Полный текст (5 235 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس "فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه منه" رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ اهـ. من ابن كثير بلفظه.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في عدة المختلعة: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
ومأخذهم في هذا: أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
قاله ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وكون الخلع طلاقا ظاهرًا من جهة المعنى؛ لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا يملك لها فراقا شرعا إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس
стр. 282
"أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" فإن قوله - ﷺ -: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج.
وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور: قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس. لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك: خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد، وهو الحذاء، عن عكرمة مرسلا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قاله الحافظ في الفتح. فظهر اعتضاد الطريق المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة.
وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة "وأمره ففارقها" يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب
стр. 283
والسنة يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ، والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران:
أحدهما: ما ذكرنا آنفا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء.
الثاني: أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة.
ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو -رحمه الله تعالى- يقول في أشهر الروايتين عنه: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة. فظهر عدم الملازمة عنده.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا. فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله - ﷺ -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" أن الطلاق المأمور به من قبله - ﷺ - هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه، كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة.
وقال بعض العلماء: تعتد المختلعة بحيضة، ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها -وهو صحابي-. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعا. والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول،
стр. 284
وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام ولو خالف أكثر أهل العلم. وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة، فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر. وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، لا يخلو من نظر أيضا، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها: الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات أن الرحم لم يشتمل على حمل منه، ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعا، فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة. وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة. ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا، بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول.
ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق؛ صيانة للأنساب، كان
стр. 285
الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا؛ لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح.
فإن قيل: فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟
قلنا: إن كان ثابتا عن النبي - ﷺ - كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة، وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلا. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني.
الفرع الثالث: اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها، وبانت منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن كثير.
الثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع، وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁.
الثالث: أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد
стр. 286
بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير، وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء.
قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال، لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية، لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري اهـ. من ابن كثير.
الفرع الخامس: أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فهو قول باطل
стр. 287
مردود، ولا وجه له بحال. كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية. ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ لأن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية. فاتضح من تلك الآية أن معنى فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أن قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال الإضرار افتدت منه، ابتغاء السلامة من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدي منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة. فقال جماعة منهم: هي الزنا. وقال قوم: هي النشوز والعصيان وبذاء اللسان. والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير، وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها؛ لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده
стр. 288
مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم الأجرة المعينة في العقد، ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك، ولكنه بينه في سورة الطَّلاق بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل، ويرضى به.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بين في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا كانت عدتها وضع حملها، وذلك في قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ويزيده إيضاحا ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النبي ﷺ لسبيعة الأسلمية في الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها هو الحق، كما ثبت عنه ﷺ ، خلافا لمن قال: تعتد بأقصى الأجلين. ويروى عن علي وابن عباس. والعلم عند الله تعالى.
تنبيهان
الأول: هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتما معتبر
стр. 289
وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مخصص لعموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية. مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها؛ وعليه فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم. كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم:
• وما معرفا بأل قد وجدا *
أو بإضافة إلى معرف ... إذا تحقق الخصوص قد نفى
الثاني: الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف؛ لدلالة المقام عليه أي: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا كقول العرب: السمن منوان بدرهم. أي: منوان منه بدرهم.
• قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا؟ فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٢٨)﴾ مع قوله: ﴿﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية- وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به ﷺ يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله:
стр. 290
وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السني
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به - ﷺ - إلا بدليل على العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع.
وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن أزواج النبي مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول وفرض الصداق معا؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئا، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنّ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول.
وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في مراقي السعود بقوله:
"وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر"
стр. 291
• على إباحة ... الخ *
فقوله "ثم هذا الآخر على إباحة"، يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.
والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآية. هذا هو الظاهر وظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ وقال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد للوجوب، وليس لأحد أن يقول: لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية ما نصه: وقوله عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ وقولهم: لو كانت واجبة لعين القدر الواجب
стр. 292
فيها ظاهر السقوط، فنفقة الأزواج، والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ المقصود من هذه الآية الكريمة تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان، وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وصرح بما أشار إليه هنا في قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً (١٦)﴾ وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب بن أم صاحب:
إذا أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
وإن تتخطاك أسبابها ... فإن قصاراك أن تهرما
وقال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال أبو الطيب:
وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا
стр. 293
ولقد أجاد من قال:
في الجبن عار، وفي الإقدام مكرمة ... والمرء في الجبن لا ينجو من القدر
وهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن الفرار من الطاعون، وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجا عنها.
تنبيه: لم تأت لفظة "أَلَمْ تَرَ" ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ أَلَمْ معداة إلا بالحرف الذي هو إِلَى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم، والتحقيق عدم لزومه، وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
• قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف، وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ لم يبين هنا شيئا مما علمه، وقد بين في مواضع أخر مما علمه صنعة الدروع كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.
стр. 294
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ يفهم من تأكيده هنا بان واللام أن الكفار ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم، وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (١٦٤)﴾ وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾.
قال ابن كثير: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، يعني موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁.
قال مقيده - عفا الله عنه -: تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبينه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وأمثالها من الآيات، فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ما نصه: وقد سئل رسول الله ﷺ عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: نعم نبي مكلم.
قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى. اهـ.
стр. 295
وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ في سورة البقرة ما نصه: لأن آدم كان هو النبي - ﷺ - أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنيا وهو -الرسول - ﷺ - بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي: رسل. اهـ. محل الحجة منه بلفظه. وفيه، وفي كلام ابن كثير المتقدم عن صحيح ابن حبان الصريح بأن آدم رسول، وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل، ويشهد له قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين:
الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: "ويقول: ولكن ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض". الحديث فقوله: إلى أهل الأرض لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض، لكان ذلك الكلام حشوا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. ويُسْتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له.
الوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته، وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إلا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية. أي: على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح،
стр. 296
وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمدا - ﷺ - كقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ أو قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً (١)﴾ وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم، كقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ إلى غير ذلك من الآيات وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (٥٥)﴾ وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس، وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً (٥٧)﴾ وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الآية.
تنبيه: في هذه الآية الكريمة أعني: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية إشكال قوي معروف.
ووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه - ﷺ - قال: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله" وثبت أيضا في حديث أبي سعيد المتفق عليه "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة" الحديث، وفي رواية "لا تفضلوا بين أنبياء الله" وفي رواية "لا تخيروني من بين الأنبياء" وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما
стр. 297
نصه: وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النبي - ﷺ - قال: "لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين أنبياء الله" رواها الأئمة الثقات، أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان اهـ.
قال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.
الثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
والثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به. اهـ. منه بلفظه.
وذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص والكرامات فقد قال ما نصه: قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم،
стр. 298
ومنهم من اتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (٥٥)﴾.
قلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطى من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا - ﷺ - على الأنبياء، وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ وقال لمحمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قالوا فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله لمحمد - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فأرسله إلى الجن والإنس، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة: خير بني آدم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد - ﷺ -، وهم أولو العزم من الرسل. وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلَّا ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم، وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
واختار ابن عطية كما نقله عنه القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالا كقوله - ﷺ -: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ولم يعين، ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله: "لا
стр. 299
تفضلوني على موسى" وقوله: "لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ يفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ صرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم، وأن رسول الله ﷺ وليهم، وأن بعضهم أولياء بعض، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾، وصرح في موضع آخر بأن نبيه ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وبين في آية البقرة هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
стр. 300
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه ﷺ ، وأنه أيضا يتولى الصالحين، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة؛ لجمعه الظلمات، وأن طريق الحق واحدة؛ لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه. منه بلفظه.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ الآية. قال بعض العلماء: الطَّاغُوتُ الشيطان. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم من أوليائه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (٧٦)﴾ وقوله:
стр. 301
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، والحظ الأكبر من ذلك للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً (١١٧)﴾ وقال عن خليله إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ بين أن المراد بالذي: الذين بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ﴾.
• قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. لم يبين هنا سبب فقرهم، ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ الآية. معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى، أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
стр. 302
الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ الآية. وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.
ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي ﷺ والمسلمين لما استغفروا لأقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه.
• قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا، أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية.
стр. 303
واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وصرح بأن المتعامل بالربا محارب لله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾. وصرح بأن آكل الربا لا يقوم، أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ والأحاديث في ذلك كثيرة جدا.
واعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد، وذلك كربا الجاهلية، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين، وربا النساء بين الذهب والذهب، والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البر والبر، وبين الشعير والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح، وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض. وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل بين كل واحد من الستة المذكورة، فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب، ولا بين الفضة والفضة، ولا بين البر والبر، ولا بين الشعير والشعير، ولا بين التمر والتمر، ولا بين الملح والملح، ولو يدا بيد.
والحق -الذي لا شك فيه- منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة. فإن قيل: ثبت في الصحيح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا ربا إلا في النسيئة" وثبت في الصحيح عن أبي المنهال أنه قال:
стр. 304
سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله - ﷺ -، فسألنا رسول الله - ﷺ - عن الصرف، فقال: "ما كان منه يدا بيد فلا بأس وما كان منه نسيئة فلا" فالجواب من أوجه:
الأول: أن مراد النبي - ﷺ - بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة، والبراء، وزيد، إنما هو في جنسين مختلفين، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأنه في الجنس الواحد ممنوع. واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا آنفا عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ما نصه: رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج. فذكره، وبمعناه رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان، وكذلك رواه أحمد، عن روح، عن سفيان، وروي عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل عندي أن هذا خطأ. والصحيح ما رواه علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال: ما كان منه يدًا بيد فلا بأس وما كان منه نسيئة فلا، وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم.
стр. 305
والذي يدل على ذلك أيضا ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد: أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا المنهال قال: سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الورق بالذهب دينا، رواه البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة. اهـ. من البيهقي بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين، لا جنس واحد.
وفي تكملة المجموع -بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي- ما نصه: ولا حجة لمتعلق فيهما، لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربويا، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم، أو الحج، فإنه غير محرر، ولا سيما على ما كانت العرب تفعل.
والثاني: أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس، ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال، قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف، فكلاهما يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الذهب بالورق دينا. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري، ومسلم بمعناه. وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينا. فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر. وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي المنهال. والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في الصحيح، وكلها أسانيدها
стр. 306
في غاية الجودة. ولكن حصل الاختلاف في سفيان، فخالف الحميدي على بن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي، وعلي بن المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي ﵀: إن رواية من قال: إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اهـ منه بلفظه.
وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وقال الطبري: معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة إذا اختلفت أنواع البيع اهـ. محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر.
وقال في فتح الباري أيضا ما نصه: تنبيه: وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله -يعني البخاري-: سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلا ولا بأس به يدا بيد، ولا خير فيه نسيئة. قلت: وهذا موافق. اهـ. منه بلفظه. وعلى هامش النسخة: أن بعد قوله: "وهذا موافق" بياضا بالأصل.
وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء، لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضا. فإن قيل: هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ، إذ لقائل أن يقول: لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق
стр. 307
فيه الصرف، ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جمعا بين الروايتين، فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثا آخر واردا في الجنسين، وتحريم النساء فيهما، ولا تنافي في ذلك، ولا تعارض.
فالجواب على تسليم هذا بأمرين:
أحدهما: أن إباحة ربا الفضل منسوخة.
والثاني: أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار -على تقدير عدم النسخ- من أحاديث إباحته.
ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا أمر لا يصح، قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك على أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدم النبي - ﷺ - المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وائت زيد بن أرقم، فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال مثل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب، وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه - ﷺ - المدينة مهاجرا.
وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه - ﷺ - صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضا، فقد ثبت في الصحيح من حديث
стр. 308
فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قال: أتي رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله - ﷺ - بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب وزنا بوزن" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة بن عبيد: قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: "لا تباع حتى تفصل" وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة ﵁ قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنا بوزن" وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله - ﷺ -: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله - ﷺ - إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تفعلوا، ولكن مثل بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان" هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضا أن رسول الله - ﷺ -: استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله - ﷺ -: أكل تمر خيبر هكذا؛ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: "فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع الدراهم جنيبا" والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه - ﷺ - بتحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر،
стр. 309
فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح: أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه - ﷺ - المدينة مهاجرا، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح النبي - ﷺ - بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وأيضا فالبراء، وزيد ﵄ كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله - ﷺ -، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل، ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي؛ للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغا، وسن البراء، وزيد وقت قدومه - ﷺ - المدينة، نحو عشر سنين؛ لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي أنه روى بإسناده إلى زيد بن حارثة أن رسول الله - ﷺ - استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد بن حبته، وعبد الله بن عمر. وعن الواقدي أن أول غزوة شهداها الخندق، وممن قال: بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي. وناهيك به علما واطلاعا. وقول راوي الحديث: إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ خلاف معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم.
فإن قيل: ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعا بعد إباحته، يدل على النسخ في حديث البراء، وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ولكن أين لكم معرفة ذلك
стр. 310
في حديث أسامة؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء، وزيد، لأن سن أسامة وقت وفاته - ﷺ - عشرون سنة، وقيل: ثمان عشرة، وسن البراء، وزيد وقت وفاته - ﷺ - نحو العشرين، كما قدمنا ما يدل عليه.
فالجواب: أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم.
الجواب الثاني: عن حديث أسامة: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، رووها صريحة عنه - ﷺ -، ناطقة بمنع ربا الفضل، منهم أبو سعيد، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله وغيرهم، وروايات جل من ذكرنا ثابتة في الصحيح، كرواية أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن الخطاب، وأبي بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله، وغيرهم. وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ من رواية الواحد.
وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة، كما عقده في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي بقوله:
"وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية"
والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الرازي
стр. 311
أن: الشافعي أومأ إليه. وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية.
الجواب الثالث: عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقدمناه عن صاحب المراقي، وهو الحق خلافا للغزالي، وعيسى بن أبان، وأبي هاشم، وجماعة من المتكلمين حيث قالوا: هما سواء.
الجواب الرابع: عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه؛ لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على الأعم؛ لأنه بيان له، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول.
ومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ؛ فإن في رواته أبا هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ. ومنها غير ذلك.
وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل،
стр. 312
وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم، والله أعلم اهـ منه.
وقوله: النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة، ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ.
وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: "باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول: لا ربا إلا في النسيئة عن قوله، ونزوعه عنه" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن هند، عن أبي نضرة قال: سألت ابن عمر، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -: جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي - ﷺ - هو الدون، فقال له النبي - ﷺ -: "أنى لك هذا؟ " قال: انطلقت بصاعين، واشتريت به هذا الصاع؛ فإن سعر هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا. فقال له رسول الله - ﷺ -: "أربيت؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت" فقال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس. قال:
стр. 313
فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق ابن إبراهيم. وقال: وكان تمر النبي - ﷺ - هذا اللون.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى، حدثني جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول: كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله: إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس: قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد، وابن عمر أن النبي - ﷺ - نهى عنه فأنا أنهاكم عنه. وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا الإسناد ابن المبارك، والظاهر: أن الأصل أبو المبارك كما يأتي.
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعد بن إياس، عن عبد الله بن مسعود، أن رجلا من بني شمخ بن فزارة، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته؛ ليتزوج أمها، قال: لا بأس فتزوجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد - ﷺ - فقالوا: لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة،
стр. 314
ولا تصح الفضة إلا وزنا بوزن؛ فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، فقالوا: إنها قد نثرت له بطنها، قال: وإن كان. وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة: إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن. اهـ من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل.
وقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه: وخالف فيه؛ يعني: منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي -وهو بالمهملة والتحتانية- سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره، ما كان منه عينا بعين، يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث، وفيه: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، مثل بمثل، فما زاد فهو ربا"، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي. اهـ. من فتح الباري بلفظه.
وفي تكملة المجموع لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه: رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر؛ فإن حيان بن عبيد الله المذكور، قال ابن عدي: عامة
стр. 315
ما يرويه إفرادات يتفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان.
قال البيهقي: وحيان تكلموا فيه.
واعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من سقمه؛ لأمر غير ما نحن فيه، وهو قوله: "وكذلك ما يكال ويوزن"، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام: أحدهما: تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشيء أنبه عليه، لئلا يغتر به، وهو أنه أعله بثلاثة أشياء:
أحدها: أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ابن عباس.
والثاني: لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل، لمخالفة سعيد بن جبير.
والثالث: أن حيان بن عبيد الله مجهول.
فأما قوله: إنه منقطع فغير مقبول، لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس، وسمع منه، وأدرك أبا سعيد، ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت.
وأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: إن حيان بن عبيد الله مجهول، فإن أراد مجهول
стр. 316
العين فليس بصحيح، بل هو مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان من بنى عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميد، والضحاك، وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسى بن اسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد الله بن موسى. عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا، كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه، فقال في إسناده: أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق، فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة، فروح محدث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه، فناهيك به من يثني عليه إسحاق. وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه، وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال: صدوق، ثم قال: وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال: سمعته يأمر بالصرف يعني ابن عباس، وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة، فقلت: إنه بلغني أنك رجعت قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا مني، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصرف. رويناه في سنن ابن ماجه،
стр. 317
ومسند الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم: إنه مجهول، لا يدري من هو؟ وهو غير مقبول منه؛ لما تبين. ثم قال: وعن أبي الجوزاء قال: كنت أخدم ابن عباس ﵄ تسع سنين، ثم ساق حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا عن البيهقي، ثم قال: رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو المبارك: وهو مجهول. ثم قال: روينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله - ﷺ - أنه قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، مثلا بمثل. فمن زاد فقد أربى" فقال ابن عباس: أتوب إلى الله مما كنت أفتي به ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف بالرواية عن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عباس، عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يدا بيد، فقال: لا أرى فيما كان يدا بيد بأسا، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال: سمعت ابن عباس يقول: اللهم إني أتوب إليك من الصرف، إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي - ﷺ -. رواه الطبراني ورجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم.
وعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال: قال أبو سعيد لابن عباس تب إلى الله تعالى، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: ألم تعلم أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال: إني أخاف عليكم الربا، قال فضيل بن مرزوق:
стр. 318
قلت لعطية: ما الربا؟ قال: الزيادة والفضل بينهما. رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن معين: صالح، وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي.
وعن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يدا بيد إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري، وقال له: يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته؟ قال: أو فعلت؟ قال: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، تبره وعينه. فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثل بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول الله - ﷺ - قال "الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثل بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى" وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة. رواه الطبراني بسند فيه مجهول، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا: فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم.
وروى أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب المعاني والآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال: قلت لابن عباس: أرأيت الذي يقول: الدينار بالدينار؟ وذكر الحديث ثم
стр. 319
قال: قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس.
وروى الطحاوي أيضا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به، عن أبي الصهباء أن ابن عباس نزل عن الصرف، وهذا أصرح من رواية مسلم.
وروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إن ابن عباس قال وهو علينا أمير: من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها، وذكر حديثا إلى أن قال: فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر قال: استغفر ربه، وقال: إنما هو رأي مني.
وعن أبي هاشم الواسطي واسمه يحيى بن دينار عن زياد، قال: كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما. ذكره ابن عبد البر في الاستذكار. وذكر أيضا عن أبي حرة قال: سأل رجل ابن سيرين عن شيء فقال: لا علم لي به، فقال الرجل: أن يكون فيه برأيك. فقال: إني أكره أن أقول فيه برأيي، ثم يبدو لي غيره فأطلبك، فلا أجدك، إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأيا ثم رجع، وذكر أيضا عن ابن سيرين، عن الهذيل -بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين- قال: سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه، فقلت: إن الناس يقولون. فقال: الناس يقولون ما شاءوا. اهـ. من تكملة المجموع.
ثم قال بعد هذا: فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في رجوعه أيضا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى.
стр. 320
وفي تكملة المجموع أيضا قبل هذا ما نصه: وروى عن أبي الزبير المكي -واسمه محمد بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة- قال: سمعت أبا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال: فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله - ﷺ - يقول مثل هذا يا أبا أسيد. فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بينهما في شيء من ذلك". فقال ابن عباس: إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي، ولم أسمع فيه بشيء. رواه الحاكم في المستدرك، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم ﵀، وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحاكم: إنه شيخ قرشي من أهل المدينة، وأبو أسيد بضم الهمزة.
وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة، فقال: حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدا بيد. قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد، والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة، تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يدا بيد؟ فقال ابن عباس ﵄: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله - ﷺ -، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النبي - ﷺ - رواه الطبراني بإسناد حسن. وقد قدمنا رجوع ابن عمر، وابن مسعود عن ذلك، وقد قدمنا الجواب
следующие страницы →