Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
نحو ما تقدم. وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال الترمذي بعد ذكره الحديث المتفق عليه في قصة استفتاء الخثعمية ما نصه. وقد صح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب غير حديث. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يرون أن يحج عن الميت.
وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه. وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي، إذا كان كبيرًا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي. انتهى من سنن الترمذي.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم ... إلى آخر السند والمتن كما ذكرناه آنفًا عند الترمذي. اهـ.
وعن علي - ﵁ - : أن النبي - ﷺ - جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي كبير، وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله - ﷺ - : "نعم" رواه أحمد والترمذي، وصححه. انتهى منهما بواسطة نقل المجد في المنتقى، والنووي في شرح المهذب.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحديث علي أخرجه أيضًا البيهقي. اهـ. وقوله في هذا الحديث: وقد أفند، أي: خرف وضعف عقله من الهرم.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا
стр. 2837
جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب، وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ أن أحج عنه؟ قال: "آنت أكبر ولده"؟ قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه"؟ قال: نعم. قال: "فحج عنه" وفي لفظ النسائي، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله - ﷺ - إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه"؟ قال: نعم، قال: "فدَين الله أحق" وفي لفظ عند النسائي، عن ابن عباس أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - : إن أبي أدركه الحج، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان عليه دَين فقضيته، أكان مجزئًا"؟ قال: نعم. قال: "فحج عن أبيك". اهـ. من سنن النسائي.
وحديث ابن الزبير الذي ذكرناه آنفًا عند النسائي قال المجد في المنتقى: رواه الإِمام أحمد، والنسائي بمعناه.
وقال الشوكاني: قال الحافظ: إن إسناده صالح. انتهى. والأحاديث بمثل هذا كثيرة.
وأما النوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره، فهو من لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال يدفعه لمن يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج والولد مستطيع، فهل يجب الحج على الوالد، ويلزمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم.
قال النووي في شرح المهذب: فرع: في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد ما لا يحج به غيره، فوجد من يطيعه، قد ذكرنا
стр. 2838
أن مذهبنا وجوب الحج عليه. وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكًا احتج في مسألة العاجز الذي له مال بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلًا ... إلى آخر ما تقدم، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي ذكرنا وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب؛ كتشبيهه بدين الآدمي، وكقول السائل: يجزئ عنه أن أحج عنه. والإِجزاء دليل المطالبة، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول: إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي في الحج عنه، وهو - ﷺ - لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد: "آنت أكبر ولده" وأمره بالحج عنه.
وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالًا فأوجبوا عليه الحج، وبين وجوده ولدًا يطيعه فلم يوجبوه عليه؛ فلأن المال ملكه، فعليه أن يستأجر به، والولد مكلف آخر ليس ملزمًا بفرض على شخص آخر؛ ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيع ببدن، ولا بزاد وراحلة، ولو وجد إنسانًا غير الولد يطيعة في الحج عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف. وفي فروع الشافعية توجيه كل قول منها، فانظره في النووي في شرح المهذب، وأظهرها أنه كالولد.
تنبيه
إذا مات الشخص، ولم يحج، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه، أو بغيره عند من يقول بذلك، وكان قد ترك مالًا،
стр. 2839
فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: يجب أن يحج عنه، ويعتمر عنه من تركته، سواء مات مفرطًا، أو غير مفرط؛ لكون الموت عاجله عن الحج فورًا. وبهذا قال الشافعي، وأحمد.
قال ابن قدامة في المغني: وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك، فهو في الثلث. وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة.
واحتجوا أيضًا أن ظاهر القرآن كقوله: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ مقدم على ظاهر الأحاديث، بل على صريحها؛ لأنه أصح منها.
وأجاب المخالفون بأن الأحاديث مخصصة لعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه، بتقديم المال، وأجرة من يحج عنه، فهذا من سعيه.
وأجابوا عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة، بخلاف الحج.
والذين قالوا: يجب أن يحج عنه من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك، تقتضي أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه.
منها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - : أن امرأة من جهينة جاءت إلى
стр. 2840
النبي - ﷺ - ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". اهـ.
والحج في هذا الحديث وإن كان منذورًا فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر. واستدل بالحديث المذكور بعض أهل العلم على صحة نذر الحج ممن لم يحج.
قال ابن حجر في الفتح: فإذا حج أجزأه عن حجة الإِسلام، عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ثم يحج حجة الإِسلام. وقيل: يجزئ عنهما.
وقال البخاري أيضًا في كتاب: الأيمان والنذور: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي - ﷺ - فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي - ﷺ - : "لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم، قال: "فاقض الله فهو أحق بالقضاء". اهـ.
وقال المجد في المنتقى بعد أن أشار لحديث البخاري هذا: وهو يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو، أو لا؟ وشبهه بالدين. انتهى.
وقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي - ﷺ - ، أي: طلب التفصيل في أحوال الواقعة، ينزل منزلة العموم القولي. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
ونزّلن تركَ الاستفصالِ ... منزلةَ العمومِ في الأقْوَالِ
وخالف في هذا الأصل أبو حنيفة ﵀ كما هو مقرر في
стр. 2841
الأصول، مع بيان الخلاف في المسائل الفقهية، تبعًا للخلاف في هذا الأصل المذكور.
ومنها: ما رواه النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت، فأتى أخوها النبي - ﷺ - فسأله عن ذلك، فقال: "أرأيت لو كان على أختك دَيْن أكنت قاضيه؟ " قال: نعم قال: "فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء" انتهى.
وهذه الأحاديث التي ذكرنا في نذر الحج، وقد بينا أن إيجاب الله فريضة الحج أعظم من إيجابها بالنذر، مع أن النبي - ﷺ - أمر بقضائها وشبهها بِدينِ الآدميّ. وسنذكر أيضًا إن شاء الله أحاديث ليس فيها نذر الحج.
قال النسائي في سننه: أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، عن عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. قال: "فدين الله أحق". اهـ.
ورجال هذا الإِسناد ثقات معروفون، لا كلام في أحد منهم، إلَّا الحكم بن أبان العدني. وقد قال فيه ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. قال ابن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان، وعده ابن حبان في الثقات. وقال: ربما أخطأ. وإنما وقع المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وحكى ابن خلفون: توثيقه
стр. 2842
عن ابن نمير، وابن المديني، وأحمد بن حنبل. اهـ.
وقال ابن عدي: فيه ضعف. وقال ابن خزيمة في صحيحه: تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره. وبما ذكر تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، وليس فيه نذر الحج.
وقال النسائي في سننه أيضًا: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أبو التياح، قال: حدثني موسى بن سلمة الهذلي، أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله - ﷺ - أن أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: "نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها" وهذا الإِسناد صحيح. وفي لفظ عند النسائي أيضًا، عن ابن عباس، بإسناد آخر: أن امرأة سألت النبي - ﷺ - ، عن أبيها، مات ولم يحج. قال: "حجي عن أبيك" وإسناده صحيح أيضًا. وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس بإسناد آخر صحيح.
وقال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس - ﵄ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإِسلام، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو أن أباكَ تركَ دَينًا عليه أقضيته عنه؟ " قال: نعم قال: "فاحجج عن أبيك" رواه الدارقطني. انتهى من المنتقى.
وقال الترمذي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، نا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي ماتت، ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي
стр. 2843
عنها". اهـ. ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وأخرج البيهقي نحوه بإسناد صحيح.
وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي - ﷺ - امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها حج قال: "حجي عن أمك" ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث وبما سيأتي إن شاء الله.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله - ﷺ - إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال: "وجب أجرك وردها عليك الميراث" قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها" انتهى من صحيح مسلم.
فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن وجب عليه الحج في الحياة، وترك مالًا وجب أن يحج عنه، وليست كلها ظاهرة في ذلك، ولكن بعضها ظاهر فيه كتشبيهه بِديْن الآدمي، ونحو ذلك مما تقدم.
وأجاب المخالفون بأن الحج أعمال بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال، والأعمال البدنية تسقط بالموت، فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع، وفاعل خيرًا. قالوا: ووجه تشبيهه بالدَّين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد أن
стр. 2844
القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه.
واحتجوا أيضًا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان في الحج عنه، قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر، فهو للإِباحة؛ لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإِباحة.
قال ابن السبكي في جمع الجوامع في مبحث الأمر: فإن ورد بعد حظر قال الإِمام: أو استئذان فللإِباحة، وقال أبو الطيب، والشيرازي، والسمعاني، والإِمام: للوجوب، وتوقف إمام الحرمين انتهى منه. فتراه صدر بأن الأمر بعد الاستئذان للإِباحة، والخلاف في المسألة معروف، وقد ذكرنا فيه أقوال أهل العلم في أبيات مراقي السعود في أول سورة المائدة.
ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإِباحة أن الصحابة ﵃ لما سألوا النبي ﷺ عما اصطادوه بالجوارح، واستأذنوه في أكله، نزل دي ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ فصار هذا الأمر بالأكل للإِباحة؛ لأنه وارد بعد سؤال، واستئذان.
ومن أمثلته من السنَّة حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم" الحديث، فإن معنى نعم هنا: صَلِّ فيها. وهذا الأمر بالصلاة فيها للإِباحة؛ لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر، أو الاستئذان معروف.
هذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره، ووجوب الحج عمن وجب عليه في الحياة، ومات قبل أن يحج وترك مالًا، وقد علمت أدلتهم ومناقشتها.
стр. 2845
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأحاديث التي ذكرنا تدل قطعًا على مشروعية الحج عن المعضوب، والميت.
وقد قدمنا أن الأظهر عند وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرط، وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عندنا من رأس ماله إن ترك مالًا؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته، فكانت دَيْنًا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي - ﷺ - في الأحاديث المذكورة بأحقيته، حيث قال: "فَدَيْنُ الله أحق أن يُقضى".
أما من عاجله الموت قبل التمكن، فمات غير مفرط، فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه، ولا دَيْن لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها. وقد دلت الأحاديث المذكورة على جواز حج الرجل عن المرأة، وعكسه، وعليه عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلَّا الحسن بن صالح بن حي.
والأحاديث المذكورة حجة عليه، وقد قدمنا أن مالكًا ﵀ ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرنا مع كثرتها وصحتها؛ لأنها مخالفة عندهم لظاهر القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ والمعضوب والميت ليس واحد منهما بمستطيع، لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه.
واعلم أن ما اشتهر عن مالك من أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد: معناه عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت؛ فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلَّا بوصية، فإن أوصى به صح من الثلث. وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده، بل مكروه.
стр. 2846
والأفضل عنده أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج، كأن يتصدق به عنه، أو يعتق به عنه، ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح حجه عنه.
والحاصل: أن النيابة عن الصحيح في الفرض عنده ممنوعة، وفي غير الفرض مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلًا للحج.
قال خليل بن إسحاق في مختصره: "ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلَّا كره". اهـ.
وقال شارحه الحطاب: ويدخل في قول المصنف: "وإلَّا كره" بحسب الظاهر ثلاث صور: استنابة الصحيح في النفل، واستنابة العاجز في الفرض، وفي النفل، لكن في التحقيق ليس هنا إلَّا صورتان؛ لأن العاجز لا فريضة عليه. اهـ.
واعلم: أن بعض المالكية حمل الكراهة المذكورة على التحريم، والأحاديث التي ذكرنا حجة على مالك، ومن وافقه، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن ما عليه جمهور العلماء من جواز الحج، عن المعضوب، والميت محله فيما إذا كان الذي يحج عنهما قد حج عن نفسه حجة الإِسلام خلافًا لمن لم يشترط ذلك.
واحتج الجمهور القائلون بأن النائب عن غيره في الحج لا بد أن يكون حج عن نفسه حجة الإِسلام بحديث جاء في ذلك.
قال أبو داود في سننه: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهناد بن السري - المعنى واحد - ، قال إسحاق: ثنا عبدة بن
стр. 2847
سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم عن شبرمة".
وقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرمة، فقال رسول الله - ﷺ - : "من شبرمة؟ " قال: قريب لي، قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا، قال: "فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" وإسناد هذا الحديث عند أبي داود وابن ماجه رجاله كلهم ثقات، معروفون، إلَّا عزرة الذي رواه عنه قتادة، وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه عزرة. وعزرة المذكور في إسناد هذا الحديث عند أبي داود، وابن ماجه ذكراه غير منسوب، وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى، وعزرة بن يحيى لم يذكره البخاري في التاريخ، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يخصه ابن حجر في تهذيب التهذيب بترجمة، ولم يذكره الذهبي في الميزان، وقد ذكره ابن حجر في التقريب، وقال فيه: مقبول.
وقد روى هذا الحديث أيضًا الدارقطني، وابن حبان في صحيحه. وروى البيهقي من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - . ثم قال: هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه. أخرجه أبو داود في السنن عن إسحاق بن
стр. 2848
إسماعيل، وهناد بن السري، عن عبدة. وقال: يحيى بن معين، أثبت الناس سماعًا عن سعيد عبدة بن سليمان، ثم قال: قال الشيخ: وكذلك رواه أبو يوسف القاضي، عن سعيد، ثم ساق بإسناده رواية أبي يوسف، وأورد متن الحديث كما سبق، ثم قال: وكذلك روى عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، ورواه غندر عن سعيد بن أبي عروبة موقوفًا على ابن عباس. ومن رواه مرفوعًا حافظ ثقة، فلا يضره خلاف من خالفه. وعزرة هذا هو عزرة بن يحيى. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول ذلك، وقد روى قتادة أيضًا عن عزرة بن تميم، وعن عزرة بن عبد الرحمن. اهـ. من البيهقي. وقد أورد روايات أخر عن ابن عباس تؤيد الحديث المذكور، وذكره ابن حجر في التلخيص وأطال فيه الكلام، وذكر كلام البيهقي في تصحيحه، وكلام من لم يصححه، وذكر طرقه ثم قال ما نصه: فيجتمع من هذا صحة الحديث. اهـ. محل الغرض منه.
وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبي داود كما قدمنا، ثم قال: وإسناده على شرط مسلم. والظاهر أن النووي يظن أن عزرة المذكور في إسناده هو ابن عبد الرحمن، وذلك من رجال مسلم، والواقع خلاف ذلك، وهو عزر بن يحيى كما جزم به البيهقي. ثم قال النووي: ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس. ثم ذكر بعض ما ذكرنا سابقًا من تصحيح البيهقي للحديث، وأن رفعه أصح من وقفه.
فتحصل من هذا كله أن الحديث صالح للاحتجاج، وفيه دليل
стр. 2849
على أن النائب في الحج، لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، وقاس العلماء العمرة على الحج في ذلك، وهو قياس ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
وخالف في ذلك بعض العلماء كأبي حنيفة ومن وافقه، فقالوا: يصح حج النائب عن غيره وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث التي ذكرناها في الحج عن المعضوب والميت، فإن النبي - ﷺ - يقول فيها: "حج عن أبيك، حج عن أمك"، ونحو ذلك من العبارات، ولم يسأل أحدًا منهم هل حج عن نفسه أو لا. وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذي فيه قصة شُبرمة؛ لأنه لا يتعارض عام وخاص، فلا يحج أحد عن أحد، حتى يحج عن نفسه حجة الإِسلام. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
قد علمت مما مر أن الحج واجب مرة في العمر، وهل ذلك الوجوب على سبيل الفور أو التراخي؟
اختلف أهل العلم في ذلك وسنبين هنا إن شاء الله أقوالهم، وحججهم، وما يرجحه الدليل عندنا من ذلك: فممن قال: إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه. قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس. وممن قال إنه على الفور: الإِمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزني. قال النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة. وقال صاحب تبيين الحقائق
стр. 2850
في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج، قال: يحج، ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور انتهى.
وأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران، كلاهما شهره بعض علماء المالكية.
أحدهما: أنه على الفور، والثاني: أنه على التراخي، ومحل الخلاف المذكور ما لم يخشَ الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورًا اتفاقًا.
قال خليل بن إسحاق في مختصره في الفقه المالكي: "وفي فوريته وتراخيه لخوف الفوات خلاف". اهـ.
وقد ذكر في ترجمته أنه إن قال في مختصره: "خلاف"، فهو يعني بذلك اختلافهم في تشهير القول.
وقال الشيخ المواق في كلامه على قول خليل المذكور ما نصه: الجلاب: من لزمه فرض الحج لم يجز له تأخيره، إلَّا من عذر وفرضه على الفور دون التراخي، والتسويف، وعن ابن عرفة هذا للعراقيين، وعزا لابن محرز والمغاربة وابن العربي، وابن رشد: أنه على التراخي ما لم يخف فواته.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه حججهم.
أما الذين قالوا: إنه على التراخي فاحتجوا بأدلة.
منها: أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا
стр. 2851
خلاف أن آية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله - ﷺ - ، وأصحابه، وهم محرمون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف، ويدل عليه ما تقدم في حديث كعب بن عجرة الذي نزل فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وذلك متصل بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، ولذا جزم الشافعي، وغيره: بأن الحج فرض عام ست قالوا: وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النبي - ﷺ - لم يحج إلَّا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما آخره عن أول وقت للحج، بعد نزول الآية. قالوا: ولا سيما أنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان، واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة، ولم يحج، قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد، فأقام للناس الحج سنة ثمان، بأمر رسول الله - ﷺ - ، وكان رسول الله - ﷺ - مقيمًا بالمدينة هو أزواجه وعامة أصحابه، ولم يحجوا، قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع، وانصرف عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقام للناس الحج سنة تسع، ورسول الله - ﷺ - هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ولم يحجوا، ثم حج - ﷺ - هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر، دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور، بل على التراخي.
واستدلوا لذلك أيضًا بما جاء في صحيح مسلم في قصة
стр. 2852
ضمام بن ثعلبة السعدي - ﵁ - : حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد ( - ﷺ - ) أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: "صدق" قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله" قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله" قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله" قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: "صدق" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق" ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي - ﷺ - : "لئن صدق ليدخلن الجنة". انتهى من صحيح مسلم.
قالوا: هذا الحديث الصحيح جاء فيه وجوب الحج، وقد زعم الواقدي وغيره: أن قدوم الرجل المذكور وهو ضمام بن ثعلبة كان عام خمس، قالوا: وقد رواه شريك بن أبي نمر عن كريب فقال فيه: بعث بنو سعد ضمامًا في رجب سنة خمس، فدل ذلك على أن الحج
стр. 2853
كان مفروضًا عام خمس، فتأخيره - ﷺ - الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي، لا على الفور.
ومن أدلتهم على أنه على التراخي: "أن النبي - ﷺ - في حجة الوداع أمر المحرمين بالحج أن يفسخوه في عمرة" فدل ذلك على جواز تأخير الحج، وهو دليل على أنه على التراخي.
ومن أدلتهم أيضًا: أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله فإنه يسمى مؤديًا للحج لا قاضيًا له بالإِجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء.
ومن أدلتهم على أنه على التراخي: ما هو مقرر في أصول الشافعية: وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن، لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد، فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر.
ومن أدلتهم: أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة قالوا: فهي على التراخي، ويقاس الحج عليها، بجامع أن كلًّا منهما واجب ليس له وقت معين.
ومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين. قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنَّة. هذا هو حاصل أدلة القائلين بأن وجوب الحج على التراخي لا على الفور.
وأما الذين قالوا: إنه على الفور فاحتجوا أيضًا بأدلة، ومنعوا أدلة المخالفين.
стр. 2854
فمن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك، وهي على قسمين:
قسم منها: فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك.
والقسم الثاني: يدل على توبيخ من لم يبادر، وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يمتثل؛ لأنه قد يكون اقترب أجله، وهو لا يدري.
أما آيات القسم الأول فكقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فيه الأمر بالمسارعة، والمسابقة إلى مغفرته، وجنته جل وعلا، وذلك بالمبادرة، والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور، لا التراخي، وكقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ الآية، ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال. وصيغ الأمر في ﴿سَابِقُوا﴾ قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ وقوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ تدل على الوجوب؛ لأن الصحيح المقرر في الأصول: أن صيغة افعل إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وإليه أشار في المراقي بقوله:
• وافعل لدى الأكثر للوجوب * إلخ
وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فصرح
стр. 2855
جل وعلا بأن أمره قاطع للاختيار، موجب للامتثال، وقد سمى نبيه موسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ يعني قوله له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ وإنما قال موسى ذلك لأخيه هارون قبل أن يعلم حقيقة الحال، فلما علمها قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾.
ومما يدل على اقتضاء الأمر الوجوب: أن الله جل وعلا عنف إبليس لما خالف الأمر بالسجود، وذلك في قوله: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ والنصوص بمثل هذا كثيرة، وقد أجمع أهل اللسان العربي: أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلًا، فلم يمتثل أمره فأدبه على ذلك، أن ذلك التأديب واقع موقعه؛ لأنه عصاه بمخالفة أمره، فلو قال العبد: ليس لك أن تؤدبني؛ لأن أمرك لي بقولك اسقني ماء لا يقتضي الوجوب لقال له أهل اللسان: كذبت، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك عصيت سيدك، فدل ما ذكر على أن الشرع واللغة دلَّا على اقتضاء الأمر المجرد الوجوب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.
ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.
وأما القسم الدال على التخويف من الموت قبل الامتثال المتضمن الحث على الامتثال: فهو أن الله جل وعلا أمر خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه، وعجائبه كخلقه للسماوات والأرض، ونحو
стр. 2856
ذلك في آيات من كتابه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد يقترب أجله، ويضيِع عليه أجر الامتثال بمعالجة الموت، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ إذ المعنى: أولم ينظروا في أنه عسى أن يكون أجلهم قد اقترب، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت، وفي الآية دليل واضح على أن الإِنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك.
ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور أحاديث جاءت دالة على ذلك، ولا يخلو شيء منها من مقال، إلَّا أنها تعتضد بالآيات المذكورة، وبما سنذكره إن شاء الله بعدها.
منها ما أخرجه أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل - وهو أبو إسرائيل الملائي - عن فضيل - يعني: ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ، قال: قال رسول الله - ﷺ - : "تعجلوا إلى الحج" يعني الفريضة. فقوله في هذا الحديث: "تعجلوا" يدل على الفور، وقد نقل حديث أحمد هذا المجد في المنتقى بحذف الإِسناد على عادته، فقال: عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: "تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" رواه أحمد. انتهى منه.
стр. 2857
وقد سكت على هذا الحديث، وسكت عليه أيضًا شارحه الشوكاني في نيل الأوطار، وظاهر سكوتهما عليه أنه صالح للاحتجاج عندهما. والظاهر عدم صلاحية هذا الحديث بانفراده للاحتجاج؛ لأن في سنده إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وهو لا يحتج بحديثه؛ لأنه ضعفه أكثر أهل العلم بالحديث، وكان شيعيًّا من غلاتهم، وكان ممن يكفر أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ - ؛ وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، سيِّئ الحفظ، نسب إلى الغلو في التشيع.
والحاصل: أن أكثر أهل العلم لا يحتجون بحديثه، وانظر إن شئت أقوال أهل العلم في تهذيب التهذيب، والميزان وغيرهما.
ومن أدلتهم أيضًا على ذلك: ما رواه الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - "من أراد الحج فليتعجل". اهـ.
ورواه أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن الحسن بن عمرو، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: "من أرد الحج فليتعجل". اهـ.
وقال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبأنا أبو المثنى، ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - : "من أراد الحج فليتعجل" ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وأبو صفوان هذا سماه غيره مهران مولى لقريش، ولا يعرف بالجرح. انتهى منه. وأقره الحافظ الذهبي على تصحيحه لهذا الإِسناد. ولا يخلو هذا السند من مقال؛ لأن فيه مهران أبا صفوان،
стр. 2858
قال فيه ابن حجر في التقريب: كوفي مجهول. وقال صاحب الميزان، لا يُدرى من هو. وقال فيه في تهذيب التهذيب: روي عن ابن عباس "من أراد الحج فليتعجل" وعنه الحسن بن عمرو الفقيمي. قال أبو زرعة: لا أعرفه إلَّا في هذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.
قلت: وقال الحاكم لما أخرج حديثه هذا في المستدرك: لا يعرف بجرح. انتهى منه. وهو دليل على أن حديث مهران المذكور معتبر به، فيعتضد بما قبله، وبما بعده، مع أن ابن حبان عده في الثقات، وصحح حديثه الحاكم وأقره الذهبي على ذلك.
وقال ابن ماجه في سنته: حدثنا علي بن محمد، وعمرو بن عبد الله، قالا: ثنا وكيع، ثنا إسماعيل أبو إسرائيل، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله - ﷺ - : "من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة". اهـ. وفي سنده: إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وقد قدمنا قريبًا أن الأكثرين ضعفوه.
ومن أدلتهم على ذلك ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من لم يحبسه مرض، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا".
قال ابن حجر في التلخيص: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال العقيلي، والدارقطني: لا يصح فيه شيء. قلت: وله طرق:
стр. 2859
أحدها: أخرجه سعيد بن منصور في السنن، وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي من طرق عن شريك عن ليث بن أبي سليم، عن ابن سابط، عن أبي أمامة بلفظ "من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا" لفظ البيهقي، ولفظ أحمد "من كان ذا يسار فمات ولم يحج" الحديث. وليث ضعيف، وشريك سيِّئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري، فأرسله. رواه أحمد في كتاب الإِيمان له عن وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله - ﷺ - : "من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس، أو سلطان ظالم، أو حاجة ظاهرة" فذكره مرسلًا. وكذا ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث مرسلًا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى، عن شريك مخالفة للإِسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف. وقال الذهبي في الميزان - بعد أن ذكر طريق أبي يعلى هذه في ترجمة عمار بن مطر الرهاوي المذكور الراوي عن شريك: هذا منكر عن شريك.
الثاني: عن علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك لأن الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ رواه الترمذي، وقال: غريب، وفي إسناده مقال، والحارث يضعف، وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول. وسئل إبراهيم الحربي عنه فقال: من هلال؟ وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ. وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وذكر في الميزان حديث علي هذا في
стр. 2860
ترجمة هلال بن عبد الله المذكور، وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. اهـ. وقال فيه في التقريب: متروك. وقد روي عن علي موقوفًا، ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا، وقال المنذري: طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه.
الثالث: عن أبي هريرة رفعه: "من مات ولم يحج حجة الإِسلام في غير وجع حابس، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر فليمت، أي: الميتتين شاء: إما يهوديًّا أو نصرانيًّا" رواه ابن عدي من طريق عبد الرحمن الغطفاني، عن أبي المهزم - وهما متروكان - عن أبي هريرة. وله طريق صحيحة إلَّا أنها موقوفة، رواها سعيد بن منصور، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فتنظر كل من كانت له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين" لفظ سعيد. ولفظ البيهقي أن عمر قال: ليمت يهوديًّا أو نصرانيًّا يقولها ثلاث مرات، رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة، وخليت سبيله.
قلت: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط، علم أن لهذا الحديث أصلًا، ومحمله على من استحل الترك. وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. والله أعلم. اهـ من التلخيص الحبير بلفظه.
وقول ابن حجر ومحمله على من استحل الترك هو قول من قال من المفسرين: إن الكفر في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ يحمل على مستحل الترك، ولا دليل عليه.
стр. 2861
ووجه الدلالة من الأحاديث المذكورة على ما فيها من المقال أنها تصرح أنه لا يمنعه من الإِثم إلَّا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج، كالمرض، أو الحاجة الظاهرة، أو السلطان الجائر، فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات، وهو آثم بالتأخير، فدل على أن وجوب الحج على الفور، وأنه لا يجوز التراخي فيه إلا لعذر.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار - بعد أن ساق الطرق التي ذكرناها عن صاحب التلخيص - : وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذا الحديث من الموضوعات، فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور، ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني: لا يصح في الباب شيء؛ لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن. اهـ محل الغرض منه.
ومن أدلتهم أيضًا على أن وجوب الحج على الفور ما قدمناه في سورة البقرة، من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: سألت ابن عباس، وأبا هريرة عن ذلك، يعني: حديث الحجاج بن عمرو المذكور فقالا: صدق. وقد قدمنا أن هذا الحديث ثابت من رواية الحجاج بن عمرو الأنصاري، وابن عباس وأبي هريرة. وقد قدمنا أنه رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي. وقد قدمنا: أنه سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي، وأن النووي قال فيه: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم
стр. 2862
بأسانيد صحيحة. ومحل الشاهد من الحديث المذكور قوله ﷺ في بعض روايات الحديث عند أبي داود، وابن ماجه: "فقد حل، وعليه الحج من قابل" لأن قوله: "من قابل" دليل على أن الوجوب على الفور، وقد قدمنا هناك ما يدل على أن ذلك القضاء الواجب على المحصر بمرض أو نحوه إنما هو في حجة الإِسلام، وأنه لا قضاء على المحصر في غيرها. وبينا أدلة ذلك هناك في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والرواية التي ذكرنا هناك: "فقد حل، وعليه حجة أخرى"، وهذه الرواية قد بينتها رواية: "وعليه الحج من قابل" وهي ثابتة، وهي دالة على الفور، مفسرة للرواية التي ذكرنا هناك.
فهذه الأحاديث مع تعددها واختلاف طرقها تدل على أن وجوب الحج على الفور، وتعتضد بالآيات القرآنية التي قدمناها، وتعتضد بما سنذكره إن شاء الله من كلام أهل الأصول.
واعلم أن المخالفين قالوا: إن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء، وأن حديث: "من أراد أن يحج فليتعجل" مع ضعفه حجة لهم لا عليهم؛ لأنه وكل الأمر إلى إرادته، فدل على أنه ليس على الفور، ولا يخفى أن الأحاديث التي ذكرنا لايقل مجموعها عن درجة الاحتجاج على أن وجوب الحج على الفور.
ومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور: هو أن الله أمر به، وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور. أما الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فورًا لامتثال أوامر الله، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وكقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
стр. 2863
الآية، وبينا دلالة تلك اليات وأمثالها على اقتضاء الأمر الفور، وأوضحنا ذلك.
وأما اللغة: فإن أهل اللسان العربي مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء، فلم يفعل، فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة افعل في قولك: اسقني ماء، تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخٍ عن الأمر، بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والتراخي.
وأما العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معينة ينتهى عندها، وإما لا، والقسم الأول ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه، دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه إن قلنا: إنه ليس على الفور.
والحاصل: أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع.
والقسم الثاني الذي هو: أن تراخيه ليس له غاية، يقتضي عدم وجوبه؛ لأن ما جاز تركه جوازًا، لم تعين له غاية ينتهي إليها، فإن تركه جائز إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه.
فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.
فالجواب: أن البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؛ لأن الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، وقد قدمنا قوله تعالى في ذلك: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها إلَّا عند عجزه عن
стр. 2864
العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج. والإِنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله، وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه.
فهذه جملة أدلة القائلين بأن وجوب الحج على الفور. ومنعوا أدلة المخالفين، قالوا: إن قولكم: إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر النبي - ﷺ - وجوب الحج، وأن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست في عمرة الحديبية، فدلت على أن الحج مفروض عام ست، وأنه - ﷺ - آخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.
وقال ابن حجر في الإِصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه: وزعم الواقدي أن قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر.
وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أن قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح. اهـ. منه، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه عام تسع.
وذكر ابن كثير قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع، مع أنه ذكر قول من قال: إن قدومه كان قبل عام خمس. هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام. وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فهو أنها لم يذكر فيها إلَّا وجوب الإِتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب. وقد أجمع أهل العلم على أن من أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الإِتمام، ووجوب الإِتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.
стр. 2865
قال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة.
قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله - ﷺ - وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، والمناداة بها إنما كان عام تسع، وبعث الصديق - ﵁ - بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي - ﵁ - ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف، والله أعلم. انتهى من زاد المعاد.
فتحصل: أن آية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لم تدل على وجوب الحج ابتداءً، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه.
стр. 2866
بل الذي أجمعوا عليه: هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأن آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وقد نجران، وصالحهم النبي - ﷺ - على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدَّم قريبًا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي - ﷺ - الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج؛ لأنه لم يفرض.
فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع، وهو - ﷺ - لم يحج عام تسع، بل أخَّر حَجَّه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما آخره بعد فرضه إلى عام عشر.
فالجواب - والله تعالى أعلم - : أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي، وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
стр. 2867
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًّا ﵁ بعد أبي بكر ينادي ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا عريان، فلو بادر ﷺ إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه. والعلم عند الله تعالى.
وأجابوا عن قولهم: كونه ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم في عمرة دليل على تأخير الحج؛ لأنهم بعد ما أحرموا فيه فسخوه في عمرة، وحلوا منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج؛ لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة بعينها، وتأخير الحج إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى، وذلك ليس بواقع هنا، فلا تأخير للحج في الحقيقة؛ لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من لم يفسخ حجه في عمرة، فلا تأخير كما ترى.
وأجابوا عن قولهم: إنه لو أخره من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديًا، لا قاضيًا بالإِجماع، ولو حرم التأخير لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلَّا في العبادة المؤقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت. المعين لها كما هو مقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفًا من طرو العوائق، أو نزول الموت قبل الأداء، كما تقدم إيضاحه.
وأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم
стр. 2868
فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره، ولو كان التأخير حرامًا لردت شهادته؛ لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته، بل لا ترد إلَّا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا، وشبهة الأدلة التي أقاموها على ذلك. هذا هو حاصل أدلة الفريقين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض هو: أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وما قدمنا معها من الآيات، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه ﷺ لم يحج حجة الإِسلام إلَّا سنة عشر. والعلم عند الله تعالى الآية. وأشار في مراقي السعود إلى أن مذهب مالك أن وجوب الأمر على الفور بقوله:
وكونه للفور أصلُ المذْهب ... وهو لَدى القيد بتأخير أبي
المسألة الثانية
اعلم: أن من أراد الحج له أن يحرم مفردًا الحج، وله أن يحرم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وله أن يحرم قارنًا بين الحج والعمرة، وإنما الخلاف بين العلماء، فيما هو الأفضل من الثلاثة المذكورة.
стр. 2869
والدليل على التخيير بين الثلاثة ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة - ﵄ - قالت: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج ... " الحديث. وهو نص صريح متفق عليه في جواز الثلاثة المذكورة.
وقال النووي في شرح المهذب: وجواز الثلاثة قال به العلماء، وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلَّا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان - ﵄ - : أنهما كانا ينهيان عن التمتع. انتهى محل الغرض من كلامه.
وقال أيضًا في شرح مسلم: وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة.
وقال ابن قدامة في المغني: وأجمع أهل العلم على جواز الإِحرام بأي الإنساك الثلاثة شاء، واختلفوا في أفضلها.
وفي رواية في الصحيح عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: "من أراد منكم أن يُهلْ بحج وعمرة فلْيفعلْ، ومن أراد أن يُهل بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة - ﵄ - : فأهلَّ رسول الله - ﷺ - بحج وأهلّ به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بالعمرة" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو صريح في جواز الثلاثة المذكورة.
وبه تعلم أن ادعاء بعض المعاصرين أن إفراد الحج ممنوع مخالف لما صح باتفاق مسلم والبخاري عن النبي - ﷺ - ، وأطبق عليه
стр. 2870
جماهير أهل العلم. وحكى غير واحد عليه الإِجماع، وسنذكر إن شاء الله كلام أهل العلم في التفضيل بينها مع مناقشة الأدلة.
المسألة الثالثة
اعلم أن ممن قال: إن الإِفراد أفضل من التمتع والقران: مالك، وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه وأصحابه.
قال النووي في شرح المهذب: وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود.
واحتج من قال: بتفضيل إفراد الحج على غيره بأدلة متعددة.
الأول: أحاديث صحيحة جاءت عن النبي - ﷺ - بأنه أفرد في حجة الوداع من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة - ﵃ - وغيرهم، أما حديث عائشة فقد ذكرناه آنفًا، قالت: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج ... " الحديث. هذا لفظ البخاري، ومسلم، وهو صريح في أن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج. ولا يحتمل لفظ عائشة هذا غير إفراد الحج؛ لأنها ذكرت معه التمتع والقران، وأن بعض الناس تمتع، وبعضهم قرن، وأن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج فهو الحج المفرد. ولا يحتمل غيره.
وفي رواية في الصحيح عنها - ﵂ - قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فقال: "من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن
стр. 2871
يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة - ﵂ - : فأهل رسول الله - ﷺ - بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو لا يحتمل غير الإِفراد بحال؛ لأنها ذكرت القرآن، والتمتع، والإِفراد، وصرحت بأنه - ﷺ - أهل بالحج، فدل على أنها لا تريد القرآن ولا غيره.
وفي رواية عنها في الصحيح قالت: "خرجنا مع النبي - ﷺ - ، ولا نرى إلَّا الحج"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا، "ولا نذكر إلَّا الحج"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا: "أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج"، وفي رواية عنها - ﵂ - في الصحيح: "ولا نرى إلَّا أنه الحج". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. وبعضها في البخاري.
وأما حديث جابر فقد روى عنه عطاء قال: حدثني جابر بن عبد الله - ﵄ - : "أنه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا ... " الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم، وفي رواية عنه - ﵁ - في الصحيح: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن نقول: لبيك اللَّهمَّ لبيك بالحج". هذا لفظ البخاري، ومسلم أيضًا وفي رواية في الصحيح عن عطاء: حدثني جابر بن عبد الله - ﵄ - : "أن النبي - ﷺ - أهل وأصحابه بالحج ... " الحديث، هذا لفظ البخاري في صحيحه. وفي حديثه أعني جابرًا - ﵄ - الطويل المشهور في صحيح مسلم الذي بين فيه حجة النبي - ﷺ - أكمل بيان، وساقها أحسن سياقة من أولها إلى آخرها، وقد دلَّ ذلك على ضبطه لها، وحفظه، وإتقانه ما نصه: قال جابر - ﵁ - : "لسنا
стр. 2872
ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة ... " الحديث، وهو تصريح منه - ﵁ - بالإِفراد، دون التمتع، والقرآن لقوله: "لسنا نعرف العمرة".
وفي رواية عنه في الصحيح قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج ... " الحديث.
وفي رواية عنه في الصحيح أيضًا قال: "أهللنا أصحاب محمد - ﷺ - بالحج خالصًا وحده". وكلا الروايتين عنه بلفظ مسلم في الصحيح. وفي صحيح مسلم أيضًا عنه: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - مهلّين بالحج ... " الحديث، وفي رواية في صحيح مسلم عنه أيضًا: "أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج".
وأما حديث ابن عمر. فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب، وعبد الله بن عون الهلالي، قالا: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - في رواية يحيى - قال: أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا، وفي رواية ابن عون: أن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج مفردًا. وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، حدثنا حميد، عن بكر، عن أنس - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يلبّي بالحج والعمرة جميعًا. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلَّا صبيانًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لبيك عمرة وحجًّا" وحدثني أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، حدثنا أنس - ﵁ - : أنه رأى النبي - ﷺ - جمع بينهما بين الحج والعمرة، قال: فسألت ابن عمر فقال: أهللنا
стр. 2873
بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبيانًا. انتهى منه.
وحديث ابن عمر هذا لا يحتمل غير إفراد الحج، فلا يحتمل القرآن، ولا التمتع بحال، لأن فيه أن بكرًا قال لابن عمر: إن أنسًا يقول: إن النبي - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة، فرد ابن عمر على أنس دعواه القرآن قائلًا: إن النبي - ﷺ - أحرم بالحج وحده. وهذا صريح في الإِفراد كما ترى. وحديث ابن عمر المذكور أخرجه البخاري أيضًا. اهـ.
وفي رواية: أن رجلًا أتى ابن عمر - ﵄ - فقال: بم أهل رسول الله - ﷺ - ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج، فانصرف ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهل رسول الله - ﷺ - ؟ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن. قال ابن عمر - ﵄ - إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء، وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج. رواه البيهقي بإسناده.
وقال النووي في شرح المهذب: إن إسناده صحيح.
وأما حديث ابن عباس، فهو ما رواه عنه البخاري ومسلم قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ... " الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم.
وفي رواية في الصحيح عنه - ﵁ - : "أهل رسول الله - ﷺ -
стр. 2874
بالحج". لفظ مسلم، وفي رواية عنه في الصحيح: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - نهل بالحج" وفي رواية عنه - ﵁ - في الصحيح: "ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج ... " الحديث.
قالوا: فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي - ﷺ - أحرم مفردًا، ورواتها من أضبط الصحابة وأتقنهم، قالوا: فمنهم: جابر الذي عرف ضبطه وحفظه وخصوصًا ضبطه لحجته - ﷺ - ، ومنهم: ابن عمر الذي رد على أنس، وذكر أن لعاب ناقة النبي - ﷺ - كان يمسه، ومنهم: عائشة - ﵄ - وحفظها وضبطها واطلاعها على أحوال النبي - ﷺ - كل ذلك معروف، ومنهم: ابن عباس - ﵄ - . ومكانته في العلم والحفظ معروفة.
الأمر الثاني من الأمور التي احتج بها القائلون بأفضلية الإِفراد على التمتع، والقران: هو إجماع أهل العلم على أن المفرد إذا لم يفعل شيئًا من محظورات الإِحرام، ولم يخل بشيء من النسك، أنه لا دم عليه، وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران يدل على أنه أفضل منهما؛ لأن الكامل بنفسه الذي لا يحتاج إلى الجبر بالدم أفضل من المحتاج إلى الجبر بالدم.
وأجاب المخالفون عن هذا بأن دم التمتع والقران ليس دم جبر لنقص فيهما وإنما هو دم نسك محض ألزم في ذلك النسك. واحتجوا على أنه دم نسك بجواز أكل القارن، والمتمتع من دم قرانه، وتمتعه.
стр. 2875
قالوا: لو كان جبرًا لما جاز الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران جائزان، فلا جبر في مباح.
ورد هذا من يخالف في ذلك قائلًا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا يكون الصوم بدلًا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلًا من دم، إلَّا إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر.
قالوا: والدليل على وقوع الجبر في المباح: لزوم فدية الأذى المنصوص في آية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. ولا شك أنه جبر في فعل مباح، وكذلك من لبس لمرض أو حر، أو برد شديدين، أو أكل صيدًا للضرورة المبيحة للميتة، أو احتاج للتداوي بطيب.
قالوا: ومن الأدلة على أنه دم جبر لا نسك سقوطه عن أهل مكة المنصوص عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو كان دم نسك محض لكان على الجميع من حاضري المسجد الحرام، وغيرهم لاستوائهم جميعًا في حكم النسك المحض. وهذا على قول الجمهور إن الإِشارة في قوله: ذلك راجعة إلى لزوم دم التمتع، أي: وأما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه إن تمتع بالعمرة إلى الحج خلافًا لابن عباس، ومن وافقه من الحنفية وغيرهم في قولهم: إن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ راجعة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أهل مكة لا تمتع لهم؛ لأنه على قول الجمهور
следующие страницы →