← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وقد علمت أنا ناقشناه في كلامه وبيَّنا: أن مالكًا وأصحابه لا يجيزون شد المنطقة والهميان إلَّا تحت الإِزار مباشرًا جلده لخصوص النفقة، وأن شد الهميان فوق الإِزار فيه عندهم الفدية مطلقًا، وكذلك تحت الإِزار لغير حفظ النفقة، وأن الإِمام أحمد تلزم عنده الفدية في شد المنطقة لغير حفظ النفقة، أي: ولو كان لوجع بظهره، وسنتمم الكلام هنا. أما ما ذكره من أن لبس الخاتم لا خلاف في جوازه للمحرم، ففيه نظر أيضًا؛ لأن بعض العلماء يقول بمنع لبس المحرم الخاتم. والخلاف في جواز لبسه ومنعه معروف في مذهب مالك. قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: مشبهًا على ما لا يجوز لبسه للمحرم: "كخاتم" ما نصه قال ابن الحاجب: وفي الخاتم قولان، فحملهما في التوضيح على الجواز والمنع. وقال اللخمي وابن رشد: المعروف من قول مالك منعه؛ لأنه أشبه بالإِحاطة بالإِصبع المحيط، وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس به. . . إلى أن قال: الذي يظهر أن القائل بالمنع يقول بالفدية، والقائل بالجواز يقول بسقوط الفدية. انتهى منه. ثم قال: تنبيه: وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فيجوز لها لبس الخاتم. اهـ. وبما ذكرنا تعلم أن قول النووي: "ولا خلاف في جواز هذا كله" فيه نظر. وأما تقلد حمائل السيف فعند المالكية إن كان لعذر يلجئه إلى ذلك فهو جائز له، ولا فدية فيه، فإن تقلده لغير حاجة فقد قال ابن المواز عن مالك: ينزعه ولا فدية عليه. انتهى بواسطة نقل المواق في كلامه على قول خليل في مختصره: "ولا فدية في سيف

стр. 3187

ولو بلا عذر". اهـ. وظاهر قوله: ينزعه أنه لا يجوز تقلد السيف اختيارًا عنده كما ترى. والعلم عند الله تعالى. وظاهر مذهب الإِمام أحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يتقلد السيف إلَّا لضرورة. وقال الخرقي: ويتقلد بالسيف عند الضرورة. وقال في المغني في شرحه لكلام الخرقي: فأما من غير خوف، فإن أحمد قال: لا إلَّا من ضرورة. انتهى محل الغرض منه. وقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج: باب لبس السلاح للمحرم. وقال عكرمة: إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى، ولم يتابع عليه في الفدية. حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم لا يدخل مكة سلاحًا إلَّا في القراب". اهـ منه. وقوله: ولم يتابع عليه في الفدية. يدل على أنه توبع في لبس السلاح للضرورة؛ لأن معنى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحًا إلّا في القراب، أنه صالح كفار مكة صلح الحديبية، أنه إن دخل معتمرًا عام سبع في ذي القعدة لا يدخل مكة السيوف إلَّا في أغمادها، والقراب غمد السيف، فدل ذلك على جواز دخول المحرم متقلدًا سيفه للخوف من العدو. وقال البخاري في صحيحه في باب عمرة القضاء: حدثني عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل

стр. 3188

مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام" الحديث بطوله. وفيه فكتب "هذا ما قاضى محمد بن عبد الله ﷺ لا يدخل مكة السلاح إلَّا السيف في القراب" الحديث. وفي لفظ للبخاري في كتاب الصلح: "لا يدخل قلة سلاح إلَّا في القراب" وفي لفظ له في كتاب الصلح أيضًا: "ولا يدخلها إلَّا بجلبان السلاح" فسألوه ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه. والجلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة بعدها ألف، ثم نون: هو قراب السيف. ويطلق على أوعية السلاح. ويروى بتسكين اللام، وتخفيف الباء، وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا. وقال صاحب اللسان: والقراب غمد السيف والسكين، ونحوهما، وجمعه قرب، أي: بضمتين. وفي صحاح الجوهري: قراب السيف: جفنه، وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده، وحمالته. اهـ. والقراب ككتاب. ومن جمعه على قرب بضمتين قوله: يا ربّةَ البيت قومي غير صاغرة ... ضُمي إليك رحالَ القوم والقربا يعني: ضمي إليك رحالهم وسلاحهم في أوعيته. وبهذه الأحاديث: استدل بعض أهل العلم على أن الصحابة دخلوا مكة محرمين عام سبع وهم متقلدو سيوفهم في أغمادها، وأن ذلك لعلة خوفهم من المشركين، لأن الكفار لا يوثق بعهودهم. وقد علمت أن بعض أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز إلَّا لضرورة. واللَّه تعالى أعلم. وللمخالف أن يقول: إن الأحاديث المذكورة ليس فيها

стр. 3189

التصريح بأن النبي ﷺ وأصحابه تقلدوها. ويمكن أن يكونوا حملوا السلاح معهم في رحالهم في أوعيته من غير أن يتقلدوه. وعلى هذا الاحتمال فلا حجة في الأحاديث على تقلد المحرم حمائل السيف. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس عشر: قد بينا في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه أنه يمنع من الطيب، وسنذكر إن شاء الله في هذا الفرع ما يلزم في ذلك. اعلم: أن الأئمة الثلاثة: مالكًا، والشافعي، وأحمد: لا فرق عندهم بين أن يطيب جسده كله، أو عضوًا منه، أو أقل من عضو، فكل ذلك عندهم إن فعله قصدًا يأثم به، وتلزمه الفدية. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه الفدية إلَّا إذا طيب عضوًا كاملًا، مثل الرأس، والفخذ، والساق. فإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، وهي عندهم نصف صاع من بر، أو صاع من غيره، كتمر وشعير. وقد قدمنا مرارًا أن مذهب أبي حنيفة: أنه إن فعل المحظور، كاللباس، والتطيب، لا لعذر، فعليه دم، وتجزئه شاة، وإن فعله لعذر فعليه فدية الأذى المذكورة في آية الفدية على التخيير. وإن أكل المحرم طيبًا كثيرًا لزمه الدم عند أبي حنيفة، وقال صاحباه محمد وأبو يوسف: تجب في ذلك الصدقة. وعن محمد أنه إن طيب أقل من عضو لزمه بحسبه من الدم، فإن طيب ثلث العضو فعليه ثلث دم مثلًا. وهكذا. وعن بعض الحنفية أنه إن طيب ربع عضو لزمه الدم كاملًا، كحلق ربع الرأس، فهو عندهم كحلق جميعه. وهذا خلاف المشهور في تطيب بعض العضو عندهم. وظاهر كلامهم أنه لو جعل طيبًا كثيرًا على بعض عضو فليس عليه إلَّا الصدقة. وصحح بعض

стр. 3190

الحنفية أنه إن كان الطيب قليلًا فالعبرة بالعضو، وإن كان كثيرًا فالعبرة بالطيب، وله وجه من النظر. وعن بعض الحنفية أن من مس طيبًا بأصبعه، فأصابها كلها فعليه دم. وعن أبي يوسف إن طيب شاربه كله أو بقدره من لحيته، أو رأسه فعليه دم. وعن بعض الحنفية أنه إن اكتحل بكحل مطيب فعليه صدقة، ومثله الأنف، فإن فعل ذلك مرارًا كثيرة فعليه دم. وفي مناسك الكرماني لو طيب جميع أعضائه فعليه دم واحد، لاتحاد الجنس، ولو كان الطيب في أعضاء متفرقة يجمع ذلك كله، فإن بلغ عضوًا فعليه دمٍ، وإلَّا فصدقة، ولو شم طيبًا فليس عليه شيء، وإن دخل بيتًا مجمرًا فليس عليه شيء، وإن أجمر ثوبه، فإن تعلق به كثيرًا، فعليه دم، وإلَّا فصدقة. اهـ. من تبيين الحقائق. وقال بعض الحنفية: إن طيب أعضاءه كلها في مجلس واحد فعليه دم واحد كما تقدم، وإن كان ذلك في مجلسين مختلفين، فعليه لكل واحد دم في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أولم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول، فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد، والاختلاف كالاختلاف في الجماع. اهـ. وأظهرها عندي قول محمد. والحناء عندهم طيب، فلو خضب رأسه بالحناء لزمه الدم. واستدلوا بحديث الحناء طيب. قالوا: رواه البيهقي. وسيأتي ما يدل على أن البيهقي رواه في المعرفة. وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقد روى البيهقي عن عائشة مرفوعًا = ما يدل على أن الحناء ليست بطيب. والعلم عند الله تعالى. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الطيب للمحرم. وأما مذهب مالك في الطيب للمحرم فحاصله: أن الطيب

стр. 3191

عندهم نوعان: مذكر ومؤنث، أما المذكر فهو ما يظهر ريحه، ويخفى أثره: كالريحان، والياسمين، والورد، والبنفسج ونحو ذلك. وأما المؤنث: فهو ما يظهر ريحه، ويبقى أثره: كالمسك، والورس، والزعفران، والكافور، والعنبر، والعود ونحو ذلك. فأما المذكر فيكره شمه والتطيب به، ولا فدية في مسه، والتطيب به. ولو غسل يديه بماء الورد فلا فدية عليه عندهم في ذلك؛ لأنه من الطيب المذكر، خلافًا لابن فرحون في مناسكه حيث قال: إن ماء الورد فيه الفدية؛ لأن أثره يبقى. وممن قال بأن الطيب المذكر لا فدية في استعماله: عثمان بن عفان، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. وأما ما ينبت في الأرض من النبات الطيب الريح ولا يقصد التطيب به، كالشيح، والقيصوم، والزنجبيل، والإِذخر، فلا فدية فيه عندهم، فهو كريح الفواكه الطيبة كالتفاح والليمون، والأترج وسائر الفواكه. وبعض أهل العلم يكره شمه للمحرم، وإن خضب رأسه أو لحيته بحناء، أو خضبت المرأة رأسها، أو رجليها، أو طرف أصابعها بحناء فالفدية عندهم واجبة في ذلك. وأما مؤنث الطيب: كالمسك، والورس، والزعفران، فإن التطيب به عندهم حرام، وفيه الفدية. ومعنى التطيب بالطيب عنده: إلصاقه بالثوب، أو باليد وغيرها من الأعضاء، ونحو ذلك، فإن علق به ريح الطيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطار، أو في بيت تجمر ساكنوه، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطار، أو البيت الذي تجمر ساكنوه. هذا هو مشهور مذهب مالك. وإن مس الطيب المؤنث افتدى عندهم، وجد ريحه أو لا، لصق به أو لا، ويكره شم الطيب عندهم مطلقًا.

стр. 3192

وأظهر أقوال علماء المالكية في الثوب المصبوغ بالورس، والزعفوان إذا تقادم عهده، وطال زمنه حتى ذهبت ريحه بالكلية أنه مكروه للمحرم ما دام لون الصبغ باقيًا، ولكنه لا فدية فيه؛ لانقطاع ريحه بالكلية. وأقيس الأقوال أنه يجوز مطلقًا؛ لأن الرائحة الطيبة التي منع من أجلها زالت بالكلية. والعلم عند الله تعالى. وإن اكتحل عندهم بما فيه طيب فالفدية ولو لضرورة مع الجواز للضرورة، وبما لا طيب فيه فهو جائز للضرورة ولغيرها، فثلاثة أقوال مشهورها: وجوب الفدية على الرجل، والمرأة معًا، وقيل: لا تجب عليهما، وقيل: تجب على المرأة دون الرجل. وحاصل مذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة: أن النبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب: أحدها: ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه، كنبات الصحراء من الشيح، والقيصوم، والخزامي، والفواكه كلها من الأترج، والتفاح وغيره، وما ينبته الآدميون لغير قضد الطيب، كالحناء والعصفر، وهذا النوع مباح شمه في مذهب الإِمام أحمد، ولا فدية فيه. قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا إلَّا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئًا من نبات الأرض من الشيح والقيصوم وغيرهما قال: ولا نعلم أحدًا أوجب في ذلك شيئًا، فإنه لا يقصد للطيب، ولا يتخذ منه فأشبه سائر نبات الأرض. وقد روي أن أزواج رسول الله ﷺ كنّ يحرمن في المعصفرات. النوع الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه

стр. 3193

طيب، كالريحان، والنرجس، ونحو ذلك، وفي هذا النوع للحنابلة وجهان: أحدهما: يباح بغير فدية كالذي قبله. قال في المغني: وبه قال عثمان بن عفان، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. والوجه الثاني: يحرم شمه، فإن فعل فعليه الفدية. قال في المغني: وهو قول جابر، وابن عمر، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنه يتخذ للطيب فأشبه الورد. وكرهه مالك، وأصحاب الرأي، ولم يوجبوا فيه شيئًا، وكلام أحمد فيه محتمل لهذا، فإنه قال في الريحان: ليس من آلة المحرم، ولم يذكر فديته، وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب، فأشبه العصفر. اهـ من المغني. والنوع الثالث عندهم: هو ما ينبت للطيب، ويتخذ منه طيب كالورد، والبنفسج، والياسمين، ونحو ذلك. وهذا النوع إذا استعمله، وشمه ففيه الفدية عندهم؛ لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذلك في أصله. وعن أحمد رواية أخرى في الورد أنه لا فدية عليه في شمه؛ لأنه زهر كزهر سائر الشجر. قال في المغني: وذكر أبو الخطاب في هذا، والذي قبله روايتين والأولى: تحريمه؛ لأنه ينبت للطيب، ويتخذ منه، فأشبه الزعفران والعنبر. قال القاضي يقال: إن العنبر ثمر شجر وكذلك الكافور. اهـ من المغني. وفي المغني أيضًا: وإن مس من الطيب ما يعلق بيده كالغالية، وماء الورد، والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية؛

стр. 3194

لأنه مستعمل للطيب، وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق، وقطع الكافور، والعنبر فلا فدية، لأنه غير مستعمل للطيب، فإن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا، وإن شم العود فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا. اهـ من المغني. وقال في المغني أيضًا: فكل ما صبغ بزعفران، أو ورس، أو غمس في ماء ورد، أو بخر بعود، فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه، ولا النوم عليه. نص أحمد عليه، وذلك لأنه استعمال له، فأشبه لبسه، ومتى لبسه أو استعمله فعليه الفدية. وبذلك قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان رطبًا يلي بدنه أو يابسًا ينفض فعليه الفدية، وإلَّا فلا؛ لأنه ليس بمتطيب. ثم قال صاحب المغني: وإن انقطعت رائحة الثوب، لطول الزمن عليه، أو لكونه صبغ بغيره فغلب عليه بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء فلا بأس باستعماله؛ لزوال الطيب منه. وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، وكره ذلك مالك إلَّا أن يغسل، ويذهب. لونه؛ لأن عين الزعفران ونحوه فيه. ثم قال: فأما إن لم يكن له رائحة في الحال لكن كان بحيمسا إذا رش فيه الماء فاح ريحه ففيه الفدية؛ لأنه متطيب بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء فيه. والماء لا رائحة له، وإنما هي من الصبغ الذي فيه. فأما إن فرش فوق الثوب ثوبًا صفيقًا يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية عليه بالجلوس، والنوم عليه، وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه ففيه الفدية، لأنه يمنع من استعمال الطيب في الثوب الذي عليه كمنعه من استعماله في بدنه. اهـ من المغني.

стр. 3195

وأما العصفر: فليس عندهم بطيب، ولا بأس باستعماله، وشمه، ولا بما صبغ به. قال في المغني: وهذا قول جابر، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب. وهو مذهب الشافعي. وعن عائشة وأسماء، وأزواج النبي ﷺ أنهن كن يحرمن في المعصفرات. وكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه، ولم يوجب فيه فدية. ومنع منه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس، والمزعفر؛ لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك. اهـ. والأظهر: أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم، ولا غيره للمعصفر. وقد قدمنا فيه حديث ابن عمر، عند أبي داود "أن النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز" الحديث. وهو صريح في أن العصفر ليس بطيب. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان أزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهنَّ محرمات. قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن عطاء. وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. اهـ. وسيأتي ما يدل على منع لبس المعصفر مطلقًا. وقال صاحب المغني أيضًا: ولا بأس بالمصبوغ بالمغرة؛ لأنه مصبوغ بطين لا بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر الأصباغ سوى ما ذكرنا؛ لأن الأصل الإِباحة إلّا ما ورد الشرع بتحريمه، وما كان في

стр. 3196

معناه، وليس هذا كذلك. وأما المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم من استعماله منع من لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته، وإلَّا فلا. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب الإِمام أحمد في الطيب للمحرم، ولا فرق عنده بين قليل الطيب وكثيره، ولا بين قليل اللبس وكثيره، كما تقدم إلَّا أنه يفرق بين تعمد استعمال الطيب، واللبس وبين استعماله لذلك ناسيًا، فإن فعله متعمدًا أثم وعليه الفدية، وإزالة الطيب، واللباس فورًا، وإن تطيب، أو لبس ناسيًا فلا فدية عليه، ويخلع اللباس، ويغسل الطيب. قال ابن قدامة في المغني: المشهور أن المتطيب ناسيًا، أو جاهلًا لا فدية عليه، وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه. ثم ذكر أن الذي يستوي عمده ونسيانه في لزوم الكفارة ثلاثة أشياء: وهي الجماع، وقتل الصيد، وحلق الرأس، وأن كل ما سوى هذه الثلاثة يفرق بين العمد والنسيان. وذكر أن الإِمام أحمد نقل عن سفيان أن الثلاثة المذكورة يستوي عمدها ونسيانها في لزوم الكفارة. وقال في المغني: ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس؛ لأنه فعل محظورًا، فيلزمه إزالته، وقطع استدامته كسائر المحظورات، والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال؛ لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه. ويجوز أن يليه بنفسه، ولا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ قال للذي رأى عليه طيبًا أو خلوقًا: "اغسل عنك الطيب" ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به مسحه بخرقة، أو حكه بتراب، أو ورق أو حشيش؛ لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة، وهذا نهاية قدرته ثم قال: وإذا احتاج إلى الوضوء، وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي

стр. 3197

إلَّا أحدهما قدم غسل الطيب، ويتيمم للحدث؛ لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب، وفي ترك الوضوء إلى التيمم رخصة. فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل، وتوضأ، فإن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء، والوضوء بخلافه. اهـ منه. وهذا خلاصة المذهب الحنبلي في مسألة الطيب للمحرم. ومذهب الشافعي في هذه المسألة: أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب، ولا فرق عنده بين القليل والكثير، واستعمال الطيب عنده: هو أن يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب. فلو طيب جزءًا من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق، أو ماء ورد لزمته الفدية، سواء كان الإِلصاق بظاهر البدن، أو باطنه، فإن أكله أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل أو لطخ به رأسه، أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم، ولزمته الفدية، ولا خلاف عندهم في شيء من ذلك إلَّا الحقنة والسعوط، ففيهما وجه ضعيف أنه لا فدية فيهما. ومشور مذهب الشافعي: وجوب الفدية فيهما، ولو لبس ثوبًا مبخرًا بالطيب، أو ثوبًا مصبوغًا بالطيب، أو علق بنعله طيب، لزمته الفدية عند الشافعية ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة، وهي تبخر، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية عليه بلا خلاف. ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة، لم يكره، وإن قصده لاشتمامها ففي كراهته قولان للشافعي: أصحهما: يكره، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وآخرون، وهو نصه في الإِملاء. والثاني: لا يكره، وقطع القاضي حسين بالكراهة، وقال: إنما القولان في وجوب الفدية، والمذهب الأول، وبه قطع الأكثرون. قاله النووي، ثم قال:

стр. 3198

ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية بلا خلاف؛ لأنه يعد استعمالًا للطيب، ولو مس طيبًا يابسًا كالمسك والكافور، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية بلا خلاف؛ لأن استعماله هكذا يكون، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه، لكن عبقت به الرائحة، ففي وجوب الفدية قولان: الأصح عند الأكثرين وهو نصه في الأوسط: لا تجب، لأنها عن مجاورة، فأشبه من قعد عند الكعبة، وهو تبخر، والثاني: تجب. وصححه القاضي أبو الطيب. وهو نصه في الأم والإِملاء والقديم؛ لأنها عن مباشرة، وإن ظن أن الطيب يابس فمسه، فعلق بيده ففي الفدية عند الشافعية قولان: أصحهما: لا تجب عليه الفدية، خلافًا لإِمام الحرمين. وأما إن مس الطيب، وهو عالم بأنه رطب وكان قاصدًا مسه، فعلق بيده، فعليه فدية عندهم، ولو شد مسكًا أو كافورًا، أو عنبرًا في طرف ثوبه أو جبته: وجبت الفدية عندهم قطعًا؛ لأنه استعمال له، ولو شد العود فلا فدية؛ لأنه لا يعد تطيبًا، بخلاف شد المسك، ولو شم الورد فقد تطيب عندهم، بخلاف ما لو شم ماء الورد، فإنه لا يكون متطيبًا عندهم، بل استعمال ماء الورد عندهم هو أن يصبه على بدنه أو ثوبه ولو حمل مسكًا، أو طيبًا غيره في كيس، أو خرقة مشدودًا، أو قارورة مصممة الرأس، أو حمل الورد في وعاء فلا فدية عليه. نص عليه في الأم، وقطع به الجمهور. وفيه وجه شاذ: أنه إن كان يشمه قصدًا لزمته الفدية، ولو حمل مسكًا في قارورة غير مشقوقة فلا فدية في أصح الوجهين. ولو كانت القارورة مشقوقة، أو مفتوحة الرأس، فعن جماعة من الأصحاب الشافعيين تجب الفدية. وخالف الرافعي قائلًا: إن ذلك لا يعد تطيبًا. ولو جلس على فراش مطيب

стр. 3199

أو أرض مطيبة، أو نام عليها مفضيًا إليها ببدنه، أو ملبوسه لزمته الفدية عندهم. ولو فرش فوقه ثوبًا، ثم جلس عليه، أو نام لم تجب الفدية. نص عليه الشافعي في الأم. واتفق عليه الأصحاب، لكن إن كان الثوب رقيقًا كره، وإلَّا فلا. ولو داس بنعله طيبًا لزمته الفدية، وإن خفيت رائحة الطيب في الثوب لطول الزمان، فإن كانت تفوح عند رشه بالماء حرم استعماله، وإن بقي لون الطيب دون ريحه، لم يحرم على أصح الوجهين. ولو صب ماء ورد في ماء كثير، حتى ذهب ريحه ولونه لم تجب الفدية باستعماله في أصح الوجهين. فلو ذهبت الرائحة وبقي اللون، أو الطعم فحكمه عندهم حكم من أكل طعامًا فيه زعفران أو طيب. وذلك أن الطيب إن استهلك في الطعام، حتى ذهب لونه، وريحه وطعمه فلا فدية. ولا خلاف في ذلك عندهم، وإن ظهر لونه وطعمه وريحه، وجبت الفدية بلا خلاف. وإن بقيت الرائحة فقط وجبت الفدية لأنه يعد طيبًا. وإن بقي اللون وحده، فطريقان مشهوران أصحهما: أن فيه قولين الأصح منهما: أنه لا فدية فيه، وهو نص الشافعي في الأم والإِملاء والقديم. الثاني: تجب الفدية، وهو نصه في الأوسط. والطريق الثاني: أنه لا فدية فيه قطعًا، وإن بقي الطعم وحده ففيه عندهم ثلاث طرق أصحها: وجوب الفدية قطعًا كالرائحة. والثاني: فيه طريقان بلزومها وعدمه، والثالث: لا فدية. وهذا ضعيف أو غلط. وحكى بعض الشافعية طريقًا رابعًا: وهو أنه لا فدية قطعًا. ولو كان المحرم أخشم لا يجد رائحة الطيب، واستعمل الطيب لزمته الفدية عندهم بلا خلاف لأنه وجد منه استعمال الطيب مع علمه بتحريم الطيب على المحرم فوجبت الفدية وإن لم ينتفع به، كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها من

стр. 3200

شعوره التي لا ينفعه نتفها. قال النووي: وممن صرح بهذا المتولي، وصاحب العدة، والبيان. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لزوم الفدية للأخشم الذي لا يجد ريح الطيب إذا استعمل الطيب مبني على قاعدة هي: أن المعلل بالمظان لا يتخلف بتخلف حكمته؛ لأن مناط الحكم مظنة وجود حكمة العلة، فلو تخلفت في صورة لم يمنع ذلك من لزوم الحكم، كمن كان منزله على البحر، وقطع مسافة القصر في لحظة في سفينة، فإنه يباح له قصر الصلاة والفطر في رمضان بسفره هذا الذي لا مشقة فيه؛ لأن الحكم الذي هو الرخصة علق بمظنة المشقة في الغالب، وهو سفر أربعة برد مثلًا، والمعلل بالمظان لا تتخلف أحكامه بتخلف حكمها في بعض الصور، كما عقده بعض أهل العلم بقوله: إن علل الحكم بعلة غلب ... وجودها اكتفى بذا عن الطلب لها بكل صورة. . . إلخ وإيضاحه: أن الغالب كون الإِنسان يجد ريح الطيب، فأنيط الحكم بالأغلب الذي هو وجوده ريح الطيب، فلو خلفت الحكمة في الأخشم الذي لا يجد ريح الطيب لم يتخلف الحكم لإِناطته بالمظنة. وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من أمثلتها في غير هذا الموضع. وقد تقرر في الأصول: أن وجود الحكم مع تخلف حكمته من أنواع القادح المسمى بالكسر. وقد أشار إلى ذلك صاحب المراقي بقوله في مبحث القوادح: والكسر قادح ومنه ذكرا ... تخلف الحكمة عنه من درا

стр. 3201

وهذا الذي قورنا في مسألة الأخشم مبني على القول بأن الكسر بتخلف الحكمة عن حكمها لا يقدح في المعلل بالمظان، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. واعلم: أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول: هي الفائدة التي صار بسببها الوصف علة للحكم، فتحريم الخمر مثلًا حكم، والإِسكار هو علة هذا الحكم، والمحافظة على العقل من الاختلال: هي الحكمة التي من أجلها صار الإِسكار علة لتحريم الخمر. وقد عرف صاحب المراقي الحكمة بقوله: وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كل من درى وعلة الرخصة بقصر الصلاة والإِفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة التي صار السفر علة بسببها: هي تخفيف المشقة على المسافر مثلًا، وهكذا. واعلم: أن علماء الشافعية قالوا: إنه يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه التطيب، واتخاذ الطيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض. هذا ضابطه عندهم. ثم فصلوه فقالوا: الأصل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والعود، والصندل، والذريرة. وهذا كله لا خلاف فيه عندهم. قالوا: والكافور صمغ شجر معروف. وأما النبات الذي له رائحة فأنواع: منها: ما يطلب للتطيب، واتخاذ الطيب منه كالورد، والياسمين، والخيري، والزعفران، والورس ونحوها، فكل هذا

стр. 3202

طيب. وعن الرافعي وجه شاذ في الورد والياسمين والخيري: أنها ليست طيبًا والمذهب الأول. ومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالبًا، كالقرنفل والدارصيني، والفلفل، والمصطكى، والسنبل وسائر الفواكه، كل هذا وشبهه ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه سواء قليله وكثيره، ولا خلاف عند الشافعية في شيء من هذا إلَّا القرنفل، ففيه وجهان عندهم. والصحيح المشهور أنه ليس بطيب عندهم. ومنها: ما ينبت بنفسه، ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح، والمشمش، والكمثرى، والسفرجل، وكالشيح، والقيصوم، وشقائق النعمان، والإِذخر، والخزامى، وسائر أزهار البراري، فكل هذا ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه، وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه بلا خلاف ومنها: ما يتطيب به، ولا يتخذ منه الطيب: كالنرجس، والآس، وسائر الرياحين. وفي هذا النوع عند الشافعية طريقان. أحدهما: أنه طيب قولًا واحدًا. والطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور عندهم: أن فيه قولين مشهورين، الصحيح منهما - وهو قوله الجديد - أنه طيب موجب للفدية. القول الثاني وهو القديم: أنه ليس بطيب، ولا فدية فيه. اهـ. والحناء والعصفر ليسا بطيب عند الشافعية بلا خلاف على التحقيق، خلافًا لمن زعم خلافًا عندهم في الحناء. واعلم: أن الأدهان عند الشافعية ضربان: أحدهما: دهن ليس

стр. 3203

بطيب، ولا فيه طيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، والزبد، ودهن الجوز، واللوز ونحوها. فهذا لا يحرم استعماله في جميع البدن، ولا فدية فيه، إلَّا في الرأس، واللحية، فيحرم عندهم استعماله فيهما بلا خلاف، وفيه: الفدية؛ لأنه إزالة للشعث إن كان في الرأس واللحية، فإن كان أصلع لا ينبت الشعر في رأسه فدهن رأسه، أو أمرد فدهن ذقنه فلا فدية عندهم في ذلك بلا خلاف، وإن كان محلوق الرأس فدهنه بما ذكر، ففيه عندهم وجهان: أصحهما: وجوب الفدية بناء على أن الشعر إن نبت جمّله ذلك الدهن، الذي جعل عليه وهو محلوق. والوجه الثاني: لا فدية؛ لأنه لا يزول به شعث. واختاره المزني وغيره. ولو كان برأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من غير أن يمس شعر رأسه فلا فدية بلا خلاف. ولو طلى شعر رأسه ولحيته بلبن جاز ولا فدية وإن كان اللبن يستخرج منه السمن؛ لأنه ليس بدهن، ولا يحصل به ترجيل الشعر، والشحم، والشمع عندهم إذا أذيبا كالدهن يحرم على المحرم ترجيل شعره بهما. الضرب الثاني: دهن هو طيب، ومنه: دهن الورد، والمذهب عندهم وجوب الفدية فيه. وقيل فيه وجهان. ومنه دهن البنفسج، فعلى القول بأن نفس البنفسج لا فدية فيه، فدهنه أولى، وعلى أن فيه الفدية، فدهنه كدهن الورد. والأدهان كثيرة، وخلاف العلماء فيها من الخلاف في تحقيق المناط كدهن البان والزنبق، وهو دهن الياسمين، والكاذي وهو دهن، ونبت طيب الرائحة، والخيري وهو معرب، وهو نبت طيب الرائحة، ويقال للنحاسي: خيري البر. ومذهب الشافعي: أن الأدهان المذكورة، ونحوها طيب، تجب باستعماله الفدية.

стр. 3204

واعلم: أن محل وجوب الفدية عند الشافعية في الطيب: إذا كان استعمله عامدًا، فإن كان ناسيًا أو ألقته الريح عليه لزمته المبادرة بإزالته بما يقطع ريحه. وكون الأولى أن يستعين في غسله بحلال، وتقديمه غسله على الوضوء إن لم يكف الماء إلَّا أحدهما عند الشافعية موافق لما قدمنا عن الحنابلة، بخلاف غسل النجاسة، فهو مقدم عندهم على غسل الطيب. ولو لصق بالمحرم طيب يوجب الفدية لزمه المبادرة إلى إزإلته، فإن أخره عصى. ولا تتكرر به الفدية والاكتحال عندهم بما فيه طيب حرام، فإن احتاج إليه اكتحل به ولزمته الفدية. وأما الاكتحال بما لا طيب فيه، فإن كان فيه زينة كره عندهم، كالإِثمد، وإن كان بما لا زينة فيه كالتوتيا الأبيض فلا كراهة. وقال النووي بعد أن ذكر الإِجماع على تحريم الطيب للمحرم: ومذهبنا أنه لا فرق بين أن يتبخر، أو يجعله في ثوبه، أو بدنه، وسواء كان الثوب مما ينغض الطيب، أم لم يكن. قال العبدري: وبه قال أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود، والند، ولا يجوز أن يجعل شيئًا من الطيب في بدنه، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه، فإن جعله في باطنه، وكان الثوب لا ينغض، فلا شيء عليه، وإن كان ينغض لزمته الفدية. اهـ منه. والظاهر المنع مطلقًا لصريح الحديث الصحيح في النهي عن ثوب مسه ورس، أو زعفران، وكل هذه الصور يصدق فيها: أنه مسه ورس أو زعفران. وغيرهما من أنواع الطيب حكمه كحكمهما، كما

стр. 3205

أوضحنا الأحاديث الدالة عليه في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه، وكذلك المتبخر بالعود متطيب عرفًا. والأحاديث دالة على اجتناب المحرم للطيب كما تقدم. والعلم عند الله تعالى. وقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا: أن الزيت، والشيرج، والسمن، والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته. وقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته. وقال مالك: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة كالوجه، واليدين، والرجلين، ويجوز دهن الباطنة، وهي ما يوارى باللباس. وقال أبو حنيفة كقولنا في السمن والزبد، وخالفنا في الزيت والشيرج فقال: يحرم استعمالها في الرأس والبدن. وقال أحمد: إن ادهن بزيت أو شيرج فلا فدية في أصح الروايتين، سواء دهن يديه أو رأسه. وقال داود: يجوز دهن رأسه، ولحيته، وبدنه بدهن غير مطيب. وحجة من قال بهذا حديث جاء بذلك: فقد قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو سعيد بن أبي عمرو قراءة عليهما، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاء قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنبأ

стр. 3206

أبو سلمة الخزاعي، أنبأ حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم" يعني غير مطيب، لم يذكر ابن يوسف تفسيره. قال الإِمام أحمد: ورواه الأسود بن عامر شاذان، عن حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد، عن ابن عمر فذكره من غير تفسير. اهـ منه. ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر ﵁: أنه مرَّ عليه قوم محرمون، وقد تشققت أرجلهم فقال: ادهنوها. وفرقد المذكور في سند هذا الحديث، وهو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبخاء معجمة: أبو يعقوب البصري، وهو معروف بالزهد والعبادة، ولكنه ضعفه غير واحد. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق عابد، لكنه ليَّن الحديث كثير الخطأ. وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث فرقد السبخي الزاهد ﵀، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم" رواه الترمذي والبيهقي، وهو ضعيف. وفرقد غير قوي عند المحدثين. قال الترمذي: هو ضعيف غريب، لا يعرف إلَّا من حديث فرقد، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد. وقوله: غير مقتت، أي: غير مطيب. انتهى محل الغرض منه. وفي القاموس: وزيت مقتت طبخ بالرياحين، أو خلط بأدهان طيبة. واحتجاج الشافعية بهذا الحديث الذي ذكرنا على جواز دهن جميع البدن غير الرأس واللحية بالزيت والسمن ونحوهما فيه أمران:

стр. 3207

الأول: أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، لضعف فرقد المذكور. والثاني: أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس واللحية وبين سائر البدن؛ لأن الادهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس واللحية. اهـ. وحجة من منع الادهان بغير الطيب؛ لأنه يزيل الشعث الحديث الذي فيه "انظروا إلى عبادي جاءوا شعثًا غبرًا" وهو مشهور، وفيه دليل على أنه لا ينبغي إزالة الشعث، ولا التنظيف. واللَّه أعلم. وقال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن. قال: وأجمع عوام أهل العلم على أنه له دهن بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن. قال: وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث استعمال الطيب في جميع بدنه. وقال النووي أيضًا: الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق، ولا فدية، وبه قال مالك، وأحمد وداود. وقد قدمنا أن الخضاب بالحناء يوجب الفدية عند المالكية. ثم قال النووي: وقال أبو حنيفة: هو طيب يوجب الفدية، وإذا لبس ثوبًا معصفرًا فلا فدية. والعصفر ليس بطيب. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وداود. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل ابن أبي طالب، وعائشة، وأسماء، وعطاء. قال: وكرهه عمر بن الخطاب. وممن تبعه الثوري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن نفض على البدن: وجبت الفدية، وإلَّا وجبت صدقة. انتهى محل الغرض منه.

стр. 3208

وقال النووي أيضًا: ذكرنا أن مذهبنا في تحريم الرياحين قولان: الأصح تحريمها، ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر، وجابر، والثوري، ومالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة، إلَّا أن مالكًا، وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية. قال ابن المنذر: واختلف في الفدية، عن عطاء، وأحمد. وممن جوزه وقال: هو حلال لا فدية فيه عثمان، وابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وإسحاق. قال العبدري: وهو قول أكثر الفقهاء. وقال النووي أيضًا: قد ذكرنا أن مذهبنا: جواز جلوس المحرم عند العطار، ولا فدية فيه. وبه قال ابن المنذر. قال: وأوجب عطاء فيه الفدية، وكره ذلك مالك. انتهى منه. واعلم: أن المحرم عند الشافعية إذا فعل شيئًا من محظورات الإِحرام ناسيًا أو جاهلًا، فإن كان إتلافًا كقتل الصيد والحلق والقلم، فالمذهب وجوب الفدية، وفيه خلاف ضعيف. وإن كان استمتاعًا محضًا كالتطيب، واللباس، ودهن الرأس، واللحية، والقبلة، وسائر مقدمات الجماع فلا فدية، وإن جامع ناسيًا أو جاهلًا فلا فدية في الأصح أيضًا. قال النووي: وبهذا قال عطاء، والثوري، وإسحاق وداود. وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، وقاسوه على قتل الصيد. وقد قدمنا حكم المجامع ناسيًا وأقوال الأئمة فيه. هذا هو حاصل كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ومنهم الأئمة الأربعة في مسألة الطيب. وقد علمت من النقول التي ذكرنا عن الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه.

стр. 3209

واعلم: أنهم مجمعون على منع الطيب للمحرم في الجملة إلَّا أنهم اختلفوا في أشياء كثيرة اختلافًا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فيقول بعضهم مثلًا: الريحان والياسمين، كلاهما طيب فمناط تحريمها على المحرم موجود، وهو كونهما طيبًا، فيخالفه الآخر، ويقول: مناط التحريم ليس موجودًا فيهما؛ لأنهما لا يتخذ منهما الطيب، فليسا بطيب. وهكذا. واعلم: أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنَّة على أن من استعمل الطيب، وهو محرم يلزمه فدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه إن وقع لعذر في آية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وأظهر أقوال أهل العلم: أن الفدية اللازمة كفدية الأذى، وهي على التخيير المذكور في الآية؛ لأنها هي حكم الأصل المقيس عليه، والمقرر في الأصول أنه لا بدَّ من اتفاق الفرع المقيس، والأصل المقيس عليه في الحكم، وذلك هو مذهب أبي حنيفة إن كان التطيب، أو اللبس لعذر؛ لأن الآية نزلت في العذر وقد قدمنا أنه هو الصحيح من مذهب الشافعي مطلقًا كان لعذر أو غيره، وهو أيضًا مذهب مالك وأحمد. فتحصل: أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقون على أن فدية الطيب، وتغطية الرأس، واللبس، وتقليم الأظافر، كفدية حلق الرأس المنصوصة في آية الفدية. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى. وقدمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب الصحيح المشهور عند الأربعة. وقد بينا أنه مقتضى الأصول، لوجوب

стр. 3210

اتفاق الأصل والفرع في الحكم. والعلم عند الله تعالى. تنبيهان (١) الأول: في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص، وتفصيل ذلك. فمن ذلك المُعَصفر، وقد رأيت في النقول التي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم بأنه ليس بطيب، وأنه لا بأس بلبس المحرم له. وقد قدمنا فيه حديث أبي داود المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له وهن محرمات، وفيه ابن إسحاق، وقد صرَّح فيه بالسماع، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه. والظاهر بحسب الدليل: أن المعصفر لا يجوز لبسه وإن جوزه كثير من أجلَّاء العلماء من الصحابة، ومن بعدهم؛ لأن السنَّة الثابتة عن النبي ﷺ أحق بالاتباع. وقد قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث أن ابن معدان أخبره أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره قال: "رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها". اهـ. وابن معدان المذكور: هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم بعد الحديث المذكور مباشرةً، وفي لفظ لمسلم بإسنادٍ غير الأول، عن عبد الله بن عمرو قال: "رأى النبي ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما". وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى،

стр. 3211

قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ "أن رسول الله ﷺ : نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع" وفي لفظ لمسلم، عن علي ﵁ "نهاني النبي ﷺ عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب، والمعصفر" وفي لفظ لمسلم عنه أيضًا ﵁ "نهاني رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر". اهـ منه. فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره عن صحابيين جليلين، وهما علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، صريح في منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو "إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما" صريح في منع لبسهما؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول، ويؤيد ذلك هنا أنه رتب النهي عنها على أنها من ثياب الكفار. وهذا دليل واضح على منع لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره. وكذلك قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: "بل أحرقهما" فهو دليل واضح على منع لبسهما؛ لأن لبس الجائز لبسه لا يستوجب الإِحراق بحال، فهو نص في منع المعصفر مطلقًا. وقول علي ﵁ "نهى رسول الله ﷺ عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب" الحديث دليل أيضًا على منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن النهي يقتضي التحريم إلّا لدليل صارف عنه، وليس موجودًا. ويؤيده أنه قرنه بالتختم بالذهب، وهو ممنوع. وما زعمه بعض أهل العلم من أن رواية علي المذكورة آنفًا في مسلم "نهاني رسول الله ﷺ " تدل على

стр. 3212

اختصاص هذا الحكم بعلي؛ لأنه قال: نهاني بياء المتكلم في الرواية المذكورة، مردود من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ﷺ بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم، حيث قال لعبد الله: "إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها" وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم بعلي ﵁. الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح مسلم، عن علي ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القسي، والمعصفر وعن تختم الذهب" بحذف مفعول نهى، وحذف المفعول في ذلك يدل على عموم الحكم على التحقيق، كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى ﷺ عن كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالًا للشك. وممن انتصر لذلك: ابن الحاجب وغيره، واختاره الفهري. والحاصل: أن التحقيق في مثل نهي ﷺ عن بيع الغرر، وقضى بالشفعة، وقضى بالشاهد واليمين، ونحو ذلك أنه يعم كل غرر، وكل شفعة، وكل شاهد ويمين وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين، كما حررنا أدلة الفريقين، وناقشناها في غير هذا الموضع. الوجه الثالث: أن رواية "نهاني" التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم بعلي تدل أيضًا على عموم الحكم؛ لأن خطاب النبي ﷺ لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة؛ لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ لخلاف في حال، لا لخلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من الشافعية، والمالكية

стр. 3213

وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، لكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. أما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي والنص، كقوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء"، و"ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة". قالوا: ومن أدلة ذلك الحديث "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة". قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء" وساق الحديث كما ذكرناه. وقال صاحب "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"، وفي لفظ: "كحكمي على الجماعة"، ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف. وسئل عنه المزي، والذهبي فأنكراه. نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي "ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" ولفظ الترمذي "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" وهو من

стр. 3214

الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها، لثبوتها على شرطهما. وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: "حكمي على الجماعة"، لا يعرف له أصل، إلى آخره قريبًا مما ذكرنا عنه. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد، وقيل: عمتها. واسم أبيها بجاد - بموحدة، ثم جيم - ابن عبد الله بن عمير التيمي تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في المراقي بقوله: خطاب واحد لغير الحنبليّ ... من غير رعي النص والقيس الجليّ وبهذا كله تعلم أن التحقيق منع لبس المعصفر. وظاهر النصوص الإِطلاق، أي: سواء كان في الإِحرام، أو غيره كما رأيت. وجمع بعض العلماء بين الأحاديث التي ذكرناها في صحيح مسلم، الدالة على منع لبس المعصفر مطلقًا، وبين حديث أبي داود المتقدم الدال على إباحته للنساء في الإِحرام بان أحاديث المنع إنما هي بالنسبة للرجال، وحديث الجواز بالنسبة إلى النساء، فيكون ممنوعًا للرجال جائزًا للنساء، وتتفق الأحاديث. وممن اعتمد هذا الجمع الترمذي في سننه حيث قال: باب ما جاء في كراهة المعصفر للرجال: حدثنا قتيبة، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لبس القسي والمعصفر" وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو. وحديث علي حديث حسن صحيح.

стр. 3215

انتهى منه. فتراه في ترجمة الحديث جعله خاصًا بالرجال، وهو عين الجمع الذي ذكرنا. وأشار النووي في شرح مسلم: إلى أن الجمع المذكور يشير إليه الحديث الصحيح عند مسلم، وذلك في قوله - أعني النووي - : قوله ﷺ : "أأمك أمرتك بهذا" معناه: أن هذا من لباس النساء، وزيهن، وأخلاقهن. انتهى محل الغرض منه. وتفسيره للحديث: يدل على أن الحديث فيه تحريم المعصفر على الرجال دون النساء. ويدل لهذا الجمع ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية فالتفت إلي وعليَّ ريطة مضرجة بالعصفر فقال: "ما هذه الريطة عليك" فعرفت ما كره فأتيت أهلي، وهم يسجرون تنورًا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد فقال: "يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ " فأخبرته فقال: "ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء". اهـ من سنن أبي داود، وهو صريح في الجمع المذكور. وهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه: حدثنا أبو بكر، ثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن الغاز إلى آخر الإِسناد، ثم قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر، فالتفت إلي وعليَّ ريطة إلى آخر الحديث. كلفظ أبي داود. اهـ. وجمع الخطابي بين الأحاديث بأن النهي فيما صبغ من الثياب بعد النسج، وأن الإِباحة منصرفة إلى ما صبغ غزله، ثم نسج. نقل هذا الجمع النووي في شرح مسلم عن الخطابي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الجمع فيه نظر؛ لأنه

стр. 3216

تحكم. والظاهر أن العصفر ليس بطيب، فأبيح للنساء، ومنع للرجال، كالحرير وخاتم الذهب. واللَّه تعالى أعلم. فاتضح أن الظاهر بحسب الدليل أن المعصفر لا يحل لبسه للرجال، ويحل للنساء، لأن ظاهر أحاديث النهي عن العموم، وكونه من ثياب الكفار قرينة على التعميم إلَّا أن أحاديث النهي تخصص بالأحاديث المتقدمة المصرحة بجوازه للنساء، كحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود، وابن ماجه، وحديث الترمذي، وما فسر به النووي حديث مسلم، وحديث أبي داود المتقدم الذي فيه ابن إسحاق، وكونه من ثياب الكفار: لا ينافي أن ذلك بالنسبة للرجال، دون النساء، كما قال في الذهب والفضة والديباج والحرير "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" مع إباحتها للنساء. والذين أباحوا لبس المعصفر للرجال والنساء معًا، احتجوا بما ذكره النووي في شرح مسلم قال: ثبت أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: "رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة". اهـ منه فانظره. والذين منعوه للرجال دون النساء استدلوا بالأحاديث المذكورة المصرحة بإباحته للنساء، وعضدوا الأحاديث المذكورة بآثار عن الصحابة ﵃. فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات، وهي محرمة ليس فيها زعفران. انتهى محل الغرض منه.

стр. 3217

وقال شارحه الزرقاني: وكذلك جاء عن أختها. روي سعيد بن منصور، عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة ﵂، تلبس الثياب المعصفرة، وهي محرمة. إسناده صحيح انتهى منه. وروي البيهقي بإسناده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر نحو رواية مالك في الموطأ عنها ثم قال: هكذا رواه مالك. وخالفه أبو أسامة، وحاتم بن إسماعيل، وابن نمير فرووه عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء. قاله مسلم بن الحجاج. انتهى من السنن الكبرى. وقال البيهقي: وروينا عن نافع أن نساء ابن عمر كنَّ يلبسن المعصفر، وهن محرمات، ثم ذكر عن أبي داود في المراسيل: أن مكحولًا قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ بثوب مشبع بعصفر، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، فأحرم في هذا قال: "لك غيره؟ قالت: لا. قال: فاحرمي فيه" ثم ساق سنده به إلى أبي داود، وذكر بسنده عن جابر أنه قال: "لا تلبس المرأة ثياب الطيب، وتلبس الثياب المعصفرة، لا أرى المعصفر طيبًا" وروي البيهقي بسنده عن عائشة ﵂ أنها كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة. وقد قدمنا حديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير قال: كان أزواج النبي ﷺ يختضبن بالحناء، وهن محرمات، ويلبسن المعصفر، وهن محرمات. وفي إسناده يعقوب بن عطاء. قال في مجمع الزوائد: وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. وقال أبو داود في سننه: حدثنا زهير بن حرب، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني بديل، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، عن

стр. 3218

النبي ﷺ ، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب". اهـ منه، وهذا الإِسناد صحيح كما ترى. وقال صاحب الجوهر النقي في حاشيته على سنن البيهقي لما أشار إلى حديث أبي داود هذا: وفيه دليل على أن العصفر طيب، ولذلك نهيت عن المعصفر، إذ لو كان النهي لكونه زينة نهيت عن ثوب العصب؛ لأنه في الزينة فوق المعصفر، والعصب برود اليمن يعصب غزلها، أي: تطوى، ثم تصنع مصبوغًا، ثم تنسج. وفي الصحيحين: أنه ﷺ استثنى من المنع ثوب العصب، والشافعية خالفت هذا الحديث. قال النووي: الأصح عندنا تحريم العصب مطلقًا، والحديث حجة لمن أجازه. وقال أيضًا: الأصح أنه يجوز لها لبس الحرير. انتهى منه. وفي صحيح مسلم من حديث أم عطية، في المتوفى عنها زوجها "ولا تلبس ثوبًا مصنوعًا إلَّا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا" الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلَّا على زوج. الحديث. وفيه "ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوب عصب" الحديث. والممشقة في حديث أم سلمة المذكور هي المصبوغة بالمشق بالكسر والفتح وهو المغرة. والعصفر بالضم نبات يصبغ به، وبزره هو القرطم.

стр. 3219

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن منع المتوفى عنها زوجها من لبس المعصفر المذكور ليس لكونه طيبًا، كما ظنه صاحب الجوهر النقي، بدليل الأحاديث الدالة على المنع منه في غير الإِحرام، مع جواز الطيب لغير المحرم. والأظهر أن المنع منه للزينة، وهي محرمة على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من النساء. والعلم عند الله تعالى. ولا يتعين كون العصب فوقه في الزينة؛ لأن المتوفى عنها زوجها ممنوعة في العدة من الطيب، والتزين، فإباحة العصب لها تدل على ضعف مرتبته في الزينة. واللَّه تعالى أعلم. ومن ذلك الحناء قد قدمنا اختلاف العلماء فيها، هل هي طيب أو لا؟ وقد قدمنا آثارًا تدل على أنها ليست بطيب. وقدمنا حديث ابن عباس عند الطبراني أن أزواج النبي كن يختضبن بالحناء، وهن محرمات. وقد قدمنا أن في إسناده يعقوب بن عطاء. وقد روى البيهقي بإسناده في السنن الكبرى عن عائشة ﵂ أنها قيل لها: ما تقولين في الحناء والخضاب؟ قالت: كان خليلي لا يحب ريحه. ثم قال البيهقي: فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب "فقد كان رسول الله ﷺ يحب الطيب، ولا يحب ريح الحناء". اهـ منه. وهذا حاصل مستند من قال: إن الحناء ليس بطيب. وقال صاحب الجوهر النقي - بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا - : وقد ورد عنه ﷺ خلاف هذا. قال أبو عمر في التمهيد: ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن خولة بنت حكيم، عن أمها أن النبي ﷺ قال لأم سلمة: "لا تطيبي، وأنت

стр. 3220

محد، ولا تمسي الحناء فإنه طيب" وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة من هذا الوجه. وقد عد أبو حنيفة الدينوري وغيره: من أهل اللغة: الحناء من أنواع الطيب. وقال الهروي في الغريبين: وفي الحديث "سيد رياحين الجنة الفاغية" قال الأصمعي: هو نور الحناء. وفي الحديث أيضًا عن أنس: كان النبي ﷺ يعجبه الفاغية انتهى منه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإِلباس: وقال النجم: وعند الطبراني، والبيهقي، وأبي نعيم في الطب عن بريدة "سيد الإِدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية". انتهى محل الحاجة منه. وقال ابن الأثير في النهاية فيه: "سيد رياحين الجنة الفاغية" هي نور الحناء وقيل: نور الريحان. وقيل: نور كل نبت من أنوار الصحراء التي لا تزرع. وقيل: فاغية كل نبت نوره، ومنه: حديث أنس كان رسول الله ﷺ تعجبة الفاغية. اهـ. وفي القاموس: والفاغية نور الحناء، أو يغرس غصن الحناء مقلوبًا فيثمر زهرًا أطيب من الحناء، فذلك الفاغية. اهـ محل الغرض منه. ولا يخفى أن الحناء لم يثبت فيه شيء مرفوع، وأكثر أنواع الطيب لم تثبت في خصوصها نصوص. ومنها: ما ثبت بالنص كالزعفران، والورس، كما تقدم إيضاحه، وكالذريرة، والمسك كما سيأتي إن شاء الله. وقد قدمنا أن الذي اختلف فيه أهل العلم من الأنواع: هل هو طيب، أو ليس بطيب؟ أن ذلك من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى.

стр. 3221

الفرع السادس عشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإِحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب، وريحه، أو عينه بعد التلبس بالإِحرام، هل يجوز ذلك؛ لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإِحرام، مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الإِحرام، أو لا يجوز ذلك؛ لأن وجود ريح الطيب، أو عينه، أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإِحرام بالطيب، مع أن الطيب منهي عنه في الإِحرام. فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإِحرام مستحب. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه. وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وغيرهم. اهـ. وقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين، وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس إلى آخره، كما في شرح المهذب. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: ويتطيب: وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإِحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره كالعود والبخور، وماء الورد هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. وروي عن محمد بن الحنفية،

стр. 3222

وأبي سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي وابن جريج. اهـ محل الغرض منه. وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك. وقال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمنعه، منهم: الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن. وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ. وقال في شرح المهذب: وقال عطاء، والزهري، ومحمد بن الحسن: يكره. قال القاضي عياض: وحكى أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ. وقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك. وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر ﵁. اهـ. وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فهذه أدلتهم ومناقشتها وما يظهر رجحانه بالدليل منها. أما الذين منعوا ذلك، فقد احتجوا بحديث يعلى بن أمية التميمي ﵁، وهو متفق عليه. قال البخاري في صحيحه، قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلي أخبره: أن يعلى قال لعمر ﵁: أرني النبي ﷺ حين يوحي إليه؟ قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة، ومعه نفر من أصحابه، جاء رجل فقال: يا رسول الله ﷺ -

стр. 3223

كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاء الوحي فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى، وعلى رسول الله ﷺ ثوب، قد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله ﷺ محمّر الوجه، وهو يغط، ثم سرى عنه فقال: "أين الذي سأل عن العمرة فأوتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" قلت لعطاء: أراد الإِنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. اهـ. من صحيح البخاري. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بغسل الطيب الذي تضمح به قبل الإِحرام، وأمر بإنقائه كما قاله عطاء. ولا شك أن هذا الحديث يقتضي أن الطيب في بدنه إذ لو كان في الجبة دون البدن لكفى نزع الجبة كما ترى، خلافًا لما توهمه ترجمة الحديث الذي ترجمه بها البخاري: وهي قوله: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب. وقول البخاري في أول هذا الإِسناد: قال أبو عاصم: قد قدمنا الكلام على مثله مستوفى وبيننا أنه صحيح سواء قلنا: إنه موصول كما هو الصحيح، أو معلق؛ لأنه أورده بصيغة الجزم. وقال البخاري أيضًا في صحيحه: في أبواب العمرة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا همام، حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية - يعني عن أبيه - : أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ فستر بثوب، وودت أني رأيت النبي ﷺ ، وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال أيسرك

стр. 3224

أن تنظر إلى النبي ﷺ ، وقد أنزل الله الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط - وأحسبه قال: كغطيط البكر - فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة: اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". اهـ. وقوله في هذا الحديث: "اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وأنق الصفرة" صريح في أن غسل ذلك وإنقاءه من بدنه لأن ما في الجبة من الخلوق، والصفرة يزول بخلعها كما ترى. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا همام، حدثنا عطاء ابن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة. فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أن أرى النبي ﷺ ، وقد نزل عليه الوحي قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ ، وقد أنزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط. قال: وأحسبه قال: كغطيط البكر. قال: فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة: اغسل عنك أثر الصفرة، أو قال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك". وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى قال: أتى النبي ﷺ رجل، وهو بالجعرانة، وأنا عند النبي ﷺ ، وعليه مقطعات، يعني جبة، وهو متضمخ بالخلوق فقال: إني أحرمت بالعمرة، وعلى هذا، وأنا متضمخ بخلوق، فقال النبي ﷺ : "ما كنت صانعًا في حجك؟

стр. 3225

قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له النبي ﷺ : ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك". وفي لفظ في صحيح مسلم، عن يعلى فقال النبي ﷺ : "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى ﵁ "أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله: إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى أيضًا فقال: "انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا في حجك" انتهى من صحيح مسلم. قالوا: فهذه الروايات الصحيحة عن النبي ﷺ فيها التصريح بأن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك، بل يجب غسله ثلاثًا، وإنقاؤه، ولا شك أن بعض الروايات الصحيحة التي أوردنا صريحة في ذلك. وهذا هو حجة مالك ومن ذكرنا معه من أهل العلم في وجوب إزالة المحرم الطيب الذي تلبس به قبل إحرامه. وروى مالك في الموطأ عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح "أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، وهو بحنين، وعلى الأعرابي قميص، وبه أثر صفرة فقال: يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع؟ فقال له رسول الله ﷺ : انزع قميصك، واغسل هذه الصفرة عنك، وافعل في عمرتك ما تفعل في حجتك". اهـ.
следующие страницы →