العين فليس بصحيح، بل هو مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان من بنى عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميد، والضحاك، وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسى بن اسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد الله بن موسى. عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا، كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه، فقال في إسناده: أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق، فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة، فروح محدث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه، فناهيك به من يثني عليه إسحاق. وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه، وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال: صدوق، ثم قال: وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال: سمعته يأمر بالصرف يعني ابن عباس، وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة، فقلت: إنه بلغني أنك رجعت قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا مني، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصرف. رويناه في سنن ابن ماجه،
стр. 317
ومسند الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم: إنه مجهول، لا يدري من هو؟ وهو غير مقبول منه؛ لما تبين. ثم قال: وعن أبي الجوزاء قال: كنت أخدم ابن عباس ﵄ تسع سنين، ثم ساق حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا عن البيهقي، ثم قال: رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو المبارك: وهو مجهول. ثم قال: روينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله - ﷺ - أنه قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، مثلا بمثل. فمن زاد فقد أربى" فقال ابن عباس: أتوب إلى الله مما كنت أفتي به ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف بالرواية عن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عباس، عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يدا بيد، فقال: لا أرى فيما كان يدا بيد بأسا، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال: سمعت ابن عباس يقول: اللهم إني أتوب إليك من الصرف، إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي - ﷺ -. رواه الطبراني ورجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم.
وعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال: قال أبو سعيد لابن عباس تب إلى الله تعالى، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: ألم تعلم أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال: إني أخاف عليكم الربا، قال فضيل بن مرزوق:
стр. 318
قلت لعطية: ما الربا؟ قال: الزيادة والفضل بينهما. رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن معين: صالح، وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي.
وعن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يدا بيد إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري، وقال له: يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته؟ قال: أو فعلت؟ قال: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، تبره وعينه. فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثل بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول الله - ﷺ - قال "الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثل بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى" وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة. رواه الطبراني بسند فيه مجهول، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا: فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم.
وروى أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب المعاني والآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال: قلت لابن عباس: أرأيت الذي يقول: الدينار بالدينار؟ وذكر الحديث ثم
стр. 319
قال: قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس.
وروى الطحاوي أيضا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به، عن أبي الصهباء أن ابن عباس نزل عن الصرف، وهذا أصرح من رواية مسلم.
وروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إن ابن عباس قال وهو علينا أمير: من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها، وذكر حديثا إلى أن قال: فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر قال: استغفر ربه، وقال: إنما هو رأي مني.
وعن أبي هاشم الواسطي واسمه يحيى بن دينار عن زياد، قال: كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما. ذكره ابن عبد البر في الاستذكار. وذكر أيضا عن أبي حرة قال: سأل رجل ابن سيرين عن شيء فقال: لا علم لي به، فقال الرجل: أن يكون فيه برأيك. فقال: إني أكره أن أقول فيه برأيي، ثم يبدو لي غيره فأطلبك، فلا أجدك، إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأيا ثم رجع، وذكر أيضا عن ابن سيرين، عن الهذيل -بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين- قال: سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه، فقلت: إن الناس يقولون. فقال: الناس يقولون ما شاءوا. اهـ. من تكملة المجموع.
ثم قال بعد هذا: فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في رجوعه أيضا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى.
стр. 320
وفي تكملة المجموع أيضا قبل هذا ما نصه: وروى عن أبي الزبير المكي -واسمه محمد بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة- قال: سمعت أبا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال: فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله - ﷺ - يقول مثل هذا يا أبا أسيد. فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بينهما في شيء من ذلك". فقال ابن عباس: إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي، ولم أسمع فيه بشيء. رواه الحاكم في المستدرك، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم ﵀، وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحاكم: إنه شيخ قرشي من أهل المدينة، وأبو أسيد بضم الهمزة.
وروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة، فقال: حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدا بيد. قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد، والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة، تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يدا بيد؟ فقال ابن عباس ﵄: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله - ﷺ -، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النبي - ﷺ - رواه الطبراني بإسناد حسن. وقد قدمنا رجوع ابن عمر، وابن مسعود عن ذلك، وقد قدمنا الجواب
стр. 321
عما روي عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأسامة بن زيد ﵃ وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع، وهي شهادة على نفي مطلق، والمثبت مقدم على النافي، لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي. وقال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل واحد، ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة اهـ.
وقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار ما نصه: وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدا بيد كما تقدم، فليس ذلك مرويا عن رسول الله - ﷺ - حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ولو كان مرفوعا لما رجع ابن عباس واستغفر لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم.
وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله - ﷺ - بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال: حفظتما من رسول الله - ﷺ - ما لم أحفظ.
وروى عنه الحازمي أيضا أنه قال: كان ذلك برأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله - ﷺ -، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله - ﷺ -. وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب، لأنها أخص منه مطلقا اهـ منه بلفظه.
وقد ذكر غير واحد أن الإجماع انعقد بعد هذا الخلاف على
стр. 322
منع ربا الفضل. قال: في "تكملة المجموع" ما نصه: الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه، قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري، ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي، ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد، ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد بن علي (١)، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر. ولا ملح بملح، متفاضلا يدا بيد، ولا نسيئة. وأن من فعل ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
ونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال: وهذا يدل على نسخه، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه اهـ.
وعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ فيه خلاف معروف في الأصول، هل يلغي الواحد والاثنان، أو لا بد من اتفاق الكلّ؟ وهو المشهور، وهل إذا مات وهو مخالف، ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعا؟ وهو الظاهر، أو لا يكون إجماعا؛ لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته، خلاف معروف في الأصول أيضا.
стр. 323
وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يدا بيد، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقا. وبين التمر والبر، والشعير والملح مطلقا، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث، فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة.
والتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين. هما ثمن الأشياء غالبا في جميع أقطار الدنيا، وهو قول مالك والشافعي، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس، وهو مذهب أبي حنيفة. وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار، وقيل: وغلبة العيش، فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر، وقيل: يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر؛ لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة. ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء، وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما:
رباء نسا في النقد حرم، ومثله ... طعام، وإن جنساهما قد تعددا
стр. 324
وخص ربا فضل بنقد، ومثله ... طعام الربا، إن جنس كل توحدا
وقد كنت حررت مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي:
وكل ما يذاق من طعام ... ربا النسا فيه من الحرام
مقتاتا أو مدخرا أو لا اختلف ... ذاك الطعام جنسه أو ائتلف
وإن يكن يطعم للدواء ... مجردا فالمنع ذو انتفاء
ولربا الفضل شروط يحرم ... بها، وبانعدامها ينعدم
هي اتحاد الجنس فيما ذكرا ... مع اقتياته وأن يدخرا
وما لحد الادخار مدة ... والتادلي بستة قد حده
والخلف في اشتراط كونه اتخذ ... للعيش عرفا، وبالاسقاط أخذ
تظهر فائدته في أربع ... غلبة العيش بها لم تقع
والأربع التي حوى ذا البيت ... بيض وتين وجراد زيت
في البيض والزيت والربا قد انحظر ... رعيا لكون شرطها لم يعتبر
وقد رعي اشتراطها في المختصر ... في التين وحده ففيه ما حظر
ورعي خلف في الجراد باد ... لذكره الخلاف في الجراد
وحبة بحبتين تحرم ... إذا الربا قليله محرم
ثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي:
وقول: إن البيض ما فيه الربا ... إلى ابن شعبان الإمام نسبا
стр. 325
وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم، فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات، والإدام، والحلاوات، والفواكه والأدوية. واستدل على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" الحديث والطعام اسم لكل ما يؤكل. قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (٢٧) وَعِنَباً﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والمراد ذبائحهم. وقالت عائشة ﵂ مكثنا مع رسول الله - ﷺ - سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء، وعن أبي ذر ﵁ في حديثه الطويل، في قصه إسلامه، قال: قال رسول الله - ﷺ - "فمن كان يطعمك؟ " قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، قال: "إنها مباركة إنها طعام طعم" رواه مسلم وقال لبيد:
لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها
يعني بطعامها: الفريسة، قالوا: والنبي - ﷺ - علق في هذا الحديث الربا على اسم الطعام، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كالقطع في السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية. وقالوا: ولأن الحب ما دام مطعوما يحرم فيه الربا، فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوما لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار مطعوما حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوما، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند
стр. 326
الشافعية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر، ولقول الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا
والنقاخ الماء البارد، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة الطعم، فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر، والله تعالى أعلم؛ لأن معمرا المذكور لما قال: قد كنت أسمع النبي - ﷺ - يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل". قال عقبة: وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، وعقده في مراقي السعود بقوله: في مبحث المخصص المنفصل عاطفا على ما يخصص العموم:
"والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا"
وأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه يحرم الربا في كل مكيل، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: "ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به".
стр. 327
قال العلامة الشوكاني في نيل الأوطار: حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث. اهـ. منه بلفظه.
واستدلوا أيضا بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: "أكل تمر خيبر هكذا" قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم، جنيبا، وقال في الميزان مثل ذلك، ووجه الدلالة منه، أن قوله: في الميزان، يعني في الموزون؛ لأن نفس الميزان ليست من أموال الربا.
واستدلوا أيضا بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله، فإن فيه أن النبي - ﷺ - قال: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا" ثم قال: "وكذلك ما يقال، أو يوزن أيضا".
وأجيب من جهة المانعين، بأن حديث الدارقطني لم يثبت، وكذلك حديث الحاكم، وقد بينا سابقا ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور، وقد ذكرنا آنفا كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضا، وأنه يشهد لصحته حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة
стр. 328
وغيره، وضعفه جماعة، وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق سيىء الحفظ، وكان عابدا مجاهدا. ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور هو ما أخرجه عنه مسلم، والإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود، أن النبي - ﷺ - قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم" اهـ. فإن قوله - ﷺ -: "سواء بسواء، مثلا بمثل" يدل على الضبط بالكيل والوزن، وهذا القول أظهرها دليلا.
وأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة. الأول: جواب البيهقي قال: وقد قيل: إن قوله: وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه.
الثاني: جواب القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد؛ لأن الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح.
الثالث: حمل الموزون على الذهب والفضة جمعا بين الأدلة. والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض؛ لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر، وقصد ما يوزن بقوله "وكذلك الميزان" لا لبس فيه، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم.
وفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم.
стр. 329
الأول: مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم: أنه لا ربا أصلا في غير الستة، ويروى هذا القول عن طاوس، ومسروق والشعبي، وقتادة، وعثمان البتي.
الثاني مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة فيها كونها منتفعا بها، حكاه عنه القاضي حسين.
الثالث: مذهب ابن سيرين. وأبي بكر الأودني من الشافعي أن العلة الجنسية؛ فيحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين.
الرابع: مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران.
الخامس: مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس، فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير، والباقلي بالحمص، والدخن بالذرة مثلا.
السادس: مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة؛ فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة، كالمواشي، والزرع وغيرها.
السابع: مذهب سعيد بن المسيب، وقول الشافعي في القديم: إن العلة كونها مطعوما يكال، أو يوزن ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل، ولا يشرب، أو يؤكل ولا يكال، ولا يوزن. كالسفرجل والبطيخ. وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة
стр. 330
فيها، خوف الإطالة المملة.
فروع
الفرع الأول: الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل. ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الصبرة من التمر -لا يعلم كيلها- بالكيل المسمى من التمر.
الفرع الثاني: لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء، ودليل ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس ﵁، قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم، فقال طلحة: أرنا الذهب حتى يأتي الخازن، ثم تعال فخذ ورقك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه، أو لتنقدنه ورقه، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الذهب بالورق ربا إلا ها وها، والبر بالبر ربا إلا ها وها، والشعير بالشعير ربا إلا ها وها، والتمر بالتمر ربا إلا ها وها".
الفرع الثالث: لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب، ومع أحدهما شيء آخر. ودليل ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال: أتى رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله - ﷺ - بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله - ﷺ -: "الذهب بالذهب وزنا بوزن".
وروى مسلم نحوه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة وقتيبة بن
стр. 331
سعيد من حديث فضالة بن عبيد ﵁ نحوه. أخرجه النسائي، وأبو داود والترمذي وصححه.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه: الحديث قال في التلخيص: له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا، في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارا، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير.
وأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة.
قال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ، لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها، وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود اهـ. منه بلفظه. وقد قدمنا بعض روايات مسلم.
الفرع الرابع: لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه، ودليل ذلك: ما صح عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه - ﷺ - صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى.
стр. 332
وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن مجاهد أنه قال: كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ابن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابته يريد أن يركبها. ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا - ﷺ - إلينا، وعهدنا إليكم. ثم قال البيهقي: وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فنهاه أبو الدرداء، وما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في النهي عن ذلك.
وروى البيهقي أيضا عن أبي رافع أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: أني أصوغ الذهب، فأبيعه بوزنه، وآخذ لعمالة يدي أجرا قال: لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن، ولا تأخذ فضلا. اهـ منه.
وما ذكره البيهقي ﵀ أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية هو قوله: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما، قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنا مالك ح وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عبد الله يعني القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب، أو
стр. 333
ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال له أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله - ﷺ -، ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﵁، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل، ووزنا بوزن. ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على عمر، وقد ذكره الشافعي في رواية المزني. اهـ. منه بلفظه.
ونحو هذا أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت ﵁ من رواية أبي الأشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله - ﷺ - أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله - ﷺ - وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء. قال حماد: هذا أو نحوه اهـ.
стр. 334
هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا. وهذا هو المذهب الحق الذي لا شك فيه. وأجاز مالك بن أنس رحمه الله تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقدا وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حليا قدر وزن النقد بدون الأجرة؛ لضرورة السفر كما أشار إليه خليل ابن أسحاق في مختصره بقوله: "بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته".
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز لضرورة السفر، كما استظهر عدم جوازه ابن رشد، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر: "والأظهر خلافه" يعني: ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة، كما قرره شراح المختصر.
الفرع الخامس: اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظرا إلى أنها سند، وأن المبيع الفضة هي سند بها، فيمنع بيعها بالفضة، ولو يدا بيد، مثلا بمثل، ويمنع بيعها بالذهب أيضا ولو يدا بيد؛ لأنه صرف ذهب موجود، أو فضة موجودة بفضة غائبة، وإنما الموجود سند بها فقط، فيمنع فيها لعدم المناجزة؛ بسبب عدم حضور أحد النقدين، أو لا يمنع فيها شيء من ذلك؛ نظرا إلى أنها بمثابة عروض التجارة، فذهب كثير من المتأخرين إلى أنها كعروض التجارة، فيجوز الفضل، والنساء بينهما وبين الفضة والذهب، وممن أفتى بأنها كعروض التجارة
стр. 335
العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل، وشرح مختصر خليل، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنها ليست كعروض التجارة، وأنها سند بفضة، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يدا بيد؛ لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها؛ لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلا.
فإن قيل: لا فرق بين الأوراق، وبين فلوس الحديد؛ لأن كلا منهما ليس متمولا في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة، فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلا، وأن حقيقتها سند بفضة، فما المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها، بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم.
وما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من
стр. 336
الأشياء المنتفع بها، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلا، لما قالوا بالجواز؛ لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به، لا نفس السند. ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح وغيره أنه الرزق المكتوب فيها، لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق.
والثاني: أن هناك فرقا بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديما وحديثا إلا في المحقرات، فلا يشترى بها شيء له بال، بخلاف الأوراق، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس.
الثالث: أنا لو فرضنا أن كلا من الأمرين محتمل فالنبي - ﷺ - يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ويقول: "فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" ويقول: "والإثم ما حاك في النفس" الحديث وقال الناظم:
"وذو احتياط في أمور الدين ... من فرض شك إلى يقين"
وقد قدمنا مرارا أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح الله تعالى بأن مرتكبه محارب الله، وثبت عن رسول الله - ﷺ - لعنه.
ومن أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه كما إذا كان البيع ظاهره الحلية، ولكنه يمكن أن يكون مقصودا به التوصل إلى الربا
стр. 337
الحرام، عن طريق الصورة المباحة في الظاهر، كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة بعينها بثمن أقل من الأول نقدا، أو لأقرب من الأجل الأول، أو بأكثر لأبعد فظاهر العقدين الإباحة، لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما وهذا لا مانع منه، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ دراهم أكثر منها، لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيئول الأمر إلى أنه دفع دراهم، وأخذ أكثر منها لأجل، وهو عين الربا الحرام، ومثل هذا ممنوع عند مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وروي عن الشعبي، والحكم، وحماد كما في الاستذكار، وأجازه الشافعي.
واستدل المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك على زيد بن أرقم، وقالت: أبلغي زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب.
وقال الشافعي: إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة، وإذا اختلف صحابيان في شيء رجحنا منهما من يوافقه القياس، والقياس هنا موافق لزيد، لأنهما عقدان كل منها صحيح في نفسه.
وقال الشافعي أيضا: لو كان هذا ثابتا عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء، لأنه أجل غير معلوم، والبيع إليه يجوز، واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن عائشة، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى العطاء. والله تعالى أعلم. وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة رأيها، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول الله - ﷺ -، وهذا البيع الذي
стр. 338
ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة، ويسميه المالكية بيوع الآجال، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي:
بيوع الآجال إذا كان الأجل ... أو ثمن كأخويهما تحل
وإن يك الثمن غير الأول ... وخالف الأجل وقت الأجل
فانظر إلى السابق بالإعطاء هل ... عاد له أكثر أو عاد أقل
فإن يكن أكثر مما دفعه ... فإن ذاك سلف بمنفعة
وإن يكن كشيئه أو قلا ... عن شيئه المدفوع قبل حلا
• قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي الصدقات، وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه الله تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب -ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ فالتحقيق أن الأمر في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾﴾ للندب والإرشاد؛ لأن
стр. 339
لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس، قاله القرطبي. وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة ابن عطية: وهذا القول هو الصحيح. قاله القرطبي أيضا.
وقال الشعبي. كانوا يرون أن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ الآية ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وتمسك جماعة بظاهر الأمر في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ فقالوا: إن كتب الدين واجب فرض بهذه الآية بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره. وقال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليشهد اهـ. من القرطبي وسيأتي له زيادة بيان إن شاء الله قريبا.
تنبيه: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. أن الرهن لا يكون مشروعا إلا في السفر كما قاله مجاهد والضحاك وداود. والتحقيق جوازه في الحضر، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه - ﷺ - توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير. وفي الصحيحين أنها درع من حديد. وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أنس أنه - ﷺ - رهن درعا عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله. ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مثل حديث عائشة، فدل الحديث الصحيح على أن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لا مفهوم
стр. 340
مخالفة له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر، وإنما يتعذر غالبا في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما ذكرناه في هذا الكتاب مرارا، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ؛ ظاهر هذا الأمر الوجوب أيضا، فيجب على من باع أن يشهد. وبهذا قال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي، وابنه أبو بكر، وعطاء، وإبراهيم. قاله القرطبي وانتصر له ابن جرير الطبري غاية الانتصار، وصرح بأن من لم يشهد مخالف لكتاب الله. وجمهور العلماء على أن الإشهاد على المبايعة، وكتابة الدين أمر مندوب إليه، لا واجب، ويدل لذلك قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ الآية.
وقال ابن العربي المالكي: إن هذا قول الكافة قال: وهو الصحيح، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال: وقد باع النبي ﷺ وكتب. قال: ونسخة كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ اشترى منه عبدا، أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم. وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن؛ لخوف المنازعة اهـ.
قال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ما نصه: قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العداء هذا
стр. 341
أخرجه الدارقطني، وأبو داود، وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله - ﷺ - يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا. ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا. وقال في آخره: قال الأصمعي: سألت سعيد ابن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا. وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين.
وقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق، أما في الوثائق فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري وأنه تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكم، وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري: وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا، قال الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ -أي: فلم يطالبه برهن- ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول، لجاز أن يكون قوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ
стр. 342
أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية. ناسخا لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية. ولجاز أن يكون قوله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ناسخا لقوله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ لم يتبين بتأخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة، قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قال: لا، والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة. وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه، قلت: هذا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما أخرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: أقبلنا في ركب من الربذة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم فرددنا عليه فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر
стр. 343
قال: فما استوضعنا شيئا، وقال قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال: السلام عليكم أنا رسول رسول الله - ﷺ - إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - ابتاع فرسا من أعرابي- الحديث. وفيه فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك؟ قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك بعته، فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة فقال: بم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله - ﷺ - فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه النسائي وغيره اهـ. من القرطبي بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وفيما نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما، لا فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره.
ولم يبين الله تعالى في هذه الآية أعني: قوله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ اشتراط العدالة في الشهود، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في غير هذا الموضع.
стр. 344
• قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا. وأشار إلى أنه أجاب بقوله في الخطأ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية. وأشار إلى أنه أجاب في النسيان بقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك، ولا يقدح في هذا أن آية: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ مكية، وآية: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي، كعكسه.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: نعم.
• قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا. ولم يبين الإصر الذي كان محمولا على من قبلنا، وبين أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من قبلنا بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر، والإصر: الثقل في التكليف، ومنه قول النابغة:
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم ... والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا
стр. 345
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾
• قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يئول إليها، وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد؛ لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يئول إليها كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُه﴾ الآية. وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري: وأصل التأويل: من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه ورجع يئول أولا، وأولته أنا: صيرته إليه، وقال: وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:
على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا
قال: ويعني بقوله: "تأول حبها" مصير حبها ومرجعه، وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديما كالسقب الصغير الذي لم
стр. 346
يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيرا مثل أمه. قال وقد ينشد هذا البيت:
"على أنها كانت توابع حبها ... توالي ربعي السقاب فأصحبا"اهـ
وعليه فلا شاهد فيه، والربعي السقب الذي ولد في أول النتاج، ومعنى أصحب: انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرىء القيس:
"ولست بذي رئية إمر ... إذا قيد مستكرها أصحبا"
والرئية: وجع المفاصل. والإمر: بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء، هو الذي يأتمر لكل أحد لضعفه، وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب اللسان:
ولكنها كانت نوى أجنبيه ... توالي ربعي السقاب فأصحبا
وأطال في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضا.
تنبيه: اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات:
الأول: هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يئول إليها الأمر، وهذا هو معناه في القرآن.
الثاني: يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا المعنى قوله - ﷺ - في ابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل"، وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل قوله تعالى: كذا وكذا أي: تفسيره وبيانه، وقول عائشة الثابت في الصحيح: كان رسول الله - ﷺ -، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا
стр. 347
وبحمدك اللهم اغفر لي" يتأول القرآن، تعني يمتثله، ويعمل به، والله تعالى أعلم.
الثالث: هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح، بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسألة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح:
الأول: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله - ﷺ - الثابت في الصحيح: "الجار أحق بصقبه" فإن ظاهره المتبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة.
الحالة الثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلا، وليس بدليل في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ومثل له الشافعية، والمالكية، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة ﵀ المرأة في قوله - ﷺ -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل" على المكاتبة، والصغيرة، وحمله أيضا ﵀ المسكين في قوله: ﴿ستين مِسْكِينًا﴾ على المد، فأجاز إعطاء ستين مدا لمسكين واحد.
الحالة الثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره، لا عن دليل
стр. 348
أصلا، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعبا، كقول بعض الشيعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ يعني عائشة ﵂، وأشار في مراقي السعود إلى حد التأويل، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفا للتأويل:
"حمل لظاهر على المرجوح ... واقسمه للفاسد والصحيح"
"صحيحه وهو القريب ما حمل ... مع قوة الدليل عند المستدل"
"وغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعبا يفيد"
إلى أن قال:
"فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد"
"كحمل امرأة على الصغيرة ... وما ينافي الحرة الكبيرة"
"وحمل ما ورد في الصيام ... على القضاء مع الالتزام"
أما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره، فهي عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك ﵀ وأشار له في المراقي بقوله:
"والخلف في فهم الكتاب صير ... إياه تأويلا لدى المختصر"
والكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية "المدونة".
• قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية. لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وخبره يَقُولُونَ، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا
стр. 349
الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة، ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية، لا عاطفة. قال ابن قدامة: في روضة الناظر ما نصه: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ لفظا ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون: آمنا به بالواو، أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما؛ ولأن قولهم: آمَنَّا بِهِ، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه، سيما إذا تبعوه بقولهم: "كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم؛ ولأن لفظة "أما" لتفصيل الجمل، فذكره لها في الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مع وصفة إياهم باتباع المتشابه وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل، وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اهـ. من الروضة بلفظه.
ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ
стр. 350
إِلَّا وَجْهَهُ﴾ هو فالمطابق لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي، وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنسق، لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فائدة، والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ هو ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء، للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عبيد. وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك. ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر:
الريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامة
فيحتمل أن يكون والبرق مبتدأ، والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني، أي: لامعا.
واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال.
قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو: هذا
стр. 351
القول هو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم، ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا معنى التأويل: "التفسير وفهم المعنى" كما قال النبي - ﷺ - "اللهم علمه التأويل" أي: التفسير وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه.
والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يئول إليه الأمر، وذلك لا يعلمه إلا الله، وهو تفصيل جيد، ولكنه يشكل عليه أمران:
الأول: قول ابن عباس ﵄: "التفسير على أربعة أنحاء: تفسير: لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" فهذا
стр. 352
تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير، لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر. وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور.
الثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله، إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب، فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل.
تنبيهان
الأول: اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات:
الأولى: أنها حال من المعطوف وهو "الراسخون"، دون المعطوف عليه وهو "لفظ الجلالة". والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معا كقولك: جاء زيد وعمر راكبين، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾.
وهذا الإشكال ساقط؛ لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢)﴾ فقوله: صَفّاً حال من المعطوف، وهو الْمَلَكُ، دون المعطوف عليه، وهو لفظة رَبُّكَ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية. فجملة يَقُولُونَ حال من واو الفاعل في قوله: الَّذِينَ جَاءُوا، وهو معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه ابن كثير وغيره.
стр. 353
الجهة الثانية من جهات الإشكال المذكور هي: ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه، قائلين: آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، يعني: أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب:
أرسلت فيها قطما لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا
أي يقصر ماشيا.
وهذا الإشكال أيضا ساقط؛ لأن الفعل في الحال المذكور غير مضمر، لأنه مذكور في قوله "يعلم" ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره، وهو واضح.
الجهة الثالثة من جهات الإشكال المذكورة هي: أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها، ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو "يعلم" بهذه الحال التي هي "يَقُولُونَ آمَنَّا"، إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمَنَّا بِهِ؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم: آمَنَّا بِهِ لا يعلمون تأويله، وهو باطل، وهذا الإشكال قوي، وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة
стр. 354
يقولون على القول بالعطف.
التنبيه الثاني: إذا كانت جملة يقولون لا يصح أن تكون حالا لما ذكرنا، فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟ .
الجواب -والله تعالى أعلم-: أنها معطوف بحرف محذوف، والعطف بالحرف المحذوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصا بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن، وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ بالحرف المحذوف الذي هو الواو، ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ الآية، وقوله تعالى في عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ الآية.
وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ الآية. قال: يعني وقلت: بالعطف بواو محذوفة، وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني. وجعل بعضهم منه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ على قراءة فتح همزة إن قال: هو معطوف بحرف محذوف على قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب المغني أيضا. ومنه حديث "تصدق رجل من ديناره من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره" يعني ومن درهمه، ومن
стр. 355
صاع إلخ. حكاه الأشموني وغيره. والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن.
ومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم
يعني: وكيف أمسيت. وقول الحطيئة:
إن امرأ رهطه بالشام، منزله ... برمل يبرين جار شدما اغتربا
أي: ومنزله برمل يبرين. وقيل: الجملة الثانية صفة ثانية، لا معطوفة عليه، فلا شاهد في البيت.
وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور، خلافا لابن جني والسهيلي.
ولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله كحقيقة الروح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الآية. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور، وكنعيم الجنة لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾