← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الدارمي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. ويخفض الخنثى صوته كالمرأة. ذكره صاحب البيان. وهو ظاهر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء، ولا يجوز لها رفعه بحال. ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء وَمفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء، كقول غيلان ذي الرمة: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر فتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء، كالبشرة الناعمة والعينين الحسنتين. وكقول معنب بن أم صاحب: وفي الخدور لو أن الدار جامعة ... بيض أوانس في أصواتها غنن فتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن. وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف فيه. وقد قال جل وعلا مخاطبًا لنساء النبي ﷺ وهن خير أسوة لنساء المسلمين: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ لأن تليين الصوت وترخيمه يدك على الاهتمام بالريبة كإبداء غيره من محاسن المرأة للرجال، كما قال الشاعر: يحسبن من الكلام زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام الفرع الثاني: اعلم أنه يستحب الإِكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال

стр. 3117

الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال. وعلى هذا أكثر أهل العلم. قال صاحب المهذب: يستحب أن يكثر من التلبية، ويلبي عند اجتماع الرفاق، وفي كل صعود، وهبوط، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، لما روى جابر ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ يلبي إذا رأى ركبًا، أو صعد أكمة، أو هبط واديًا" وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل. انتهى محل الغرض منه. ولم يتكلم النووي في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير في حديث جابر المذكور: هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب، وبيض له النووي، والمنذري. وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال: "كان رسول الله ﷺ يلبي إذا لقي ركبًا" فذكره. وفي إسناده من لا يعرف. وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبًا، ونازلًا، ومضطجعًا. وروى ابن أبي شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا واديًا، أو علوه، وعند التقاء الرفاق. وعند خيثمة نحوه. وزاد: وإذا استقلت بالرجل راحلته. انتهى من التلخيص. وقال مالك في الموطأ: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض.

стр. 3118

ويستأنس لحديث جابر المذكور بقول البخاري: باب التلبية إذا انحدر في الوادي. ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس، وفيه قال: "أما موسى كأني أنظر إليه، إذا انحدر في الوادي يلبي" وقال في الفتح في شرح هذا الحديث: وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود. الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف القدوم، والسعي بعده. وممن قال: إنه لا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده: مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وممن أجاز التلبية في طواف القدوم: أحمد. وقال ابن قدامة في المغني: وبه يقول ابن عباس، وعطاء بن السائب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن أبي ليلى، والشافعي. وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت وقال ابن عيينة: ما رأينا أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وذكر أبو الخطاب: أنه لا يلبي، وهو قول للشافعي؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. انتهى محل الغرض من المغني. وقد قدمنا لك أن القول الجديد الأصح من مذهب الشافعي: أنه لا يلبي خلافًا لما يوهمه كلام صاحب المغني. وروى مالك في موطئه عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي، حتى يغدوا من منى إلى عرفات، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك

стр. 3119

التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. انتهى من الموطأ، وروى مالك في الموطأ أيضًا عن ابن شهاب، أنه كان يقول: كان عبد الله بن عمر لا يلبي، وهو يطوف بالبيت. انتهى منه. وقد روي عن ابن عمر أيضًا خلاف هذا، فقد ذكر ابن حجر في التلخيص: أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى. الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد. وأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد إلَّا أنه لا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري. ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء خلافًا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحاري، ولا يعجبني أن يلبي في المصر. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه فمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والصيغة في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ صيغة خبر أريد بها الإِنشاء، أي:

стр. 3120

فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإِنشاء؛ لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدًا، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة. ومنها إظهار تأكيد الإِتيان بالفعل، وإلزام ذلك، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أي: آمنوا باللَّه بدليل جزم الفعل في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية، فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: آمنوا باللَّه، يغفر لكم ذنوبكم كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ الآية ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ الآية، ونحو ذلك. فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية هو إظهار التأكد، واللزوم في الإِتيان بالإِيمان، فعبر عنه بصيغة الخبر، لإِظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية. المراد الأمر بالإِرضاع، والتربص، وقد عبر عنه بصيغة خبرية؛ لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني. والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين: أحدهما: مباشرة النساء بالجماع، ومقدماته. والثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا. ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته. ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجّاج: ورب أسراب حجيج كظمِ ... عن اللغا ورفث التكلّم

стр. 3121

وقد قدمنا هذا البيت في سورة المائدة. وعن ابن عباس ﵄ أنه لما أنشد وهو محرم قول الراجز: وهنَّ يمشين بنا هميسًا ... إن تَصْدق الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا فقيل له: أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما روجع به النساء، وفي لفظ: ما قيل من ذلك عند النساء. والأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى. والفسوق في اللغة: الخروج، ومنه قول العجاج: يهوين في نجد وغورًا غائرًا ... فواسقًا عن قصدها جوائرا يعني بقوله: فواسقا عن قصدها: خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها. والأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة والمراء، أي: لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه. وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج، أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله ﷺ . ومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه، من حلق شعر الرأس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه؛ لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال في المحرم الذي خر عن راحلته فوقصته فمات: "لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا" وفي رواية في صحيح مسلم: "ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". وهذا الحديث في صحيح مسلم

стр. 3122

بألفاظ متعددة، في بعضها الاقتصار على النهي عن تخمير الرأس، وفي بعضها النهي عن تخمير الرأس والوجه، وفي بعضها: النهي عن مسه بطيب، وفي بعضها: النهي عن أن يقربوه طيبًا وأن يغطوا وجهه. وكل ذلك ثايت. وهو نص صريح في منع تغطية المحرم الذكر رأسه أو وجهه. أما المرأة فإنها تغطي رأسها، ولا تغطي وجهها إلَّا إذا خافت نظر الرجال الأجانب إليه. كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن ذلك لبس كل شيء محيط بالبدن، أوبعضه، وكل شيء يغطي الرأس كما تقدم قريبًا، فلا يجوز للمحرم لبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا القباء، ولا الخف إلَّا إذا لم يجد نعلًا، فإنه يجوز له لبس الخفين، ويلزمه أن يقطعهما أسفل من الكعبين، وكذلك إذا لم يجد إزارًا، فله أن يلبس السراويل على الأصح فيهما. وكذلك لا يجوز له أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران. وهذه أدلة منع ما ذكر. قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : "لا يلبس القمص المحرم، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو ورس". انتهى من صحيح البخاري. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر

стр. 3123

رضي الله عنهما: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؛ فقال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس" وأخرج مسلم ﵀ هذا الحديث عن ابن عمر أيضًا من طريق ابنه سالم، وأخرج بعضه عنه أيضًا من طريق عبد الله بن دينار. ثم قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد جميعًا، عن حماد قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: "السراويل لمن لم يجد الإِزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين" يعني المحرم. وقد ذكر مسلم هذا الحديث من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وزاد شعبة في روايته، عن عمرو: يخطب بعرفات. وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس أيضًا. ثم قال مسلم ﵀: وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزار فليلبس سراويل". اهـ من صحيح مسلم. وهو يدل دلالة واضحة على جواز لبس السراويل للمحرم الذي لم يجد إزارًا، كجواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين. وفي حديث ابن عباس، وجابر المذكورين زيادة على حديث ابن عمر: وهي جواز السراويل لمن لم يجد إزار. وهذه الزيادة يجب قبولها خلافًا لمن منع قبولها. وإطلاق الخفين في حديث ابن عباس، وجابر المذكورين

стр. 3124

يجب تقييده بما في حديث ابن عمر من قطعهما أسفل من الكعبين، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد حكمهما وسببهما كما هنا، كما هو مقرر في الأصول. فأظهر الأقوال دليلًا: أنه لا يجوز لبس الخفين إلَّا في حالة عدم وجود النعلين، وأن قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين لا بد منه، وأن لبس السراويل جائز للمحرم الذي لم يجد إزارًا خلافًا لمن ذهب إلى غير ذلك. وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا العمامة، ولا الخف إلَّا ألا يجد نعلين، فليلبس الحفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران" فرواه البخاري ومسلم هكذا، وزاد البيهقي وغيره فيه "ولا يلبس القباء" وقال البيهقي: هذه الزيادة صحيحة محفوظة. انتهى منه. وهو دليل على منع لبس القباء للمحرم. وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث ابن عمر المذكور. زاد الثوري في روايته، عن أيوب، عن نافع في هذا الحديث: ولا القباء. أخرجه عبد الرزاق. ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع أيضًا. انتهى محل الغرض منه. وهذا الذي ذكرنا من تحريم اللباس المذكور إنما هو في حق الرجال. وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب إلَّا أنهن

стр. 3125

لا يجوز لهن أن ينتقبن، ولا أن يلبسن القفازين؛ لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها. وقد قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب الحديث وفيه "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق في النقاب والقفازين. وقال عبد الله: ولا ورس. وكان يقول: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع، عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة. وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى من صحيح البخاري. وقال أبو داود ﵀ في سننه - بعد أن ساق حديث ابن عمر المتقدم - : حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه. وزاد: ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين. وفي لفظ عن ابن عمر، عن النبي ﷺ "المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين". وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من أنواع الثياب من معصفر، أو خز، أو حرير، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. فرواه أبو داود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي إلَّا أنه قال: حدثني نافع عن ابن عمر. وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس، وإذا قال

стр. 3126

المدلس: حدثني احتج به على المذهب الصحيح المشهور. انتهى منه. وقال ابن حجر في التلخيص: حديث أنه ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن النقاب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب معصفرًا، أو خزًّا، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن عمر. واللفظ لأبي داود زاد فيه بعد قوله: عن النقاب: وما مس الزعفران، والورس من الثياب، وليلبسن بعد ذلك. ورواه أحمد إلى قوله من الثياب. ومن ذلك استعمال المحرم الطيب في بدنه، أو ثيابه. والطيب هو ما يتطيب به، ويتخذ منه الطيب، كالمسك، والكافور، والعنبر، والصندل، والورس، والزعفران، والورد، والياسمين ونحو ذلك. والأصل في منع استعمال الطيب للمحرم هو ما قدمنا في حديث ابن عمر المتفق عليه من نهيه ﷺ عن لبس ما مسه الزعفران، والورس من الثياب في الإِحرام. وما قدمنا من حديث مسلم في الذي وقع عن راحلته فأوقصته فمات. ففي لفظ في صحيح مسلم: فأمر النبي ﷺ أن يغسل بماء وسدر، وأن يكفن في ثوبين، ولا يمس طيبًا الحديث. وفي لفظ في صحيح مسلم فقال النبي ﷺ : "اغسلوه ولا تقربوه طيبًا ولا تغطوا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي" فقوله: "ولا يمس طيبًا" في الرواية الأولى نكرة في سياق النفي. وقوله: "ولا تقربوه طيبًا" في الرواية الثانية نكرة في سياق النهي، وكلتاهما من صيغ العموم، كما هو مقرر في الأصول، فهو يدل على منع جميع أنواع الطيب للمحرم، وترتيبه ﷺ على ذلك بالفاء قوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" دليل

стр. 3127

على أن علة منع ذلك الطيب كونه محرمًا ملبيًا. والدلالة على العلة المذكورة: هي من دلالة مسلك الإِيماء والتنبيه. كما هو معروف في الأول. ومن ذلك عقد النكاح، فإنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج غيره بولاية أو وكالة. وسيأتي الخلاف في تزويج المحرم غيره بالولاية العامة إن شاء الله تعالى. وكون إحرام أحد الزوجين أو الولي مانعًا من عقد النكاح هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وعزاه النووي في شرح المهذب لجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال: وهو مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ومالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود وغيرهم. وقال في شرح مسلم: قال مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم. اهـ. وقال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت ﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. اهـ. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم: إلى أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي، ليس مانعًا من عقد النكاح. وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وهو مروي عن الحكم، والثوري، وعطاء، وعكرمة. وعزاه صاحب المغني لابن عباس. والظاهر أن عزو هذا القول الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول، كما ذكرناه عنه آنفًا، كما سترى ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 3128

وإذا علمت أقوال أهل العلم في الإِحرام بحج أو عمرة، هل هو مانع من عقد النكاح، أو لا، فهذه أدلتهم. أما الجمهور القائلون بأن الإِحرام مانع من النكاح، فاستدلوا بما رواه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يُنكح المحرم، ولا يَنكح ولا يخطب". وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، حدثني نبيه بن وهب، قال: بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه، فأرسلني إلى أبان بن عثمان، وهو على الموسم فقال: ألا أراه أعرابيًا إن المحرم لا يُنكح ولا يَنكح. أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله ﷺ . حدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا عبد الأعلى (ح) وحدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا محمد بن سواء، قالا جميعًا: حدثنا سعيد عن مطر، ويعلى بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب". وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن

стр. 3129

أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان يبلغ به النبي ﷺ قال: "المحرم لا ينكح ولا يخطب". حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله بن معمر، أراد أن ينكح ابنه طلحة بنت شيبة بن جبير في الحج، وأبان بن عثمان يومئذ أمير الحاج فأرسل إلى أبان: إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر فأحب أن تحضر ذلك، فقال له أبان: ألا أراك عراقيًا جافيًا إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم". وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق الحنظلي جميعًا، عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس أخبره "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم" زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها، وهو حلال. وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، عن ابن عباس أنه قال: "تزوج رسول الله ﷺ ميمونة، وهو محرم". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا أبو فزارة، عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث "أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال" قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. انتهى من صحيح مسلم. وحديث عثمان المذكور في صحيح مسلم رواه أيضًا مالك وأحمد وأصحاب السنن. وقال أبو عيسى الترمذي - بعد أن

стр. 3130

ساقه - : حديث عثمان حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر. وهو قول بعض فقهاء التابعين. وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق لا يرون أن يتزوج المحرم. وقالوا: إن نكح فنكاحه باطل. وحديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة المذكور في صحيح مسلم "أن النبي ﷺ نكحها وهو حلال" رواه أيضًا الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والإِمام أحمد. وقال الترمذي: حدثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: "تزوج رسول الله ﷺ ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال" رواه مالك مرسلًا، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا. انتهى محل الغرض منه. وحديث أبي رافع هذا رواه أيضًا الإِمام أحمد. وروى مالك ﵀ في موطئه، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره. وفي الموطأ أيضًا، عن مالك أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم؟ فقالوا: لا ينكح المحرم، ولا يُنكح. وفي الموطأ أيضًا عن مالك، عن داود بن الحصين: أن أبا غطفان بن طريف

стр. 3131

المري، أخبره أن أباه طريفًا، تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب ﵁ نكاحه. وحديث أبي غطفان بن طريف، هذا رواه أيضًا الدارقطني. وروى الإِمام أحمد عن ابن عمر ﵄، أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها، وأنت محرم نهى رسول الله ﷺ عنه. انتهى منه بواسطة نقل المجد في المنتقى. فهذا هو حاصل أدلة من قال: بأن الإِحرام مانع من عقد النكاح. وأما الذين قالوا: بأن الإِحرام لا يمنع عقد النكاح، فقد استدلوا بما رواه الشيخان في صحيحيهما، وأصحاب السنن، والإِمام أحمد عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم". وللبخاري "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف". اهـ. قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس ﵄ فيه التصريح بأنه ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو المشرع لأمته بأقواله، وأفعاله، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه، فلو كان تزويج المحرم حرامًا لما فعله ﷺ . واحتج الجمهور القائلون بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة، قالوا: ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" وصيغة النفي في قوله: لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب يراد بها النهي، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ أي:

стр. 3132

لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج. وإيراد الإِنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء. كما هو مقرر في المعاني. والحديث دليل صحيح من قول النبي ﷺ على منع نكاح المحرم، وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث والآثار الدالة على منع نكاح المحرم. وأجاب الجمهور القائلون بمنع إحرام أحد الزوجين، أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور، بأجوبة. واعلم أولًا: أن المقرر في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح. وإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع "أنه تزوجها وهو حلال" ووجه الجمع في ذلك، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بان المراد بكونه محرمًا كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها ﷺ في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء. قال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور، وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: "تزوج النبي ﷺ ميمونة في عمرة القضاء". اهـ منه. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك، كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم، أو غير ذلك.

стр. 3133

وقال ابن منظور في اللسان. وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإِحرام على الدخول في الشهر الحرام - وقد أنشده في اللسان شاهدًا لذلك - قول زهير: جعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محل ومحرم وقول الآخر: وإذ فتك النعمان بالناس مُحرمًا ... فملئ من عوف بن كعب سلاسل وقول الراعي: قتلوا ابن عفَّان الخليفَة مُحرما ... ودعَا فلم أر مثله مقتولا فتفرقت من بعد ذاك عصاهُم ... شققا وأصبح سيفهم مسلولا ويروى: فلم أر مثله مخذولًا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا، أي: في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة. وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك. وقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرمًا في بيته المذكور كونه في حرمه الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يحل من نفسه شيئًا يستوجب به القتل. ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد: قتلوا كسرى بليل محرما ... غادروه لم يمتع بكفن يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أنه له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرمًا. وعلى

стр. 3134

تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع، ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كل الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باق، فالمصير إلى الترجيح إذًا واجب. وحديث ميمونة، وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره. وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور، مع حديث ابن عباس. وإليه أشار في مواقي السعود مبحث الترجيح، باعتبار حال الراوي بقوله عاطفًا على ما ترجح به رواية أحد الراويين على رواية الآخر: أو راويًا باللفظ أو ذا الواقع ... وكون من رواه غير مانع ومحل الشاهد منه قوله: أو ذا الواقع، أي: يقدم خبر ذي الواقع المروي على خبر غيره كخبر ميمونة، مع خبر ابن عباس. ومما يرجح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روي على خبر غيره؛ لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره. والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور "أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال" قال: وكنت الرسول فيما بينهما، مع حديث ابن عباس المذكور "أنه تزوجها وهو محرم".

стр. 3135

ومما يرجح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن عباس أن ميمونة، وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل. وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله، لأن البالغ أضبظ من الصبي لما تحمل، وللاختلاف في قبول خبر المحتمل قبل البلوغ مع الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ؛ لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه. وإلى تقديم خبر الراوي المباشر على خبر غيره، وتقديم خبر المتحمل بعد البلوغ على خبر المتحمل قبله أشار في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال الراوي بقوله عاطفًا على ما يرجح أحد الخبرين: أو كونه مباشرًا أو كلفا ... أو غير ذي اسمين للأمن من خفا فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس بأنه اتفق عليه الشيخان في صحيحيهما. ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجح مما انفرد به مسلم، وهو حديث ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذي وأحمد، وهو حديث أبي رافع. فالجواب: أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعًا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه؛ لأنهما أعلم بحال الواقعة منه؛ لأن ميمونة صاحب الواقعة، وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك. فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع، وميمونة خالفاه، وهما أعلم بالحال منه؛ لأن لكل منهما تعلقًا خاصًا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله.

стр. 3136

ومن المرجحات التي رجح بها بعض العلماء حديث تزوجه ﷺ ميمونة، وهو حلال على حديث تزوجه إياها، وهو محرم أن الأول: رواه أبو رافع، وميمونة. والثاني: رواه ابن عباس وحده، وما رواه الاثنان أرجح مما رواه الواحد، كما هو مقرر في الأصول. وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية كما في سورة البقرة ولكن هذا الترجيح المذكور يرده ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ولفظه: فالمشهور عن ابن عباس "أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم" وصح نحوه عن عائشة، وأبي هريرة. اهـ منه. وعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر فمن روى أن تزويجها في حالة الإِحرام أكثر. فإن قيل: يرجح حديثهم إذًا بالكثرة. فالجواب: أنهم وإن كثروا فميمونة، وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما تقدم. والمرجحات يرجح بعضها على بعض. وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن. ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة ﵂ عن نفسها، وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها ﷺ الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبر به غيرها. وأشار في مراقي السعود إلى ما ذكرنا بقوله: قطب رحاها قوة المظنة ... فهي لدى تعارض مئنة ومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس لا تنهض به

стр. 3137

الحجة على جواز عقد النكاح في حال الإِحرام هو: أنا لو سلمنا أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته ﷺ ؛ لأنه ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره من حديث عثمان بن عفان ﵁ = ما يدل على منع النكاح في حال الإِحرام وهو عام لجميع الأمة. والأظهر دخوله هو ﷺ في ذلك العموم، فإذا فعل فعلًا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول دل على أن ذلك الفعل خاص به ﷺ ؛ لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل، فيكون خاصًا به ﷺ . وقد تقرر في الأصول: أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه، لا بنص صريح إذا فعل النبي ﷺ فعلًا يخالفه كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم القولي، فيكون ذلك الفعل خاصًا به ﷺ . وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى ذلك في كتاب السنة بقوله: في حقه القول بفعل خصا ... إن يك فيه القول ليس نصا فإن قيل: لا حجة في حديث عثمان المذكور في صحيح مسلم على منع عقد النكاح في حال الإِحرام؛ لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة، وهو حرام في حال الإِحرام إجماعًا، وليس المراد به العقد. فالجواب من أوجه: الأول: أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح، لا الوطء. الأولى: أنه ﷺ قال في الحديث المذكور: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" فقوله: "ولا ينكح" بضم الياء، دليل على أن المراد:

стр. 3138

لا يزوج، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء؛ لأن الولى إذا زوج قبل الإِحرام، وطلب الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليها، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعًا، فدل ذلك على أن المراد بقوله: "ولا ينكح" ليس الوطء، بل التزويج كما هو ظاهر. القرينة الثانية: أنه ﷺ قال أيضًا: "ولا يخطب" والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد العقد؛ لأنه هو الذي يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم. الوجه الثاني: أن أبان بن عثمان راوي الحديث - وهو من أعلم الناس بمعناه - فسره بأن المراد بقوله: "ولا ينكح"، أي: لا يزوج؛ لأن السبب الذي أورده فيه الحديث هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، فأنكر عليه ذلك أشد الإِنكار، وبين له أن حديث عثمان عن النبي ﷺ دليل على منع عقد النكاح في حال الإِحرام، ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث بأن المراد بالنكاح فيه العقد، لا الوطء. الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الأحاديث، والآثار الدالة على منع التزويج في حال الإِحرام، كحديث ابن عمر، عند أحمد: أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر، أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله ﷺ عنه. اهـ. فتراه: صرح بأن النكاح المنهي عنه في الإِحرام: التزويج. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث ابن عمر هذا: في إسناده أيوب ابن عيينة، وهو ضعيف وقد وثق. وكالأثر الذي رواه

стр. 3139

مالك، والبيهقي، والدارقطني عن أبي غطفان بن طريف أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه. اهـ. وذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإِحرام بالتزويج، ولا يخصه بالوطء. وقد روى البيهقي في السنن الكبرى بإسناده عن الحسن، عن علي قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته. وروى بإسناده أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليًا ﵁ قال: لا ينكح المحرم، فإن نكح رد نكاحه. وروى بإسناده أيضًا عن شوذب مولي زيد بن ثابت أنه تزوج، وهو محرم، ففرق بينهما زيد بن ثابت. قال: وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. وروى بإسناده أيضًا عن قدامة بن موسى قال: تزوجت، وأنا محرم، فسألت سعيد بن المسيب فقال: يفرق بينهما. وروى بإسناده أيضًا عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا تزوج، وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل هو أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي مانع من عقد النكاح، لحديث عثمان الثابت في صحيح مسلم، ولما قدمنا من الآثار الدالة على ذلك، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض ذلك الحديث. وحديث ابن عباس معارض بحديث ميمونة، وأبي رافع، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه. ولو فرضنا أن حديث ابن عباس، لم يعارضه معارض، وأن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم. فهذا فعل خاص لا يعارض عمومًا قوليًا، لوجوب تخصيص العموم القولي المذكور بذلك الفعل، كما تقدم إيضاحه.

стр. 3140

أما ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة، وهو محرم. فلا تنهض به حجة على توهيم ابن عباس، لأن الراوي عن سعيد لم تعرف عينه كما ترى. وما احتج به كل واحد من المتنازعين في هذه المسألة من الأقيسة، كقياس من أجاز النكاح في الإِحرام، النكاح على شراء الأمة في الإِحرام، لقصد الوطء، وكقياس من منعه النكاح في الإِحرام على نكاح المعتدة بجامع أن كل منهما لا يعقبه جواز التلذذ كالوطء والقبلة تركناه وتركنا مناقشته، لأن هذه المسألة من المسائل المنصوصة فلا حاجة فيها إلى القياس، مع أن كل الأقيسة التي استدل بها الطرفان لا تنهض بها حجة. فروع تتعلق بهذه المسألة التي هي ما يمتنع بالإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه: الفرع الأول: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يجوز له أن يرتجع مطلقته في حال الإِحرام، لأن الرجعة ليست بنكاح مؤتنف؛ لأنها لا يحتاج فيها إلى عقد، ولا صداق، ولا إلى إذن الولي ولا الزوجة، فلا تدخل في قوله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح" وجواز الرجعة في الإِحرام هو قول جمهور أهل العلم منهم: الأئمة الثلاثة، وأصحابهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين، عن الإِمام أحمد، وعزاه النووي في شرح المهذب لعامة العلماء إلا رواية عن الإِمام أحمد.

стр. 3141

وقال ابن قدامة في المغني في شرحه قول الخرقي: "وللمحرم أن يتجر، ويصنع الصنائع، ويرتجع امرأته" ما نصه: فأما الرجعة فالمشهور إباحتها، وهو قول أكثر أهل العلم، وفيه رواية ثانية أنها لا تباح. . . إلى أن قال: وجه الرواية الصحيحة أن الرجعية زوجة، والرجعة إمساك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأبيح ذلك كالإِمساك قبل الطلاق. انتهى محل الغرض منه. وقال مالك في الموطأ في الرجل المحرم: أنه يراجع امرأته، إذا كانت في عدة منه. وذكر النووي عن الخراسانيين من الشافعية وجهين: أصحهما جواز الرجعة، والثاني: منعها في الإِحرام. الفرع الثاني: اعلم أن التحقيق أن الولي إذا وكل وكيلًا على تزويج وليته، فلا يجوز لذلك الوكيل تزويجها بالوكالة في حالة إحرامه؛ لأنه يدخل في عموم الحديث المذكور، وكذلك وكيل الزوج. الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن السلطان لا يجوز له أن يزوج بالولاية العامة في حال إحرامه، لدخوله في عموم قوله ﷺ : "لا يَنكح المحرم ولا يُنكح" فلا يجوز إخراج السلطان من هذا العموم، إلا بدليل خاص به من كتاب أو سنة، ولم يرد بذلك دليل. فالتحقيق منع تزويجه في الإِحرام. وهو قول جمهور العلماء خلافًا لبعض الشافعية القائلين: يجوز ذلك للسلطان. ولا دليل معهم من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بأن الولاية العامة أقوى من الولاية الخاصة بدليل أن الولي المسلم الخاص لا يزوج الكافرة بخلاف السلطان، فله عندهم أن يزوج الكافرة بالولاية العامة. الفرع الرابع: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن للشاهد

стр. 3142

المحرم أن يشهد على عقد نكاح؛ لأن الشاهد لا يتناوله حديث "لا ينكح المحرم ولا ينكح" لأن عقد النكاح بالإِيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك، وخالف في ذلك أبو سعيد الإِصطخري من الشافعية قائلًا: إن شهادة الشاهد ركن في العقد، فلم تجز في حال الإِحرام كالولي. وكره بعض أهل العلم للمحرم أن يشهد على النكاح. الفرع الخامس: الأظهر عندي: أن المحرم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها؛ لما تقدم من حديث عثمان، عند مسلم: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" فالظاهر أن حرمة الخطبة كحرمة النكاح؛ لأن الصيغة فيهما متحدة، فالحكم بحرمة أحدهما دون الآخر يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل عليه. والظاهر من الحديث حرمة النكاح، وحرمة وسيلته التي هي الخطبة، كما تحرم خطبة المعتدة. وبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإِحرام، وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه. وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية وغيرهم على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفًا لحكم الآخر كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية. قالوا: الأكل مباح، وإيتاء الحق واجب، لا دليل فيه؛ لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب، بخلاف قوله في الحديث: "ولا يخطب" فلا دليل على أنه ليس للتحريم، كقوله قبله: "لا ينكح المحرم". الفرع السادس: إذا وقع عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو الولي فالعقد فاسد، ولا يحتاج إلى فسخه بطلاق، كما

стр. 3143

هو ظاهر الآثار التي قدمنا. ومذهب مالك وأحمد: أنه يفسخ بطلاق مراعاة لقول من أجازه كأبي حنيفة، ومن تقدم ذكرهم. الفرع السابع: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا وكل حلال حلالًا في التزويج، ثم أحرم أحدهما، أو المرأة أن الوكالة لا تنفسخ بذلك، بل له أن يزوج بعد التحلّل بالوكالة السابقة خلافًا لمن قال: تنفسخ الوكالة بذلك. والتحقيق أن الوكيل إذا كان حلالًا، والموكل محرمًا فليس للوكيل الحلال عقد النكاح قبل تحلل موكله خلافًا لمن حكى وجهًا بجواز ذلك، ولا شك أن تجويز ذلك غلط. الفرع الثامن: اعلم أنا قدمنا في أول الكلام على هذه المسألة: أن الإِحرام يحرم بسببه على المحرم وطء امرأته في الفرج، ومباشرتها فيما دون الفرج، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وقد قدمنا أن الرفث شامل للجماع، ومقدماته. وقد أردنا في هذا الفرع أن نبين ما يلزمه لو فعل شيئًا من ذلك. ولا خلاف بين أهل العلم أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات أن حجه يفسد بذلك، ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإِحرام إلا الجماع خاصة. وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده، وعليه قضاء الحج، وعليه الهدي، وهو عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعات من الصحابة بدنة، وقال أبو حنيفة: علية شاة، وقال داود: هو مخير بين بدنة وبقرة وشاة، فإن كان جماعه بعد الوقوف بعرفات، وقبل رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة فحجه فاسد عند مالك والشافعي وأحمد ﵏. وقال أبو حنيفة ﵀: حجه صحيح، وعليه أن يهدي بدنة متمسكًا بظاهر حديث "الحج

стр. 3144

عرفة" وإن كان جماعه بعد رمي جمرة العقبة، وقبل طواف الإِفاضة. فحجة صحيح عند الجميع. وعند الشافعي تلزمه فدية، وعند أبي حنيفة إن جامع بعد الحلق فعليه شاة، وإن جامع قبل الحلق، وبعد الوقوف فعليه بدنة. وعن أحمد روايتان فيما يلزمه هل هو شاة، أو بدنة؟ ومذهب مالك أن حجه صحيح، وعليه هدي وعمرة. ووجهه عنده أن الجماع لما كان بعد التحلل الأول برمي جمرة العقبة، لم يفسد به الحج، ولكنه وقع فيه نقص بسبب الجماع قبل التحلل الثاني، فكان هذا النقص عنده يجبر بالعمرة والهدي. وفي الموطأ قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج ما بينه، وبين أن يدفع من عرفة، ويرمي الجمرة: إنه يجب عليه الهدي، وحج قابل. قال: فإن كان أصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر ويهدي، وليس عليه حج قابل. اهـ. ونقل الباجي عن مالك أن محل فساد الحج بالجماع قبل الرمي والإِفاضة، وبعد الوقوف بعرفة فيما إذا كان الوطء واقعًا يوم النحر، أما إن أخر رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة معًا عن يوم النحر، وجامع قبلهما فلا يفسد حجه، وعليه عمرة وهديان: هدي لوطئه، وهدي لتأخير رمي الجمرة. انتهى منه. بواسطة نقل المواق في شرحه لمختصر خليل في الكلام على قوله: والجماع ومقدماته، وأفسد مطلقًا كاستدعاء مني، وإن بنظر إن وقع قبل الوقوف مطلقًا أو لعده، إن وقع قبل إفاضة وعقبةٍ يومَ النحر أو قبله، وإلا فهدي. اهـ. فتحصل: أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج عند الأئمة الأربعة. وبعد التحلل الأول، وقبل الثاني لا يفسد الحج عند الأربعة.

стр. 3145

وقد عرفت مما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل أفسد عند الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبًا. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات الجماع كالقبلة، والمفاخذة، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم. ولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئًا من ذلك. فمذهب مالك وأصحابه أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة، أو غيرها إذا حصل معه إنزال أفسد الحج. وقد بينا قريبًا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل، فسد - عند مالك - حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة لم يفسد حجه عند مالك، وعليه الهدي. أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم فعليه هدي. والقبلة حرام على المحرم مطلقًا عند مالك. وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد، فهو ممنوع إن قصد به اللذة، وإن لم يقصدها به فليس بممنوع، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة، وإنما عليه الإِثم إلا إذا حصل بسببه مذي، فيلزم فيه الهدي. ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة، والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي. فتحصل أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع إن أنزل، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقًا هدي، وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة. وما عدا ذلك من التلذذ فليس فيه إلا التوبة والاستغفار، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع، أو الإِنزال.

стр. 3146

ومذهب أبي حنيفة ﵀: أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة، واللمس بشهوة، والمفاخذة ونحو ذلك يلزم بسببه دم، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل، ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة. ومذهب الشافعي ﵀: هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة، أو قبلها بشهوة أن عليه فدية الأذي. والاستمناء عنده كالمباشرة فيما دون الفرج. وصحح بعض الشافعية أن عليه شاة. ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند الشافعي. ومذهب الإِمام أحمد ﵀ أنه إن وطئ فيما دون الفرج، ولم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة. وفي فساد حجه روايتان: إحداهما: أنه إن أنزل فسد حجه، وعليه بدنة، وبها جزم الخرقي. وقال في المغني في هذه الرواية: اختارها الخرقي، وأبو بكر، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق. والرواية الثانية: أنه إن أنزل فعليه بدنة، ولا يفسد حجه. وقال ابن قدامة في المغني في هذه الرواية: وهي الصحيحة إن شاء الله؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه حد، فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه. انتهى محل الغرض منه. وما ذكرنا عن أحمد من أنه إن أنزل تلزمه بدنة، أي: سواء قلنا بفساد الحج، أو عدم فساده. وممن قال بلزوم البدنة في ذلك: الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو ثور، كما نقله

стр. 3147

عنهم صاحب المغني. وإن قبل امرأته ولم ينزل، أو أنزل جرى على حكم الوطء فيما دون الفرج، وقد أوضحناه قريبًا. وإن نظر إلى امرأته، فصرف بصره فأمنى فعليه دم عند أحمد، وإن كرر النظر حتى أمنى، فعليه بدنة عنده. وقد قدمنا عن مالك: أنه إن كرر النظر حتى أمنى فسد حجه، وهو مروي عن الحسن، وعطاء. واعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحج الفاسد بالجماع يجب قضاؤه فورًا في العام القابل خلافًا لمن قال: إنه على التراخي. ودليل ذلك الآثار التي ستراها إن شاء الله في الكلام على أدلة هذا المبحث. وأظهر قولي أهل العلم عندي أيضًا: أن الزوجين اللذين أفسدا حجهما يفرق بينهما إذا أحرما بحجة القضاء؛ لئلَّا يفسدا حجة القضاء أيضًا بجماع آخر؛ كما يدل عليه بعض الآثار المروية عن الصحابة. والأظهر أيضًا أن الزوجة إن كانت مطاوعة له في الجماع يلزمها مثل ما يلزم الرجل من الهدي، والمضي في الفاسد، والقضاء في العام القابل خلافًا لمن قال: يكفيهما هدي واحد. والأظهر أنه إن أكرهها لا هدي عليها. وإذا علمت أقوال أهل العلم في جماع المحرم، ومباشرته بغير الجماع، فاعلم أن غاية ما دلَّ عليه الدليل أن ذلك لا يجوز في الإِحرام؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم في ذلك، فليس على شيء من أقوالهم

стр. 3148

في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة، ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي ﷺ إلا حديثًا منقطعًا لا تقوم بمثله حجة، وهو ما رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه: أخبرنا أبو بكر محمد بن صالح، أنبأنا أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الفسوي الداودي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود السجستاني حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية - يعني ابن سلام - عن يحيى قال: أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم - شك أبو توبة - أن رجلًا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ فقال لهما: "اقضيا نسككما، واهديا هديًا، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما، وأتما نسككما واهديا" هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. انتهى من البيهقي. وتراه صرح بأنه منقطع، وانقطاعه ظاهر، لأن يزيد بن نعيم المذكور من صغار التابعين. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر الحديث المذكور، عند أبي داود في المراسيل، والبيهقي، وذكر قول البيهقي: إنه منقطع ما نصه: وقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث لا يصح، فإن زيد بن نعيم مجهول، ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة. وقد شك أبو توبة، ولا يعلم عمن هو منهما، ولا عمن حدثهم به معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، فهو لا يصح. قال ابن القطان: وروى ابن وهب، أخبرني ابن ليهعة، عن

стр. 3149

يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أن رجلًا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله ﷺ فقال لهما: "أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه ثم أتما نسككما واهديا". انتهى. قال ابن القطان: وفي هذا أنه أمرهما بالتفرق في العودة لا في الرجوع. وحديث المراسيل على العكس منه. قال: وهذا ضعيف أيضًا بابن لهيعة. انتهى كلامه محل الغرض منه من نصب الراية للزيلعي. وإذا كانت هذه المسألة المذكورة ليس فيها عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث المنقطع سنده، تبين أن عمدة الفقهاء فيها على الآثار المروية عن الصحابة فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ بلاغًا أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن رجل أصاب أهله، وهو محرم بالحج؟ فقالوا: ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي. قال: وقال علي بن أبي طالب ﵁: وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. اهـ. وهذا الأثر عن هؤلاء الصحابة منقطع أيضًا كما ترى. وفي الموطأ أيضًا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ما ترون في رجل وقع بامرأته وهو محرم؟ فلم يقل له القوم شيئًا. فقال سعيد: إن رجلًا وقع بامرأته، وهو محرم، فبعث إلى المدينة يسأل عن ذلك، فقال بعض الناس: يفرق

стр. 3150

بينهما إلى عام قابل، فقال سعيد بن المسيب: لينفذا لوجههما فليتما حجهما الذي أفسداه، فإذا فرغا رجعا، فإن أدركهما حج قابل فعليهما الحج والهدي، ويهلان من حيث أهلا بحجهما الذي أفسداه ويفرقان، حتى يقضيا حجهما. قال مالك: يهديان جميعًا بدنة بدنة. قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج: ما بينه وبين أن يدفع من عرفة، ويرمي الجمرة إنه يجب عليه الهدي، وحج قابل. قال: فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر، ويهدي، وليس عليه حج قابل. قال مالك: والذي يفسد الحج، أو العمرة التقاء الختانين وإن لم يكن ماء دافق. قال: ويوجب ذلك أيضًا الماء الدافق إذا كان من مباشرة. فأما رجل ذكر شيئًا حتى خرج منه ماء دافق، فلا أرى عليه شيئًا. ولو أن رجلًا قبَّل امرأته، ولم يكن من ذلك ماء دافق لم يكن عليه في القبلة إلا الهدي، وليس على المرأة التي يصيبها زوجها، وهي محرمة مرارًا في الحج أو العمرة، وهي له في ذلك مطاوعة إلا الهدي، وحج قابل إن أصابها في الحج، وإن كان أصابها في العمرة، فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت والهدي. اهـ. وفي الموطأ أيضًا عن مالك عن أبي الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله ابن عباس ﵄: أنه سئل عن رجل وقع بأهله، وهو بمنى قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. وفي الموطأ أيضًا عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي. وفي الموطأ أيضًا عن مالك: أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول في ذلك مثل قول عكرمة، عن ابن عباس. قال

стр. 3151

مالك: وذلك أحب ما سمعت إلى في ذلك. انتهى محل الغرض منه. وروى البيهقي بإسناده، عن عطاء: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال في محرم بحجة أصاب امرأته - يعني وهي محرمة - قال: يقضيان حجهما، وعليهما الحج من قابل من حيث كانا أحرما، ويفترقان حتى يتما حجهما. قال: وقال عطاء: وعليهما بدنة إن أطاعته، أو استكرهها، فإنما عليهما بدنة واحدة. اهـ. وهذا الأثر منقطع أيضًا، لأن عطاء لم يدرك عمر ﵁. وروى البيهقي بإسناده أيضًا: أن مجاهدا سئل عن المحرم، يواقع امرأته؟ فقال: كان ذلك على عهد عمر ﵁، قال: يقضيان حجهما واللَّه أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا، وتفرقا في المكان الذي أصابها فيه. وروى البيهقي بإسناده أيضًا عن ابن عباس ﵄: في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: اقضيا نسككما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، وأهديا هديًا. وفي رواية: ثم أهلا من حيث أهللتما أول مرة. اهـ. قال النووي في هذا الأثر الذي رواه البيهقي عن ابن عباس: إسناده صحيح. وروى البيهقي بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: أن رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم، وقع بامرأته؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فسله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك. فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، فإذا

стр. 3152

أدركت قابلًا، فحج واهدِ، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قولي مثل ما قالا. اهـ. ثم قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. فترى هذا الأثر عن هؤلاء الصحابة الثلاثة فيه ذلك الحكم عنهم بإسناد صحيح. وروى البيهقي أيضًا من طرق أخرى، عن ابن عباس مثل ذلك، وفي بعض الروايات عن ابن عباس: أن على كل واحدٍ منهما بدنة، وفي بعضها: أنهما تكفيهما بدنة واحدة. فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في هذه المسألة. الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إذا جامع مرارًا قبل أن يكفر كفاه هدي واحد، وإن كان كفر لزمته بالجماع الثاني كفارة أخرى، كما أنه إن زنى مرارًا قبل إقامة الحد عليه كفاه حد واحد إجماعًا، وإن زنى بعد إقامة الحد عليه لزمه حد آخر. وهذا هو مذهب الإِمام أحمد، وممن قال بأنه يكفيه هديُ واحدُ مطلقًا: مالك، وإسحاق، وعطاء. والأصح في مذهب الشافعي: أنه يلزمه في الجماع الأول بدنة، وفي كل مرة بعد ذلك شاة. وعن أبي ثور: تلزمه بكل مرة بدنة. وهو رواية عن أحمد. وعن أبي حنيفة: إن كان ذلك في مجلس واحد، فدم واحد وإلَّا فدمان. واعلم أنهم اختلفوا فيما إذا جامع ناسيًا لإِحرامه. ومذهب

стр. 3153

أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: أن العمد والنسيان سواء بالنسبة إلى فساد الحج، وهو قول للشافعي، وهو قوله القديم. وقال في الجديد: إن وطئ ناسيًا، أو جاهلًا لا يفسد حجه ولا شيء عليه. أما إن قبَّل امرأته ناسيًا لإِحرامه، فليس عليه شيء عند الشافعي وأصحابه قولًا واحدًا. وقال ابن قدامة في المغني: ينبغي أن يكون الأمر كذلك في المذهب الحنبلي. واعلم أن الجماع المفسد للحج هو التقاء الختانين الموجب للحد والغسل كما قدمناه في كلام مالك في الموطإ. والأظهر أن الإِتيان في الدبر كالجماع في إفساد الحج. وكذلك الزنا. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من فعل كل ما لا يرضي الله تعالى. وقد قدمنا أن أظهر قولي أهل العلم عندنا أنه يفرق بين الزوجين اللذين أفسدا حجهما، وذلك التفريق بينهما في حجة القضاء، لا في جميع السنَّة. وظاهر الآثار المتقدمة أن ذلك التفريق بينهما إنما يكون من الموضع الذي جامعها فيه. وعن مالك: يفترقان من حيث يحرمان، ولا ينتظر موضع الجماع. وهو رواية عن أحمد، وهو أظهر. وعن مالك وأحمد: أن التفريق المذكور واجب، وهو قول أو وجه عند الشافعية. والثاني عندهم: أنه مستحب. وهو وجه أيضًا عند الحنابلة. وممن قال بالتفريق بينهما: عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. ونقله

стр. 3154

ابن قدامة في المغني، عن عمر وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي وغيرهم. وعن أبي حنيفة وعطاء: لا يفرق بينهما، ولا يفترقان قياسًا على الجماع في نهار رمضان، فإنهما إذا قضيا اليوم الذي أفسداه لا يفرق بينهما. واعلم أنا قدمنا خلاف العلماء في الهدي الذي على المفسد حجه بالجماع، وذكرنا أنه عند مالك والشافعي وأحمد: بدنة، وهو قول جماعات من الصحابة وغيرهم منهم ابن عباس، وطاوس، ومجاهد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وغيرهم. ولم نتكلم على ما يلزمه إن عجز عن البدنة، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنه إن عجز عن البدنة كفته شاة. وممن قال به الثوري، وإسحاق. وذهب بعضهم: إلى أنه إن لم يجد بدنة فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبع من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعامًا، فإن لم يجد صام عن كل مد يومًا. وهذا هو مذهب الشافعي. وبه قال جماعة من أهل العلم. وعن أحمد رواية: أنه مخير بين هذه الخمسة المذكورة. واعلم أن المفسد حجه بالجماع إذا قضاه على الوجه الذي أحرم به في حجه الفاسد، كأن يكون في حجه الفاسد مفردًا ويقضيه مفردًا، أو قارنًا ويقضيه قارنًا فلا إشكال في ذلك، وكذلك إن كان مفردًا في الحج الذي أفسده وقضاه قارنًا فلا إشكال؛ لأنه جاء بقضاء الحج مع زيادة العمرة. وأما إذا كان قارنًا في الحج الذي أفسده، ثم قضاه مفردًا، فالظاهر أن الدم اللازم له بسبب القران لا يسقط عنه بإفراده في القضاء خلافًا لمن زعم ذلك. وقال النووي في شرح المهذب: إذا وطئ القارن فسد حجه

стр. 3155

وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته أيضًا شاة أخرى، سواء قضى قارنًا، أم مفردًا؛ لأنه توجه عليه القضاء قارنًا، فإذا قضى مفردًا لا يسقط عنه دم القران. قال العبدري: وبهذا كله قال مالك، وأحمد. وقال أبو حنيفة: إن وطئ قبل طواف العمرة، فسد حجه وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما والقضاء، وعليه شاتان: شاة لإِفساد الحج، وشاة لإِفساد العمرة، ويسقط عنه دم القران. فإن وطئ بعد طواف العمرة فسد حجه، وعليه قضاؤه وذبح شاة، ولا تفسد عمرته فتلزمه بدنة بسببها، ويسقط عنه دم القران. قال ابن المنذر: وممن قال يلزمه هدي واحد: عطاء وابن جريج، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الحكم: يلزمه هديان. اهـ. من شرح المهذب. وقد قدمنا أن الأظهر عندنا: أن الزوجين المفسدين حجهما بالجماع تلزم كل واحد منهما بدنة إن كانت مطاوعة له، وهو مذهب مالك. وبه قال النخعي، وهو أحد القولين للشافعي. قال النووي: قال ابن المنذر: وأوجب ابن عباس، وابن المسيب، والضحاك، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو ثور على كل واحد منهما هديًا. وقال النخعي ومالك: على كل واحد منهما بدنة. وقال أصحاب الرأي: إن كان قبل عرفة، فعلى كل واحد منهما شاة، وعن أحمد روايتان: إحداهما: يجزئهما هدي واحد. والثانية: على كل واحد منهما هدي.
следующие страницы →