك لا برق كان وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب ويروى "أفمنك" بدل "أفعنك" و"تشيمه" بدل "تسنمه" يعني أعنك برق و"لا" زائدة للتوكيد، والكلام ليس فيه معنى الجحد. ونظيره قول الآخر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني: كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة "لا" قول العجاج: في بئر لا حور سرى وما شعر ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر والحور الهلكة؛ يعني في بئر هلكة و"لا" زائدة للتوكيد؛ قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "البلد". • قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ . الظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله

стр. 2495

تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾. وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب؛ لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فجعل أمره وأمر رسوله ﷺ مانعا من الاختيار، موجبا للامتثال. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل في قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها؛ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: وافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب الخ. • قوله تعالى: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هارون قال لأخيه موسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته. وقد بين تعالى في "الأعراف" أنه أخذ برأسه يجره إليه؛ وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ من بقية كلام هارون؛

стр. 2496

أي: خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي: لم ترقب قولي، أي: لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري. تنبيه هذه الآية الكريمة بضميمة آية "الأنعام" إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها. وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم، وأمره ﷺ بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه، كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة "المائدة" وقد قدمنا هناك: أنه ثبت في صحيح البخاري: أن مجاهدًا سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في "ص" قال: أوَ ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ .. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله ﷺ (١) . فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ﷺ بالاقتداء بهم في سورة "الأنعام"، وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفرًا شعر لحيته بدليل قوله

стр. 2497

لأخيه: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾؛ لأنه لو كان حالقًا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته. تبين لك من ذلك بإيضاح: أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية. وقد كان ﷺ كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم سورة. والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق. نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقًّا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها لشهرتها بين الناس، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك. وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن. وإنما قال هرون لأخيه: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ لأن قرابة الأم أشد عطفًا وحنانًا من قرابة الأب. وأصله: يابنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفًا وحذف الألف المبدلة منها كما هنا، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله: وفتحٌ أو كسرٌ وحذفُ اليا استَمَرْ ... في يا ابن أُمَّ يا ابنَ عمَّ لا مفَرْ وأما ثبوت ياء المتكلم في قول حرملة بن المنذر: يا بنؤمِّي ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لدهر شديد

стр. 2498

فلغة قليلة. وقال بعضهم: هو لضرورة الشعر. وقوله: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ قرأه ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم. وقرأه الباقون بفتحها. وكذلك قوله في "الأعراف": ﴿قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ . بين جل وعلا في هذه الآية: أن العجل الذي صنعه السامري من حُليّ القبط لا يمكن أن يكون إلهًا؟ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق بـ ﴿إِنَّمَا﴾ التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السموات والأرض، الذي لا إله إلا هو؛ أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علمًا. وقوله: ﴿عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، وأنه وسع كل شيء علمًا. ذكره في آيات كثيرة من كتابه تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في إحاطة علمه بكل شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ

стр. 2499

وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. • قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ . الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك من أنباء ما سبق قصصًا مثل ذلك القَصَص الحسن الحق الذي قصصنا عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري. والظاهر أن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ للتبعيض، ويفهم من ذلك أن بعضهم لم يقصص عليه خبره. ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى في سورة "النساء": ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله في سورة "المؤمن": ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله في سورة "إبراهيم": ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية. والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الذي له شأن. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه قص على نبيه ﷺ أخبار الماضين؛ أي ليبين بذلك صدق نبوته؛ لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما عَلِمه = بِيَّنه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله في "آل عمران": ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به. وقوله تعالى في سورة "هود": ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهَا إِلَيكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا

стр. 2500

أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾، وقوله في "هود" أيضًا: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية. وقوله تعالى في سورة "يوسف": ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾، وقوله في "يوسف" أيضًا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾، وقوله في "القصص": ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر﴾، وقوله فيها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاويًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، إلى غير ذلك من الآيات. يعني لم تكن حاضرًا يا نبي الله لتلك الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل. • وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾ . أي: أعطيناك من عندنا ذكرًا وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله؛ كقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم في

стр. 2501

تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه تعالى؛ ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكرًا فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ اهـ المراد من كلام الرازي. ويدل للوجه الثاني في كلامه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. • قوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي: صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من القصص والأمثال، ونحو ذلك؛ فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرًا تشبيهًا في ثقلها على المعاقَب وصعوبة احتمالها بالحِمْل الذي يفدح

стр. 2502

الحامل وينقض ظهره، ويُلقي عليه بُهْره. أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله: على أن المجرمين يأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم؛ أي: أثقال ذنوبهم على ظهورهم؛ كقوله في سورة "الأنعام": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾، وقوله في "النحل": ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ وقوله في "العنكبوت": ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ ، وقوله في "فاطر": ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. وبهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن: تعلم أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا﴾ وقوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أن المرادَ بذلك الوزرِ المحمولِ أثقالُ ذنوبهم وكفرهم يأتون يوم القيامة يحملونها؛ سواء قلنا: إن أعمالهم السيئة تتجسم في أقبح سورة وأنتنها، أو غير ذلك كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله. وقد قدمنا عمل ﴿وَسَاءَ﴾ التي بمعنى يئس مرارًا؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ يريد مقيمين فيه، أي في جزائه، وجزاؤه جهنم.

стр. 2503

تنبيه إفراد الضمير في قوله: ﴿أَعْرِضْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿يُحْمَلْ﴾ باعتبار لفظ ﴿مَنْ﴾. وأما جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ وضمير ﴿لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فباعتبار معنى "من" كقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: اللام في ﴿لَهُمْ﴾ ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان كما في ﴿هَيتَ لَكَ﴾. • قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم يسألونه عن الجبال، وأمره أن يقول لهم: إن ربه ينسفها نسفًا، وذلك بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتهايل الذي يسيل، وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. واعلم أنه جل وعلا بين الأحوال التي تصير إليها الجبال يوم القيامة في آيات من كتابه. فبين أنه ينزعها من أماكنها. ويحملها فيدكها دكًا؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾. ثم بين أنه يسيرها في الهواء بين السماء والأرض؛ وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ

стр. 2504

صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾. ثم بين أنه يفتتها ويدقها كقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي: فتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن أو نحوه، على القول بذلك، وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾. ثم بين أنه يصيرها كالرمل المتهايل، وكالعِهْن المنفوش، وذلك في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ في "المعارج، والقارعة". والعهن: الصوف المصبوغ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: كأن فُتات العِهن في كل منزلٍ ... نزلنَ به حبُّ الفنا لم يُحَطَّم ثم بين أنها تصير كالهباء المنبثّ في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ثم بين أنها تفسير سرابًا، وذلك في قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ وقد بين في موضع آخر: أن السراب لا شيء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ وبين أنّه ينسفها نسفًا في قوله هنا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. تنبيه جرت العادة في القرآن: أن الله إذا قال لنبيه ﷺ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ قال له: ﴿قُلِ﴾ بغير فاء؛ كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾

стр. 2505

الآية، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، أما في آية "طه" هذه فقال فيها: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا﴾ بالفاء. وقد أجاب القرطبي ﵀ عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أي: عن حال الجبال يوم القيامة ﴿فَقُل﴾ جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن "قل" بغير فاء إلا هذا؛ لأن المعنى: إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت، سألوا عنها النبي ﷺ فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه. انتهى منه. وما ذكره يحتاج إلى دليل، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ . الضمير في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء: أحدهما: أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر. ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر. وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن

стр. 2506

بإيضاح في سورة "النحل" فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والثاني: أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارّها لأنها مفهومة من ذكر الجبال. والمعنى: فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعًا صفصفًا. والقاع: المستوي من الأرض. وقيل: مستنقع الماء. والصفصف: المستوي الأملس الذي لا نبات فيه ولا بناء، فإنه على صف واحد في استوائه. وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى: وكم دون بيتك من صفصف ... ودكداك رمل وأعقادها ومنه قول الآخر: وملومة شهباء لو قذفوا بها ... شماريخ من رضوى إذًا أعاد صفصفا وقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ أي: لا اعوجاج فيها ولا أمت. والأمت: النتوء اليسير؛ أي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد: فاعرنزمَتْ ثم سارت وهي لاهيةٌ ... في كافر ما به أمتٌ ولا شرفُ وقول الآخر: فأبصرَتْ لمحةً من رأس عِكْرِشةٍ ... في كافر ما به أَمتٌ ولا عِوَجُ والكافر في البيتين: قيل: الليل. وقيل: المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع والانحدار في الأرض. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: قد

стр. 2507

فرقوا بين العِوَج والعَوَج. فقالوا: العِوَج بالكسر في المعاني. والعَوَج بالفتح في الأعيان. والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟. قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون. وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لِمَا لم يُدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني فقيل فيه: عِوج بالكسر، والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت. انتهى منه. وقد قدمنا في أول سورة الكهف ما يغني عن هذا الكلام الذي ذكره، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾ . قوله: ﴿يَوْمَئِذ﴾ أي: يوم إذ نسفت الجبال يتبعون الداعي. والداعي: هو الملك الذي يدعوهم إلى الحضور للحساب. قال بعض أهل العلم: يناديهم أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون

стр. 2508

الصوت ويتبعونه. ومعنى ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يحيدون عنه، ولا يميلون يمينًا ولا شمالًا. وقيل: لا عوج لدعاء الملك عن أحد، أي: لا يعدل بدعائه عن أحد، بل يدعوهم جميعًا. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من اتباعهم للداعي للحساب، وعدم عدولهم عنه = بيَّنه في غير هذا الموضعِ، وزاد أنهم يسرعون إليه، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾، والإهطاع: الإسراع. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: خفضت وخفتت، وسكنت هيبةً لله، وإجلالًا وخوفًا ﴿فَلَا تَسْمَعُ﴾ في ذلك اليوم صوتًا عاليًا، بل لا تسمع ﴿إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾ أي: صوتًا خفيًّا خافتًا من شدة الخوف. أو ﴿إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾ أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر. والهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام؛ كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قوله الراجز: وهنَّ يمشين بنا هميسَا ... إن تصدق الطير ننك لميسَا وما ذكره جل وعلا هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨)﴾.

стр. 2509

وقوله هنا: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ الآية، قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في "مريم" وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ . قوله: ﴿وَعَنَتِ﴾ أي: ذلَّت وخضعت؛ تقول العرب: عنا يعنو عنوًا أو عناء: إذ ذلَّ وخضع وخشع؛ ومنه قيل للأسير: عان؛ لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد وقوله أيضًا: وعنا له وجهي وخلقي كله ... في الساجدين لوجهه مشكورا واعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصاة خاصة وذلك يوم القيامة؛ وأسند الذل والخشوع لوجوههم؛ لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ وعلى هذا القول اقتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة. وقال بعض العلماء ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة؛ لأن

стр. 2510

السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا. وقوله في هذه الآية: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال بعض العلماء: أي خسر من حمل شركًا. وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلمًا، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والأظهر أن الظلم في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يعم الشرك وغيره من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ الحي: المتصف بالحياة الذي لا يموت أبدًا. والقيوم صيغة مبالغة، لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شئون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القيوم الدائم الذي لا يزول. • قوله تعالى. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾،

стр. 2511

وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا ذلك. وفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله. والهضم: النقص والمنع من بعض الحق. فكل ظلم هضم، ولا ينعكس. ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي: إن الأذلة واللئام لمعشر ... مولاهم المُتَهضَّم المظلوم فالمتهضَّم: اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ماعدا ابن كثير ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ بضم الفاء وبألف بعد الخاء مرفوعًا ولا نافية؛ أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. وقرأه ابن كثير "فلا يَخَفْ" بالجزم من غير ألف بعد الخاء. وعليه فـ"لا" ناهية جازمة للمضارع. وقول القرطبي في تفسيره: إنه على قراءة ابن كثير مجزوم؛ لأنه جواب لقوله: ﴿وَمَن يعمَل﴾؛ غلط منه ﵀؛ لأن الفاء في قوله: (فلا يخف) مانعة من ذلك. والتحقيق هو ما ذكرنا من أن "لا" ناهية على قراءة ابن كثير، والجملة الطلبية جزاء الشرط، فيلزم اقترانها بالفاء؛ لأنها لا تصلح فعلًا للشرط كما قدمناه مرارًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة "الكهف" فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ .

стр. 2512

كان النبي ﷺ إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه ﷺ من شدة حرصه على حفظ القرآن؛ فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع؛ كقوله في "القيامة": ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾. وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع؛ فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه. اهـ • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة. وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا

стр. 2513

الموضع، كقوله في سورة "البقرة": ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هو عهده إلى آدم المذكور هنا. وقوله في "الأعراف": ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. وقوله تعالى: ﴿فَنسِيَ﴾ فيه للعلماء وجهان معروفان: أحدهما: أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمدًا. والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ فالمراد في هذه الآية: الترك قصدًا. وكقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾: وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿فَنسَى﴾ أي ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة؛ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده. والوجه الثاني: هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر؛ لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها. غيره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور؛ كما يشير إليه قوله تعالى:

стр. 2514

﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: إنما سمى الإنسان لأنه عهد إليه فنسى. رواه عنه ابن أبي حاتم اهـ. ولقد قال بعض الشعراء: وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّب أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾، وأما على الثاني ففيه إشكال معروف؛ لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾. وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذورًا بالنسيان، وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطإ والإكراه من خصائص هذه الأمة، كقوله هنا: ﴿فَنسَى﴾ مع قوله: ﴿وَعَصَى﴾ فأسند إليه النسيان والعصيان؛ فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "نعم قد فعلت". فلو كان ذلك معفوًا عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ويؤيد ذلك حديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فقوله: "تجاوز لي عن أمتي" يدل على الاختصاص بأمته، وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل. والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديمًا وحديثًا يتلقونه بالقبول. ومن الأدلة على ذلك

стр. 2515

حديث طارق ابن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذبابٍ قرَّبه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابًا قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره؛ لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذرًا. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ فقوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ دليل على الإكراه. وقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ دليل على عدم العذر بذلك الإكراه؛ كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع. واعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ. والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة؛ كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ فجعل صوم الشهرين بدلًا من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ذلك: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطإ، مع قوله: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وما قدمنا من حديث مسلم: أن النبي ﷺ لما قرأ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "نعم قد فعلت"، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة، والكفارة المذكورة قال بعض أهل العلم: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾

стр. 2516

هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ؛ لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن. واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك؛ كما قال هنا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾، يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال الله فيهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ . وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ أي لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزامِ الأمر. وأقوال العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ قال أبو حيان في البحر: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ وأن يكون نقيض العدم؛ كأنه قال: وعدمنا له عزمًا. اهـ منه. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا

стр. 2517

إِبْلِيسَ أَبَى﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. أي: أبى أن يسجد؛ فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضًا في "الحجر" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. وقوله في آية "الحجر" هذه: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ يبين معمول ﴿أَبَى﴾ المحذوف في آية "طه" هذه التي هي قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح به في "الحجر"، وكما أشار إلى ذلك في "الأعراف" في قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ وذكر عنه في سورة "ص" الاستكبار وحده في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾، وذكر عنه الإباء والاستكبار معًا في سورة "البقرة" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. وقد بينا في سورة "البقرة" سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة "الكهف" كلام العلماء فيه؛ هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ .

стр. 2518

قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في "الكهف" فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب؛ لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض، ثم يزرعها، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك، ثم يدرسه، ثم ينقيه، ثم يطحنه، ثم يعجنه، ثم يخبزه. فهذا شقاؤه المذكور. والدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية: التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري، والكسوة والسكن. قال الزمخشري: وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرْي والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. اهـ. فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعرى والضحاء. والجوع معروف، والظمأ: العطش. والعُري بالضم: خلاف اللبس.

стр. 2519

وقوله: ﴿وَلَا تَضْحَى (١١٩) ﴾ أي لا تصير بارزًا للشمس، ليس لك ما تستكِنُّ فيه من حرها. تقول العرب: ضحي يضحى، كرضي يرضى. وضحَى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزًا لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة: رأتْ رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيَضْحَى وأما بالعشى فيَحضَر (١) وقول الآخر: ضحيت له كي أستظلّ بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعًا وشعبة عن عاصم ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ بفتح همزة "أن"، والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها معطوف على المصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ أي: وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. ويجوز في المصدر المعطوف المذكور النصب والرفع، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب "إن" بعد أن تستكملا وإيضاح تقدير المصدرين المذكورين: إن لك عدم الجوع فيها، وعدم الظمأ. تنبيه أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها لأن الله لما قال: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ

стр. 2520

الْجَنَّةِ﴾ بخطاب شامل لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها: من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن. قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج. فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها علي بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن. فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور. فأما هذه الأربعة فلابد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة اهـ منه. وذكر في قصة آدم: أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات من الجنة، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح العرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الآية. والظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع المعنوي في إصطلاح البلاغيين، هو ما يسمى "مراعاة النظير"، ويسمى "التناسب والائتلاف، والتوفيق والتلفيق"؛ فهذه كلها أسماء لهذا النوع من البديع المعنوي. وضابطه: أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد؛ كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد. وكقول البحتري يصف الإبل الأنضاء

стр. 2521

المهازيل، أو الرماح: كالقِسِيّ المعطَّفات بل الأسـ ... ـهمِ مَبريَّة، بل الأوتار وبين "الأسهم والقسي المعطفات والأوتار" مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق: أصحُّ وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم أحاديثُ ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم فقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير تميم. وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري: كأنَّ الثريا عُلِّقت في جبينه ... وفي خدِّه الشِّعرى وفي وجهه البدر فقد ناسب بين الثريا والشعرى والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه. وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة. وإذا علمت هذا فاعلم: أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العُري المتضمن لنفي الألم الظاهري من أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد. كما أنه تعالى ناسب في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ. وبين نفي الضَّحى المتضمن لنفي

стр. 2522

الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح. بما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن في الآية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها؛ لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك من التناسب. وقالوا: ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس: كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال ولم أسبا الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فقطع ركوب الجواد من قوله: "لخيلي كري كرة" وقطع "تبطن الكاعب" عن شرب "الزق الروي" مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذَّه ومفاخره ويكثرها = كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ . الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحَلْي: وسواس. والوِسْواس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الاسم، وهو أيضًا من أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ ويقال لحديث النفس: وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت

стр. 2523

الحَلْي قول الأعشى: تسمعُ للحَلْي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عِشرقٌ زَجِل ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة: فبات يُشْئِزُه ثأدٌ ويُسْهِره ... تَذَؤبُ الريحِ والوسواسُ والهَضَبُ وقول رؤبة: وسوسَ يدعو مخلصًا ربَّ الفلق ... سرًّا وقد أوَّنَ تأوين العُقُق في الزرب لم يمضع شربًا ما بصق وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ أي: كلمه كلامًا خفيًّا فسمعه منه آدم وفهمه. والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد أوضح هذا في سورة "الأعراف" وبين أنه وسوس إلى حواء أيضًا مع آدم، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ -إلى قوله- وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾؛ لأن تصريحَه تعالى في آية "الأعراف" هذه بأن إبليس قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب: دليلٌ واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع. واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالًا معروفًا، وهو أن يقال: إبليس قد أخرج من الجنة صاغرًا مذمومًا مدحورًا، فكيف

стр. 2524

أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك. وكلُّ ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبًا من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس. فلا محال عقلًا في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، وحلف له حتى غيره وزَوْجَه بذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود؛ لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالدًا لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ يدل لمعنى قراءة من قرأ (إلا أن تكونا مَلِكَين) بكسر اللام. وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ هو معنى قوله في "طه": ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. والحاصل: أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء: أنهما إن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة: أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة.

стр. 2525

تنبيه في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف عدى فعل الوسوسة في "طه" بإلى في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ مع أنه عداه في "الأعراف" باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. أحدها: أن حروف الجر يخْلُف بعضها بعضًا؛ فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك. قال الجوهري في صحاحه: وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ يريد إليهما، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل اهـ. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن الأجوبة عن ذلك: إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: فإن قلت كيف عدى ﴿فَوَسْوَسَ﴾ تارة باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ وأخرى بإلى؟ قلت: وسَوْسَة الشيطان كوَلْوَلة الثكلَى، ووَعوَعة الذئب، ووَقْوَقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوَّت وأجْرَس؛ ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي: وسوس يدعو مخلصا ربَّ الفلق ... ......................... فإذا قلت: وسوس له؛ فمعناه لأجله؛ كقوله: أجْرِس لها يا ابن أبي كباش ... فما لها الليلة من إنفاش غير السُّرى وسائق نجّاش ومعنى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ أنهى إليه الوسوسة؛ كقوله:
следующие страницы →