Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة - ﵂ - : فأهل رسول الله - ﷺ - بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو لا يحتمل غير الإِفراد بحال؛ لأنها ذكرت القرآن، والتمتع، والإِفراد، وصرحت بأنه - ﷺ - أهل بالحج، فدل على أنها لا تريد القرآن ولا غيره.
وفي رواية عنها في الصحيح قالت: "خرجنا مع النبي - ﷺ - ، ولا نرى إلَّا الحج"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا، "ولا نذكر إلَّا الحج"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا: "أن رسول الله - ﷺ - أفرد الحج"، وفي رواية عنها - ﵂ - في الصحيح: "ولا نرى إلَّا أنه الحج". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. وبعضها في البخاري.
وأما حديث جابر فقد روى عنه عطاء قال: حدثني جابر بن عبد الله - ﵄ - : "أنه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا ... " الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم، وفي رواية عنه - ﵁ - في الصحيح: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن نقول: لبيك اللَّهمَّ لبيك بالحج". هذا لفظ البخاري، ومسلم أيضًا وفي رواية في الصحيح عن عطاء: حدثني جابر بن عبد الله - ﵄ - : "أن النبي - ﷺ - أهل وأصحابه بالحج ... " الحديث، هذا لفظ البخاري في صحيحه. وفي حديثه أعني جابرًا - ﵄ - الطويل المشهور في صحيح مسلم الذي بين فيه حجة النبي - ﷺ - أكمل بيان، وساقها أحسن سياقة من أولها إلى آخرها، وقد دلَّ ذلك على ضبطه لها، وحفظه، وإتقانه ما نصه: قال جابر - ﵁ - : "لسنا
стр. 2872
ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة ... " الحديث، وهو تصريح منه - ﵁ - بالإِفراد، دون التمتع، والقرآن لقوله: "لسنا نعرف العمرة".
وفي رواية عنه في الصحيح قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج ... " الحديث.
وفي رواية عنه في الصحيح أيضًا قال: "أهللنا أصحاب محمد - ﷺ - بالحج خالصًا وحده". وكلا الروايتين عنه بلفظ مسلم في الصحيح. وفي صحيح مسلم أيضًا عنه: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - مهلّين بالحج ... " الحديث، وفي رواية في صحيح مسلم عنه أيضًا: "أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج".
وأما حديث ابن عمر. فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب، وعبد الله بن عون الهلالي، قالا: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - في رواية يحيى - قال: أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا، وفي رواية ابن عون: أن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج مفردًا. وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، حدثنا حميد، عن بكر، عن أنس - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يلبّي بالحج والعمرة جميعًا. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلَّا صبيانًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لبيك عمرة وحجًّا" وحدثني أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، حدثنا أنس - ﵁ - : أنه رأى النبي - ﷺ - جمع بينهما بين الحج والعمرة، قال: فسألت ابن عمر فقال: أهللنا
стр. 2873
بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبيانًا. انتهى منه.
وحديث ابن عمر هذا لا يحتمل غير إفراد الحج، فلا يحتمل القرآن، ولا التمتع بحال، لأن فيه أن بكرًا قال لابن عمر: إن أنسًا يقول: إن النبي - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة، فرد ابن عمر على أنس دعواه القرآن قائلًا: إن النبي - ﷺ - أحرم بالحج وحده. وهذا صريح في الإِفراد كما ترى. وحديث ابن عمر المذكور أخرجه البخاري أيضًا. اهـ.
وفي رواية: أن رجلًا أتى ابن عمر - ﵄ - فقال: بم أهل رسول الله - ﷺ - ؟ قال ابن عمر: أهل بالحج، فانصرف ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهل رسول الله - ﷺ - ؟ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن. قال ابن عمر - ﵄ - إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء، وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج. رواه البيهقي بإسناده.
وقال النووي في شرح المهذب: إن إسناده صحيح.
وأما حديث ابن عباس، فهو ما رواه عنه البخاري ومسلم قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ... " الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم.
وفي رواية في الصحيح عنه - ﵁ - : "أهل رسول الله - ﷺ -
стр. 2874
بالحج". لفظ مسلم، وفي رواية عنه في الصحيح: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - نهل بالحج" وفي رواية عنه - ﵁ - في الصحيح: "ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - قالت: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج ... " الحديث.
قالوا: فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي - ﷺ - أحرم مفردًا، ورواتها من أضبط الصحابة وأتقنهم، قالوا: فمنهم: جابر الذي عرف ضبطه وحفظه وخصوصًا ضبطه لحجته - ﷺ - ، ومنهم: ابن عمر الذي رد على أنس، وذكر أن لعاب ناقة النبي - ﷺ - كان يمسه، ومنهم: عائشة - ﵄ - وحفظها وضبطها واطلاعها على أحوال النبي - ﷺ - كل ذلك معروف، ومنهم: ابن عباس - ﵄ - . ومكانته في العلم والحفظ معروفة.
الأمر الثاني من الأمور التي احتج بها القائلون بأفضلية الإِفراد على التمتع، والقران: هو إجماع أهل العلم على أن المفرد إذا لم يفعل شيئًا من محظورات الإِحرام، ولم يخل بشيء من النسك، أنه لا دم عليه، وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران يدل على أنه أفضل منهما؛ لأن الكامل بنفسه الذي لا يحتاج إلى الجبر بالدم أفضل من المحتاج إلى الجبر بالدم.
وأجاب المخالفون عن هذا بأن دم التمتع والقران ليس دم جبر لنقص فيهما وإنما هو دم نسك محض ألزم في ذلك النسك. واحتجوا على أنه دم نسك بجواز أكل القارن، والمتمتع من دم قرانه، وتمتعه.
стр. 2875
قالوا: لو كان جبرًا لما جاز الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران جائزان، فلا جبر في مباح.
ورد هذا من يخالف في ذلك قائلًا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا يكون الصوم بدلًا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلًا من دم، إلَّا إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر.
قالوا: والدليل على وقوع الجبر في المباح: لزوم فدية الأذى المنصوص في آية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. ولا شك أنه جبر في فعل مباح، وكذلك من لبس لمرض أو حر، أو برد شديدين، أو أكل صيدًا للضرورة المبيحة للميتة، أو احتاج للتداوي بطيب.
قالوا: ومن الأدلة على أنه دم جبر لا نسك سقوطه عن أهل مكة المنصوص عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو كان دم نسك محض لكان على الجميع من حاضري المسجد الحرام، وغيرهم لاستوائهم جميعًا في حكم النسك المحض. وهذا على قول الجمهور إن الإِشارة في قوله: ذلك راجعة إلى لزوم دم التمتع، أي: وأما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه إن تمتع بالعمرة إلى الحج خلافًا لابن عباس، ومن وافقه من الحنفية وغيرهم في قولهم: إن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ راجعة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أهل مكة لا تمتع لهم؛ لأنه على قول الجمهور
стр. 2876
لا فرق بين الآفاقي، وحاضري المسجد الحرام موجبًا لوجوب دم التمتع على الأول، وسقوطه عن الثاني إلَّا أن الأول تمتع بالترفه بسقوط أحد السفرين لأحد النسكين؛ ولذلك قال مالك، وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه: إنه إن سافر بعد إحلاله من العمرة وأحرم للحج في سفر جديد أنه لا دم تمتع عليه؛ لزوال العلة مع اختلافهم في قدر السفر المسقط للدم المذكور، فبعضهم يكتفي بسفر مسافة القصر، وهو مذهب أحمد، وهو مروي عن عطاء، وإسحاق، والمغيرة، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وبعضهم يكتفي بالرجوع إلى الميقات، وهو مذهب الشافعي، وبعضهم يشترط الرجوع إلى محله الذي جاء منه، وعزاه في المغني لأبي حنيفة وأصحابه، وبعضهم يشترط ذلك أو سفر مسافة بقدره، أعني قدر مسافة المحل الذي جاء منه، وهو مذهب مالك وأصحابه. وهذا يدل على أن دم التمتع دم جبر؛ لنقص السفر المذكور، بدليل أن السفر إن حصل عندهم سقط الدم لزوال علة وجوبه.
الأمر الثالث: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد بعض الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - بالنهي عن التمتع والقران.
قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع
стр. 2877
رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي - واسمه خيوان بن خالد - أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - : إن رسول الله - ﷺ - نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللَّهم نعم. قال: وأنا أشهد قال: أتعلمون أن النبي - ﷺ - نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعًا؟ قالوا: اللَّهم نعم، قال: أتعلمون أن النبي - ﷺ - نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: اللَّهم لا، قال: والله إنها لمعهن - وكذلك رواه حماد بن سلمة، والأشعث بن بزاز عن قتادة، وحماد بن سلمة في حديثه - ولكنكم نسيتم. ورواه مطر الوراق، عن أبي شيخ في متعة الحج. انتهى من البيهقي.
وقد ذكر النووي في شرح المهذب، عن البيهقي: أنه ذكر بإسناده الحديثين الذين سقناهما عنه آنفًا، ثم قال في الأول منهما: ورواه أبو داود في سننه. وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب عن عمر، لكنه لم يرو هنا عن عمر، بل عن صحابي غير مسمى والصحابة كلهم عدول.
ثم قال في الثاني منهما: رواه البيهقي بإسناد حسن. انتهى.
وقال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.
стр. 2878
حدثنا موسى أبو سلمة، ثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي - ﷺ - : هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتم. انتهى منه.
الأمر الرابع: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد على غيره، أنه هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه بعده - ﷺ - ، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًا لرسول الله - ﷺ - ، فقد حج أبو بكر - ﵁ - بالناس مفردًا، وحج عمر بن الخطاب عشر سنين بالناس مفردًا، وحج عثمان - ﵁ - بهم مدة خلافته مفردًا قالوا: فمدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة حول أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإِفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة.
قال النووي في شرح المهذب، وشرح مسلم في أدلة من فضل الإِفراد: ومنها: أن الخلفاء الراشدين - ﵃ - بعد النبي - ﷺ - أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان؛ واختلف فعل علي - ﵃ - أجمعين؛ وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي - ﷺ - حج مفردًا لم يواظبوا على الإِفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإِسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي - ﷺ - ،
стр. 2879
أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله - ﷺ - . وأما الخلاف عن عليّ وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد قدمنا عنهم ما يوضح هذا. انتهى منه.
الأمر الخامس: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب قال: ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإِفراد من غير كراهة، وكره عمر، وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: فثبت بالسنَّة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - جواز التمتع والقران والإِفراد، وثبت بمضي النبي - ﷺ - في حج مفرد، ثم باختلاف الصدر الأول في كراهية التمتع والقران دون الإِفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. والله أعلم. انتهى منه.
وقال البيهقي في السنن الكبرى أيضًا: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحرث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر - ﵁ - فجرد، ومع عمر - ﵁ - فجرد، ومع عثمان - ﵁ - فجرد.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عبد الكريم بن الهيثم، ثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، أنبأنا نافع: أن ابن عمر كان يقول: إن عمر - ﵁ - كان يقول: أن تفصلوا بين الحج والعمرة، وتجعلوا العمرة في
стр. 2880
غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته. انتهى منه.
ثم ساق البيهقي بسنده عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب - ﵃ - عن أبيهما، عن علي أنه قال: يا بني أفرد الحج، فإنه أفضل. اهـ. وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: جردوا الحج. وفي رواية له عنه: أنه أمر بإفراد الحج قال: فكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر. انتهى من البيهقي.
وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه: قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري، عن أبي حصين، وهذا إنما ذكرناه هاهنا؛ لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة - ﵃ - إنما يفعلون هذا عن توقيف.
والمراد بالتجريد هاهنا: الإِفراد، والله أعلم.
وقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل، ومحمد بن مخلد قالا: ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي - ﷺ - سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله - ﷺ - واستخلف أبو بكر، فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، ثم توفي أبو بكر، واستخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج؛ ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج. في
стр. 2881
إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. لكن قال الحافظ البيهقي: له شاهد بإسناد صحيح. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني هارون بن سعيد الإِيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو - وهو ابن الحرث - عن محمد بن عبد الرحمن. أن رجلًا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير، عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلًا يقول ذلك، قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلَّا بالحج، قلت: فإن رجلًا كان يقول ذلك. قال: بئسما قال، فتصداني الرجل، فسألني فحدثته فقال: فقل له فإن رجلًا كان يخبر أن رسول الله - ﷺ - قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك؟ قال: فجئته، فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري، قال: فما باله لا يأتيني بنفسه، يسألني، أظنه عراقيًّا؟ فقلت: لا أدري قال: فإنه قد كذب قد حج رسول الله - ﷺ - فأخبرتني عائشة - ﵂ - أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأبه الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة. وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين
стр. 2882
تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك. انتهى من صحيح مسلم. وفيه التصريح من عروة بن الزبير ﵄ بأن الخلفاء الراشدين والمهاجرين، والأنصار كانت عادتهم أن يأتوا مفردين بالحج، ثم يتمونه كما رأيت.
وقال النووي في شرح الحديث المذكور: وقوله: ثم لم يكن غيره، وكذا قال فيما بعده، ولم يكن غيره. هكذا هو في جميع النسخ غيره بالغين المعجمة والياء. قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ قال: وهو تصحيف، وصوابه: ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم. وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي - ﷺ - لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبي - ﷺ - لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. هذا كلام القاضي.
قلت: هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى؛ لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها.
ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي: لم يغير الحج، ولم ينقله، ويفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران. والله أعلم. انتهى كلام النووي، وهو صواب.
وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن
стр. 2883
عبد الرحمن بن نوفل القرشي: أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي - ﷺ - فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر ﵁، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر ﵁ مثل ذلك، ثم حج عثمان ﵁، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدأون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت، تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت، هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب: أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن ذكرت لعروة قال: فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي - ﷺ - أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر ﵄ مثله، ثم حججت مع أبي الزبير ﵁، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين، والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.
стр. 2884
قالوا: وجواب ابن عباس ﵄ عن حديث عروة المذكور لا يدفع احتجاج عروة بما ذكر، وكذلك جواب ابن حزم، وقد أجاب عروة ابن عباس فأسكته.
أما جواب ابن عباس الذي ذكروه، فهو ما رواه الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تمتع رسول الله - ﷺ - فقال عروة: نهى أبو بكر، وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله - ﷺ - وتقول: قال أبو بكر وعمر.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة، فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله، وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: لهما أعلم بسنَّة رسول الله - ﷺ - . وأتبع لها منك. اهـ. قالوا: فترى عروة أجاب ابن عباس بجواب أسكته به.
ولا شك أن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا أعلم بسنَّة رسول الله - ﷺ - وأتبع لها، لا يمكن ابن عباس أن ينكر ذلك.
وأما جواب ابن حزم فهو قوله: إن ابن عباس أعلم بسنَّة رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر من عروة، وأنه - يعني ابن عباس - خير من عروة وأولى منه بالنبي - ﷺ - ، والخلفاء الراشدين. ثم ساق آثارًا من طريق البزار وغيره عن ابن عباس، يذكر فيها التمتع، عن
стр. 2885
أبي بكر، وعمر، وأن أول من نهى عنه معاوية. ولا يخفى سقوط كلام ابن حزم المذكور رده على عروة بن الزبير ﵄.
أما قوله: إن ابن عباس أعلم من عروة، وأفضل فلا يرد رواية عروة بسند صحيح عن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يفردون كما ثبت في صحيح مسلم. وابن عباس لم يعارض عروة بأن فعلهما كان مخالفًا لما ذكره عروة عن الإِفراد، وإنما احتج بأن أمر النبي - ﷺ - أولى بالاتباع من أمرهما، وقد أجابه عروة بأنهما ما فعلا إلَّا ما علما من النبي - ﷺ - أنه أكمل وأتبع لسنته - ﷺ - .
وأما الآثار التي رواها من طريق ليث وغيره فلا يخفى أنها لا تعد شيئًا مع ما ثبت في الصحيحين عنهم من الروايات التي لا مطعن فيها أنهم كانوا يفضلون الإِفراد.
ومن فهم كلامهم حق الفهم أعني الخلفاء الراشدين علم أنهم ﵃ يعلمون جواز التمتع والقران علمًا لا يخالجه شك، ولكنهم يرون أنه أتم للحج والعمرة أن يفصل بينهما، كما لا يخفى والمعنى غير خاف، بل هو ظاهر من سياق السؤال والجواب لمن تأمل ذلك. ومما يدل على صحة ما ذكره عروة بن الزبير في حديث مسلم المذكور من أن الخلفاء كانوا يفردون ما ثبت في الصحيحين من نحو ذلك، عن عمر، وعثمان ﵄.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁ قال: بعثني النبي - ﷺ - إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بما أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي - ﷺ - ، قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا
стр. 2886
والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر ﵁ فقال: إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمر بالتمام قال الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإن نأخذ بسنَّة النبي - ﷺ - ، فإنه لم يحل حتى نحر الهدي. انتهى منه ونحوه أخرجه مسلم أيضًا.
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة، أن كتاب الله دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، وأن سنَّة رسول الله - ﷺ - أيضًا دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل، حتى بلغ الهدي محله، لكن الجواب عن ذلك: هو ما أجاب به هو - ﷺ - حيث قال "ولولا أن معي الهدى لأحللت" فدل على جواز الإِحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر أنه منع منه سدًّا للذريعة.
وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه. وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإِفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليه، كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.
قال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإِفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإِجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. انتهى الغرض من كلام
стр. 2887
ابن حجر في الفتح. وهو واضح في أن عمر ﵁ ما كان يرى إلَّا تفضيل الإِفراد على غيره، وشاهد لصحة قول من قال: إنه حج بالناس عشر حجج مفردًا.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله - ﷺ - فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلَّا رجمته بالحجارة. وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة بهذا الإِسناد. وقال في الحديث: فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم. اهـ. منه.
وهو دليل على ما ذكرنا من أن عمر ﵁ يرى أن الإِفراد أفضل، ويدل على صدق من قال: إنه حج عشر حجج بالناس مفردًا كما تقدم.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن علي بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعليًّا ﵄، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما الحديث. وفيه التصريح بأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كان يرى أفضلية الإِفراد على غيره؛ لنهيه عن التمتع والقران الثابت في الصحيح كما رأيت.
стр. 2888
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها الحديث. وفيه التصريح بنهي عثمان ﵁ عن التمتع. وبما ذكرنا كله تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كلهم كانوا يرون الإِفراد أفضل، وكان هو الذي يفعلونه كما رأيت الروايات الصحيحة بذلك، وهو المعروف عنهم ﵃، فما ورد مما يخالف ذلك فهو مردود بما رأيت.
تنبيه
فإن قيل: هؤلاء الذين يفضلون الإِفراد، كمالك، والشافعي، وأصحابهما، وكأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ومن ذكرنا سابقًا ممن يقول بأفضلية الإِفراد على غيره من أنواع النسك بأي جوابٍ يجيبون عن الأحاديث الصحيحة الواردة بأن النبي - ﷺ - كان قارنًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه كان متمتعًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر كل من لم يسق هديًا من أصحابه بأن يتحلل من إحرامه بعمرة، فالذين أحرموا بالإِفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة، والتحلل التام من تلك العمرة، وتأسف هو - ﷺ - على أنه ساق الهدى الذي صار سببًا لمنعه من التحلل بعمرة وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة" مع أنه - ﷺ - لا يتأسف على فوات العمرة، إلَّا وهي أفضل من غيرها، والقران الذي اختاره الله له لا يكون غيره أفضل منه؛ لأن الله لا يختار لنبيه في نسكه إلَّا ما هو الأفضل.
стр. 2889
فالجواب: أن المالكية والشافعية يقولون: إن التمتع الذي أمر به - ﷺ - من كان مفردًا، وذلك بفسخ الحج في العمرة لا شك أنه في ذلك الوقت، وفي تلك السنة أفضل من غيره، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك الوقت أن يكون أفضل فيما سواه.
وإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريبًا تفصيلها إن شاء الله على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة، وأمر النبي - ﷺ - أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته، وهي أن يبين للناس أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وما فعله - ﷺ - ، أو أمر به للبيان والتشريع، فهو قربة في حقه، وإن كان مكروهًا، أو مفضولًا، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولًا أو مكروهًا، ويفعله النبي - ﷺ - ، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
وربما يفعل للمكروه ... مبينًا أنه للتنزيه
فصار في جانبه من القرب ... كالنهي أن يشرب من فم القرب
وقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني أن النبي - ﷺ - قد يفعل المكروه المنهي عنه، مبينًا بذلك الفعل أن النهي للتنزيه، لا للتحريم، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها؛ لما فيه من البيان، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب، وقد شرب منها. انتهى منه.
وليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان، بل لا كراهة في
стр. 2890
واحد منهما يقينًا، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله - ﷺ - لبيان الجواز يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته. وهذه هي الأدلة الدالة على أنه فعل ذلك لبيان الجواز، ولذلك يختص بذلك الركب، وتلك السنة.
الأول: منها حديث ابن عباس المتفق عليه الذي قدمناه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أيّ الحل؟ قال: "الحل كله" قالوا: فقوله في هذا الحديث المتفق عليه: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض"، وترتيبه بالفاء على ذلك قوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له - ﷺ - على أمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة، هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، فالفسخ لبيان الجواز كما دل عليه هذا الحديث المتفق عليه، لا لأن الفسخ في حدّ ذاته أفضل. وقد تقرر في مسلك النص، ومسلك الإِيماء والتنبيه أن الفاء من حروف التعليل، كما قدمناه مرارًا قالوا: فقول: من زعم أن قوله في الحديث المذكور: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور" لا ارتباط بينه، وبين قوله: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة" ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه لولم يقصد به ذلك، لكان ذكره قليل الفائدة.
ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد بن
стр. 2891
السري، عن ابن أبي زائدة، حدثنا ابن جرير، ومحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم، كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل الصفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. اهـ.
وقد بين الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى أن حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور دال على ذلك، ولا ينافي ذلك أن ابن عباس ﵄ يرى فسخ الحج في العمرة لازمًا؛ لأنه لا مانع من أن يكون يعلم أن الفسخ لبيان الجواز المذكور، كما دل عليه حديثه، وهو يرى بقاء حكمه، ولو كان سببه الأول بيان الجواز، ولكن غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من المهاجرين والأنصار خالفوه في رأيه ذلك.
الدليل الثاني من أدلتهم: على أن فسخ الحج في العمرة المذكورة لبيان الجواز، وأنه خاص بذلك الركب، وتلك السنة، هو ما جاء من الأحاديث دالًّا على ذلك.
قال أبو داود في سننه: حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: "بل لكم خاصة". اهـ.
وقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد العزيز - وهو الدراوردي - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت:
стр. 2892
يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: "بل لنا خاصة". اهـ.
وقال ابن ماجة في سننه: حدثنا أبو مصعب، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - ﷺ - : "بل لنا خاصة".
وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁، قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - ﷺ - خاصة.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عياش العامري، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: كانت رخصة يعني: المتعة في الحج.
وحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن فضيل، عن زبيد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال أبو ذر ﵁: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء، ومتعة الحج.
حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء، قال: أتيت إبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي فقلت: إني أهم أن أجمع العمرة والحج العام، فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ليهم بذلك.
قال قتيبة: حدثنا جرير، عن بيان، عن إبراهيم التيمي، عن
стр. 2893
أبيه: أنه مر بأبي ذر ﵁ بالربذة فذكر ذلك له فقال: إنما كانت لنا خاصة دونكم.
وقال البيهقي وغيره من الأئمة: مراد أبي ذر بالمتعة المذكورة: المتعة التي أمر النبي - ﷺ - بها أصحابه ﵃، وهي فسخ الحج في العمرة.
واستدلوا على أن الفسخ المذكور: هو مراد أبي ذر ﵁ بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد - يعني ابن السري - عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليم بن الأسود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله - ﷺ - . قالوا: فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر ﵁ بفسخ الحج في العمرة، وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم. وضعفت رواية أبي داود هذه بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلّس. وقد قال: عن عبد الرحمن بن الأسود. وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصح السماع من طريق أخرى. ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين:
الأولى: أن مشهور مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة ﵏ صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما قدمناه مرارًا.
والثانية: أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإِبهام ولو قرينة أو غيرها، كما هو مقرر في الأصول. وقد قدمناه مرارًا أيضًا.
стр. 2894
وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان ﵁.
ورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين:
الأولى منهما: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث المزني ﵁ المذكور عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه فيه ابنه الحارث بن بلال، وهو مجهول، قالوا: وقال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ في حديث بلال المذكور: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به. قال: وقد روى فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذر عند مسلم موقوف عليه، وليس بمرفوع، وإذا كان الأول في سنده مجهول، والثاني موقوفًا تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج.
الجهة الثانية: من جهتي رد الحديثين المذكورين: هي أنهما معارضان بأقوى منهما، وهو حديث جابر المتفق عليه: أن سراقة بن مالك بن جعشم، سأل النبي - ﷺ - فقال في تمتعهم المذكور: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي - ﷺ - : "بل للأبد" وفي رواية في الصحيح فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد".
ورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج، قالوا: ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال ابن حجر في التقريب فيه: هو مقبول، قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم عن أبي ذر، كما رأيته آنفًا. قالوا: إن
стр. 2895
قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه، فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا: إنه مما للرأي فيه مجال، كما يدل عليه كلام عمران بن حصين الآتي؛ وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحة ذلك، وقد تابعه في ذلك عثمان ﵁ قالوا: ويعتضد حديث الحارث بن بلال المذكور أيضًا بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، الإِفراد، ولولم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك الركب لما عدلوا عنه إلى غيره، لما هو معلوم من تقاهم، وورعهم، وحرصهم على اتباع النبي - ﷺ - ، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور. وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار، كما أوضحه عروة بن الزبير ﵄ في حديثه المتقدم عند مسلم. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك ابن جعشم المدلجي النبي - ﷺ - ، وإجابته له بقوله: بل للأبد لا يستقيم؛ لأنه لا معارضة بين الحديثين لإِمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول، وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعًا، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنهما صادقان، وليس بمتعارضين، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إلغاء أحدهما، كما لا يخفى. ووجه
стр. 2896
الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديث بلال بن الحارث المزني، وأبي ذر ﵄ محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب، فتحتم فسخ الحج في العمرة، ووجوبه خاص بذلك الركب، لأمره - ﷺ - لهم بذلك، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر: بل للأبد محمول على الجواز، وبقاء المشروعية إلى الأبد، فاتفق الحديثان.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا صوابه في حديث "بل للأبد" وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين: هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم، وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز، أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية، كما لا يخفى.
واعلم: أن الشافعية والمالكية، ومن وافقهم يقولون: إن قوله - ﷺ - : "بل للأبد" لا يراد به فسخ الحج في العمرة، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج، وقال بعضهم: المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القرآن.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية، والشافعية قول النبي لسراقة: "بل للأبد" ليس هو معناه، بل معناه: بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة، وبعض روايات الحديث ظاهرة في ذلك ظهورًا بينًا، لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، بل صريح في ذلك.
وسنمثل هنا لبعض تلك الروايات فنقول: ثبت في صحيح
стр. 2897
مسلم من حديث جابر ﵁ ما لفظه: فقال النبي - ﷺ - : "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد". انتهى المراد منه. وهو صريح في أن سؤال سراقة عن الفسخ المذكور، وجواب النبي له يدل على تأبيد مشروعيته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، فقول المالكية، والشافعية، ومن وافقهم: بأن الفسخ ممنوع لغير أهل حجة الوداع، لا يستقيم مع هذا الحديث الصحيح المصرح، بخلافه كما ترى.
ودعواهم أن المراد بقوله: "بل لأبد أبد" جواز العمرة في أشهر الحج، أو اندراج أعمالها فيه في حالة القرآن بعيد من ظاهر المذكور كما ترى، وأبعد من ذلك دعوى من ادعى أن المعنى: أن العمرة اندرجت في الحج، أي: اندرج وجوبها في وجوبه، فلا تجب العمرة. وإنما تجب على المكلف حجة الإِسلام دون العمرة، وبعد هذا القول وظهور سقوطه كما ترى.
والصواب إن شاء الله: هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه.
وقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإِمام أحمد: أين يقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيًّا رووا الفسخ عنه - ﷺ - ما نصه: قلت: لا معارضة بينهم، وبينه، حتى يقدموا عليه، لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة، ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم
стр. 2898
الحارث في إثبات الفسخ للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم، وهي اختصاص الفسخ بهم. اهـ.
وإذا عرفت مما ذكرنا أدلة الذين ذهبوا إلى تفضيل الإِفراد على غيره من أنواع النسك، وعلمت أن جوابهم عن أمر النبي - ﷺ - بفسخ الحج في العمرة أنه لإِزالة ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وأن الفعل المفعول لبيان الجواز، قد يكون أفضل بذلك الاعتبار من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته.
فاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - ﷺ - كان قارنًا والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - ﷺ - كان متمتعًا وكلها ثابتة في الصحيحين، وغيرهما في حجة الوداع مع الأحاديث المصرحة بأنه كان مفردًا التي هي معتمدهم في تفضيل الإِفراد بأنه - ﷺ - أحرم أولًا مفردًا، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا فأحاديث الإِفراد يراد بها عندهم أنه هو الذي أحرم به أول إحرامه، وأحاديث القرآن عندهم حق، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا، وصيرورته قارنًا في آخر الأمر هي معنى أحاديث القرآن، فلا منافاة. أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعًا، فلا إشكال فيها؛ لأن السلف يطلقون اسم التمتع على القرآن من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له. وتأسفه على فواته بسبب سوق الهدي في قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة" كفعله له. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج في العمرة لبيان الجواز، وهو بالاعتبار أفضل من غيره، فلا ينافي أن الإِفراد
стр. 2899
أفضل منه بالنظر إلى ذاته، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، قالوا: ولما أمرهم النبي - ﷺ - بفسخ الحج من العمرة أسفوا؛ لأنهم أحلوا وهو باقٍ على إحرامه، فأدخل العمرة على الحج لتطيب نفوسهم بأنه صار معتمرًا مع حجة لما أمرهم بالعمرة، والمانع له من أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي، قالوا: فعمرتهم لبيان الجواز، وعمرته التي بها صار قارنًا لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم، فصار تمتعهم، وقرانه بهذا الاعتبار أولى من غيرهما، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال بعد زوال الموجب الحامل على ذلك.
قالوا: وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فواظبوا على الإِفراد نحو أربع وعشرين سنة، كلهم يأخذ بسنة الخليفة الذي قبله في ذلك.
قالوا: وما قاله جماعة من أجِّلاء العلماء من أن بيان جواز العمرة في أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له، لأن النبي - ﷺ - بين ذلك بيانًا متكررًا في سنين متعددة، وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية عام ست، وعمرة القضاء عام سبع، وعمرة الجعرانة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في ذي القعدة من أشهر الحج.
قالوا: وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كافٍ غاية الكفاية، فلا حاجة إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة. وكذلك قوله: "ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليهلّ" المتقدم في حديث عائشة. وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه، تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية التمتع على غيره، لا لشيء آخر.
لا شك في أنه ليس بصحيح، وأن بيان ذلك محتاج إليه غاية
стр. 2900
الاحتياج في حجة الوداع، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان أمرهم - ﷺ - بفسخ الحج في العمرة، والدليل على ذلك هو ما ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه - وقد ذكرناه في أول هذا البحث - قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ... " الحديث. وفيه: فقدم النبي - ﷺ - ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال "الحل كله": وفي البخاري قال: "حل كله" فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح: فتعاظم ذلك عندهم، دليل على أنه في ذلك الوقت لم يزل عظيمًا عندهم. ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية، لما تعاظم الأمر عندهم، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر دليل على أن العمرة عام ست، وعام سبع، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم؛ لشدة استحكامه فيها؛ وكذلك إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة. والنبي - ﷺ - في حجة الوداع مودع حريص على إتمام البيان، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته - ﷺ - .
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: فتعاظم عندهم، أي: لما كانوا يعتقدونه أولًا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ذلك عندهم. انتهى منه.
قالوا: ولشدة عظمه عندهم لم يمتثلوا أمر النبي - ﷺ - بفسخ الحج في العمرة أولًا، حتى غضب عليهم بسبب ذلك. وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكمًا في نفوسهم، من أن العمرة في أشهر
стр. 2901
الحج، من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر.
قالوا: وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هدايا لأمر النبي - ﷺ - ، واعتماره هو مع حجته، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جدًّا للبيان المذكور.
ومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم يزل بالكلية ما ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁ بلفظ "وأن النبي - ﷺ - أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى مِنَى وذكَرُ أحدنا يقطر؟ فبلغ النبي - ﷺ - فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت" الحديث. هذا لفظ البخاري ﵀، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن أمرهم - ﷺ - أن يحلوا: "ننطلق إلى مِنَى، وذكر أحدنا يقطر" يدل على شدة نفرتهم من الإِحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى. وذلك يؤكد الاحتجاج إلى تأكيد بيان الجواز. وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي في حديث ابن عباس المتقدم، لأن قوله: "فتعاظم ذلك عندهم" يحتمل أن يكون بموجب التعاظم أنهم كانوا أولًا محرمين بحج. ويدل لهذا الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح أنه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت. الحديث. وفيه فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ إلى آخر الحديث. فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإِحلال بالعمرة؛ لأنهم قد سمّوا الحج، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في
стр. 2902
أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل باقيًا إلى ذلك الوقت، لأن حديث جابر المذكور، أعني قوله: فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، لا يحتمل هذا الاحتمال، بل معناه: أن تعاظم الإِحلال بعمرة عندهم؛ لأنه في وقت الحج كما بينا، وهو يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير، وأنه ليس المراد الاحتمال المذكور، كما جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ذكرناه عنه آنفًا.
ويبين أيضًا أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم، حيث قال ﵀ في صحيحه: حدثنا ابن نمير، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس؟ فقال: "أيها الناس أحلوا فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم" الحديث.
فقول جابر ﵁ في هذا الحديث الصحيح: فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج لم يزل، ولولا ذلك لما كبر عليهم، ولا ضاقت صدورهم بالإِحلال بعمرة في أشهر الحج، كما أوضحه حديثه المذكور أيضًا. وعلى هذا الذي ذكروه فالذي استدبره من أمره، ولو استقبله لم يسق الهدي: هو ملاحظة البيان المذكور، وإن كان قد بين ذلك سابقًا لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع، وهو مودع، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور
стр. 2903
مع أن العمرة المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور؛ لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ في البيان؛ لأنها ليست مع الحج، فهي مستقلة عنه، فلا يحتمل أنها إنما جازت تبعًا. وقد أوضحنا في هذا الكلام حجة من قال من أهل العلم بتفضيل الإِفراد على غيره، من أنواع النسك، وجوابهم عما جاء من الأحاديث دالًّا على أفضلية القرآن أو التمتع، ووجه جمعهم بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها الاختلاف في حجة النبي - ﷺ - .
المسألة الرابعة
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القرآن هو أفضل أنواع النسك، وممن قال بهذا: أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة، دالة على أن النبي - ﷺ - كان قارنًا في حجته:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر ﵄، قال: "تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدا رسول الله - ﷺ - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج" الحديث أخرجاه بهذا اللفظ.
ومنها: ما أخرجه الشيخان متصلًّا بحديث ابن عمر من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها أخبرته عن رسول الله - ﷺ - بمثل حديث ابن عمر المذكور سواء، ومنها: ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما من حديث قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر: "أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا" ثم قال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ - .
стр. 2904
ومنها: ما رواه الشيخان، عن عمران بن حصين الخزاعي ﵄، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله - ﷺ - ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله - ﷺ - حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. الحديث. هكذا لفظ مسلم في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث، ولفظ البخاري قريب منه بمعناه في التفسير، وفي الحج. ومراد عمران بن حصين ﵄ بالتمتع المذكور القرآن بدليل الروايات الصحيحة الثابتة في صحيح مسلم، وغيره المصرح بذلك.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله - ﷺ - جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه، حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن بحرمة، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد.
حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفًا قال: قال لي عمران بن حصين بمثل حديث معاذ.
وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار, قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إنني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي. واعلم أن نبي الله - ﷺ - قد
стр. 2905
جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله - ﷺ - ، قال رجل برأيه ما شاء.
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين ﵁ قال: اعلم أن رسول الله - ﷺ - ، جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينهنا عنها رسول الله - ﷺ - ، قال فيها رجل برأيه ما شاء. انتهى منه.
وهذه الروايات تبين أن مراده بالتمتع القرآن، ومعروف عن الصحابة ﵃، أنهم يطلقون اسم التمتع على القرآن؛ لأن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج.
ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ "أن النبي - ﷺ - جمع بين حج وعمرة" ففي بعض روايات حديثه قال: "صلى رسول الله - ﷺ - ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهلّ بحج وعمرة، وأهلّ الناس بهما" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقد قدمنا بعض ألفاظ مسلم في حديث أنس في القرآن، ومخالفة ابن عمر له في ذلك، قائلًا: إنه أفرد، وفي بعض روايات حديث أنس عند مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد أنهم سمعوا أنسًا ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - : أهلّ بهما جميعًا: لبيك عمرةً وحجًّا، لبّيك عمرة وحجًّا. وقد روى عن أنس ﵁ حديث قران النبي هذا ستة عشر رجلًا، كما بينه العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، وهم الحسن البصري،
стр. 2906
وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة، وهو سويد بن حجر الباهلي.
ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبّدْت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر". انتهى منهما بلفظه. وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك، كما جزم به النووي في شرح مسلم.
ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - بوادي العقيق، يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". اهـ. وقوله في هذا الحديث وقل: "عمرة في حجة" يدل على القرآن، والمحتملات الأخر التي حمله عليها بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور، بل معناه القرآن كما ذكرنا، وجزم به غير واحد. والله تعالى أعلم. والأحاديث بمثل ما ذكرنا كثيرة.
وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد منها بضعة وعشرين حديثًا، عن سبعة عشر صحابيًّا، وهم جابر، وعائشة،
стр. 2907
وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان ﵃ جميعًا. وعده لعثمان ﵁ في جملة من روى القرآن، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي ﵁ على القرآن.
وبالجملة: فثبوت كون النبي - ﷺ - كان قارنًا بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا طرفًا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإِفراد معترفون بقرانه - ﷺ - في حجة الوداع، إلَّا أنهم جمعوا بين الأحاديث بأنه أحرم أولًا مفردًا، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا. والذين قالوا: بأفضلية القرآن جزموا بأنه - ﷺ - أحرم قارنًا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة.
منها: حديث ابن عمر المتفق عليه، وقد قدمناه في هذا المبحث، وفيه: وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج وهو تصريح منه ﵁ بأنه أهل بالعمرة قبل الحج.
ومنها: حديث عمر ﵁ عند البخاري، وقد قدمناه أيضًا وفيه "وقل: عمرة في حجة" وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه. وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة بالإِفراد، والأحاديث الواردة بالقران، والأحاديث الواردة بالتمتع بغير الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإِفراد، وهو أن وجه الجمع أن المراد بالإِفراد إفراد أعمال الحج، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما يفعله
стр. 2908
الحاج المفرد، فيطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، على أصح الأقوال، وأقواها دليلًا.
وأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح؛ لأن الصحابة يطلقون التمتع على القرآن كما قدمنا في حديث عمران بن حصين، وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي ﵄، وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك عليّ أهل بهما جميعًا. فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي - ﷺ - ، وأقره عثمان على أن النبي - ﷺ - فعل ذلك، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك.
ومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين "تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج" فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القرآن.
المسألة الخامسة
اعلم: أن حجة من قال: بأن التمتع أفضل مطلقًا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي، وكلاهما مروي عن الإِمام أحمد هي: أن النبي - ﷺ - أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا هديًا أن يفسخوا حجهم في عمرة كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسف هو صلوات الله وسلامه عليه على
стр. 2909
سوقه للهدي الذي كان سببًا لعدم تحلله بالعمرة معهم. قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الإنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
تنبيهات
التنبيه الأول: اعلم أن دعوى من ادعى أن النبي - ﷺ - كان متمتعًا التمتع المعروف، وأنه حل من عمرته، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك، وقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه كان قارنًا، وأنه لم يحل حتى نحو هديه، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، فإن لفظ النبي - ﷺ - في حديثها المتفق عليه قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحو "والأحاديث بمثله كثيرة.
وسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله - ﷺ - عند المروة بمشقص، قلت له: لا أعلم هذا إلَّا حجة عليك. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص، وهو على المروة. انتهى منه.
стр. 2910
وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ قال: قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص. فالاستدلال بهذا الحديث على أن النبي - ﷺ - أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش، مردود من وجهين:
الأول: أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع، ولا شيء يدل على أن ذلك التقصير كان فيها.
الثاني: ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلَّا بعد الرجوع من عرفات، بعد أن نحر هديه.
وقال النووي في كلامه على حديث معاوية هذا: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي - ﷺ - في عمرة الجعرانة، لأن النبي - ﷺ - في حجة الوداع كان قارنًا كما سبق إيضاحه، وثبت أنه - ﷺ - حلق بمنى، وفرق أبو طلحة ﵁ شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه - ﷺ - كان متمتعًا؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي - ﷺ - قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي" وفي رواية "حتى أحل من الحج" والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي. ولا شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع لا يصح بحال. والعلم عند الله تعالى.
следующие страницы →