Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي - ﷺ - : فلا يثبت رفعه بمجرد هذا. ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعًا بغير شك، لكن الخوزي ضعيف، لا يحتج بروايته.
ورواه الإِمام أحمد في مسنده، عن جابر، عن النبي - ﷺ - ، بلا شك أيضًا، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. وعن عائشة "أن النبي - ﷺ - وقَّت لأهل العراق: ذات عرق" رواه أبو داود، والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح، لكن نقل ابن عدي: أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه، وانفراده به مع أنه ثقة، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي ﵁: "أن النبي - ﷺ - وقَّت لأهل العراق: ذات عرق" رواه أبو داود. وعن عطاء عن النبي - ﷺ - : "أنه وقت لأهل المشرق: ذات عرق" رواه البيهقي، والشافعي بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعطاء من كبار التابعين. وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور. منها: أن يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة، ومن بعدهم. قال البيهقي: هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلًا. قال: وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عطاء وغيره متصلًا، والحجاج ظاهر الضعف. انتهى كلام النووي.
وقال صاحب نصب الراية: وأخرجه الدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، عن حجاج، عن عطاء، عن جابر. وحجاج لا يحتج به، وذكر
стр. 3082
الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ابن لهيعة من غير شك في الرفع.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا أن ذات عرق. وقّتها النبي ﷺ لأهل العراق، والدليل على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ، في أحاديث، منها ما هو صحيح الإِسناد، ومنها ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي بعضًا.
قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا هشام بن بهرام المدائني، ثنا المعافى بن عمران، عن أفلح يعني: ابن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق". انتهى من سنن أبي داود، وهذا الإِسناد صحيح كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: هشام بن بهرام المدائني أبو محمد، وهو ثقة، وطبقته الثانية: المعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، وهو ثقة عابد فقيه. وطبقته الثالثة: أفلح بن حميد ابن نافع المدني أبو عبد الرحمن، ويقال له: ابن صغيراء، وهو ثقة، وطبقته الرابعة، والخامسة: القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عمته عائشة ﵂، فهذا إسناد في غاية الصحة كما ترى.
وقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: حدثنا أبو هاشم محمد بن علي، عن المعافى، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل نجد: قرنًا، ولأهل اليمن: يلملم" وهذا
стр. 3083
إسناد صحيح أيضًا؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية: هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي، وهو ثقة عابد، وباقي الإِسناد هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود، وكلهم ثقات كما أوضحناه الآن. فهذا إسناد لا شك في صحته. ومتنه فيه التصريح بتوقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق.
واعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإِمام أحمد ﵀ أنكر على أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق، وأنه انفرد بذلك غير مسلّم؛ لأن أفلح بن حميد شقة، وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران أيضًا؛ لأنه ثقة، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة، كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.
وقال الشيخ الذهبي ﵀ في ميزان الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن حميد المذكور: وثقه ابن معين، وأبو حاتم. وقال ابن صالحد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله: ولأهل العراق ذات عرق. وقال ابن عدي في الكامل: هو عندي صالح، وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران، عن أفلح، عن القاسم عن عائشة. قلت: هو صحيح غريب. انتهى كلام الذهبي.
وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب، مع أن هذا الحديث في توقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق له شواهد متعددة.
منها: حديث جابر في صحيح مسلم وإن كان لم يجزم فيه
стр. 3084
بالرفع؛ لأن قوله: أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، ظن من أبي الزبير أن جابرًا رفع الحديث، وهذا الظن يقوي الروايات التي فيها الجزم بالرفع.
ومنها: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، ثنا عبد الوارث، ثنا عتبة بن عبد الملك السهمي، حدثني زرارة بن كريم: أن الحارث بن عمرو السهمي، حدثه: قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق: لأهل العراق. انتهى منه. وهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن؛ لأن طبقته الأولى: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي المنقري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر، وطبقته الثانية: عبد الوارث، وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ولم يثبت عنه، وطبقته الثالثة: عتبة بن عبد الملك السهمي، وهو بصري. ذكره ابن حبان في الثقات، وطبقته الرابعة: زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهمي، وهو له رؤية، وذكره ابن حجان في ثقات التابعين، وطبقته الخامسة: الحارث بن عمرو السهمي الباهلي ﵁ وهو صحابي، فهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم عند أبي داود، والنسائي الذي قدمنا: أن إسناده صحيح، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث. ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث، فهو صالح للاحتجاج عنده، كما قدمنا مرارًا.
وقد ذكر ابن حجر في الإِصابة في ترجمة الحارث بن عمرو
стр. 3085
المذكور: أن حديثه هذا صححه الحاكم، ولم يتعقب ذلك بشيء وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه به أبو داود، ولم يتعقبه بشيء.
ومنها: ما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والدارقطني في سننه عن جابر: أن النبي ﷺ وقت ذات عرق لأهل العراق من غير شك في الرفع. وقد قدمنا في كلام النووي، والزيلعي، وابن حجر: أن في إسناده ابن لهيعة، والحجاج بن أرطاة، وكلاهما ضعيف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر بها صالحة لاعتضاد غيرها، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونًا بغيره، كما قاله الذهبي في الميزان، وقد أثنى عليه غير واحد، وروى عنه شعبة. وقال: اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة، وابن إسحاق، فإنهما حافظان. وقال فيه الثوري: ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال فيه حماد بن زيد: كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان. وقال فيه الذهبي في الميزان: هو أحد الأعلام على لين في حديثه. وقال فيه الذهبي: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ والتدليس. اهـ.
وعلى كل حال: فلا شك في الاعتبار بروايته، وصلاحها لتقوية غيرها، وابن لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها، وقد أخرج له مسلم أيضًا مقرونًا بغيره. وقد قدمنا الكلام عليه.
وعلى كل حال فرواية الحجاج وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة.
стр. 3086
ومنها الحديث الذي رواه عطاء مرسلًا كما قدمنا في كلام النووي، وقد قال: إنه رواه الشافعي، والبيهقي بإسناد حسن. ومرسل عطاء هذا في توقيت النبي ﷺ : ذات عرق لأهل العراق محتج به عند الأئمة الأربعة. أما مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، فالمشهور عنهم الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارًا. وأما الشافعي: فقد قدمنا عن النووي: أنه يعمل بمرسل التابعي الكبير إن قال به بعض الصحابة أو أكثر أهل العلم، ومرسل عطاء هذا أجمع على العمل به الصحابة، فمن بعدهم إلى غير ذلك من الأدلة العاضدة لأن توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي ﷺ .
وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق ما نصه: وهذا يدل على أن للحديث أصلًا، فلعل من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، ورأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال. انتهى محل الغرض منه.
وقد بينا أن بعض روايات هذا الحديث صحيحة، ولا يضرها انفراد بعض الثقات بها.
الأمر الثاني من الأمرين المذكورين في أول هذا المبحث: هو إنما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر، مما يدل على أن توقيت ذات عرق، لأهل العراق باجتهاد من عمر، كما قدمناه لا يعارض هذه الأدلة التي ذكرناها على أنه منصوص، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي ﷺ ، وهو ﵁ معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها، لا شرعًا ولا عقلًا ولا عادة.
стр. 3087
وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق، بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال فيه ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح؛ لأنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن المواقيت الخمسة التي ذكرنا مواقيت أيضًا لكل من مر عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجًا كان أو عمرة، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه، الذي ذكرناه في أول هذا المبحث بعد ذكر المواقيت المذكورة "فهي لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" هذا لفظ البخاري في صحيحه من رواية ابن عباس. وفي لفظ في البخاري، عن ابن عباس: "هن لأهلهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة" وكلا اللفظين في صحيح مسلم من رواية ابن عباس. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
الفرع الثاني: اعلم أن من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته من موضع سكناه، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفًا: "فمن كان دونهن فمهله من أهله"، وفي رواية "فمن كان دونهن فمن أهله" وفي لفظ "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" كل هذه الألفاظ في صحيح البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا، واللفظان الأخيران منها في صحيح مسلم أيضًا من حديث ابن عباس، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
стр. 3088
الفرع الثالث: اعلم أن أهل مكة يهلون من مكة، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفًا حتى أهل مكة، يهلون منها، وفي لفظ: حتى أهل مكة يهلون من مكة، وكلا اللفظين في الصحيحين من حديث ابن عباس المذكور، وهذا بالنسبة إلى الإِهلال بالحج، لا خلاف فيه بين أهل العلم إلَّا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجًا عن مكة، وهو ظاهر السقوط؛ لمخالفته للنص الصريح، عن النبي ﷺ ، وأما إهلال المكي بالعمرة، فجماهير أهل العلم على أنه لا يهلّ بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحل، ويحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم، وحكي غير واحد عليه الإِجماع.
قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي. الموقت لأهل مكة الحرم في الحج، والحل في العمرة للإجماع على ذلك. انتهى منه.
وقال ابن قدامة في المغنى في الكلام على ميقات المكي: وإن أراد العمرة فمن الحل، لا نعلم في هذا خلافًا. انتهى منه.
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على ميقات أهل مكة: وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة.
قال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة. انتهى محل الغرض منه.
وقال ابن القيم: إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة، وظاهر صنيع البخاري أنه يرى إحرامهم من مكة بالعمرة، حيث قال:
стр. 3089
باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المذكور، ومحل الشاهد عنده منه المطابق للترجمة هي قوله: "حتى أهل مكة من مكة"، فقوله في الترجمة: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، وإيراده لذلك "حتى أهل مكة يهلون من مكة" دليل واضح على أنه يرى أن أهل مكة يهلون من مكة للعمرة والحج معًا، كما هو واضح من كلامه.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن دليل هذا القول هو عموم حديث ابن عباس المتفق عليه الذي فيه حتى أهل مكة يهلون من مكة، والحديث عام بلفظه في الحج والعمرة، فلا يمكن تخصيص العمرة منه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه.
وأما القائلون بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل، وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا، فاستدلوا بدليلين.
أحدهما: ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما من: أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكة إلى التنعيم، وهو أدنى الحل. قالوا: فلو كان الإِهلال من مكة بالعمرة سائغًا لأمرها بالإِهلال من مكة.
وأجاب المخالفون عن هذا: بأن عائشة آفاقية، والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين.
وأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث الصحيح دل على أن من مر بميقات لغيره كان ميقاتًا له، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها؛ لأنها صارت معهم عند ميقاتهم.
الدليل الثاني: هو الاستقراء وقد تقرر في الأصول: أن
стр. 3090
الاستقراء من الأدلة الشرعية، ونوع الاستقراء المعروف عندهم بالاستقراء التام حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم دليل قطعي. وأما الاستقراء الذي ليس بتام، وهو المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم. والاستقراء التام المذكور هو: أن تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع، فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل نزاع.
وإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرًا قادمًا على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية. فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات: وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضًا بين الحل والحرم، وإلى مسألة الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله:
ومنه الاستقراء بالجزئيّ ... على ثبوت الحكم للكلي
فإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق. . . إلخ
وقوله: فإن يعم. . . البيت: يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة النزاع فهو حجة في صورة النزاع بلا خلاف، والشقاق الخلاف. فقوله: غير ذي الشقاق، أي: غير محل النزاع.
واعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون: إن أهل مكة ليس لهم
стр. 3091
التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف، والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع والقران لأهل مكة. وممن قال: لا تمتع ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة وأصحابه، ونقله بعض الحنفية عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري ﵀ كما ذكره في صحيحه. ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع أو قران أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإِشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم، قالوا: الإِشارة راجعة إلى الهدي والصوم، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم. والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، قالوا: الإِشارة راجعة إلى قوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ أي: ذلك التمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع له، والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه. والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها التعبير باللام في قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ الآية، لأن اللام تستعمل فيما لنا، لا فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله، وأن لا نفعله بخلاف الهدي، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنه جمع في الإِشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد، والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.
وأجاب المخالفون بأن الإِشارة ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الهدي، والصوم، وأن الإِشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف. وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى
стр. 3092
ومنه قوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي: هذا الكتاب؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإِشارة إليه بإشارة القريب، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:
فإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها ... فعمدًا على عيني تيمَّمتُ مالكًا
أقول له والرُّمح يأطرُ مَتْنه ... تأمَّل خفافًا إنني أنا ذَلِكا
فقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدًا من نفسه. قالوا: واللام تأتي بمعنى علي كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فعليها، وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: على الأذقان. ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:
هتكت له بالرمح جيبَ قميصِه ... فخرَّ صريعًا لليديْن ولِلْفَم
وفي الحديث "واشترطي لهم الولاء".
أو أن المراد: ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية، عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم، ولا يجوز تخصيص هذا العموم إلَّا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لا يجب الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإِشارة إلى الهدي والصوم، لا إلى التمتع كما
стр. 3093
أوضحناه، وأن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل فأحرم منه، والدليل على هذا هو ما قدمناه من إرسال النبي ﷺ عائشة ﵂ مع أخيها لتحرم بعمرتها من التنعيم، وهو نص متفق على صحته. وقول من قال: إن النبي ﷺ أرسلها مع أخيها لتلك العمرة تطييبًا لخاطرها لا تقوم به حجة البتة، لأن النبي ﷺ لا يأمرها بعمرة، وهي نسك وعبادة إلَّا على الوجه المشروع لعامة الناس لاستواء جميع الناس في أحكام التكليف، فعمرتها المذكورة نسك قطعًا، والحالة التي أمر النبي ﷺ بأداء ذلك النسك عليها لا شك أنها مشروعة لجميع الناس إلَّا فيما قام دليل يجب الرجوع إليه بالخصوص، وقصة عمرة عائشة المذكورة لم يثبت فيها دليل على التخصيص. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: اعلم أن من سلك إلى الحرم طريقًا لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدل عليه ما قدمناه في صحيح البخاري من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
الفرع الخامس: قد قدمنا في حديث النسائي أن الجحفة ميقات لأهل مصر، وأهل الشام، وعليه فميقات أهل مصر منصوص، والحديث المذكور قد قدمنا أنه صحيح الإِسناد.
الفرع السادس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام، ومصر مثلًا إذا قدموا المدينة، فميقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها، لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه: هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. وقس على ذلك.
стр. 3094
الفرع السابع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من جاوز ميقاته من المواقيت المذكورة غير محرم، وهو يريد النسك أن عليه دمًا، ودليله في ذلك أثر ابن عباس الذي قدمناه موضحًا: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. قالوا: ومن جاوز الميقات غير محرم، وهو يريد النسك فقد ترك من نسكه شيئًا، وهو الإحرام من الميقات، فيلزمه الدم.
وأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات، ثم رجع إلى الميقات، وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه، لأنه لم يبتدئ إحرامه إلَّا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات، ثم رجع إلى الميقات محرمًا أن عليه دمًا لإِحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزًا للميقات. واللَّه تعالى أعلم.
الفرع الثامن: في الكلام على مفهوم قوله ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه: ممن أراد النسك. ومفهومه صادق بصورتين:
إحداهما: أن يمر إنسان على واحد من هذه المواقيت المذكورة وهو لا يريد النسك، ولا دخول مكة أصلًا كالذي يمر بذي الحليفة قاصدًا الشام أو نجدًا مثلًا. وهذه الصورة لا خلاف في أنه لا يلزمه فيها الإِحرام، وأن مفهوم قوله: ممن أراد النسك دال على أنه لا إحرام عليه في هذه الصورة.
والثانية: هي أن يمر على واحد من هذه المواقيت وهو لا يريد حجًا، ولا عمرة، ولكنه يريد دخول مكة، لقضاء حاجة أخرى.
وهذه الصورة اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض أهل العلم:
стр. 3095
لا يجوز لأحد دخول مكة لغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك. وقال بعضهم. إذا كان دخوله مكة لغرض غير النسك، فلا مانع من دخوله غير محرم، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين أهل العلم.
وقال ابن حجر في فتح الباري في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في هذه المسألة: وقد اختلف العلماء في هذا. فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول: يجب مطلقًا، وفيمن يتكرر منه دخولها خلاف، وهو أولى بعدم الوجوب. والمشهور عن الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر، والزهري، والحسن، وأهل الظاهر. وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة. واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات. وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب. انتهى كلام ابن حجر. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض: أن هذا هو قول أكثر العلماء.
وإذا علمت اختلاف العلماء في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلَّا للمتوددين عليها كثيرًا كالحطابين، وذوي الحاجات المتكررة كالمالكية والحنابلة، ومن وافقهم فقد استدلوا بأدلة:
منها قول بعضهم: إن من نذر دخول مكة لزمه الإِحرام. قالوا: ولو لم يكن واجبًا لم يجب بنذر الدخول، كسائر البلدان.
ومنها: ما رواه البيهقي في سننه: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن
стр. 3096
يوسف الأصباني، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا سعدان بن نصر، ثنا إسحاق الأزرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: لا يدخل مكة أحد من أهلها، ولا من غير أهلها إلَّا بإحرام. ورواه إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس: فواللَّه ما دخلها رسول الله ﷺ إلَّا حاجًا أو معتمرًا. انتهى من البيهقي.
وقال ابن حجر في التلخيص: حديث ابن عباس "لا يدخل أحد مكة إلَّا محرمًا". رواه البيهقي من حديثه، وإسناده جيد، ورواه ابن عدي مرفوعًا من وجهين ضعيفين. ولابن أبي شيبة من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلَّا الحطابين والعمالين، وأصحاب منافعها. وفيه طلحة بن عمرو فيه ضعف. وروى الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء: أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. اهـ منه.
ومنها: أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها.
وأما الذين قالوا بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكًا، فاحتجوا بأدلة.
منها: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر. وإنما أمر النبي ﷺ بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكر الحطابين وغيرهم، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور سابقًا وفيه "هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة" الحديث. ومراد البخاري ﵀ أن مفهوم قوله: ممن أراد الحج والعمرة أن من لم يرد الحج والعمرة لا إحرام عليه ولو دخل مكة.
стр. 3097
وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث وحاصله: أنه خص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة. واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ممن أراد إلحج والعمرة. فمفهومه: أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام. انتهى محل الغرض منه.
ثم قال البخاري ﵀؛ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ "أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه". انتهى منه. فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، دليل على أنه ﷺ دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، كما هو واضح. وحديث أنس هذا أخرجه مالك في الموطأ، وزاد: ولم يكن رسول الله ﷺ يومئذ محرمًا. وأخرجه أيضًا مسلم في صحيحه باللفظ الذي ذكره البخاري في باب جواز دخول مكة بغير إحرام.
وقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد الثقفي، قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري "أن رسول الله ﷺ دخل مكة" وقال قتيبة "دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" وفي رواية قتيبة: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، وفي رواية أخرى عند مسلم عن جابر أيضًا "أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء". وفي رواية عند مسلم من طريق عمرو بن حريث، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ خطب الناس، وعليه عمامة سوداء". وفي لفظ لمسلم، عن عمرو بن
стр. 3098
حريث، عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد ألقى طرفيها بين كتفيه، ولم يقل أبو بكر على المنبر. انتهى منه.
فإن قيل: في بعض هذه الأحاديث الصحيحة: أنه دخل مكة، وعلى رأسه المغفر، وفي بعضها: أنه دخل وعليه عمامة سوداء.
فالجواب: أن العلماء جمعوا بين الروايتين.
قال القاضي عياض: وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله: خطب الناس، وعليه عمامة سوداء؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. وجمع بعض أهل العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، وكانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. انتهى محل الغرض منه من فتح الباري.
وقال ابن حجر في الفتح في قول البخاري: ودخل ابن عمر، وصله مالك ﵀ في الموطأ عن نافع قال: أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إذا كان بقديد - يعني بضم القاف - جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام. اهـ منه، وقد ذكره مالك في الموطأ في جامع الحج بلفظ: جاءه خبر من المدينة يدل عن الفتنة، وباقي اللفظ كما ذكره ابن حجر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا: أن من أراد دخول مكة حرسها الله لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب
стр. 3099
عليه الإِحرام، ولو أحرم كان خيرًا له، لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر، فحديث ابن عباس المتفق عليه: خص فيه النبي ﷺ الإِحرام بمن أراد النسك. وظاهره أن من لم يرد نسكًا فلا إحرام عليه. وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي ﷺ مكة يوم الفتح غير محرم، ودخول ابن عمر غير محرم. والعلم عند الله تعالى.
وأما قول بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم أن دخول مكة بغير إحرام من خصائصه ﷺ ، فهو لا تنهض به حجة، لأن المقرر في الأصول وعلم الحديث أن فعله ﷺ لا يختص حكمه به إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، لأنه هو المشرع لأمته باقواله وأفعاله وتقريره كما هو معلوم.
الفرع التاسع: في حكم تأخير الإِحرام عن الميقات، وتقديمه عليه قد قدمنا أنه لا يجوز تأخير الإِحرام عن الميقات ممن يريد حجًا أو عمرة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقد قدمنا دليله.
وأما ما رواه مالك ﵀ في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵄ أهل من الفرع. ومعلوم أن الفرع وراء ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة، فهو محمول عند أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره، على أنه وصل الفرع وهو لا يريد النسك، فطرأت عليه نية النسك بالفرع، فأهلَّ منه، وهذا متعين؛ لأن ابن عمر ﵄ ممن روى المواقيت عن النبي ﷺ ، فمن المعلوم أنه لا يخالف ما سمعه من رسول الله ﷺ .
وأما الإِحرام من موضع فوق الميقات، فأكثر أهل العلم على جوازه، وحكى غير واحد عليه الاتفاق.
стр. 3100
واختلفوا في الأفضل من الأمرين: وهما الإِحرام من الميقات، أو الإِحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات؟
قال النووي في شرح المهذب: أجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة، فمن بعدهم، على أنه يجوز الإِحرام من الميقات، ومما فوقه، وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال: لا يجوز الإِحرام مما فوق الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه، ويلزمه أن يرجع، ويحرم من الميقات. وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله. انتهى كلام النووي.
وحجة من قال: إن الإِحرام من الميقات أفضل أن النبي ﷺ أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة، وهذا مجمع عليه من أهل العلم، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجماهير العلماء، وأهل الفضل، فترك النبي ﷺ الإِحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، وإحرامه من الميقات دليل واضح، لا شك فيه أن السنَّة هي الإِحرام من الميقات، لا مما فوقه.
واحتج من قال: يكون الإِحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حكيمة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أنها سمعمت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة" شك عبد الله أيّهما قال. قال أبو داود: يرحم الله
стр. 3101
وكيعًا أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة. انتهى من سنن أبي داود.
واحتج أهل هذا القول أيضًا بتفسير عمر، وعلي ﵄ لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
واحتجوا أيضًا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبد الله بن عمر أهل من إيلياء: وهي بيت المقدس.
ورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة ليس بالقوي.
قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث أم سلمة، فرواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وآخرون. وإسناده ليس بالقوي، وبأن تفسير علي وعمر ﵄ للآية، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي ﷺ ، وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج. وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وإحرامه من الميقات مجمع عليه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا هو: الاقتداء بالنبي ﷺ ، والإِحرام من الميقات، فلو كان الإِحرام قبله فيه فضل لفعله ﷺ ، والخير كله في اتباعه ﷺ .
وقال النووي في شرح المهذب - بعد أن بين أن الإِحرام من الميقات أفضل من غيره ما نصه - : فإن قيل: إن النبي ﷺ أحرم من الميقات لبيان جوازه.
فالجواب من أوجه:
أحدها: أنه ﷺ قد بين الجواز بقوله ﷺ : "مهل أهل المدينة من ذي الحليفة".
стр. 3102
الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله ﷺ مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانًا للجواز، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيآت، كما توضأ مرة في بعض الأحوال، وداوم على الثلاث. ونظائر هذا كثيرة. ولم ينقل أنه ﷺ أحرم من المدينة، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.
الثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا. وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته، ولم يوجد ذلك؛ فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي، فيجاب عنه بأربعة أجوبة.
الأول: أن إسناده ليس بقوي.
الثاني: أنه فيه بيان فضيلة الإِحرام من فوق الميقات، وليس فيه أنه أفضل من الميقات. ولا خلاف أن الإِحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف أيهما أفضل.
فإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.
فالجواب: أن فيه زيادة وهي تبيين قدر الفضيلة فيه.
والثالث: أن هذا معارض لفعله ﷺ المتكرر في حجته وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل.
الرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى؛ لأن له مزايا عديدة معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي.
стр. 3103
ولا شك أن مسجد النبي ﷺ أفضل من المسجد الأقصى، بدليل الحديث المتفق عليه "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام" ولا خلاف بين أهل العلم في دخول المسجد الأقصى في هذا العموم، وتفضيل مسجد النبي ﷺ عليه في الجملة، فلو كان فضل المكان سببًا للإِحرام فيه قبل الميقات لأحرم النبي ﷺ في مسجده، لأنه لا يفعل إلَّا ما هو الأفضل والأكمل صلوات الله وسلامه عليه، ولا يخفى أن الاقتداء بالنبي ﷺ أفضل وأكمل من غيره.
الفرع العاشر: في حكم تقديم الإِحرام على ميقاته الزماني الذي هو أشهر الحج التي تقدم بيانها.
اعلم أن جماعة من أهل العلم قالت: لا ينعقد الإِحرام بالحج في غير أشهر الحج، وأكثر من قال بهذا يقولون: إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا حج. وهذا هو مذهب الشافعي.
قال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وطاووس، ومجاهد، وأبو ثور. ونقله الماوردي عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس وأحمد. وقال الأوزاعي: يتحلل بعمرة. وقال ابن عباس: لا يحرم بالحج إلَّا في أشهره. وقال داود: لا ينعقد. وقال النخعي والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يجوز قبل أشهر الحج، ولكن يكره. قالوا: فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف. واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فأخبر أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج، ولأنها عبادة تدخلها النيابة، وتجب الكفارة
стр. 3104
في إفسادها، فلم تخص بوقت كالعمرة؛ ولأن الإِحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه، وهو شوال، فعلم أنه لا يختص بزمان. قالوا: ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان. وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا الزمان. قالوا: وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد لكن اختلفنا، هل ينعقد حجًّا أو عمرةً؟ فلولم ينعقد حجًا لما انعقد عمرة. انتهى محل الغرض من كلام النووي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى؛ لأن الآية ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات هي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت من الغرائب كما ترى.
والتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي ﷺ أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديًا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3105
المسألة الثانية عشرة في التلبية في بيان أول وقتها ووقت انتهائها وفي حكمها وكيفية لفظها ومعناها
أما لفظها: فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، وفي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂، ومسلم من حديث جابر أن النبي ﷺ كان يقول في تلبيته إذا أهل محرمًا: "لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك" ورواية البخاري عن عائشة المذكورة إلى قوله: "إن الحمد والنعمة لك" وقد أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإِحرام بالحج أو العمرة. ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة، على تلبية رسول الله ﷺ ، وحكاه ابن عبد البر، عن مالك قال: وهو أحد قولي الشافعي. انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.
وقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتداء بالنبي ﷺ ، والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو ﷺ يقول: "لتأخذوا عني مناسككم" وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها. والدليل على ذلك من وجهين:
стр. 3106
أحدهما: ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر ﵄ بعد أن ساق حديثه بلفظ تلبية النبي ﷺ المذكورة قال: قال نافع: كان عبد الله ﵁ يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل.
وقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا بعد أن ساق حديثه بتلبية رسول الله ﷺ ، عن ابن عمر، من رواية ابنه سالم ﵁، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات ويقول. لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل. اهـ.
وقال ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبد الله، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه. اهـ.
ومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي ﷺ ، لو كان فيها محذور، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله ﵄.
الوجه الثاني: هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه ما نصه: "فأهل بالتوحيد: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك، وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئًا منه". انتهى محل الغرض من حديث جابر المذكور. وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته ﷺ ، ويقرهم على ذلك، ولم ينكره عليهم كما ترى.
стр. 3107
وأما أول وقتها: فأظهر أقوال أهل العلم فيه: أنه أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه ﷺ أهلَّ حين استوت به راحلته.
قال البخاري في صحيحه: باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أهلّ رسول الله ﷺ حين استوت به راحلته قائمًا.
باب الإِهلال مستقبل القبلة. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄: إذا صلَّى بالغداة بذي الحليفة، أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى بات به، حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله ﷺ فعل ذلك. تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهن، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الخليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعل. انتهى من صحيح البخاري.
فهذه الروايات الصحيحة الثابتة عن ابن عمر ﵄: أنه ﷺ أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا من أن أول وقت الإِحرام عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه
стр. 3108
رضي الله عنه يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون عَلَى رسول الله ﷺ فيها، ما أهل رسول الله ﷺ إلَّا من عند المسجد - يعني ذا الحليفة - . وحدثناه قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم قال: كان ابن عمر ﵄ إذا قيل له: الإِحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، ما أهل رسول الله ﷺ إلَّا من عند الشجرة، حين قام به بعيره. وفي لفظ لابن عمر ﵄ عند مسلم: فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته، وفي لفظ له أيضًا عند مسلم قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة، وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى، ومراد ابن عمر ﵄ بكذبهم على رسول الله ﷺ في الإِحرام من البيداء هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه. . . الحديث، وما رواه البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا، عن أنس بن مالك بلفظ قال: صلَّى رسول الله ﷺ ، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد الله وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما. . . الحديث. ومراد ابن عمر أن النبي ﷺ أهل محرمًا حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل البيداء. ووجه الجمع بين حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وأنس معروف عند أهل الحديث، وهو أنه ﷺ ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم، ثم لما استوت
стр. 3109
به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع.
وقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى استوت به راحلته، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة. ومراد ابن عمر بالإِنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء. وهذا الجمع ذكره ابن حجر، عن أبي داود، والحاكم.
وقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق عَلمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي. قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى منه.
وإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية؛ وأنه وقت انعقاد الإِحرام فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها.
والدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس ﵄، وكان رديف النبي ﷺ في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس: أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة، وقوله في هذا الحديث الصحيح: "حتى بلغ الجمرة"، هو حجة من قال: يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضًا "أن النبي ﷺ لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة"
стр. 3110
وقوله في هذا الحديث: "حتى رمى جمرة العقبة" هو حجة من قال يلبي حتى ينتهي رميه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام: "لبيك اللَّهم لبيك" وجمع هي المزدلفة. وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي ﷺ بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم أيضًا: قال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: "لبيك اللَّهم لبيك" وفي لفظ عنه أيضًا عند مسلم، من رواية عبد الرحمن بن يزيد، والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة هاهنا يقول: "لبيك اللَّهم لبيك" ثم لبى ولبينا معه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: فهذه النصوص الصحيحة تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها، لا الانتهاء منه.
ومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة. فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة؛ لتتابع رمي الحصيات.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: ولابن خزيمة عن الفضل أفضت مع النبي ﷺ ، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: "حتى
стр. 3111
رمى جمرة العقبة" أتم رميها. اهـ. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها.
وإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء التلبية مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، وعن علي، وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة. وهذا قريب من قول سعد وعائشة. وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة. ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. وقد روى مالك ﵀ في الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يلبي بالحج، حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. قطع التلبية. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. اهـ. وروى مالك في الموطأ أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف. وروى في الموطأ أيضًا عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك في العمرة إذا دخل الحرم. اهـ.
والتحقيق أنه لا يقطعها إلَّا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل ابن عباس الثابت في الصحيح على ذلك دلالة واضحة، ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضًا، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنَّة نبيه ﷺ شيء يخالف ذلك. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3112
وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافًا معروفًا. قال ابن حجر في فتح الباري: لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة.
الأول: أنها سنَّة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.
ثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصًا يدل عليه وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنَّة، ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلَّا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج، وإلَّا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم. وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق. وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإِحرام فهو محرم.
رابعها: أنها ركن في الإِحرام لا ينعقد بدونها. حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبير من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظيرة تكبيرة الإِحرام للصلاة،
стр. 3113
ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإِحرام. وهو قول عطاء، أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النووي: عن داود: أنه لا بدَّ من رفع الصوت بها. وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. انتهى من فتح الباري.
وإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي ﷺ لبى كما ذكرنا وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل. أما كونها مسنونة، أو مستحبة، أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه ﷺ . والعلم عند الله تعالى.
وأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب، فلفظة: لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، أي: إجابة لك بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك. وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى. قال: وإنما انقلبت ألفه ياء، لاتصالها بالضمير، كما قلبت ألف لدى، وإلى، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول: لديك، وإليك، وعليك بإبدال الألف ياء. والأظهر قول سيبويه، وجمهور أهل اللغة.
ومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإِضافة للاسم الظاهر، لا الضمير كما في قول الشاعر، وهو أعرابي من بني أسد:
دعوتُ لما نابني مِسورَا ... فلبِّي فلبِّي يدي مسور
стр. 3114
وقال ابن الأنباري: ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك، أي: تحننًا بعد تحنن. وقال القاضي عياض: اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها، فقيل معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي: تواجهها، وقيل: معناها محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه، وقيل معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لب الطعام ولبابه، وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك مأخوذ من قولهم: لبَّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه.
قال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل. وقيل في "لبيك"، أي: قربًا منك، وطاعة، والإِلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع. انتهى كلام عياض، مع تصرف، وحذف يسير بواسطة نقل النووي في شرح مسلم. وما قاله الشيخ عياض ﵀ يدور حوله كلام أهل اللغة في معنى التلبية، وبقية ألفاظ التلبية معانيها ظاهرة.
واعلم أن لفظة لبيك ملازمة للإِضافة لضمير المخاطب، وشذ إضافتها للظاهر كما تقدم قريبًا، وشذَّ أيضًا إضافتها لضمير الغائب كقول الراجز:
إنك لو دعوتني ودوني ... زوراء ذات منزع بيون
لقلت: لبيه لمن يدعوني
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية، لما رواه مالك في الموطأ، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه
стр. 3115
السائب بن خلاد بن سويد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية". اهـ.
ولفظ مالك في موطئه: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإِهلال" يريد أحدهما. وقال الترمذي في هذا الحديث: حديث حسن صحيح.
وجمهور أهل العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب. وذهب الظاهرية إلى أنه للوجوب، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه.
وأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم.
قال مالك في موطئه: إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها. وعلل بعض أهل العلم خفض المرأة صوتها بالتلبية بخوف الافتتان بصوتها.
وقال الرافعي في شرحه الكبير المسمى فتح العزيز في شرح الوجيز: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته. والنساء تقتصرن على إسماع أنفسهن، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.
قال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض أصحابنا. اهـ. وذكر نحوه النووي عن الروياني ثم قال: وكذا قال غيره: لا يحرم، لكن يكره. صرح به
стр. 3116
الدارمي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. ويخفض الخنثى صوته كالمرأة. ذكره صاحب البيان. وهو ظاهر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء، ولا يجوز لها رفعه بحال. ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء وَمفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء، كقول غيلان ذي الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
وعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
فتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء، كالبشرة الناعمة والعينين الحسنتين. وكقول معنب بن أم صاحب:
وفي الخدور لو أن الدار جامعة ... بيض أوانس في أصواتها غنن
فتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن. وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف فيه. وقد قال جل وعلا مخاطبًا لنساء النبي ﷺ وهن خير أسوة لنساء المسلمين: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ لأن تليين الصوت وترخيمه يدك على الاهتمام بالريبة كإبداء غيره من محاسن المرأة للرجال، كما قال الشاعر:
يحسبن من الكلام زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام
الفرع الثاني: اعلم أنه يستحب الإِكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال
стр. 3117
الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال. وعلى هذا أكثر أهل العلم.
قال صاحب المهذب: يستحب أن يكثر من التلبية، ويلبي عند اجتماع الرفاق، وفي كل صعود، وهبوط، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، لما روى جابر ﵁، قال: "كان رسول الله ﷺ يلبي إذا رأى ركبًا، أو صعد أكمة، أو هبط واديًا" وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل. انتهى محل الغرض منه.
ولم يتكلم النووي في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور.
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير في حديث جابر المذكور: هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب، وبيض له النووي، والمنذري. وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال: "كان رسول الله ﷺ يلبي إذا لقي ركبًا" فذكره. وفي إسناده من لا يعرف. وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبًا، ونازلًا، ومضطجعًا.
وروى ابن أبي شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا واديًا، أو علوه، وعند التقاء الرفاق. وعند خيثمة نحوه. وزاد: وإذا استقلت بالرجل راحلته. انتهى من التلخيص.
وقال مالك في الموطأ: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض.
стр. 3118
ويستأنس لحديث جابر المذكور بقول البخاري: باب التلبية إذا انحدر في الوادي. ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس، وفيه قال: "أما موسى كأني أنظر إليه، إذا انحدر في الوادي يلبي" وقال في الفتح في شرح هذا الحديث: وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف القدوم، والسعي بعده. وممن قال: إنه لا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده: مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وممن أجاز التلبية في طواف القدوم: أحمد.
وقال ابن قدامة في المغني: وبه يقول ابن عباس، وعطاء بن السائب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن أبي ليلى، والشافعي. وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت وقال ابن عيينة: ما رأينا أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وذكر أبو الخطاب: أنه لا يلبي، وهو قول للشافعي؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. انتهى محل الغرض من المغني. وقد قدمنا لك أن القول الجديد الأصح من مذهب الشافعي: أنه لا يلبي خلافًا لما يوهمه كلام صاحب المغني. وروى مالك في موطئه عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي، حتى يغدوا من منى إلى عرفات، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك
стр. 3119
التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. انتهى من الموطأ، وروى مالك في الموطأ أيضًا عن ابن شهاب، أنه كان يقول: كان عبد الله بن عمر لا يلبي، وهو يطوف بالبيت. انتهى منه. وقد روي عن ابن عمر أيضًا خلاف هذا، فقد ذكر ابن حجر في التلخيص: أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى.
الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد.
وأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد إلَّا أنه لا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري. ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء خلافًا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحاري، ولا يعجبني أن يلبي في المصر. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه
فمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والصيغة في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ صيغة خبر أريد بها الإِنشاء، أي:
стр. 3120
فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإِنشاء؛ لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدًا، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة. ومنها إظهار تأكيد الإِتيان بالفعل، وإلزام ذلك، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أي: آمنوا باللَّه بدليل جزم الفعل في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية، فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: آمنوا باللَّه، يغفر لكم ذنوبكم كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ الآية ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ الآية، ونحو ذلك. فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية هو إظهار التأكد، واللزوم في الإِتيان بالإِيمان، فعبر عنه بصيغة الخبر، لإِظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية. المراد الأمر بالإِرضاع، والتربص، وقد عبر عنه بصيغة خبرية؛ لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني.
والأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:
أحدهما: مباشرة النساء بالجماع، ومقدماته.
والثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا. ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته. ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجّاج:
ورب أسراب حجيج كظمِ ... عن اللغا ورفث التكلّم
следующие страницы →