← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

غير هذا الموضع، كقوله في "فصلت": ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾، وقوله في "النحل": ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ . قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾، أو بقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يطوي السماء كطي السجل للكتب. وصرح في "الزمر" بأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، وأن السماوات مطويات بيمينه، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. وما ذكره من كون السماوات مطويات بيمينه في هذه الآية: جاء في الصحيح أيضًا عن النبي ﷺ وقد قدمنا مرارًا أن الواجب في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به، مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن تماثل صفة المخلوق. وأقوال العلماء في معنى قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ راجعة إلى أمرين: الأول: أن السجل الصحيفة: والمراد بالكتب: ما كتب فيها، واللام بمعنى على، أي: كطي السجل على الكتب، أي كطي

стр. 2732

الصحيفة على ما كتب فيها، وعلى هذا فطي السجل مصدر مضاف إلى مفعوله؛ لأن السجل على هذا المعنى مفعول الطي. الثاني: أن السجل ملك من الملائكة، وهو الذي يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه الحفظة الموكلون بالخلق أعمال بني آدم في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه (فيما ذكروا) هاروت وماروت، وقيل: إنه لا يطوي الصحيفة حتى يموت صاحبها فيرفعها ويطويها إلى يوم القيامة، وقول من قال: إن السجل صحابي، كاتب للنبي ﷺ ؛ ظاهر السقوط كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ قرأه عامة السبعة غير حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (للكتاب) بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف بصيغة الإفراد. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿لِلْكُتُبِ﴾ بضم الكاف والتاء بصيغة الجمع. ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المراد بالكتاب على قراءة الإفراد جنس الكتاب، فيشمل كل الكتب. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾. أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة: أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ذلك. وأن المراد بالذِّكْر: أم الكتاب، وعليه فالمعنى: ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب.

стр. 2733

وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية: زبور داود، والذكر: التوراة؛ وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد. واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن المراد بالأرض في قوله هنا: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ فيه للعلماء وجهان: الأول: أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين. وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ وقد قدمنا معنى إيراثهم الجنة مستوفى في سورة "مريم". الثاني: أن المراد بالأرض: أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ , وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة ﴿فِي الزَّبُورِ﴾

стр. 2734

بفتح الزاي ومعناه الكتاب. وقرأ حمزة وحده (في الزُّبور) بضم الزاي. قال القرطبي: وعلى قراءة حمزة فهو جمع زبر. والظاهر أنه يريد الزِّبر بالكسر بمعنى المزبور أي المكتوب. وعليه فمعنى قراءة حمزة: ولقد كتبنا في الكتب. وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس الكتب لا خصوص زبور داود كما بينا. وقرأ حمزة أيضًا: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ﴾ بإسكان الياء. والباقون بفتحها. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ . الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم، الذي منه هذه السورة الكريمة. والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن فيه الكفاية للعابدين، وما يبلغون به بغيتهم، أي من خير الدنيا والآخرة؛ ذكره في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول؛ فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقى أناس مفرطون كُسالى عن العمل؛ فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين

стр. 2735

المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾. وقيل: كونه رحمة للكفار من حيثما إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمِنوا به عذابَ الاستئصال. والأول أظهر. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين؛ يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحًا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة "الكهف" في موضعين منها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة". • قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ . قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا وصدوا عما تدعوهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية أشارت إليه آيات أخر، كقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ

стр. 2736

بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾، وقوله: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ الأذان: الإعلام؛ ومنه الأذان للصلاة. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أي إعلام منه، قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أي: اعلموا. ومنه قول الحرث بن حلزة: آذنتنا ببينها أسماءُ ... رُب ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ يعني: أعلمتنا ببينها. • قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم ما يجهر به خلقه من القول، ويعلم ما يكتمونه. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ في الموضعين، وقوله: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ . قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص عن عاصم (قُلْ رَبِّ) بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده ﴿قَالَ﴾ بفتح القاف واللام بينهما ألف بصيغة الماضي. وقراءة الجمهور تدل على أنه ﷺ أن يقول ذلك. وقراءة حفص تدل

стр. 2737

على أنه امتثل الأمر بالفعل. وما أمره أن يقوله هنا قاله نبي الله شعيب كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾، وقوله: ﴿افْتَحْ﴾ أي: احكم كما تقدم، وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ أي تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. وما قاله النبي ﷺ في هذه الآية قاله يعقوب لمَّا علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف شيئًا غير ما أخبروه به؛ وذلك في قوله: ﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ والمستعان: المطلوب منه العون. والعلم عند الله تعالى. وهذا آخر الجزء "الرابع" من هذا الكتاب المبارك، ويليه الجزء "الخامس" إن شاء الله، وأوله سورة "الحج" وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اهـ.

стр. 2738

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة الحج

стр. 2739

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ . أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يُرَوْنَ فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد. وما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، ذكره في مواضع كثيرة جدًّا من كتابه، كقوله في أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. وما بينه هنا من شدة أهوال الساعة، وعظم زلزلتها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) أَخْرَجَتِ

стр. 2740

الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢) وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾. • وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والزلزلة: شدة التحريك والا زعاج، ومضاعفة زليل (١) الشيء عن مقره ومركزه، أي: تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه؛ لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية. وقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ منصوب بـ ﴿تَذْهَلُ﴾، والضمير عائد إلى الزلزلة، والرؤية: بصرية؛ لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل: إنها من "رأى" العلمية. وقوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي: بسبب تلك الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبد الله بن رواحة ﵁: ضربًا يزيلُ الهامَ عن مقيله ... ويُذهِل الخليلَ عن خليله وقال قطرب: ذهل عن الأمر: اشتغل عنه. وقيل: ذهل عن الأمر: غفل عنه لطرو شاغل، من همّ أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا.

стр. 2741

وقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي: كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾، ولم يقل: "مرضع" هو ما تقرر في علم العربية من أن الأوصاف المختصة بالإِناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من التاء، فإن قلت: هي مرضع تريد أنها ذات رضاع، جردته من التاء، كقول امرئ القيس: فمثلكِ حُبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائِمَ مغيل وإن قلت: هي مرضعة بمعنى أنها تفعل الرضاع، أي: تلقم الولد الثدي، قلت: هي مرضعة بالتاء، ومنه قوله: كمرضعة أولاد أُخْرى وضيَّعت ... بَنِي بَطنها هذَا الضَّلال عن القصْدِ كما أشار له بقوله: وما من الصفات بالأنثى يُخص ... عن تاء استغنى لأن اللَّفظ نص وحيث معنى الفعل يعني التّاء زد ... كذي غدت مرضعة طفْلًا ولَد وما زعمه بعض النحاة الكوفيين: من أن أم الصبي "مرضعة" بالتاء، والمستأجرة للإِرضاع: "مرضع" بلا هاء، باطلٌ، قاله أبو حيان في "البحر". واستدل عليه بقوله: كمرضعة أولاد أخرى. . . البيت. فقد أثبت التاء لغير الأم. وقول الكوفيين أيضًا: إن الوصف المختص بالأنثى لا يحتاج فيه إلى التاء؛ لأن المراد منها الفرق بين الذكر والأنثى، والوصف المختص بالأنثى لا يحتاج إلى فرق؛ لعدم مشاركة الذكر لها فيه، مردود أيضًا، قاله أبو حيان في "البحر" أيضًا مستدلًا بقول العرب: مرضعة، وحائضة، وطالقة. والأظهر في ذلك هو ما قدمنا: من أنه إن أريد الفعل جيء بالتاء، وإن أريد النسبة جرد

стр. 2742

من التاء، ومن مجيء التاء للمعنى المذكور قول الأعشى: أجارَتنا بينِي فإنَّكِ طالقَهْ ... كذَاك أمورُ النَّاس غادٍ وطَارِقَهْ وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لِمَ قيل: مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإِرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإِرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة. وقوله تعالى: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الظاهر أن ما: موصولة، والعائد محذوف، أي: أرضعته، على حد قوله في "الخلاصة": • والحذف عندهم كثير مُنْجَلي * في عائدٍ مُتَّصل إن انتصب ... بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يهب وقال بعض العلماء: هي مصدرية، أي: تذهل كل مرضعة عن إرضاعها. قال أبو حيان في "البحر": ويقوي كونها موصولة تعدي "وضع" إلى المفعول به في قوله: ﴿حَمْلَهَا﴾ لا إلى المصدر. وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي: كل صاحبة حمل تضع جنينها من شدة الفزع والهول. والحمل بالفتح: ما كان في بطن من جنين، أو على رأس شجرة من ثمر. ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ جمع سكران، أي: يشبِّههم من رآهم بالسكارى، من شدة الفزع ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ والخوف منه هو الذي صيَّر من رآهم يشبِّههم

стр. 2743

بالسكارى، لذهاب عقولهم من شدة الخوف، كما يذهب عقل السكران من الشراب. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ بفتح السين، وسكون الكاف في الحرفين، على وزن "فعْلَى" بفتح فسكون. وقرأه الباقون: ﴿سُكَارَى﴾ بضم السين، وفتح الكاف بعدها ألف في الحرفين أيضًا، وكلاهما جمع "سكران" على التحقيق. وقيل: إن (سَكْرَى) بفتح فسكون جمع "سَكِر" بفتح فكسر، بمعنى السكران، كما يجمع الزَّمِن على "الزَّمْنَى"، قاله أبو علي الفارسي، كما نقله عنه أبو حيان في "البحر". وقيل: إن (سَكْرى) مفرد، وهو غير صواب. واستدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن المعدوم يسمى شيئًا؛ لأنه وصف زلزلة الساعة بأنها شيء في حال عدمها قبل وجودها قد بينا وجه رده في سورة مريم، فأغنى عن إعادته هنا. مسألة اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟ فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول: علقمة، والشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، وابن جريج. وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل، بل الثابت من النقل يؤيد خلافه؛ وهو القول الآخر.

стр. 2744

وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع جاء بذلك، إلَّا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. قال ابن جرير الطبري في تفسيره مبينًا دليل من قال: إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة. حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - : "لما فرغ الله من خلق السمواتِ والأرضِ خلق الصُّوْر، فأعطى إسرافيلَ، فهو واضعه على فِيهِ شاخص ببصره إلى السماء ينظر متى يُؤْمر. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّوْر؟ قال: قَرْن، قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعق. والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيلَ بالنَّفخة الأولى: انْفخ نفخةَ الفزع، فتفزعُ أهلُ السَّموات والأرضِ إلَّا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ فَيُسَيِّرُ الله الجبال فتكون سرابًا، وترج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترججه الأرواح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقَّاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ويولي الناس مُدْبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله: ﴿يَوْمَ

стр. 2745

التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم، قال رسول الله - ﷺ - : والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ﴾؟ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله، يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ انتهى منه. ولا يخفى ضعف الإسناد المذكور كما ترى. وابن جرير ﵀ قبل أن يسوق الإسناد المذكور قال ما نصه: وقد روي عن النبي - ﷺ - بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقناه عنه آنفًا. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقد أورد الإِمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - ، ثم ساق الحديث نحو ما ذكرناه بطوله، ثم قال: هذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولًا جدًّا. والغرض منه أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم

стр. 2746

القيامة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى منه. وقد علمت ضعف الإِسناد المذكور. وأما حجة أهل القول الآخر القائلين: بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - من تصريحه بذلك. وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى. قال البخاري ﵀ في "صحيحه" في التفسير في باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي - ﷺ - : "يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب، وما بحث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذٍ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي - ﷺ - : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرنا". وقال أبو أسامة، عن الأعمش: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. وقال جرير، وعيسى بن يونس،

стр. 2747

وأبو معاوية: ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾. انتهى من "صحيح البخاري". وفيه تصريح النبي - ﷺ - بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى: هو يوم القيامة، لا آخر الدنيا. وقال البخاري في "صحيحه" أيضًا في كتاب: الرقاق في باب: إن زلزلة الساعة شيء عظيم: حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: "يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى، وما هم بسكرى؛ ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا، ومنكم رجل، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار" انتهى منه. ودلالته على المقصود ظاهرة. وقال البخاري أيضًا في "صحيحه" في كتاب: بدء الخلق في أحاديث الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبَبًا (٨٤)﴾: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله

стр. 2748

عنه، عن النبي - ﷺ - قال: "يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. . ." إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: في آخر كتاب الإِيمان - بكسرة الهمزة - في باب: بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ - : "يقول الله : يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد" إلى آخر الحديث نحو ما تقدم. فحديث أبِي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان كما رأيت، فيه التصريح من النبي - ﷺ - بأن الوقت الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى بعد القيام من القبور كما ترى، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع. فإن قيل: هذا النص فيه إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإِناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت.

стр. 2749

فالجواب عن ذلك من وجهين: الأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملًا تبعث حاملًا، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. الوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول، كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ هو ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة. تنبيه اعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يَرِد عليه سؤال، وهو أن يقال: إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور، فما معناها؟ والجواب: أن معناها شدة الخوف، والهول، والفزع؛ لأن ذلك يسمى زلزالًا، بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأزِاب من الخوف: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ أي: وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول بالعمل الصالح، في دار الدنيا قبل تعذر الإِمكان؛ لما قدمنا مرارًا من أن "إنَّ" المشددة المكسورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص والظاهر، أي: اتقوا الله؛ لأن أمامكم أهوالًا عظيمة، لا نجاة منها إلَّا بتقواه جل وعلا.

стр. 2750

• قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس بعضًا يجادل في الله بغير علم، أي: يخاصم في الله بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله، كالذي يدعي له الأولاد والشركاء، ويقول: إن القرآن أساطير الأولين، ويقول: لا يمكن أن يحيي الله العظام الرميم، كالنضر بن الحارث، والعاص بن وائل، وأبي جهل بن هشام، وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في الله ذلك الجدال الباطل بغير مستند من علم عقلي، ولا نقلي، ومع جدالهم في الله ذلك الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد، أي: عاتٍ طاغٍ من شياطين الإِنس والجن ﴿كُتِبَ عَلَيهِ﴾ أي: كتب الله عليه كتابة قدر وقضاء ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: كل من صار وليًّا له، أي: للشيطان المريد المذكور، فإنه يضله عن طريق الجنة إلى النار، وعن طريق الإِيمان إلى الكفر، ويهديه إلى عذاب السعير، أي: النار الشديدة الوقود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في الله بغير علم، أي: يخاصم فيه بغير مستند من علم، بَيَّنَهُ في غير هذا الموضع، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى في لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ

стр. 2751

اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ فقوله في آية لقمان هذه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾، كقوله في الحج: ﴿كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ وهذه الآية الكريمة التي هي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ الآية، يدخل فيما تضمنته من الوعيد والذم أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب. ومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في الله بغير علم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة، وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه قدر وقضى أن من تولَّى الشيطان، فإن الشيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ

стр. 2752

السَّعِيرِ (٢١)﴾ وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها أن من يجادل بعلم على ضوء هدي كتاب منير، كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود؛ لأن مفهوم قوله: ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس فِي ذلك اتباع للشيطان. ويدل هذا المفهوم المذكور قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة؛ لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. اهـ. منه. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها. والظاهر أن أصل السعير فعيل، بمعنى: مفعول، من قول العرب: سعر النار، يسعرها، كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف. وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص سعرت بتشديد العين،

стр. 2753

وقرأه الباقون بتخفيف العين. ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة: قالت له عرسهُ يومًا لتُسْمعني ... مهلًا فإن لنا في أمِّنا أربا ولو رأتني في نار مُسعَّرة ... ثم استطاعت لزادَت فوْقها حَطبا إذ لا يخفى أن قوله: مسعرة اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير فعيل بمعنى اسم المفعول، أي: النار المسعرة، أي: الموقدة إيقادًا شديدًا؛ لأنها بشدة الإِيقاد يزداد حرها عياذًا بالله منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل. وفي ذلك لغة ثالثة إلا أنها ليست في القرآن، وهي أسعر النار بصيغة أفعل، بمعنى أوقدها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإِرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضًا في الدلالة على الشر؛ لأنه قال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية؛ لأن الإِمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده. وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتلميحية معروف كما أشرنا إليه سابقًا. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية العاتي، تقول: مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومريد إذا كان عاتيًا.

стр. 2754

والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإِنس. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾ . هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وكقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإِشارة إليه قريبًا. ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب، والجزاء فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ فمن أوجدكم الإِيجاد الأول، وخلقكم من التراب، لا شك أنه قادر على إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب؛ لأن الإِعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل،

стр. 2755

وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكور هنا جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما، ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإِيجاد الأول، كقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية، إذ لو تذكر الإِيجاد الأول، على الحقيقة، لما أمكنه إنكار الإِيجاد الثاني، وكقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ إذ لو تذكر ذلك تذكرًا حقيقيًّا لما أنكر الخلق الثاني. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: في شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قد قدمنا في سورة طه أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ

стр. 2756

تُرَابٍ﴾ الآية، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب؛ لأن الفروع تبع للأصل. وقد بينا في طه أيضًا أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول. وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإِنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفًا، فالتراب هو الطور الأول. والطور الثاني هو النطفة، والنطفة في اللغة: الماء القليل، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب: وما عليك إذا أخبرتني دنفًا ... وغاب بعْلكِ يومًا أن تعودِيني وتجعلي نطفةً في القعْب باردةً ... وتغمسي فاكِ فيها ثم تسقيني فقوله: وتجعلي نطفة، أي: ماء قليلًا في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة نطفة المني. وقد قدمنا في سورة النحل أن النطفة مختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة، خلافًا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده. الطور الثالث: العلقة، وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد، فقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي: قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير: إليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجْهُض من أرحامها العَلَق الطور الرابع: المضغة، وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على

стр. 2757

قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله - ﷺ - : "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله" الحديث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ﴾ في معناه أوجه معروفة عند العلماء، سنذكرها هنا إن شاء الله، ونبين ما يقتضي الدليل رجحانه. منها أن قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ صفة للنطفة، وأن المخلقة هي ما كان خلقًا سويًّا، وغير المخلقة هي ما دفعته الأرحام من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقًا. وممن روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود ﵁، نقله عنه ابن جرير وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، كما هو ظاهر. ومنها: أن معنى مخلقة تامة، وغير مخلقة، أي: غير تامة، والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها: ما هو على العكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم. وممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك. ومنها: أن معنى مخلقة مصورة إنسانًا، وغير مخلقة، أي: غير مصورة إنسانًا، كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول، مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها: أن المخلقة هي ما ولد حيًّا، وغير المخلقة هي ما كان من سقط.

стр. 2758

وممن روي عنه هذا القول ابن عباس ﵄. وقال صاحب الدر المنثور: إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه، ونقله عنه القرطبي، وأنشد لذلك قول الشاعر: أفي غير المخلَّقةِ البكاءُ ... فأين الحزمُ وَيحك والحيَاءُ وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقًا تامًّا، وغير المخلقة السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقًا سويًّا إلا التصوير. وذلك هو المراد بقوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ خلقًا سويًّا، و ﴿وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير، ولا ينفخ الروح. انتهى منه. وهذا القول الذي اختاره ابن جرير اختاره أيضًا غير واحد من أهل العلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الذي اختاره الإِمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة، فيه من التناقض كما ترى فافهم. فإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط؛ لأن قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

стр. 2759

يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط. فالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء. أما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتًا ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلًّا من المخلقة، وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية. وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك. وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة، وغير المخلقة هي غير التامة. قال الزمخشري في الكشاف: والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، يقال: خلق السواك والعود إذا سواه وملسه. من قولهم: صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه.

стр. 2760

وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب: حجر أخلق، أي: أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق، أي: ليس فيها وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى: قد يتركُ الدّهرُ في خلقاءَ راسية ... وَهْيَا وينزل منها الأعصم الصَّدعا والدهر في البيت فاعل يترك، والمفعول به وهيا. يعني أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضًا قول ابن أحمر يصف فرسًا، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور: بمقلّص درك الطريدة متنهُ ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبَد فقوله: كصفا الخليقة، يعني أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق هو الأملس المستوي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي؛ لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، أي: لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء؛ لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولًا، ثم من نطفة ثانيًا، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين

стр. 2761

والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظامًا، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق، كما هو واضح. وقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ﴾ الظاهر أنه متعلق بخلقناكم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، أي: خلقناكم خلقًا من بعد خلق على التدريج المذكور؛ لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره. وقال الزمخشري مبينًا نكتة حذف مفعول لنبين لكم ما نصه: وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر، ولا يحيط به الوصف. انتهى منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أجل مسمى، أي: معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين. والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته. ووجه رفع "ونقر" أن المعنى ونحن نقر في الأرحام، ولم يعطف على قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه. وقراءة من قرأ "ونقرَّ" بالنصب عطفًا على لنبين، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي:

стр. 2762

وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقًا آخر، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلًا، أي: ولدًا بشرًا سويًّا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف، وعدم علم شيء. وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع، أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل، أي: من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم، فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم. وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر، ومعنى: ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾ في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإِنسان من طور إلى طور، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينًا أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره. فمن الآيات التي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار

стр. 2763

قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ أي: طورًا بعد طور، كما بينا، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ وقوله في آية الزمر هذه ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، أي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، فقد ركب تعالى عظام الإِنسان بعضها ببعض وكساها اللحم، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان والأفواه، وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أكره، وإزالة تلك الظلمات. سبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه! وما أكمل قدرته! هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه الغرائب والعجائب من صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾. ومن الآيات التي أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا

стр. 2764

أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وقوله تعالى في الكهف: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بينت السنة الصحيحة القدر الذي تمكثه النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، والقدر الذي تمكثه المضغة مضغة. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع ح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني - واللفظ له - حدثنا أبي، وأبو معاوية، ووكيع، قالوا: حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -: "إن أحدكم يُجمع خلقهُ في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروحَ، ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح تصريحه ﷺ بأن الجنين يمكث أربعين يومًا نطفة، ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يومًا، ثم يصير مضغة ويمكث كذلك أربعين يومًا، ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذًا في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل. وقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد

стр. 2765

هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق - قال: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد" الحديث. وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل، وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور. والله أعلم. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: ما وجه الإِفراد في قوله: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ مع أن المعنى نخرجكم أطفالًا؟. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة. منها: ما ذكره ابن جرير الطبري قال: ووحد الطفل وهو صفة للجمع؛ لأنه مصدر مثل عذر وزور، وتبعه غيره في ذلك. ومنها: قول من قال: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: نخرج كل واحد منكم طفلًا، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإِضافة، فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أي: وأنهار، بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ أي: أئمة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الآية، أي: أنفسًا، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا

стр. 2766

تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ أي: سامرين، وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ أي: رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: مجنبين، أو أجنابًا، وقوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ أي: مظاهرون، ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: وكان بَنُو فزارَة شَرَّ عمٍّ ... وكنتُ لهم كشرّ بني الأخِينَا يعني شر أعمام، وقول قعنب بن أم صاحب: ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا يعني ما بال قوم أصدقاء، وقول جرير: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق يعني صديقات، وقول الآخر: لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق وقول الآخر: يا عاذلاتي لا تزدن ملامة ... إن العواذل ليس لي بأمير أي: لسن لي بأمراء. ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: أصدقائكم، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: أوامره، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي: نعم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي﴾ الآية، أي: أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب

стр. 2767

أي: وأما جلودها فصليبة، وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفُّوا ... فإن زمانكم زمنٌ خميصٌ أي: بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي: فقلنا: أسْلموا إنَّا أخوكم ... وقد سلِمَت من الإِحَنِ الصّدور أي: إنا إخوانكم، وقول جرير: إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب أي: إذا آباؤنا وآباؤك عدوا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل أبون وأخون فحذفت النون للإِضافة، فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلة جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علقة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر: فلما تبيَّن أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا ومن أمثلة ذلك في القرآن - واللفظ معرف بالألف واللام - قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، بدليل قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الغرف، بدليل قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

стр. 2768

صَفًّا (٢٢)﴾ أي: الملائكة، بدليل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ أي: الأدبار، بدليل قوله تعالى: ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، أي: الأطفال، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي. الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب، وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا. ومن أمثلة ذلك قول زهير: متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... هم بيننا هم رضي وهم عدل أي: عدول مرضيون. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: إذا مجت الرحم النطفة في طورها الأول قبل أن تكون علقة، فلا يترتب على ذلك حكم من أحكام إسقاط الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. المسألة الثانية: إذا سقطت النطفة في طورها الثاني - أعني في حال كونها علقة، أي: قطعة جامدة من الدم - فلا خلاف بين العلماء في أن تلك العلقة لا يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا ترث. ولكن اختلف في أحكام آخر متعددة من أحكامها: منها: ما إذا كان سقوطها بسبب ضرب إنسان بطن المرأة التي ألقتها، هل تجب فيها غرة أو لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أن من ضرب بطن حامل، فألقت

стр. 2769

حملها علقة فهو ضامن دية العلقة ضمان الجنين، فتلزمه غرة، أو عشر دية الأم. وفي المدونة الجنين ما علم أنه حمل، وإن كان مضغة أو علقة أو مصورًا. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجنين لا ضمان فيه حتى تظهر فيه صورة الآدمي. وممن قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد ﵏، وظهور بعض الصورة كظهور كلها في الأظهر، واحتجوا لأنه لا يتحقق أنه حمل حتى يصور، والمالكية قالوا: الحمل تمكن معرفته في حال العلقة فما بعدها، فاختلافهم هذا من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط. ومنها: ما إذا كانت المرأة معتدة من طلاق، أو وفاة، وكانت حاملًا، فألقت حملها علقة، هل تنقضي بذلك عدتها أو لا؟ فمذهب مالك ﵀ أنها تقتضي عدتها بإسقاط العلقة المذكورة. واحتج المالكية بأن العلقة المذكورة يصدق عليها أنها حمل، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقال ابن العربي المالكي: لا يرتبط بالجنين شيء من هذه الأحكام إلَّا أن يكون مخلقًا يعني مصورًا، وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدة، قالوا: لأنها دم جامد، ولا يتحقق كونه جنينًا. ومنها: ما إذا ألقت العلقة المذكورة أمة هي سرية لسيدها، هل تكون أم ولد بوضع تلك العلقة أو لا؟

стр. 2770

فذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أنها تصير أم ولد بوضع تلك العلقة؛ لأن العلقة مبدأ جنين، ولأن النطفة لما صارت علقة صدق عليها أنها خلقت علقة، بعد أن كانت نطفة، فدخلت في قوله تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ فيصدق عليها أنها وضعت جنينًا من سيدها، فتكون به أم ولد، وهذا رواية عن أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي. وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى أنها لا تكون أم ولد بوضعها العلقة المذكورة. وقد قدمنا توجيههم لذلك. المسألة الثالثة: إذا أسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث - أعني كونها مضغة، أي: قطعة من لحم - فلذلك أربع حالات: الأولى: أن يكون ظهر في تلك المضغة شيء من صورة الإنسان، كاليد والرجل، والرأس ونحو ذلك، فهذا تنقضي به العدة، وتلزم فيه الغرة، وتصير به أم ولد، وهذا لا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم. الحالة الثانية: أن تكون المضغة المذكورة لم يتبين فيها شيء من خلق الإِنسان، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنهن اطلعن فيها على تخطيط، وتصوير خفي، والأظهر في هذه الحالة أن حكمها كحكم التي قبلها؛ لأنه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أن تلك المضغة جنين لما اطلعوا عليه فيها من الصورة الخفية. الحالة الثالثة: هي أن تكون تلك المضغة المذكورة ليس فيها تخطيط، ولا تصوير ظاهر، ولا خفي، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنها مبدأ خلق آدمي.
следующие страницы →