Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
المهازيل، أو الرماح:
كالقِسِيّ المعطَّفات بل الأسـ ... ـهمِ مَبريَّة، بل الأوتار
وبين "الأسهم والقسي المعطفات والأوتار" مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق:
أصحُّ وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديثُ ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
فقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير تميم. وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري:
كأنَّ الثريا عُلِّقت في جبينه ... وفي خدِّه الشِّعرى وفي وجهه البدر
فقد ناسب بين الثريا والشعرى والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه. وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة.
وإذا علمت هذا فاعلم: أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العُري المتضمن لنفي الألم الظاهري من أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد. كما أنه تعالى ناسب في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ. وبين نفي الضَّحى المتضمن لنفي
стр. 2522
الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح.
بما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن في الآية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها؛ لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك من التناسب. وقالوا: ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
ولم أسبا الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
فقطع ركوب الجواد من قوله: "لخيلي كري كرة" وقطع "تبطن الكاعب" عن شرب "الزق الروي" مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذَّه ومفاخره ويكثرها = كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ .
الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحَلْي: وسواس. والوِسْواس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الاسم، وهو أيضًا من أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ ويقال لحديث النفس: وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت
стр. 2523
الحَلْي قول الأعشى:
تسمعُ للحَلْي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عِشرقٌ زَجِل
ومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة:
فبات يُشْئِزُه ثأدٌ ويُسْهِره ... تَذَؤبُ الريحِ والوسواسُ والهَضَبُ
وقول رؤبة:
وسوسَ يدعو مخلصًا ربَّ الفلق ... سرًّا وقد أوَّنَ تأوين العُقُق
في الزرب لم يمضع شربًا ما بصق
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ أي: كلمه كلامًا خفيًّا فسمعه منه آدم وفهمه. والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد أوضح هذا في سورة "الأعراف" وبين أنه وسوس إلى حواء أيضًا مع آدم، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ -إلى قوله- وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾؛ لأن تصريحَه تعالى في آية "الأعراف" هذه بأن إبليس قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب: دليلٌ واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع.
واعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالًا معروفًا، وهو أن يقال: إبليس قد أخرج من الجنة صاغرًا مذمومًا مدحورًا، فكيف
стр. 2524
أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك. وكلُّ ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبًا من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس. فلا محال عقلًا في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، وحلف له حتى غيره وزَوْجَه بذلك.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود؛ لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالدًا لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ يدل لمعنى قراءة من قرأ (إلا أن تكونا مَلِكَين) بكسر اللام. وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ هو معنى قوله في "طه": ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾.
والحاصل: أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء: أنهما إن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة: أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة.
стр. 2525
تنبيه
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف عدى فعل الوسوسة في "طه" بإلى في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ مع أنه عداه في "الأعراف" باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة.
أحدها: أن حروف الجر يخْلُف بعضها بعضًا؛ فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك.
قال الجوهري في صحاحه: وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ يريد إليهما، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل اهـ. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن الأجوبة عن ذلك: إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: فإن قلت كيف عدى ﴿فَوَسْوَسَ﴾ تارة باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ وأخرى بإلى؟ قلت: وسَوْسَة الشيطان كوَلْوَلة الثكلَى، ووَعوَعة الذئب، ووَقْوَقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوَّت وأجْرَس؛ ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي:
وسوس يدعو مخلصا ربَّ الفلق ... .........................
فإذا قلت: وسوس له؛ فمعناه لأجله؛ كقوله:
أجْرِس لها يا ابن أبي كباش ... فما لها الليلة من إنفاش
غير السُّرى وسائق نجّاش
ومعنى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ أنهى إليه الوسوسة؛ كقوله:
стр. 2526
حدث إليه وأسر إليه. اهـ منه. وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجر؛ وإتيان بعضها مكان بعض هل هو بالنظر إلى التضمين، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض؟ وسنذكر مثالًا واحدًا من ذلك يتضح به المقصود؛ فقوله تعالى مثلًا: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية، على القول بالتضمين. فالحرف الذي هو "من" وارد في معناه، لكن "نصر" هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص، أي أنجيناه وخلصناه من الذين كذبوا بآياتنا. والإنجاء مثلًا يتعدى بمن. وعلى القول الثاني فـ"نصر" وارد في معناه، لكن "من" بمعنى على، أي نصرناه على القوم الذين كذبوا الآية، وهكذا في كل ما يشاكله.
وقد قدمنا في سورة "الكهف" أن اختلاف العلماء في تعيين الشجرة التي نهى الله آدم عن الأكل منها اختلاف لا طائل تحته، لعدم الدليل على تعيينها، وعدم الفائدة في معرفة عينها. وبعضهم يقول: هي السنبلة. وبعضهم يقول: هي شجرة الكرم. وبعضهم يقول: هي شجرة التين، إلى غير ذلك من الأقوال.
• قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ .
الفاء في قوله: ﴿فَأَكَلَا﴾ تدل على أن سبب أكلهما هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة. وكذلك الفاء في قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما
стр. 2527
من الشجرة المذكورة، فكانت وسوسة الشيطان سببًا للأكل من تلك الشجرة. وكان الأكل منها سببًا لبدو سوءاتهما. وقد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه): أن الفاء تدل على التعليل كقولهم: سها فسجد، أي لِعِلّة سهوه. وسرق فقطعت يده، أي لِعِلّة سرقته، كما قدمناه مرارًا. وكذلك قوله هنا: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ أي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما سوءاتها، أي بسبب ذلك الأكل، ففي الآية ذكر السبب. وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم وحواء؛ جاءَ مبينًا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما. وفي القراءة الأخرى "فأزالهما" وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه، أي من نعيم الجنة، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وما ذكره جل وعلا في آية "طه" هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في "الأعراف": ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، وقوله فيها. أيضًا: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.
وقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنهما انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة، فبدت سوءاتهما
стр. 2528
أي عوراتهما. وسميت العورة سوءة لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال هنا: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، وقال في "الأعراف": ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ أي شرعا؛ فهي من أفعال الشروع، ولا يكون خبر أفعال الشروع إلا فعلًا مضارعًا غير مقترن بـ"أن" وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله:
..................... ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا
كأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق
فمعنى قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ أي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما. والعرب تقول: خصف النعل يخصفها: إذا خرزها؛ وخصف الورق على بدنه: إذا ألزقها وأطبقها عليه ورقة ورقة. وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة التي طفق آدم وحواء يخصفان عليهما منه إنه ورق التين. والله تعالى أعلم.
واعلم أن الستر الذي كان على آدم وحواء، وانكشف عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه؛ فقالت جماعة من أهل العلم: كان عليهما لباس من جنس الظفر؛ فلما أكلا من الشجرة أزاله الله عنهما إلا ما أبقى منه على رءوس الأصابع. وقال بعض أهل العلم: كان لباسهما نورًا يستر الله به سوءاتهما. وقيل: لباس من ياقوت، إلى غير ذلك من الأقوال . وهو من الاختلاف الذي
стр. 2529
لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه كما قدمنا كثيرًا من أمثلة ذلك في سورة "الكهف". وغاية ما دل عليه القرآن: أنهما كان عليهما لباس يسترهما الله به؛ فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما. ويمكن أن يكون اللباس المذكور الظفر أو النور، أو لباس التقوى، أو غير ذلك من الأقوال المذكورة فيه.
وأسند جلا وعلا إبداء ما ووري عنهما من سوءاتهما إلى الشيطان قوله: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ كما أسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ لأنه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريبًا. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جعل سبب الزلة في هذه الآية وهو وسوسة الشيطان مختصًّا بآدم دون حواء قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ مع أنه ذكر أن تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معًا كما أوضحناه.
والجواب ظاهر، وهو أنه بين في "الأعراف" أنه وسوس لحواء أيضًا مع آدم في القصة بعينها في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ فبينت آية "الأعراف" ما لم تبينه آية "طه" كما ترى، والعلم عند الله تعالى.
مسألة
أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة: وجوب ستر العورة؛ لأن قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يدل على قبح انكشاف العورة، وأنه ينبغي بذل الجهد في سترها. قال
стр. 2530
القرطبي ﵀ في تفسيره في سورة "الأعراف" ما نصه: وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي: أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة عليه التستر بها كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم. انتهى كلام القرطبي.
ووجوب ستر العورة في الصلاة مجمع عليه بين المسلمين. وقد دلت عليه نصوص من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، وكبعثه ﷺ من ينادي عام حج أبي بكر بالناس عام تسع: "ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان". وكذلك لا خلاف بين العلماء في منع كشف العورة أمام الناس. وسيأتي بعض ما يتعلق بهذا إن شاء الله في سورة "النور".
فإن قيل: لم جمع السوءات في قوله: ﴿سَوءاتُهُمَا﴾ مع أنهما سوأتان فقط؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن آدم وحواء كل واحد منهما له سوءتان: القبل والدبر، فهي أربع، فكل منهما يرى قبل نفسه وقبل الآخر، ودبره. وعلى هذا فلا إشكال في الجمع.
الوجه الثاني: أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزاءه جاز في ذلك المضاف الذي هو شيئان الجمع والتثنية، والإفراد، وأفصحها الجمع، فالإفراد، فالتثنية على الأصح، سواء كانت
стр. 2531
الإضافة لفظا أو معنى. ومثال اللفظ: شربت رءوس الكبشين أو رأسهما، أو رأسيهما. ومثال المعنى: قطعت من الكبشين الرءوس، أو الرأس، أو الرأسين. فإن فرق المثنى المضاف إليه فالمختار في المضاف الإفراد، نحو: على لسان داود وعيسى ابن مريم. ومثال جمع المثنى المضاف المذكور الذي هو الأفصح قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، ومثال الإفراد قول الشاعر:
حمامة بطن الواديين ترنَّمي ... سقاك من الغير الغوادي مطيرها
ومثال التثنية قول الراجز:
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين
والضمائر الراجعة إلى المضاف المذكور المجموع لفظًا وهو مثنى معنًى، يجوز فيها الجمع نظرًا إلى اللفظ، والتثنية نظرًا إلى المعنى، فمن الأول قوله:
خليلي لا تهلك نفوسكما أسى ... فإن لها فيما به دهيت أسى
ومن الثاني قوله:
قلوبكما يغشاهما الأمن عادة ... إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر
الوجه الثالث: ما ذهب إليه مالك بن أنس من أن أقل الجمع اثنان. قال في مراقي السعود:
أقل معنى الجمع في المشتهر ... الاثنان في رأي الإمام الحِمْيَري
وأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف
стр. 2532
إليه، أي كانا غير جزءيه؛ فالقياس الجمع وفاقًا للفراء، كقولك: ما أخرجكما من بيوتكما، وإذا أويتما إلى مضاجعكما، وضرباه بأسيافهما، وسألتا عن إنفاقهما على أزواجهما، ونحو ذلك.
• قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ .
المعصية خلف للطاعة، فقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ أي: لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه من قربان تلك الشجرة.
وقوله: ﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب. فمعنى الآية: لم يطع آدم ربه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة. وهذا العصيان والغي بين الله جل وعلا في غير موضع من كتابه أن المراد به: أن الله أباح له أن يأكل هو وامرأته من الجنة رغدًا حيث شاءا، ونهاهما أن يقربا شجرة معينة من شجرها؛ فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويحلف لهما بالله إنه لهما لناصح، وإنهما إن أكلا منها نالا الخلود والملك الذي لا يبلى. فخدعهما بذلك كما نص الله على ذلك في قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ فأكلا منها، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا؛ وهو مروي عن عمر. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي والحاكم: "المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم". وأنشد لذلك نفطويه:
إن الكريم إذا تشاء خدعتَه ... وترى اللئيم مجرِّبًا لا يُخْدَع
فآدم ﵊ ما صدرت منه الزلة إلا بسبب غرور إبليس له. وقد قدمنا قول بعض أهل العلم: إن آدم من شدة
стр. 2533
تعظيمه لله اعتقد أنه لا يمكن أن يحلف به أحد وهو كاذب فأنساه حلف إبليس بالله العهد بالنهي عن الشجرة. وقول بعض أهل العلم: إن معنى قوله: ﴿فَغَوَى﴾ أي: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا.
قالوا: والغي: الفساد، خلاف الظاهر، وإن حكاه النقاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي. وكذلك قول من قال: ﴿فَغوَى﴾ أي: بشم من كثرة الأكل. والبشم: التخمة، فهو قول باطل. وقال فيه الزمخشري في الكشاف: وهذا كان صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفًا فيقول في فَنِي وبَقِي: فنا وبقا، وهم بنو طيء. تفسير خبيث، اهـ منه. وما أشار إليه الزمخشري من لغة طيئ معروف؛ فهم يقولون للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، ويقولون في بقي: بقى، كرمى. ومن هذه اللغة قول الشاعر:
لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا
وهذه اللغة التي ذكرها الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور؛ لأن العرب تقول: غوى الفصيل كرضى وكرمى: إذا بشم من اللبن.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَعَصَى آدَمُ﴾ يدل على أن معنى ﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ ضل عن طريق الصواب كما ذكرنا. وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجة من قال بأن الأنبياء غير معصومين من الصغائر. وعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مبحث أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف،
стр. 2534
وسنذكر هنا طرفًا من كلام أهل الأصول في ذلك. قال ابن الحاجب في مختصره في الأصول:
مسألة
الأكثر على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء معصية. وخالف الروافض، وخالف المعتزلة إلا في الصغائر؛ ومعتمدهم التقبيح العقلي. والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام؛ لدلالة المعجزة على الصدق. وجوزه القاضي غلطًا وقال: دلت على الصدق اعتقادًا. وأما غيره من المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة. والأكثر على جواز غيرهما. اهـ منه بلفظه.
وحاصل كلامه: عصمتهم من الكبائر، ومن صغائر الخسمة دون غيرها من الصغائر. وقال العلامة العلوي الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود في الكلام على قوله:
والأنبياء عصموا مما نهوا ... عنه ولم يكن لهم تفكه
بجائز بل ذاك للتشريع ... أو نية الزلفى من الرفيع
ما نصه: فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم من تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه؛ كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله تعالى الخلائق. وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوًا أو نسيانًا منعه الأكثرون. وما سوى الكذب في التبليغ؛ فإن كان كفرًا فقد أجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها، وإن كان غيره فالجمهور على
стр. 2535
عصمتهم من الكبائر عمدًا. ومخالف الجمهور الحشوية.
واختلف أهل الحق: هل المانع لوقوع الكبائر منهم عمدًا العقل أو السمع؟ وأما المعتزلة فالعقل، وإن كان سهوًا فالمختار العصمة منها. وأما الصغائر عمدًا أو سهوًا؛ فقد جوزها الجمهور عقلًا؛ لكنها لا تقع منهم غير صغائر الخسة فلا يجوز وقوعها منهم لا عمدًا ولا سهوًا. انتهى منه.
وحاصل كلامه: عصمتهم من الكذب فيما يبلغونه عن الله ومن الكفر والكبائر وصغائر الخسة، وأن الجمهور على جواز وقوع الصغائر الأخرى منهم عقلًا؛ غير أن ذلك لم يقع فعلًا. وقال أبو حيان في البحر في سورة "البقرة": وفي المنتخب للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسى ما ملخصه: منعت الأمة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا الفضيلية من الخوارج قالوا: وقد وقع منهم ذنوب، والذنب عندهم كفر. وأجاز الإمامية إظهار الكفر منهم على سبيل التقية. واجتمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يجوز عمدًا ولا سهوًا. ومن الناس من جوز ذلك سهوًا. وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمدًا. واختلفوا في السهو. وأما أفعالهم فقالت الحشوية: يجوز وقوع الكبائر منهم على جهة العمد. وقال أكثر المعتزلة: بجواز الصغائر عمدًا إلا في القول كالكذب. وقال الجبائي: يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل. وقيل: يمتنعان عليهم إلا على جهة السهو والخطأ، وهم مأخوذون بذلك وإن كان موضوعًا عن أمتهم. وقالت الرافضة: يمتنع ذلك على كل جهة.
стр. 2536
واختلف في وقت العصمة؛ فقالت الرافضة: من وقت مولدهم. وقال كثير من المعتزلة: من وقت النبوة. والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة لا للكبيرة ولا الصغيرة؛ لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة لعظيم شرفهم وذلك محال، ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب زجرهم وإيذاؤهم، ولئلا يقتدى بهم في ذلك، ولئلا يكونوا مستحقين للعقاب، ولئلا يفعلوا ضد ما أمروا به لأنهم مصطفون، ولأن إبليس استثناهم في الإغواء. انتهى ما لخصناه من المنتخب، والقول في الدلائل لهذه المذاهب. وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين. انتهى كلام أبي حيان.
وحاصل كلام الأصوليين في هذه المسألة: عصمتهم من الكفر وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، ومن الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة. وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع للصغائر غير صغائر الخسة منهم. ولكن جماعة كثيرة من متأخري الأصوليين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلًا لم يقع فعلًا، وقالوا: إن ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك إنما فعلوه بتأويل أو نسيانًا أو سهوًا، أو نحو ذلك.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يقع منهم ما يزرى بمراتبهم العلية، ومناصبهم السامية. ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصًا فيهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب إلا أنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصدق الإنابة إلى الله حتى ينالوا بذلك
стр. 2537
أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئًا من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه، واجتبائه أي: اصطفائه إياه، وهدايته له، ولا شك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ .
الاجتباء: الاصطفاء والاختيار؛ أي: ثم بعدما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه. ولم يبين هنا السبب لذلك، ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تلقى من ربه كلمات فكانت سبب توبة ربه عليه، وذلك في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾ أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء. وقد قدمنا في سورة "البقرة": أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة "الأعراف" في قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
• قوله تعالى: ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ .
الظاهر أن ألف الاثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعة إلى آدم وحواء المذكورين في قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ الآية، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، وأمره إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية "طه" هذه جاء مبينًا في غير هذا
стр. 2538
الموضع؛ كقوله في سورة "البقرة": ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾، وقوله فيها أيضًا: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾، وقوله في "الأعراف": ﴿قَال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾.
وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ في "البقرة" و"الأعراف" وبصيغة التثنية في "طه" في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ مع أنه أتبع صيغة التثنية في "طه" بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾؟ وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما. خلافًا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس، والجمع باعتبار ذريتهما معهما، وخلافًا لمن زعم أن الجمع في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ مراد به آدم وحواء وإبليس والحية. والدليل على أن الحية ليست مراده في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ لأنها غير مكلفة.
واعلم أن المفسرين يذكرون قصة الحية، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدم وحواء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية، فأُهْبط هو إلى الأرض ولُعِنت هي ورُدِّت قوائمها في جوفها، وجعلَت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمروا بقتلها. وبهذه المناسبة ذكر القرطبي ﵀ في تفسيره في سورة "البقرة" جملًا من أحكام
стр. 2539
قتل الحيات؛ فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سراء بنت نبهان الغَنَوية أنها سمعت النبي ﷺ يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها، ويرغب في ذلك. ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود حديثًا فيه: أن النبي ﷺ أمر أصحابه بقتل حية فسبقتهم إلى جحرها؛ فأمرهم أن يضرموا عليها نارًا. وذكر عن علماء المالكية أنهم خصصوا بذلك النهيَ عن الإحراق بالنار، وعن أن يعذب أحد بعذاب الله. ثم ذكر عن إبراهيم النخعي: أنه كره أن تُحرق العقرب بالنار، وقال: هو مُثْلَة. وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور. ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود الثابت في الصحيحين قال: كنا مع النبي ﷺ في غار، وقد أنزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: "اقتلوها"، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا. فقال رسول الله ﷺ : "وقاها الله شركم كما وقاكم شرها" فلم يُضرم نارًا، ولا احتال في قتلها، وأجاب هو عن ذلك: بأنه يحتمل أنه لم يجد نارًا في ذلك الوقت، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك، مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية. ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات من الإرشاد إلى دفع المضرة المَخُوْفة من الحيات، ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود: "اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني". ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام؛ لحديث: "إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذِنوه ثلاثة أيام" ثم ذكر أن بعض
стр. 2540
العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها؛ لحديث: "إن بالمدينة جنًا قد أسلموا". قالوا: ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا؛ قاله ابن نافع. ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. ثم قال: وهو الصحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن"، وفيه: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة. وسيأتي بكماله في سورة "الجن" إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
ثم قال: روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة: أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليَّ أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإنني أخشى عليك قريظة"، فأخذ الرجلُ سلاحَه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى
стр. 2541
إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يُدْرَى أيهما كان أسرع موتًا الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحيه لنا، فقال: "استغفروا لأخيكم" ثم قال: "إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان". وفي طريق أخرى فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئًا منها فحرِّجوا عليها ثلاثًا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر" وقال لهم: "اذهبوا فادفنوا صاحبكم". ثم قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا، وأن الجن قتلته به قصاصًا؛ لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سُوِّغ قتل نوعه شرعًا، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عَدْوًا وانتقامًا. وقد قتلت سعد بن عبادة ﵁، وذلك أنه وجد ميتًا في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول ولا يرون أحدًا:
قد قتلنا سيِّدَ الخز ... رج سعد بن عبادَه
ورميناه بِسَهميـ ... ـن فلم نُخْطِ فؤادَه
وإنما قال النبي ﷺ : "إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا" ليبين طريقًا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل
стр. 2542
الكافر منهم. وروي من وجوه: أن عائشة زوج النبي ﷺ قتلت جانًّا؛ فأُرِيت في المنام أن قائلًا يقول لها: لقد قتلت مسلمًا. فقالت: لو كان مسلمًا لم يدخل على أزواج النبي ﷺ . قال: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك؛ فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله. وفي رواية: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة؛ فتصدقت وأعتقت رقابًا. وقال الربيع بن بدر: الجان من الحيات التي نهى النبي ﷺ عن قتلها: هي التي تمشي ولا تلتوى. وعن علقمة نحوه.
ثم ذكر صفة إنذار حيات البيوت فقال: قال مالك: أحب إلي أن يُنذروا ثلاثة أيام. وقاله عيسى بن دينار، وإن ظهر في اليوم مرارًا، ولا يُقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار؛ لقوله ﷺ : "فليؤذِنْه ثلاثًا"، وقوله: "حَرِّجوا عليه ثلاثًا"، ولأن ثلاثًا للعدد المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى لقوله ﷺ : "ثلاثة أيام" وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات، ويحمل ثلاثًا على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلَّب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنها تغلّب فيها التأنيث. قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البناني، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئًا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح ﵇، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان ﵇ ، فإذا رأيتم منهن شيئًا بعد فاقتلوه. ثم قال: وقد حكى ابن حبيب
стр. 2543
عن النبي ﷺ أنه يقول: "أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ﵇ ألا تؤذونا ولا تظهرن علينا" انتهى كلام القرطبي ملخصًا قريبًا من لفظه.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: التحقيق في هذه المسألة: أن ما لم يكن من الحيات في البيوت فإنه يقتل كالحيات التي توجد في الفيافي، وأن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد الإنذار. وأظهر القولين عندي عموم الإنذار في المدينة وغيرها، وأنه لابد من الإنذار ثلاثة أيام، ولا تكفي ثلاث مرات في يوم أو يومين؛ كما تقدمت أدلة ذلك في كلام القرطبي. وأن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان في البيوت بلا إنذار؛ لما ثبت في بعض روايات مسلم بلفظ: فقال أبو لبابة: إنه قد نهى عنهن، يريد عوامر البيوت. وأمر بقتل الأبتر ذي الطفيتين. وفي رواية في صحيح البخاري عن أبي لبابة: "لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين، فإنه يسقط الولد، ويذهب البصر فاقتلوه".
والدليل على قتل الحيات وإنذار حيات البيوت ثابت في الصحيحين وغيرهما.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يخطب على المنبر يقول: "اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل" قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة: لا تقتلها. فقلت: إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل
стр. 2544
الحيات، فقال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر. وقال عبد الرزاق عن معمر: فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب، وتابعه يونس وبن عينيه وإسحاق الكلبي والزبيدي، وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: فرآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب. اهـ من صحيح البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم ابن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ : "اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر" قال: فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها؛ فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. ثم ذكره عن طرق متعددة. وفي كلها التصريح بالنهي عن قتل جنان البيوت -يعني إلا بعد الإنذار ثلاثًا- وعن مالك ﵀: يقتل ما وجد منها بالمساجد. وقوله ﷺ في هذا الحديث: "وذا الطُّفْيتين" هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء بعدها ياء. وأصل الطفية خوصة المقل وهو شجر الدوم. وقيل: المقل ثمر شجر الدوم. وجمعها طُفَى بضم ففتح على القياس. والمراد بالطفيتين في الحديث: خطان أبيضان. وقيل: أسودان على ظهر الحية المذكورة، يشبهان في صورتها خوص المقل المذكور. والأبتر: قصير الذنب من الحيات؛ وقال النضر بن شُمَيل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها، وقال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلًا. وقوله في هذا الحديث: "يستسقطان الحبل" معناها أن المرأة الحامل
стр. 2545
إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت جنينها غالبًا. وقد ذكر مسلم عن الزهري ما يدل على أن إسقاط الحبل المذكور خاصية فيهما من سمهما. والأظهر في معنى "يلتمسان البصر" أن الله جعل فيهما من شدة سمهما خاصية يخطفان بها البصر، ويطمسانه بها بمجرد نظرهما إليه. والقول بأن معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش؛ ضعيف. والعلم عند الله تعالى.
وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "اقتلوا الحيات" يدل على وجوب قتلها؛ لما قدمنا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تدل على الوجوب.
والجمهور على أن الأمر بذلك القتل المذكور للندب والاستحباب، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ على ما ذكرنا أنه الأظهر. فالمعنى: أن بعض بني آدم عدو لبعضهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ونحوها من الآيات. وعلى أن المراد بقوله: ﴿اهْبِطَا﴾ آدم وإبليس، فالمعنى أن إبليس وذريته أعداء لآدم وذريته؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ونحوها من الآيات.
والظاهر أن ما ذكره القرطبي: من إحراق الحية بالنار لم يثبت، وأنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله، فلا ينبغي أن تقتل بالنار، والله أعلم.
فإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن ذا الطفيتين غير
стр. 2546
الأبتر لعطفه عليه في الحديث، ورواية البخاري التي قدمنا عن أبي لبابة: "لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين" يقتضي أنهما واحد. فالجواب: أن ابن حجر في الفتح أجاب عن هذا؛ بأن الرواية المذكورة ظاهرها اتحادهما، ولكنها لا تنفي المغايرة اهـ. والظاهر أن مراده بأنها لا تنفي المغايرة: أن الأبتر وإن كان ذا طُفْيتين فلا ينافي وجود ذي طفيتين غير الأبتر. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ .
الظاهر أن الخطاب لبني آدم؛ أي فإن يأتكم مني هدى، أي رسول أرسله إليكم، وكتاب يأتي به رسول، فمن اتبع منكم هداي، أي من آمن برسلي وصدق بكتبي، وامتثل ما أمرتُ به، واجتنب ما نهيتُ عنه على ألسنة رسلي؛ فإنه لا يضل في الدنيا، أي لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه بالعروة الوثقى، ولا يشقى في الآخرة؛ لأنه كان في الدنيا عاملًا بما يستوجب السعادة من طاعة الله تعالى وطاعة رسله. وهذا المعنى المذكور هنا ذكر في غير هذا الموضع؛ كقوله في "البقرة": ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يردُّ إليها أحدًا منا إلا بعد الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي، ثم يطيع الله فيما ابتلاه به؛ كما تقدمت الإشارة إليه في سورة "البقرة".
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ .
قد قدمنا في سورة "الكهف" في الكلام على قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
стр. 2547
مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية. الآياتِ الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى الوخيمة؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد قدمنا هناك أن منها المعيشة الضنك. واعلم أن الضنك في اللغة: الضيق؛ ومنه قول عنترة:
إن يُلحقو أكْرر وإن يُستلحموا ... أشْدُد وإن يُلفوا بضنك أنزِلِ
وقوله أيضًا:
إن المنيةَ لو تُمَثَّل مُثِّلَتْ ... مثلي إذا نزلوا بضَنْك المنزلِ
وأصل الضَّنْك مصدر وصف به، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. وبه تعلم أن معنى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي عيشًا ضيقًا والعياذ بالله تعالى.
واختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة، لا يكذب بعضها بعضًا. وقد قدمنا مرارًا أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة. ومن الأقوال في ذلك: أن معنى ذلك أن الله جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل على الله، والرضا بقسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة، فيعيش عيشًا هنيئًا. ومما يدل على هذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية؛ كما تقدم إيضاح ذلك كله.
وأما المُعْرض عن الدين فإنه يستولي عليه الحرص الذي
стр. 2548
لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة بسبب كفره، كما قالى تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات. وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله. وبين في مواضع أخر أنهم لو تركوا الإعراض عن ذكر الله فأطاعوه تعالى: أن عيشهم يصير واسعًا رغدًا لا ضنكًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وكقوله تعالى عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾، وقوله تعالى عن هود: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وعن الحسن أن المعيشة الضنك: هي طعام الضريع والزقوم يوم القيامة، وذلك مذكور في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ الآية ونحو ذلك من الآيات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار: المعيشة الضنك: الكسب الحرام، والعمل السيء. وعن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة: المعيشة الضنك: عذاب القبر وضغطته. وقد
стр. 2549
أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد جاء عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية. ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا. وطعام الضريع والزقوم، فتكون معيشته ضنكًا في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى. قال مجاهد وأبو صالح والسدي: أعمى، أي لا حجة له. وقال عكرمة: عمى عليه كل شيء إلا جهنم، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وأبي صالح والسدي وعكرمة. وأن المراد بقوله: ﴿أَعْمَى (١٢٤)﴾ أي: أعمى البصر لا يرى شيئًا، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على
стр. 2550
ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في سورة "بني إسرائيل" أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.
تنبيه
في آية "طه" هذه وآية "الإسراء" المذكورتين إشكال معروف. وهو أن يقال: إنهما قد دلتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة أعمى، وزادت آية "الإسراء" أنه يحشر أبكم أصم أيضًا، مع أنه دلت آيات من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب) الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: -واستظهره أبو حيان- أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته؛ ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.
الوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي
стр. 2551
حاتم عن ابن عباس، ورُوي أيضًا عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نَزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به؛ كما أوضحنا في غير هذا الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن الله يقول في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية، مع أنه يقول فيهم: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، ويقول فيهم: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء؛ فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب بن أم صاحب:
صم إذا سمعوا خيرًا ذُكِرتُ به ... وإن ذُكِرت بسوء عندهم أذنوا
وقول الآخر:
أصم عن الأمر الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد
وقول الآخر:
قل ما بدا لك من زورٍ ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غيرُ صمَّاء
ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها.
الوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج. قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾
стр. 2552
وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة: أعني قوله في "طه": ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾، وقوله فيها: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾، وقوله في "الإسراء": ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾. وأظهرها عندي الأول. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ من النسيان بمعنى الترك عمدًا، كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يجازي المسرفين ذلك الجزاء المذكور. وقد دل مسلك الإيماء والتنبيه على أن ذلك الجزاء لعلة إسرافهم على أنفسهم في الطغيان والمعاصي، وبين في غير هذا الموضع أن جزاء الإسراف النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ وبين في موضع آخر: أن محل ذلك إذا لم ينيبوا إلى الله ويتوبوا إليه، وذلك في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن عذاب الآخرة أشد وأبقى؛ أي أشد ألمًا وأدوم من عذاب الدنيا، ومن المعيشة الضنك التي هي عذاب القبر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛
стр. 2553
كقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الآية. تقدم بعض الآيات الموضحة له في سورة "مريم" وسيأتي له بعد هذا إن شاء الله زيادة إيضاح.
• قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ .
أظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، كالعصا واليد من آيات موسى، وكناقة صالح، واقتراحهم لذلك بحرف التحضيض الدال على شدة الحض في طلب ذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا﴾ أي هلا يأتينا محمد بآية كناقة صالح، وعصا موسى، أي نطلب ذلك منه بحض وحث. فأجابهم الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ وهي هذا القرآن العظيم؛ لأنه آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز. وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الأولى؛ لأن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى، فهو بينة واضحة على صدقها وصحتها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 2554
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر؛ أوضحه جل وعلا في سورة "العنكبوت" في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، فقوله في "العنكبوت": ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ هو معنى قوله في "طه": ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. ويزيد ذلك إيضاحًا الحديث المتفق عليه: "ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا.
• قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ .
قد قدمنا في سورة "النساء" أن آية "طه" هذه تشير إلى معناها آية "القصص" التي هي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وأن تلك الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
• فقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾.
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عنادًا وتعنتًا: كل منا ومنكم
стр. 2555
متربص، أي منتظر ما يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ﷺ وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَينِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتربص: الانتظار.
• قوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار سيعلمون في ثاني حال مَن أصحاب الصراط السويّ ومن اهتدى، أي وُفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك. وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار. والمعنى: سيتضح لكم أنَّا مهتدون. وأنَّا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل. وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لِمَا يرونه من نصر الله لنبيه ﷺ .
وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾، وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح. والسويّ: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه؛ ومنه قول جرير:
стр. 2556
أميرُ المؤمنين على صراط ... إذا اعوجَّ المواردُ مستقيمِ
و ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ أَصْحَابُ﴾ قال بعض العلماء: هي موصولة مفعول به لـ"يعلمون". وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة لفعل العلم، كما قدمنا إيضاحه في "مريم". والعلم عند الله تعالى.
стр. 2557
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة "النحل"، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين: إن النبي ﷺ ما هو إلا بشر مثلهم، فكيف يكون رسولًا إليهم؟ والنجوى: الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم: أن بَشَرًا مثلهم لا يمكن أن يكون رسولًا، وتكذيب الله لهم في ذلك = جاء في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا من ذلك، كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾، وقوله: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك
стр. 2558
كثيرة جدًا، كما تقدم إيضاح ذلك.
وقد رد الله عليهم هذه الدعوى الكاذبة التي هي منع إرسال البشر، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وجملة ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. قيل: بدل من ﴿النَّجْوَى﴾؛ أي أسروا النجوى التي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم. وصدَّرَ به الزمخشري، وقيل: مفعول به للنجوى؛ لأنها بمعنى القول الخفي. أي: قالوا في خفية: ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. وقيل: معمول قول محذوف؛ أي: قالوا: هل هذا إلا بشر مثلكم. وهو أظهرها؛ لاطِّراد حذف القول مع بقاء مقوله. وفي قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أوجه كثيرة من الإعراب معروفة، وأظهرها عندي: أنها بدل من الواو في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ بدلُ بعضٍ من كل، وقد تقرر في الأصول: أن بدل البعض من الكل من المخصِّصات المتصلة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾، فقوله: ﴿مَنِ﴾ بَدَل من ﴿النَّاسِ﴾ بدل بعض من كل، وهي مخصِّصة لوجوب الحج بأنه لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلًا؛ كما قدمنا هذا في سورة "المائدة".
• قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ .
стр. 2559
إعراب هذه الجملة جار مجرى إعراب الجملة التي قبلها، التي هي: ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والمعنى: أنهم زعموا أن ما جاء به نبينا ﷺ سحر، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم يبصرون. يعنون بذلك تصديق النبي ﷺ ، أي: لا يمكن أن نصدقك ونتبعك، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به ﷺ سحر، كقوله عن بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾. وقد ردَّ الله عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا: ﴿قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع العليم، المحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وكون من أنزله هو العالم بكل شيء يدل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام، وسلامته من جميع العيوب والنقائص، وأنه ليس بسحر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ بألف بعد القاف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي، وقرأه الباقون (قُلْ) بضم القاف وإسكان اللام بصيغة الأمر.
• قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ . الظاهر أن الإضراب في قوله هنا: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ
стр. 2560
أَحْلَامٍ﴾ إلخ، إضراب انتقالي لا إبطالي؛ لأنهم قالوا ذلك كله، وقال بعض العلماء: كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها الله عنهم صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول، بل تارة يقولون: هو ساحر، وتارة شاعر، وهكذا؛ لأن المبطل لا يثبت على قول واحد. وقال بعض أهل العلم: كل واحد من تلك الأقوال قالته طائفة، كما قدمنا الإشارة إلى هذا في سورة "الحجر" في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾. وقد رد الله عليهم هذه الدعاوى الباطلة في آيات من كتابه، كرده دعواهم أنه شاعر أو كاهن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾، وقوله في رد دعواهم أنه افتراء: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله في رد دعواهم أنه كاهن أو مجنون: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
следующие страницы →