← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ أي: سامرين، وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ أي: رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: مجنبين، أو أجنابًا، وقوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ أي: مظاهرون، ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: وكان بَنُو فزارَة شَرَّ عمٍّ ... وكنتُ لهم كشرّ بني الأخِينَا يعني شر أعمام، وقول قعنب بن أم صاحب: ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا يعني ما بال قوم أصدقاء، وقول جرير: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق يعني صديقات، وقول الآخر: لعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق وقول الآخر: يا عاذلاتي لا تزدن ملامة ... إن العواذل ليس لي بأمير أي: لسن لي بأمراء. ومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: أصدقائكم، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: أوامره، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي: نعم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي﴾ الآية، أي: أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب

стр. 2767

أي: وأما جلودها فصليبة، وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفُّوا ... فإن زمانكم زمنٌ خميصٌ أي: بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا. ومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي: فقلنا: أسْلموا إنَّا أخوكم ... وقد سلِمَت من الإِحَنِ الصّدور أي: إنا إخوانكم، وقول جرير: إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب أي: إذا آباؤنا وآباؤك عدوا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل أبون وأخون فحذفت النون للإِضافة، فصار كلفظ المفرد. ومن أمثلة جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علقة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: كشر بني الأخينا. ومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر: فلما تبيَّن أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا ومن أمثلة ذلك في القرآن - واللفظ معرف بالألف واللام - قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، بدليل قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الغرف، بدليل قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

стр. 2768

صَفًّا (٢٢)﴾ أي: الملائكة، بدليل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ أي: الأدبار، بدليل قوله تعالى: ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، أي: الأطفال، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي. الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب، وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا. ومن أمثلة ذلك قول زهير: متى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... هم بيننا هم رضي وهم عدل أي: عدول مرضيون. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: إذا مجت الرحم النطفة في طورها الأول قبل أن تكون علقة، فلا يترتب على ذلك حكم من أحكام إسقاط الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. المسألة الثانية: إذا سقطت النطفة في طورها الثاني - أعني في حال كونها علقة، أي: قطعة جامدة من الدم - فلا خلاف بين العلماء في أن تلك العلقة لا يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا ترث. ولكن اختلف في أحكام آخر متعددة من أحكامها: منها: ما إذا كان سقوطها بسبب ضرب إنسان بطن المرأة التي ألقتها، هل تجب فيها غرة أو لا؟ فذهب مالك ﵀ إلى أن من ضرب بطن حامل، فألقت

стр. 2769

حملها علقة فهو ضامن دية العلقة ضمان الجنين، فتلزمه غرة، أو عشر دية الأم. وفي المدونة الجنين ما علم أنه حمل، وإن كان مضغة أو علقة أو مصورًا. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجنين لا ضمان فيه حتى تظهر فيه صورة الآدمي. وممن قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد ﵏، وظهور بعض الصورة كظهور كلها في الأظهر، واحتجوا لأنه لا يتحقق أنه حمل حتى يصور، والمالكية قالوا: الحمل تمكن معرفته في حال العلقة فما بعدها، فاختلافهم هذا من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط. ومنها: ما إذا كانت المرأة معتدة من طلاق، أو وفاة، وكانت حاملًا، فألقت حملها علقة، هل تنقضي بذلك عدتها أو لا؟ فمذهب مالك ﵀ أنها تقتضي عدتها بإسقاط العلقة المذكورة. واحتج المالكية بأن العلقة المذكورة يصدق عليها أنها حمل، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقال ابن العربي المالكي: لا يرتبط بالجنين شيء من هذه الأحكام إلَّا أن يكون مخلقًا يعني مصورًا، وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدة، قالوا: لأنها دم جامد، ولا يتحقق كونه جنينًا. ومنها: ما إذا ألقت العلقة المذكورة أمة هي سرية لسيدها، هل تكون أم ولد بوضع تلك العلقة أو لا؟

стр. 2770

فذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أنها تصير أم ولد بوضع تلك العلقة؛ لأن العلقة مبدأ جنين، ولأن النطفة لما صارت علقة صدق عليها أنها خلقت علقة، بعد أن كانت نطفة، فدخلت في قوله تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ فيصدق عليها أنها وضعت جنينًا من سيدها، فتكون به أم ولد، وهذا رواية عن أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي. وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى أنها لا تكون أم ولد بوضعها العلقة المذكورة. وقد قدمنا توجيههم لذلك. المسألة الثالثة: إذا أسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث - أعني كونها مضغة، أي: قطعة من لحم - فلذلك أربع حالات: الأولى: أن يكون ظهر في تلك المضغة شيء من صورة الإنسان، كاليد والرجل، والرأس ونحو ذلك، فهذا تنقضي به العدة، وتلزم فيه الغرة، وتصير به أم ولد، وهذا لا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم. الحالة الثانية: أن تكون المضغة المذكورة لم يتبين فيها شيء من خلق الإِنسان، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنهن اطلعن فيها على تخطيط، وتصوير خفي، والأظهر في هذه الحالة أن حكمها كحكم التي قبلها؛ لأنه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أن تلك المضغة جنين لما اطلعوا عليه فيها من الصورة الخفية. الحالة الثالثة: هي أن تكون تلك المضغة المذكورة ليس فيها تخطيط، ولا تصوير ظاهر، ولا خفي، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنها مبدأ خلق آدمي.

стр. 2771

وهذه الصورة فيها للعلماء خلاف، فقال بعض أهل العلم: لا تنقضي عدتها بها، ولا تصير أم ولد، ولا يجب على الضارب المسقط لها الغرة. قال ابن قدامة في المغني: وهذا ظاهر كلام الخرقي، والشافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن الإِمام أحمد ﵀، وظاهر كلام الحسن والشعبي، وسائر من اشترط أن يتبين فيه شيء من خلق الإِنسان؛ لأنه لم يتبين فيه شيء من خلق الآدمي، فأشبه النطفة والعلقة. وقال بعض أهل العلم: تنقضي عدتها بوضع المضغة المذكورة، وتصير به أم ولد، وتجب فيها الغرة، وهو رواية عن الإِمام أحمد. وقال بعض أهل العلم: لا تنقضي بها العدة، وتصير به أم ولد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنه إذا شهد ثقات من القوابل العارفات بأن تلك المضغة مبدأ جنين، وأنها لو بقيت لتخلقت إنسانًا، أنها تنقضي بها العدة، وتصير بها الأمة أم ولد، وتجب بها الغرة على الجاني، والله تعالى أعلم. الحالة الرابعة: أن تكون تلك المضغة ليس فيها تصوير ظاهر، ولا خفي، ولم تشهد القوابل بأنها مبدأ إنسان، فحكم هذه كحكم العلقة، وقد قدمناه قريبًا مستوفى. المسألة الرابعة: إذا أسقطت المرأة جنينها ميتًا بعد أن كملت فيه صورة الآدمي، فلا خلاف بين أهل العلم في انقضاء العدة بوضعه، وكونها أم ولد، ووجوب الغرة فيه، ولكن العلماء اختلفوا

стр. 2772

في الصلاة عليه، وغسله، وتكفينه. فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يسمى، ولا يورث، ولا يرث حتى يستهل صارخًا، ولا عبرة بعطاسه، ورضاعه، وبوله، فلو عطس، أو رضع، أو بال لم يكن ذلك موجبًا للصلاة عليه في قول مالك، وعليه جمهور أصحابه. وقال المازري: رضاعه تتحقق به حياته، فتجب به الصلاة عليه، وغيرها من الأحكام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الصواب في هذه المسألة أنه إن علمت حياته، ولو بسبب آخر غير أن يستهل صارخًا، فإنه يصلى عليه؛ وقد علمت أن مشهور مذهب الإِمام مالك أن المدار على أن يستهل صارخًا، فإن لم يستهل صارخًا غسل دمه، ولف بخرقة، وَوُورِيَ. ومذهب الشافعي أنه إن استهل صارخًا، أو تحرك حركة تدل على الحياة، ثم مات صلِّي عليه، وورِث وَوُرث، وإن لم يستهل، ولم يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر، لم يصل عليه، ولكنه يلف بخرقة، ويدفن، وإن كان له أربعة أشهر فقولان: قال في القديم: يصلى عليه، وقال في الأم: لا يصلى عليه، وهو الأصح. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة، وأصحابه، وجابر بن زيد التابعي، والحكم، وحماد، والأوزاعي، ومالك أنه إذا لم يستهل صارخًا لا يصلى عليه. وعن ابن عمر: أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وإسحاق. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب. ومذهب الإِمام أحمد ﵀ أنه إذا لم يستهل صارخًا، ولم يتحرك، فإن كان له أربعة أشهر غسل، وصلِّي عليه،

стр. 2773

وإلَّا فلا، أما إن استهل صارخًا، فلا خلاف بينهم في الصلاة عليه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط؛ لأن مناط الأمر بالصلاة عليه هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة؛ ومناط عدم الصلاة عليه هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخًا، أو طالت مدته حيًّا علم بذلك أنه مات بعد حياة، فيغسل ويصلى عليه، وقالوا: إن مطلق الحركة لا يدل على الحياة؛ لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية، وقالوا: إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته. قالوا: قد كان عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه عدو الله معدودًا في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ما ورثه، وهو قول ابن القاسم. ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به؛ لأنه في حكم الميت، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد. والذين خالفوا هؤلاء قالوا: لا نسلم ذلك، فكل حركة قوية تدل على الحياة، وعمر ما دام قادرًا على الحركة القوية الدالة على الحياة، فهو حي تجري عليه أحكام الحياة. والذين قالوا: يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه البخاري ومسلم، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة ينفخ فيه الروح، وانتهاء الأربعين الثالثة هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دلَّ الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر بأنه مات بعد حياة. والعلم عند الله تعالى.

стр. 2774

• قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ . هذا برهان قاطع آخر على البعث. وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ أي: يا نبي الله؛ وقيل: وترى أيها الإنسان المخاطب. وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. فقوله: ﴿هَامِدَةً﴾ حال من الأرض، لا مفعول ثانٍ لترى. وقوله: هامدة، أي: يابسة قاحلة لا نبات فيها. وقال بعض أهل العلم: هامدة، أي: دارسة الآثار من النبات، والزرع. قالوا: وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس: قالت قتيلةُ: ما لجسْمك شاحِبًا ... وأرى ثيابَك بالياتٍ هُمّدا أي: وأرى ثيابك باليات دارسات. ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ﴾ أي: سواء كان من المطر، أو الأنهار، أو العيون أو السواني ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات. ولما كان النبات نابتًا فيها متصلًا بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها، فأطلق عليها بهذا الاعتبار أنها اهتزت بالنبات؛ وهذا أسلوب عربي معروف. وقال أبو حيان في البحر المحيط: واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات، وقوله: ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: زادت وارتفعت. وقال بعض أهل العلم: وربت انتفخت لأجل خروج النبات. وقال ابن جرير الطبري: وربت، أي: أضعفت النبات بمجيء الغيث.

стр. 2775

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أصل المادة التي منها ربت الزيادة، والظاهر أن معنى الزيادة الحاصلة في الأرض هي أن النبات لما كان نابتًا فيها متصلًا بها صار كأنه زيادة حصلت في نفس الأرض. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال: اهتز فلان لكيت وكيت إلَّا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع. اهـ. منه. والاهتزاز أصله شدة الحركة، ومنه قوله: تَثني إذا قامتْ وتهتزُّ إن مشتْ ... كما اهتزَّ غصْنُ البانِ في وَرَقٍ خُضْر وقوله: ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾ أي: أنبت الله فيها ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف من أصناف النبات، والزرع، والثمار ﴿بَهِيجٍ (٥)﴾ أي: حسن، والبهجة الحسن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ تقول: بهج بالضم بهاجة فهو بهيج، إذا كان حسنًا، وقرأ عامة السبعة وربت، وهو من قولهم: ربا يربو إذا نَما وزاد، وقرأ من الثلاثة أبو جعفر يزيد بن القعقاع "وربأت" بهمزة مفتوحة بعد الباء، أي: ارتفعت، كأنه من الربيئة أو الربيئي، وهو الرقيب الذي يعلو على شيء مشرف يحرس القوم ويحفظهم. ومنه قول امرئ القيس: بَعثنا ربيئًا قبل ذاك مخمَّلًا ... كذئبِ الغضَا يمشي الضَّراء ويتَّقي وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن إحياء الأرض بعد موتها برهان قاطع على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت، وإيجاد بعد عدم،

стр. 2776

بينه في آيات كثيرة، وقد قدمنا في سورة البقرة، والنحل كثرة الاستدلال بهذا البرهان في القرآن على البعث، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ أي: من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ أي: خروجكم من القبور أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ وقوله ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَينَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾. ومن ذلك قوله هنا: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ بدليل قوله بعده: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ - إلى قوله - ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ . قال بعض أهل العلم: الآية الأولى التي هي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم، اتباعًا لرؤسائهم، من شياطين

стр. 2777

الإِنس والجن، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة إلى الضلال المتبوعين في ذلك، ويدل لهذا أنه قال في الأولى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ﴾ وقال في هذه. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فتبين بذلك أنه مضل لغيره، متبوع في الكفر والضلال، على قراءة الجمهور بضم ياء "يضل". وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو بفتح الياء، فليس في الآية دليل على ذلك، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله بغير علم، فأغنى عن إعادته هنا. وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أي: بدون علم ضروري حاصل لهم بما يجادلون به: ﴿وَلَا هُدًى﴾ أي: استدلال، ونظر عقلي يهتدي به العقل للصواب: ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ أي: وحي نير واضح يعلم به ما يجادل به، فليس عنده علم ضروري، ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي، فهو جاهل محض من جميع الجهات. وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ حال من ضمير الفاعل المستكن في: ﴿وَيُجَادِلُ﴾ أي: يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه، أي: لاوي عنقه عن قبول الحق استكبارًا وإعراضًا. فقوله: ﴿ثَانِيَ﴾ اسم فاعل ثنى الشيء إذا لواه، وأصل العطف الجانب، وعطفا الرجل جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، تقول العرب: ثنى فلان عنك عطفه تعني أعرض عنك؛ وإنما عبر العلماء هنا بالعنق فقالوا: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاوي عنقه مع أن العطف يشمل العنق وغيرها؛ لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإِنسان يلويها، ويصرف وجهه عن الشيء بِلَيِّها، والمفسرون يقولون: إن اللام في قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ﴾ ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية، كقوله:

стр. 2778

﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية، ونحو ذلك لام العاقبة، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية، في معنى الحرف. وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص. ونقول هنا: إن الظاهر في ذلك أن الصواب فيه غير ما ذكروا، وأن اللام في الجميع لام التعليل، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير ﵀ في مواضع من تفسيره. وإيضاح ذلك أن الله هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضًا عن الحق، واستكبارًا، وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالًّا مضلًا؛ وله الحكمة البالغة في ذلك، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفقهوه؛ وكذلك: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، أي: قدر الله عليهم أن يلتقطوه، لأجل أن يجعله لهم عدوًا وحزنًا؛ وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، أي: لا تمل وجهك عنهم، استكبارًا عليهم، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ فقوله: ﴿فَتَوَلَّى

стр. 2779

بِرُكْنِهِ﴾ بمعنى ثنى عطفه؛ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وإهانة. وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، كأبي جهل بن هشام، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكبارًا عن الحق، وإعراضًا عنه عامله الله بنقيض قصده فأذله وأهانه؛ وذلك الذل والإِهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة. وهذا المفهوم من هذه الآية دلت عليه آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقوله في إبليس لما استكبر: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ والصغار الذل والهوان، عياذًا بالله من ذلك، كما قدمنا إيضاحه. وقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ أي: نحرقه بالنار، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة. وسمي يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه له جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ . المعنى أن الكافر إذا أذيق يوم القيامة عذاب الحريق، يقال له: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا العذاب الذي نذيقكه بسبب ما ﴿قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: قدمته في الدنيا من الكفر والمعاصي ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ

стр. 2780

لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة ﴿إِوَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ في محل خفض عطفًا على ما المجرورة بالباء. والمعنى هذا العذاب الذي يذيقكه الله حصل لك بسببين، وهما ما قدمته يداك، من عمل السوء من الكفر والمعاصي، وعدالة من جازاك ذلك الجزاء الوفاق، وعدم ظلمه. وقد أوضحنا فيما مضى إزالة الإِشكال المعروف في نفي صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَيسَ بِظَلَّامٍ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة: الأول: هو ما ذكرنا آنفًا أنا أوضحنا الجواب عنه سابقًا، وهو أن المعروف في علم العربية أن النفي إذا دخل على صيغة المبالغة، لم يقتضِ نفي أصل الفعل. فلو قلت: ليس زيد بظلام للناس، فمعناه المعروف أنه غير مبالغ في الظلم، ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم منه. وقد قدمنا إيضاح هذا. والسؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وكفره الذي هو أعظم ذنوبه ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان بعض أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد. وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد. والجواب عن هذا ظاهر وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي

стр. 2781

نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظرًا إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال، فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك. والسؤال الثالث: هو أن يقال: ما وجه إشارة البعد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر؟ والجواب عن هذا أن من أساليب اللغة العربية وضع إشارة البعد موضع إشارة القرب. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في الكلام على قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الآية، أي: هذا الكتاب. ومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف بن ندبة السلمي: فإن تَكُ خيلي قد أُصيب صَميمُها ... فعمْدًا على عيني تيمَّمت مالِكَا أقول له والرُّمح يأْطِرُ متنه ... تأمَّل خِفافًا إنَّني أَنا ذَلِكَا يعني أنا هذا. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكافر يقال له يوم القيامة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ الآية، لا يخفى أنه توبيخ، وتقريع، وإهانة له، وأمثال ذلك القول في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.

стр. 2782

• قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ . ضمير الفاعل في قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ راجع إلى الكافر المشار إليه في قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ أي: يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله ما لا يضره، إن ترك عبادته، وكفر به، وما لا ينفعه، إن عبده، وزعم أنَّه يشفع له. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان لا تضر من كفر بها، ولا تنفع من عبدها، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾. إذ المعنى أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولكنهم عبدوهم تقليدًا لآبائهم، والآيات بمثل ذلك كثيرة. تنبيه فإن قيل: ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معًا عن ذلك المعبود من دون الله في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ مع إثباتهما في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ لأن صيغة التفضيل في قوله: أقرب دلت على أن هناك نفعًا، وضرًّا، ولكن الضر أقرب من النفع.

стр. 2783

فالجواب: أن للعلماء أجوبة عن ذلك: منها: ما ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الضر والنفع منفيان عن الأصنام، مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض. قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم؛ وذلك أن الله تعالى سفَّه الكافر، بأنه يعبد جمادًا لا يملك ضرًّا، ولا نفعًا، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به، حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها: لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، ولبئس العشير؛ وكرر يدعو كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره, وما لا ينفعه. ثم قال: لمن ضره بكونه معبودًا أقرب من نفعه بكونه شفيعًا، لبئس المولى، ولبئس العشير. اهـ منه. ولا يخفى أن جواب الزمخشري هذا غير مقنع؛ لأن المعبود من دون الله ليس فيه نفع ألبتة، حتى يقال فيه: إن ضره أقرب من نفعه، وقد بين أبو حيان عدم اتجاه جوابه المذكور. ومنها: ما أجاب به أبو حيان في البحر. وحاصله أن الآية الأولى في الذين يعبدون الأصنام، فالأصنام لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها، ولذا قال فيها: ما لا يضره وما لا ينفعه. والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام هي التعبير بلفظة "ما" في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ لأن لفظة "ما" تأتي لما لا يعقل، والأصنام لا تعقل. أما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من

стр. 2784

دون الله، كفرعون القائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ فإن فرعون ونحوه من الطغاة المعبودين قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم، ولذا قال له القوم الذين كانوا سحرة: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه من العذاب، والخلود في النار كلا شيء، فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا، والقرينة على أن المعبود في هذه الآية الأخيرة بعضى الطغاة الذين هم من جنس العقلاء هي التعبير بمن التي تأتي لمن يعقل في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هذا هو خلاصة جواب أبي حيان وله اتجاه. والله تعالى أعلم. واعلم أن اللام في: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فيها إشكال معروف. وللعلماء عن ذلك أجوبة: ذكر ابن جرير الطبري ﵀ منها ثلاثة: أحدها: أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والأصل يدعو من لضره أقرب من نفعه، وعلى هذا فمن الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام موطئة للقسم، داخلة على المبتدأ الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد المبتدأ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا إشكال فيه. قال ابن جرير وحكى عن العرب سماعًا: منها: عندي لما غيره خير منه، أي: عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه، أي: ما لغيره خير منه.

стр. 2785

والثاني منها: أن قوله: يدعو تأكيد ليدعو في الآية التي قبلها، وعليه فقوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ في محل رفع بالابتداء، وجملة: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلة الموصول الذي هو من والخبر هو جملة: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ هو الآية. وهذا المعنى كقول العرب: لما فعلت لهو خير لك. قال ابن جرير لما ذكر هذا الوجه: واللام الثانية في: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ جواب اللام الأولى. قال: وهذا القول على مذهب أهل العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل التأويل أقرب. اهـ. والثالث منها: أن ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بـ (يدعو)، وأن اللام دخلت على المفعول به، وقد عزا هذا لبعض البصريين مع نقله عمن عزاه إليه أنه شاذ، وأقربها عندي الأول. وقال القرطبي ﵀: ولم ير منه نفعًا أصلًا، ولكنه قال: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ترفيعًا للكلام، كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ وباقي الأقوال في اللام المذكورة تركناه، لعدم اتجاهه في نظرنا. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾. المولى: هو كل ما انعقد بينك وبينه سبب يواليك، وتواليه به. والعشير: هو المعاشر، وهو الصاحب والخليل. والتحقيق أن المراد بالمولى والعشير المذموم في هذه الآية الكريمة هو المعبود الذي كانوا يدعونه من دون الله، كما هو الظاهر المتبادر من السياق.

стр. 2786

وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: البعيد عن الحق والصواب. • قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ . في هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير معروفة عند العلماء، وبعضها يشهد لمعناه قرآن: الأول: أن المعنى ﴿مَنْ كَانَ﴾ من الكفرة الحسدة له ﷺ ، ﴿يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أي: أن لن ينصر الله نبيه محمدًا ﷺ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل إلى السماء، أي: سماء بيته، والمراد به السقف؛ لأن العرب تسمِّي كلَّ ما علاك سماء، كما قال: وقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر كما أوضحناه في سورة الحجر. والمعنى فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق؛ لأن الاختناق بقطع النفس بسبب حبس مجاريه، ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ﴾ أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه ﷺ , في الدنيا والآخرة. والمعنى لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد ﷺ .

стр. 2787

قال الزمخشري: وسمى فعله كيدًا؛ لأنه وضعه موضع الكيد, حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلَّا ما ليس بمذهب لما يغيظه. اهـ منه. وحاصل هذا القول أن الله يقول لحاسديه - ﷺ - الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أن ربه لن ينصره موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم. وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي. ومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ﴾. الوجه الثاني: أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه محمدًا - ﷺ - في الدنيا والآخرة، والحال أن النصر يأتيه - ﷺ - من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك السبب، حتى يصعد إلى السماء، فيقطع نزول الوحي من السماء، فيمنع النصر عنه - ﷺ - . والمعنى أنه وإن غاظه نصر الله لنبيه، فليس له حيلة، ولا قدرة على منع النصر؛ لأنه لا يستطيع الارتقاء إلى السماء، ومنع نزول النصر منها عليه - ﷺ - . وعلى هذا القول فصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ للتعجيز ﴿ثم لينظر﴾ ذلك الحاسد العاجز عن قطع النصر عنه - ﷺ - هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النبي - ﷺ - ما يغيظه من نصر الله لنبيه - ﷺ - . والمعنى أنه إن أعمل كل ما في وسعه، من كيد النبي - ﷺ - .

стр. 2788

ليمنع عنه نصر الله، فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يذهب كيده ما يغيظه من نصر الله لنبيه - ﷺ - . ومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحزَابِ (١١)﴾، وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة الحجر. ولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة: وهو أن الضمير في: ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ عائد إلى ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ وأن النصر هنا بمعنى الرزق، وأن المعنى من كان يظن أن لن ينصره الله، أي: لن يرزقه، فليختنق، وليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، وليمت غيظًا وغمًا، فإن ذلك لا يغير شيئًا مما قضاه الله وقدره. والذين قالوا هذا القول قالوا: إن العرب تسمى الرزق نصرًا. وعن أبي عبيدة قال: وقف علينا سائل من بني بكر، فقال: من ينصرني نصره الله، يعني: من يعطيني أعطاه الله. قالوا: ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة، ومنه قول رجل من بني فقعس: وإنك لا تُعطي امرأً فوق حقِّه ... ولا تملك الشِّق الذي الغيث ناصره أي: معطيه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير ظاهر السقوط، كما ترى. والذين قالوا: إن الضمير في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ راجع إلى الدين، أو الكتاب، لا يخالف قولهم قول من قال: إن الضمير للنبي - ﷺ - ؛ لأن نصر الدين، والكتاب هو نصره - ﷺ - كما لا يخفى، ونصر الله له - ﷺ - في الدنيا بإعلائه كلمته، وقهره أعداءه،

стр. 2789

وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾. فإن قيل: قررتم أن الضمير في ينصره عائد إليه ﷺ ، وهو لم يجر له ذكر، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور؟ فالجواب: هو ما قاله غير واحد من أنَّه ﷺ وإن لم يجر له ذكر، فالكلام دال عليه؛ لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية، هو الإيمان بالله، وبمحمد ﷺ ، والانقلاب عن الدين المذكور في قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ انقلاب عما جاء به محمد ﷺ . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعَ﴾ قرأه أَبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر، وقرأه الباقون بإسكان اللام تخفيفًا. • قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾.

стр. 2790

ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أنواع عذاب أهل النار - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - جاء مبينًا في آيات أخر من كتاب الله، فقوله هنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾ أي: قطع الله لهم من النار ثيابًا، وألبسهم إياها تتقد عليهم، كقوله فيهم: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ والسرابيل: هي الثياب التي هي القمص، كما قدمنا إيضاحه، وكقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: جمع غاشية: وهي غطاء كاللحاف، وذلك هو معنى قوله هنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقوله تعالى هنا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ ذكره أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ والحميم: الماء البالغ شدة الحرارة، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ الآية. وقوله هنا: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ أي: يذاب بذلك الحميم إذا سقوه فوصل إلى بطونهم كل ما في بطونهم من الشحم والأمعاء وغير ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ والعرب تقول: صهرت الشيء فانصهر، فهو صهير، أي: أذبته فذاب، ومنه قول ابن أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض: تروي لقى ألْقي في صَفْصَفٍ ... تَصْهره الشَّمس فما يَنْصَهِرْ أي: تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، ولا يذوب. وقوله: ﴿وَالْجُلُوُد (٢٠)﴾ الظاهر أنَّه معطوف على "ما" من قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ التي هي نائب فاعل يصهر، وعلى هذا

стр. 2791

الظاهر المتبادر من الآية فذلك الحميم يذيب جلودهم، كما يذيب ما في بطونهم، لشدة حرارته. إذا المعنى: يصهر به ما بطونهم، وتصهر به الجلود؛ أي: جلودهم، فالألف واللام قامتا مقام الإِضافة. وقال بعض أهل العلم: والجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على تصهر، وتقديره: وتحرق به الجلود. ونظير ذلك في تقدير العامل المحذوف الرافع الباقي معموله مرفوعًا بعد الواو قول لبيد في معلقته: فعلا فروعُ الأيهقَانِ وأطفَلت ... بالْجَلَهتَينِ ظباؤُهَا ونَعامُهَا يعني: وباض نعامها، لأن النعامة لا تلد الطفل، وإنَّما تبيض، بخلاف الظبية فهي تلد الطفل، ومثاله في المنصوب قول الآخر: إذا ما الغانياتُ برزْنَ يومًا ... وزجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونَا ترى منَّا الأيور إذارأَوْهَا ... قِيامًا راكِعينَ وساجِدينَا يعني زججن الحواجب، وأكحلن العيون، وقوله: ورَأيت زوجَك في الوَغَى ... متقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا أي: وحاملًا رمحًا، لأن الرمح لا يتقلد، وقول الآخر: تراه كأنَّ الله يجدعُ أنفَه ... وعينيه إنْ مولاه ثابَ له وفرْ يعني: ويفقأ عينيه، ومن شواهده المشهورة قول الراجز: علَفْتها تِبْنًا وماءً باردًا ... حتَّى شتت همالةً عيناها يعني: وسقيتها ماءً باردًا. ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية، أي: وأخلصوا الإِيمان،

стр. 2792

أو ألفوا الإِيمان. ومثال ذلك في المخفوض قولهم: ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة، أي: ولا كل سوداء تمرة. وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله: • وهي انفردت * بعطف عامل مُزال قَدْ بَقَي ... معمولُه دفعًا لوهْمٍ اتُّقي وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ المقامع: جمع مقمعة بكسر الميم الأولى، وفتح الميم الأخيرة، ويقال: مقمع بلا هاء، وهو في اللغة: حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل. وهي في الآية مرازب عظيمة من حديد تضرب بها خزنة النار رؤوس أهل النار، وقال بعض أهل العلم: المقامع: سياط من نار. ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من الحديد لتصريحه تعالى بذلك. وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية نزل في المبارزين يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وفي أقرانهم المبارزين من الكفار وهم: عتبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، وأخوه شيبة بن ربيعة، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما. • قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار كلما أرادوا الخروج منها؛ لما يصيبهم من الغم فيها عياذًا بالله منها، أعيدوا

стр. 2793

فيها، ومنعوا من الخروج منها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله في المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية. وقوله في آية الحج هذه: ﴿أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ حذف فيه القول. والمعنى أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وهذا القول المحذوف في الحج صرح به في السجدة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ والمفسرون يقولون: إن لهب النار يرفعهم، حتَّى يكاد يرميهم خارجها، فتضربهم خزنة النار بمقامع الحديد، فتردهم في قعرها، نعوذ بالله منها، ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ . اعلم أن خبر إن في قوله هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ محذوف كما ترى. والذي تدل عليه الآية أن التقدير: إن الذين كفروا، ويصدون عن سبيل الله، نذيقهم من عذاب أليم. كما دل على هذا قوله في آخر الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

стр. 2794

فإن قيل: ما وجه عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ﴾؟ فالجواب: من أربعة أوجه: واحد منها ظاهر السقوط. الأول: هو ما ذكره بعض علماء العربية من أن المضارع، قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال، أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قاله أَبو حيان وغيره. الثاني: أن يصدون خبر مبتدأ محذوف. والتقدير: إن الذين كفروا، وهم يصدون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية، وهذا القول استحسنه القرطبي. الثالث: أن يصدون مضارع أريد به الماضي، أي: كفروا، وصدوا، وليس بظاهر. الرابع: أن الواو زائدة، وجملة يصدون خبر إن، أي: إن الذين كفروا يصدون الآية. وهذا هو الذي قدمنا أنَّه ظاهر السقوط، وهو كما ترى، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن من أعمال الكفار الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾

стр. 2795

قرأه عامة السبعة غير حفص عن عاصم: سواء، بضم الهمزة، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع سواء وجهان: الأول: أن قوله: العاكف مبتدأ، والباد معطوف عليه، وسواء خبر مقدم، وهو مصدر أطلق وأريد به الوصف. فالمعنى: العاكف والبادي سواء، أي: مستويان فيه، وهذا الإِعراب أظهر. الوجه الثاني: أن سواء مبتدأ، والعاكف فاعل سد مسد الخبر، والظاهر أن مسوغ الابتداء بالنكرة التي هي سواء على هذا الوجه هو عملها في المجرور الذي هو فيه، إذ المعنى سواء فيه العاكف والبادي، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني لجعلنا. وقرأ حفص عن عاصم سواء بالنصب، وهو المفعول الثاني لجعلنا التي بمعنى صبرنا، والعاكف فاعل سواء، أي: مستويًا فيه العاكف والبادي. ومن كلام العرب: مررت برجل سواء هو والعدم. ومن قال: إن "جعل" في الآية تتعدى إلى مفعول واحد قال: إن سواء حال من الهاء في جعلناه، أي: وضعناه للناس في حال كونه سواء العاكف فيه والبادي، كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الكريمة يشمل جميع الحرم. ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن رباع مكة لا تملك، وقد قدمنا الكلام مستوفى في هذه المسألة، وأقوال أهل العلم فيها، ومناقشة أدلتهم في سورة الأنفال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والعاكف: هو المقيم في الحرم، والبادي: الطارئ عليه من البادية، وكذلك غيرها من أقطار الدنيا.

стр. 2796

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: والبادي قرأه أَبو عمرو وورش، عن نافع بإثبات الياء بعد الدال في الوصل، وإسقاطها في الوقف، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلًا ووقفًا، وقرأه باقي السبعة بإسقاطها، وصلًا ووقفًا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ قد أوضحنا إزالة الإِشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله: بإلحاد، ونظائره في القرآن، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والإِلحاد في اللغة أصله: الميل، والمراد بالإِلحاد في الآية: أن يميل، ويحيد عن دين الله الذي شرعه، ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًّا الكفر بالله، والشرك به في الحرم، وفعل شيء مما حرمه، وترك شيء مما أوجبه. ومن أعظم ذلك: انتهاك حرمات الحرم. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك احتكار الطَّعام بمكة. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وعن ابن عمر ﵄ أنَّه كان له فسطاطان: أحدهما: في طرف الحرم، والآخر: في طرف الحل، فإِذا أراد أن يعاتب أهله، أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإِلحاد فيه بظلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر في هذه المسألة، أن كل مُخَالفَةُ بترك واجب، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته، أو عبده، فليس من الإِلحاد، ولا من الظلم.

стр. 2797

مسألة قال بعض أهل العلم: من هم أن يعمل سيئة في مكة، أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همه بذلك وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا يعاقب فيه بالهم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: لو أنَّ رجلًا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذال الأليم. وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه. والذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ لأنه تعالى رتب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإِلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم: إن الباء في قوله: بإِلحاد، لأجل أن الإِرادة مضمنة معنى الهم، أي: ومن يهمم فيه بإلحاد. وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله - ﷺ - : "ومن هم بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة" الحديث، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويحتمل أن يكون معنى الإِرادة في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها. والدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزمًا مصممًا عليه أنَّها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: "إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا

стр. 2798

القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فقولهم: ما بال المقتول سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنَّه لم يفعل القتل، فبين النبي ﷺ بقوله: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه المسلم"، وقد قدمنا مرارًا أن إن المكسورة المشددة تدل على التعليل، كما تقرر في مسلك الإِيماء والتنبيه. ومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل بسبب طير أبابيل: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجِارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ . أي: اذكر حين بوأنا، تقول العرب: بوأت له منزلًا، وبوأته منزلًا، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه، أي: نزله، وتبوأت له منزلًا أيضًا هيأته له، وأنزلته فيه، فبوأه المتعدي بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: كمْ من أخٍ لي ماجدٍ ... بوَّأته بيدي لحْدا

стр. 2799

أي: هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له، كقوله هنا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر: وبُؤِّئت في صميم مَعْشَرِها ... وتمَّ في قومها مُبوِّؤُها أي: نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلًا كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ وتبوأه كقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية. وأصل التبوء: من المباءة: وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ أي: هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرناه ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه. والمفسرون يقولون: بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس حتَّى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسًا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لها فبنياه عليه. وهم يقولون أيضًا: إنه كان مندرسًا من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم. وغاية ما دل عليه القرآن أن الله بوأ مكانه لإِبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يدل على أنَّه كان مبنيًّا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا:

стр. 2800

﴿مَكَانَ الْبَيتِ﴾ لأنه يدل على أن له مكانًا سابقًا كان معروفًا. والله أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ وعهدنا إليه، أي: أوصيناه أن لا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي للطائفتين، وزادت آية البقرة أن إسماعيل مأمور بذلك أيضًا مع أبيه إبراهيم. وإذا عرفت أن المعنى: وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي. الآية. فاعلم أن في "أن" وجهين: أحدهما: أنَّها هي المفسرة، وعليه طهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم، أي: والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور. والثاني: أنَّها مصدرية بناء على دخول "أن" المصدرية على الأفعال الطلبية. فإن قيل: كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟ فالجواب: أنَّه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا؛ لأن كلام الله يصدق بعضه بعضًا. والتطهير هنا في قوله: ﴿وَطَهِّر بَيتِي﴾ يشمل التطهير المعنوي والحسي، فيطهره الطهارة الحسية: من الأقذار،

стр. 2801

والمعنوية: من الشرك والمعاصي، ولذا قال: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإِسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله - ﷺ - من أنجاس الأوثان وأقذارها، كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا، وقال لنبينا - ﷺ - : ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، والمراد بالطائفين في هذه الآية: الذين يطوفون حول البيت، والمراد بالقائمين، والركع السجود المصلون، أي: طهر بيتي للمعتبدين، بطواف، أو صلاة، والركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ لفظة "شيئًا" مفعول له ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ أي: لا تشرك بي شيئًا من الشركاء كائنًا ما كان، ويحتمل أن تكون ما نال عن المطلق، من ﴿لَا تُشْرِكْ﴾، أي: لا تشرك بي شيئًا من الشرك، لا قليلًا، ولا كثيرًا. فالمعنى على هذا: لا تشرك بي شركًا قليلًا، ولا كثيرًا. وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام بيتي بفتح الياء، وقرأ باقي السبعة بإسكانها. واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء، ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال: ودلَّت إبراهيم مزنةٌ عليه ... فهي على قدر المساحة تُريه وقيل: دلَّته خجوجٌ كنست ... ما حولَه حتَّى بدا ما أسَّست قَبْل الملائك من البناء ... قبل ارتفاعه إلى السماء

стр. 2802

ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالإِسرائيليات لا يصدق منه إلَّا ما قام دليل من كتاب، أو سنة على صدقه، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب. مسألة يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنَّه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضى الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات. ولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود أن ذلك منافٍ لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز؛ لأن تصوير الإِنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنَّه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير؛ ولا شك أن ارتكاب، أي: شيء حرمه رسول الله ﷺ أنَّه من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها؛ وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ولا تركه. ونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب. • قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ .

стр. 2803

الأذان في اللغة الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وقول الحارث بن حلزة: آذَنتْنا ببيْنها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثَّواء والحج في اللغة القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد، تقول العرب: حج بنو فلان فلانًا إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول المخبل السعدي. ألم تَعْلمي يا أمَّ أسْعَد أنَّما ... تخاطأَني ريبُ المنونِ لأكبَرا وأشْهد من عوف حلولًا كثيرةً ... يحجُّون سِبَّ الزّبرقان المزعْفَرا قوله: يحجون يعني يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب بالكسر العمامة. وعنى بكونهم يحجون عمامته أنهم يحجونه، فكني عنه بالعمامة. والرجال في الآية جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر البعير ونحوه المهزول الذي أتعبه السفر. وقوله "يأتين" يعني الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر؛ لأنه في معنى وعلى ضوامر يأتين من كل فج عميق؛ لأن لفظة "كل" صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة. والفج الطَّرِيق، وجمعه فجاج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ والعميق البعيد، ومنه قول الشاعر. إذَا الخَيل جاءَتْ مِن فجاجٍ عميقةٍ ... يمدّ بها في السير أشْعث شاحِب وأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلًا، تقول: بئر عميقة، أي: بعيدة القعر. والخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ لإِبراهيم كما هو ظاهر من السياق، وهو قول الجمهور خلافًا لمن زعم أن الخطاب لنبينا صلَّى الله عليه، وعلى إبراهيم وسلم. وممن

стр. 2804

قال بذلك الحسن، ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي: وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج، أي: أعلمهم، وناد فيهم بالحج، أي: بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام. وذكر المفسرون أنَّه لما أَمره ربه أن يأذن في الناس بالحج قال: يا رب كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتَّى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنَّه يحج إلى يوم القيامة: لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ. قال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف. والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. انتهى منه. وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مجزوم في جواب الطلب، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدر، دل عليه الطلب على الأصح، أي: إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك. وإنَّما قال: "يأتوك" لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج، لأن نداء إبراهيم للحج، أي: يأتوك ملبين دعوتك، حاجين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك. وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه أن الخطاب للنبي - ﷺ - ، ففي

стр. 2805

هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور فوجوب الحج بها على هذه الأمة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة المائدة، مع أنَّه دلت آيات أخر على أن الإِيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضًا على لسان نبينا محمد - ﷺ - ، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم. وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عبَّاس قال: ما آسى على شيء إلَّا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾. والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبًا أفضل اقتداءً برسول الله - ﷺ - ، فإنه حج راكبًا مع كمال قوته - ﷺ - . انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أنَّه قد تقرر في الأصول أن منشأ الخلاف في هذه المسألة التي هي: هل الركوب في الحج، أفضل، أو المشي؟ ونظائرها كون أفعال النبي - ﷺ - بالنظر إلى الجبلة والتشريع ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو الفعل الجبلي المحض، أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها، كالقيام، والقعود، والأكل،
следующие страницы →