← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

الفرع السادس عشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإِحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب، وريحه، أو عينه بعد التلبس بالإِحرام، هل يجوز ذلك؛ لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإِحرام، مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الإِحرام، أو لا يجوز ذلك؛ لأن وجود ريح الطيب، أو عينه، أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإِحرام بالطيب، مع أن الطيب منهي عنه في الإِحرام. فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإِحرام مستحب. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه. وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وغيرهم. اهـ. وقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين، وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس إلى آخره، كما في شرح المهذب. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: ويتطيب: وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإِحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره كالعود والبخور، وماء الورد هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. وروي عن محمد بن الحنفية،

стр. 3222

وأبي سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي وابن جريج. اهـ محل الغرض منه. وقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك. وقال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمنعه، منهم: الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن. وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ. وقال في شرح المهذب: وقال عطاء، والزهري، ومحمد بن الحسن: يكره. قال القاضي عياض: وحكى أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ. وقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك. وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر ﵁. اهـ. وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فهذه أدلتهم ومناقشتها وما يظهر رجحانه بالدليل منها. أما الذين منعوا ذلك، فقد احتجوا بحديث يعلى بن أمية التميمي ﵁، وهو متفق عليه. قال البخاري في صحيحه، قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلي أخبره: أن يعلى قال لعمر ﵁: أرني النبي ﷺ حين يوحي إليه؟ قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة، ومعه نفر من أصحابه، جاء رجل فقال: يا رسول الله ﷺ -

стр. 3223

كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاء الوحي فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى، وعلى رسول الله ﷺ ثوب، قد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله ﷺ محمّر الوجه، وهو يغط، ثم سرى عنه فقال: "أين الذي سأل عن العمرة فأوتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" قلت لعطاء: أراد الإِنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. اهـ. من صحيح البخاري. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بغسل الطيب الذي تضمح به قبل الإِحرام، وأمر بإنقائه كما قاله عطاء. ولا شك أن هذا الحديث يقتضي أن الطيب في بدنه إذ لو كان في الجبة دون البدن لكفى نزع الجبة كما ترى، خلافًا لما توهمه ترجمة الحديث الذي ترجمه بها البخاري: وهي قوله: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب. وقول البخاري في أول هذا الإِسناد: قال أبو عاصم: قد قدمنا الكلام على مثله مستوفى وبيننا أنه صحيح سواء قلنا: إنه موصول كما هو الصحيح، أو معلق؛ لأنه أورده بصيغة الجزم. وقال البخاري أيضًا في صحيحه: في أبواب العمرة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا همام، حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية - يعني عن أبيه - : أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي ﷺ فستر بثوب، وودت أني رأيت النبي ﷺ ، وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال أيسرك

стр. 3224

أن تنظر إلى النبي ﷺ ، وقد أنزل الله الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط - وأحسبه قال: كغطيط البكر - فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة: اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". اهـ. وقوله في هذا الحديث: "اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وأنق الصفرة" صريح في أن غسل ذلك وإنقاءه من بدنه لأن ما في الجبة من الخلوق، والصفرة يزول بخلعها كما ترى. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا همام، حدثنا عطاء ابن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة. فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي ﷺ الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أن أرى النبي ﷺ ، وقد نزل عليه الوحي قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي ﷺ ، وقد أنزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط. قال: وأحسبه قال: كغطيط البكر. قال: فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة: اغسل عنك أثر الصفرة، أو قال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك". وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى قال: أتى النبي ﷺ رجل، وهو بالجعرانة، وأنا عند النبي ﷺ ، وعليه مقطعات، يعني جبة، وهو متضمخ بالخلوق فقال: إني أحرمت بالعمرة، وعلى هذا، وأنا متضمخ بخلوق، فقال النبي ﷺ : "ما كنت صانعًا في حجك؟

стр. 3225

قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له النبي ﷺ : ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك". وفي لفظ في صحيح مسلم، عن يعلى فقال النبي ﷺ : "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى ﵁ "أن رجلًا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله: إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى أيضًا فقال: "انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا في حجك" انتهى من صحيح مسلم. قالوا: فهذه الروايات الصحيحة عن النبي ﷺ فيها التصريح بأن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك، بل يجب غسله ثلاثًا، وإنقاؤه، ولا شك أن بعض الروايات الصحيحة التي أوردنا صريحة في ذلك. وهذا هو حجة مالك ومن ذكرنا معه من أهل العلم في وجوب إزالة المحرم الطيب الذي تلبس به قبل إحرامه. وروى مالك في الموطأ عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح "أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، وهو بحنين، وعلى الأعرابي قميص، وبه أثر صفرة فقال: يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع؟ فقال له رسول الله ﷺ : انزع قميصك، واغسل هذه الصفرة عنك، وافعل في عمرتك ما تفعل في حجتك". اهـ.

стр. 3226

والذين قالوا بهذا قالوا: يعتضد حديث يعلى المتفق عليه ببعض الآثار الواردة، عن بعض الصحابة ﵃، كما أشرنا إليه غير بعيد. وقد روى مالك في الموطأ، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيب، وهو بالشجرة، فقال: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال معاوية بن أبي سفيان: مني يا أمير المؤمنين، فقال: منك لعمر الله، فقال معاوية: أن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين، فقال عمر: عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه. وروى مالك في الموطأ عن الصلت بن زيد عن غير واحد من أهله أن عمر بن الخطاب ﵁، وجد ريح طيب وهو بالشجرة، وإلى جنبه كثير بن الصلت، فقال عمر: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: مني يا أمير المؤمنين، لبدت رأسي، وأردت ألا أحلق فقال عمر: فاذهب إلى شربة فادلك رأسك، حتى تنقيه، ففعل كثير بن الصلت. قال مالك: الشربة حفير تكون عند أصل النخلة. انتهى من الموطأ. قالوا: ففعل هذا الخليفة الراشد في زمن خلافته مطابق لما تضمنه حديث يعلى بن أمية المتفق عليه، فتبين بذلك أنه غير منسوخ. وذكر الزرقاني في شرح الموطأ: أن عمر أنكر أيضًا على البراء بن عازب، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة عن بشير بن يسار، كما أنكر على معاوية، وكثير المذكورين. قال: فهذا عمر قد أنكر على صحابيين، وتابعي كبير الطيب بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم، وما أنكر عليه منهم أحد، فهو من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة. ثم ذكر عن وكيع، عن شعبة، عن سعد

стр. 3227

ابن إبراهيم، عن أبيه: أن عثمان رأى رجلًا قد تطيب عند الإِحرام، فأمره أن يغسل رأسه بطين. اهـ. وقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر: أن محمد بن المنتشر سأله عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرمًا، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا؛ لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه بعده رد عائشة على ابن عمر كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فحديث يعلى المتفق عليه، والآثار التي ذكرنا عن بعض الصحابة، ومنها ما لم نذكره هو حجة مالك، ومن ذكرنا معه في منع التطيب قبل الإِحرام، ووجوب غسله، وإنقائه إن فعل ذلك، ولا فدية فيه عندهم مطلقًا. وذكر بعضهم: أن المشهور عن مالك: الكراهة، لا التحريم. واحتج الجمهور القائلون باستحباب التطيب عند الإِحرام بما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂، وبعض الآثار الدالة على ذلك عن بعض الصحابة ﵃. قال البخاري في "صحيحه": حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ قالت: "كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ لإِحرامه، حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". وفي "صحيح البخاري" قبل هذا الحديث متصلًا به من طريق الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم". وقد ذكرنا هذا الحديث في الكلام على التحلل الأول.

стр. 3228

وقال البخاري ﵀ في "صحيحه": حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: سمعت عائشة ﵂ تقول: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف"، وبسطت يديها. اهـ منه. وقال مسلم ﵀ في "صحيحه": حدثنا محمد بن عباد أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه، حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". وفي لفظ لمسلمٍ عنها من طريق القاسم بن محمد قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي، لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف بالبيت". وفي لفظ عند مسلم عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". وفي لفظ عنها عند مسلم قالت: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي بذريرة في حجة الوداع، للحل والإِحرام". وفي "النهاية": الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال السيوطي في "تلخيصه للنهاية": وقيل: هي فتات قصب. وقال النووي في "شرح مسلم": هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذريرة قصب يجاء به من الهند كقصب النشاب أحمر يتداوى به. وفي لفظ عند مسلم أيضًا، عن عروة قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه؟ قالت: بأطيب الطيب، وفي لفظ: بأطيب ما أقدر عليه، قبل أن يحرم، ثم يحرم. وفي لفظ: بأطيب ما وجدت. وفي لفظ عنها قالت: كأني

стр. 3229

أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ ، وهو محرم، وفي لفظ عنها قالت: لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو يهل. وفي لفظ: وهو يلبّي. والألفاظ المماثلة لهذا متعددة في "صحيح مسلم" عنها ﵂، وفي لفظ عنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته، وفي لفظ عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك". وفي "صحيح مسلم": أن عائشة لما بلغها قول ابن عمر المتقدم: لأن أطلى بقطران أحب إليَّ من أن أفعل ذلك، قالت: "أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا". اهـ. كل هذه الألفاظ في "صحيح مسلم". قالوا: فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، عن أم المؤمنين عائشة ﵂، دليل صحيح صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام، وإن كان أثره باقيًا بعد الإِحرام، بل ولو بقي عينه وريحه؛ لأَن رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه ﷺ ، وهو محرم صريح في ذلك، قالوا: وقد وردت آثار عن بعض الصحابة بذلك، تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله ﷺ . قال صاحب "نصب الراية": وقيل: إن ذلك من خواصه ﷺ ، وفيه نظر، فقد رئي ابن عباس محرمًا، وعلى رأسه مثل الرب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير، وهو محرم، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل أعد منه رأس مال. انتهى منه. فهذا الحديث، وهذه الآثار: حجة من قال بالتطيب قبل الإِحرام ولو كان الطيب يبقى بعد الإِحرام.

стр. 3230

وإذا عرفت أقوال أهل العلم وحججهم في هذه المسألة فهذه مناقشة أقوالهم: اعلم أن المالكية، ومن وافقهم أجابوا عن حديث عائشة المذكور، بأجوبة: منها: أنهم حملوه على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإِحرام قالوا: ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى: "طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا"، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، ولا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها: "ثم أصبح ينضح طيبًا"، أي: قبل غسله. وقد سبق في رواية لمسلم: أن ذلك الطيب كان ذريرة، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا: وقولها:، كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ ، وهو محرم" المراد به: أثره، لا جرمه. قاله القاضي عياض. وقال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. ومنها: أن ذلك التطيب خاص به ﷺ . ومنها: أن الدوام على الطيب بعد الإِحرام كابتداء الطيب في الإِحرام، بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإِحرام، في كل منهما. قالوا: ومما يؤيد أن ذلك التطيب خاص به ﷺ أنه لو كان مشروعًا لعامة الناس لما أنكره عمر، وعثمان، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في الصحابة، ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر، ولَمَا أنكره الزهري، وعطاء مع علمهما بالمناسك. ومنها: أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب لمن

стр. 3231

أراد الإِحرام، وحديث يعلى بن أمية يقتضي منع ذلك. والمقرر في الأصول: أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإِباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. ومنها: أن حديث يعلى من قول النبي ﷺ بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب، وإنقائه من البدن. وظاهره العموم؛ لما قدمنا أن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف. والعموم القولي لا يعارضه فعل النبي ﷺ ؛ لأنه مخصص له، كما تقرر في الأصول، كما أوضحناه سابقًا، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود": في حقه القول بفعل خصا ... إن يك فيه القول ليس نصا فهذا هو حاصل ما أجاب به القائلون بمنع التطيب عند إرادة الإِحرام أو كراهته. وأجاب المخالفون بمنع ذلك كله قالوا: دعوي أن التطيب للنساء، لا الإِحرام، يرده صريح الحديث في قولها: "طيبته لإِحرامه"، وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر. قالوا: وادعاء أن الطيب زال بالغسل قبل الإِحرام ترده الروايات الصريحة عن عائشة: "أنها كأنها تنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه ﷺ وهو محرم"؛ لأن الوبيص في اللغة: البريق، واللمعان، وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي لا يوصف به المعدوم، وإنما يوصف به الموجود، فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن العربي: إنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت. ويؤيده ما رواه أبو داود في "سننه": حدثنا الحسين بن الجنيد

стр. 3232

الدامغاني. ثنا أبو أسامة، قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين ﵂، حدثتها قالت: "كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب، عند الإِحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ ، فلا ينهانا". اهـ منه. والسُّكّ بضم السين، وتشديد الكاف: نوع من الطيب، يضاف إلى غيره من الطيب، ويستعمل. وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" في حديث أبي داود هذا: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود. وقد قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الأمر فيما يروي. اهـ. وقال فيه ابن حجر في "التقريب": لا بأس به، وقال فيه في "تهذيب التهذيب". قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال من أهل سمنان، مستقيم الأمر فيما يروي. قلت: وقال أحمد بن حمدان العابدي: ثنا الحسين بن الجنيد، وكان رجلًا صالحًا. وقال مسلمة بن القاسم: ثقة. اهـ منه. وبما ذكرنا تعلم أن حديث عائشة المذكور عند أبي داود أقل درجاته أنه حسن. وقال فيه النووي في شرح المهذب: هذا حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن. اهـ. منه، وهو حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإِحرام إن كان استعماله للطيب قبل الإِحرام. قال في القاموس: والسك بالضم: طيب يتخذ من الرامك مدقوقًا منخولًا معجونًا بالماء، ويعرك شديدًا، ويمسح بدهن الخيري؛ لئلا يلصق بالإِناء، ويترك ليلة، ثم يسحق المسك ويلقمه

стр. 3233

ويعرك شديدًا، ويقرص، ويترك يومين، ثم يثقب بمسلة وينظم في خيط قتب، ويترك سنة، وكلما عتق طابت رائحته. اهـ. وقال أيضًا: والرامك كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك، ويفتح. انتهى منه. ولا يخفى أن أزواج النبي ﷺ إنما كن يضمدن به جباههن في حال كونه معجونًا، قبل أن يقرص ويجف. وقال ابن منظور في اللسان: والسك ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك. وقال في اللسان أيضًا: ابن سيده: والرامَك والرامِك، والكسر أعلى، شيء أسود كالقار يخلط بالمسك فيجعل سكًا، قال: إن لك الفضل على صحبتي ... والمسك قد يستصحب الرامكا وأجابوا عن كون التطيب المذكور خاصًّا به ﷺ : بأن حديث عائشة هذا نص في عدم خصوص ذلك به ﷺ ، وعضدوه بالآثار المروية عن بعض الصحابة كما تقدم، عن ابن عباس، وابن الزبير. قالوا: وإنكار عمر وعثمان لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي ﷺ ، لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابي، مع أنهم خالفهم بعض الصحابة. وقد ثبت في صحيح مسلم: أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر ﵁. وأجابوا عن كون حديث يعلى كالعموم القولي، فلا يعارضه فعله ﷺ ، بل يخصص به، بما ذكرناه آنفًا من الأدلة، على أن ذلك الفعل الذي هو التطيب قبل الإِحرام ليس خاصًا به، كما دل عليه حديث عائشة المذكور آنفًا. وقولها في الصحيح: "طيبته بيدي هاتين" صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك الطيب كما ترى.

стр. 3234

وأجابوا عن كون حديث يعلى: دالًّا على المنع، وحديث عائشة: دالًّا على الجواز، والدال على المنع مقدم على الدال على الجواز: بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما. أما إذا علم المتقدم، فإنه يجب الأخذ بالمتأخر؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث، وقصة يعلى وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، ومن المقرر في الأصول أن النصين إذا تعارضا، وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول، كما هو معلوم في محله. وأجابوا عن كون الدوام على الطيب كابتدائه بأنه منتقض بالنكاح. فإن ابتداء عقده في حال الإِحرام ممنوع عند الجمهور، كما تقدم إيضاحه خلافًا لأبي حنيفة، مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح وقع عقده قبل الإِحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان، وهو دليل على أنه: ما كل دوام كالابتداء. وقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: هو المانع للدوام والابتداء معًا كالرضاع، فإن الرضاع مانع من ابتداء عقد النكاح، كما أنه أيضًا مانع من الدوام عليه، فلو تزوج رضيعة غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد، فإن الرضاع الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه، لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك الرضاع الطارئ عليه، وكالحدث فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام عليها إذا طرأ في أثنائها. والثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء، كالطلاق فإنه

стр. 3235

مانع من الدوام على العقد الأول، والاستمتاع بالزوجة بموجبه، وليس مانعًا من ابتداء عقد جديد، والاستمتاع بها بموجبه. والثالث: هو المانع من الابتداء فقط، دون الدوام، كالنكاح بالنسبة إلى الإِحرام، فإن الإِحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعًا من الدوام على عقد كان قبله، وكالاستبراء، فإنه مانع من النكاح في حال الاستبراء، وليس مانعًا من الدوام على النكاح؛ لأن الزوج إذا وطئت امرأته بشبهة، فلزمها الاستبراء بذلك، فإن ذلك لا يمنع من الدوام على عقد زواجها الأول. قالوا: ومن هذا: الطيب، فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعًا من الدوام عليه، كالنظائر المذكورة. وإلى تعريف المانع وأقسامه أشار في المراقي بقوله: ما من وجوده يجيء العدم ... ولا لزوم في انعدام يعلم بمانع يمنع للدوام ... والابتدا أو آخر الأقسام أو أول فقط على نزاع ... كالطول الاستبراء والرضاع هذا هو حاصل أقوال العلماء ومناقشتها. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة: أن الطيب جائز عند إرادة الإِحرام ولو بقيت ريحه بعد الإحرام، لحديث عائشة المتفق عليه، ولإِجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم. وقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه ﷺ ، فحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، وحديث يعلى عام الفتح، وهو عام ثمان، فحديث عائشة بعد حديث يعلى بسنتين. هذا ما ظهر. والعلم عند الله تعالى.

стр. 3236

تنبيه أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إن طيب ثوبه قبل الإِحرام فله الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وأنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه، فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإِحرام، فتلزمه الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإِحرام، من موضع من بدنه إلى موضع آخر بعد الإِحرام، فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع، الذي نقله إليه، وكذلك إن تعمد مسه بيده، أو نحاه من موضعه، ثم رده إليه، لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإِحرام بالطيب، وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك، لأنه ليس من فعله، ولحديث عائشة عند أبي داود الذي ذكرناه قريبًا. وقال بعض علماء المالكية: ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطيب في بدنه، أو ثوبه إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية، يحتمل أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه. وقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية؛ لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب. انتهى من الحطاب. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع عشر: في أحكام أشياء متفرقة: كالنظر في المرآة للمحرم، وغسل الرأس، والبدن، وما يلزم من قتل بغسله رأسه قملًا، والحجامة، وحك الجسد، والرأس، وتقريد البعير، وتضميد العين بالصبر ونحوه، والسواك.

стр. 3237

أما النظر في المرآة: فالظاهر أنه لا بأس به للمحرم، ولم يرد شيء يدل على النهي عنه فيما أعلم. وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب الطيب عند الإِحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل، ويدهن. وقال ابن عباس ﵁: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل: الزيت والسمن. وقال عطاء: يتختم ويلبس الهميان. وطاف ابن عمر ﵄، وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب. ولم تر عائشة ﵂ بالتبان بأسًا للذين يرحلون هودجها. انتهى منه. ومحل الشاهد عنه قول ابن عباس: "وينظر في المرآة" وهذه المسائل التي ذكرها البخاري قد قدمناه كلها، وأوضحنا مذاهب العلماء فيها إلا النظر في المرآة الذي هو غرضنا منها الآن. وكون عائشة لم تر بأسًا بالتبان للذين يرحلون هودجها. والتبان كـ "رُمَّان": سراويل صغيرة يستر العورة المغلظة. وإباحة عائشة للتبان للذين يرحلون هودجها قريب من قول المالكية بجواز الاستثفار للركوب والنزول. وما ذكره البخاري عن ابن عمر من: "أنه طاف وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب" خصص المالكية جواز شد الحزم على البطن من غير عقد بضرورة العمل خاصة، كما تقدم. والحاصل: أنه لا ينبغي أن يختلف في جواز نظر المحرم في المرآة، إذ لا دليل على النهي عنه. وذكر ابن حجر في الفتح: أنه نقلت كراهته عن القاسم بن محمد. وذلك هو مشهور مذهب مالك.

стр. 3238

وفي سماع ابن القاسم: لا أحب نظر المحرم في المرآة، فإن نظر فلا شيء عليه، وليستغفر الله. وأصح القولين عند الشافعية: أنه لا كراهة فيه، ونقل ابن المنذر عدم الكراهة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وطاوس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق قال: وبه أقول. وكره ذلك عطاء الخراساني. وقال مالك: لا يفعل ذلك إلا عن ضرورة. قال: وعن عطاء في المسألة قولان بالكراهة والجواز، وصح عن ابن عمر أنه نظر في المرآة. انتهى بالمعنى من النووي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن مجرد نظر المحرم في المرآة لا بأس به ما لم يقصد به الاستعانة على أمر من محظورات الإِحرام، كنظر المرأة فيها؛ لتكتحل بما فيه طيب أو زينة، ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى. وذكر في الفتح أيضًا: أن سعيد بن منصور روى من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أنها حجت، ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسوها، وهم محرمون" قال: وأخرجه من وجه آخر مختصرًا بلفظ: "يشدون هودجها". انتهى محل الغرض منه، وقوله: "يرحلون هودجها" هو بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون الراء، وفتح الحاء، من قولهم: رحلت البعير أرحله - بفتح الحاء، في المضارع والماضي - رحلا، بمعنى: شددت الرحل على ظهره. ومنه قول الأعشى: رحلت سميةُ غدوةً أجمالها ... غضْبى عليك فما تقول بدالها

стр. 3239

وقول المثقب العبدي وهو عائد بن محصن: إذا ما قمتُ أرْحلها بليلٍ ... تأوَّه آهةَ الرَّجل الحزين والهودج: مركب من مراكب النساء معروف. وما ذكر عن عائشة ﵂ ظاهره أنها إنما رخصت في التبان لمن يرحل هودجها، لضرورة انكشاف العورة. وهو يدل على أنه لا يجوز لغير ضرورة. والعلم عند الله تعالى. وأما غسل الرأس والبدن بالماء، فإن كان لجنابة كاحتلام، فلا خلاف في وجوبه، وإن كان لغير ذلك فهو جائز على التحقيق، ولكن ينبغي أن يكون برفق لئلا يقتل بعض الدواب في رأسه. واغتسال المحرم، وغسله رأسه، لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لثبوته عن النبي ﷺ ، وكلما خالف السنة الثابتة عنه ﷺ فهو مردود على قائله. قال البخاري في "صحيحه": باب الاغتسال للمحرم. وقال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام. ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا. حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه: أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن العباس، أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على

стр. 3240

الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإِنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر وقال: هكذا رأيته ﷺ يفعل. وقال ابن حجر في الكلام على هذا الحديث: وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنه موضع الإِشكال في هذه المسألة؛ لأنه محل الشعر الذي يخشى انتتافه، بخلاف سائر البدن غالبًا. وحديث أبي أيوب المذكور أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه كلفظ البخاري، وزاد مسلم فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا. وقال النووي في شرحه لحديث أبي أيوب: هذا عند مسلم، وفي هذا الحديث فوائد: منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعرًا. . . إلى آخره. وهذا حديث متفق عليه فيه التصريح: بجواز غسل الرأس في الإِحرام، وكذلك غسل البدن. وقال النووي في شرح المهذب: قال الماوردي: أما اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه فجائز لا يعرف بين العلماء خلاف فيه، لحديث أبي أيوب السابق. أما دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه فجائز أيضًا عندنا. وبه قال الجمهور. وقال مالك: تجب الفدية بإزالة الوسخ. وقال أبو حنيفة: إن غسل رأسه بخطمي لزمته الفدية. دليلنا حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره. قال ابن المنذر: وكره جابر بن عبد الله ومالك: غسل المحرم رأسه بالخطمي. قال مالك: وعليه الفدية، وبه قال أبو حنيفة، وقال

стр. 3241

أبو يوسف، ومحمد: عليه صدقة. قال ابن المنذر: هو مباح لحديث ابن عباس. انتهى محل الغرض منه. وقد قدمنا جواز غسل الوأس بالماء وحده عن المالكية، وكراهة غيس الرأس في الماء ما لم يتيقن أنه لا يقتل بذلك بعض دواب الرأس. وقال صاحب اللسان: والخطمي: ضرب من النبات يغسل به. وفي الصحاح: يغسل به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء، ومن قال: خطمي بكسر الخاء فقد لحن. وفي المدونة عن مالك: لا يدخل المحرم الحمام، فإن دخله، وتدلك، وألقى الوسخ؛ افتدى. وقال اللخمي: أرى أن يفتدى، ولو لم يتدلك، لأن الشأن فيمن دخل الحمام، ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه ولو لم يتدلك. اهـ. بواسطة نقل المواق. فتحصل: أن مطلق الغسل الذي لا تنظيف فيه لا خلاف فيه إلَّا ما رواه مالك، عن ابن عمر: "أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلَّا من احتلام"، وروى مالك في الموطأ، عن عمر بن الخطاب أنه غسل رأسه، وهو محرم، وأمر يعلى بن منية: أن يصب على رأسه، أي: عمر الماء. وقال: اصبب، فلن يزيده الماء إلَّا شعثًا. وقد ثبت في الصحيحين جوازه، وأن إزالة الوسخ بالتدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمي ونحو ذلك: فيه خلاف، كما رأيت أقوال أهل العلم فيه. وحجة من قال: إن التدلك وإزالة الوسخ لا شيء فيه حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره، ومات، ونهاهم النبي ﷺ أن يخمروا رأسه ووجهه، وعلل ذلك: بأنه يبعث ملبيًا، ومع ذلك

стр. 3242

فقد أمرهم أن يغسلوه بماء وسدر، وذلك ثابت في الصحيح، وأن الأصل عدم الوجوب. واحتج من منع إزالة الوسخ بأن الوسخ من التفث، وقد دلت آية ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ على أن إزالة التفث: لا تجوز قبل وقت التحلل الأول. واحتجوا أيضًا بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا" قال النووي في شرح المهذب: رواه البيهقي، بإسناد صحيح. وأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عمر أنه ﷺ قال: "الحاج الشعث التفل" وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما مجرد الغسل الذي لا يزيده إلَّا شعثًا كما قال عمر ﵁، فلا ينبغي أن يختلف فيه، لحديث أبي أيوب المتفق عليه، وأما التدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمي، فلا نص فيه. والأحسن تركه احتياطًا. وأما لزوم الفدية فيه فلا أعلم له دليلًا يجب الرجوع إليه، والعلم عند الله تعالى. وأما حكم من قتل بغسله رأسه قملًا فلا أعلم في خصوص قتل المحرم القمل نصًّا من كتاب، ولا سنَّة. وقد قدمنا أن مذهب مالك: أنه إن قتل قملة أو قملات أطعم ملء يد واحدة من الطعام كفارة لذلك، وإن قتل كثيرًا منه لزمته الفدية. وعن الشافعي أن من قتل قملة أطعم شيئًا. قال: وأي شيء

стр. 3243

فداها به فهو خير منها. وعند الشافعي: أنه إن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه، لم يكره له أن ينحيه؛ لأنه ألجأه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قتل القمل لا فدية فيه، وهو مذهب أحمد وأصحابه مع أن عنه روايتين: إحداهما: إباحة قتله؛ لأنه يؤذي، والأخرى: منع قتله؛ لأن فيه ترفها. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في ذلك: أن القمل لا يجوز قتله، وأخذه من الرأس، بدليل قصة كعب بن عجرة المتقدمة، فإنه لو كان قتله يجوز لما صبر على أذاه، ولتسبب في التفلي، لإزالته من رأسه، كما هو العادة المعروفة فيمن آذاه القمل، وهو غير محرم إن لم يرد الحلق، وأنه لا شيء على من قتله. والدليل على ذلك أمران: أحدهما: أن الأصل عدم الوجوب إلَّا لدليل، ولا دليل على لزوم شيء في قتل القمل، مع أنه يؤذي أشد الإِيذاء. الأمر الثاني: أن ظاهر حديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وظاهر القرآن العظيم كلاهما: يدل على أن الفدية إنما لزمت بسبب حلق الرأس، مع كثرة ما فيه من القمل، فلو كانت الفدية تلزم من قتل القمل، وإزالته، لبينه ﷺ فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ظاهره أن الأذى الذي برأسه من القمل ونحوه: كالمرض في إباحة الحلق، وأن الفدية لزمت بسبب الحلق لا بسبب المرض، ولا بسبب إزالة القمل، وكذلك ظاهر حديث كعب، حيث أمره بالحلق والفدية، فهو يدل على أن الفدية من أجل الحلق لا غيره.

стр. 3244

ومما يؤيد ذلك: أن القمل لا قيمة له فهو كالبراغيث والبعوض، وليس القمل بمأكول، وليس بصيد. قال صاحب المغني: وحكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول. وسئل ابن عباس عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها؟ قال: تلك ضالة لا تبتغى. قال: وهذا قول طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي ثور، وابن المنذر. وعن أحمد فيمن قتل قملة قال: يطعم شيئًا. فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، سواء قتل كثيرًا أو قليلًا. وهذا قول أصحاب الرأي. وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام. وروي ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: قبضة من طعام. وهذه الأقوال كلها راجعة إلى ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما هو على التقريب لأقل ما يتصدق به. انتهى من المغني. ولا يخفى أنها أقوال لا دليل على شيء منها. وحجة القائلين بها في الجملة أن قتل القمل فيه ترفه للمحرم. والعلم عند الله تعالى. وأما الحجامة إن دعت إليها ضرورة، فلا خلاف في جوازها للمحرم، وإنما اختلف أهل العلم في الفدية إن احتجم. أما جوازها لضرورة فهو ثابت عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه. قال البخاري في صحيحه: باب الحجامة للمحرم. وكوى ابن عمر ابنه، وهو محرم، ويتداوى ما لم يكن فيه طيب. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول:

стр. 3245

احتجم رسول الله ﷺ ، وهو محرم، ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس فقلت: لعله سمعه منهما. حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة ﵁ قال: "احتجم النبي ﷺ وهو محرم بلحيى جمل في وسط رأسه". انتهى من صحيح البخاري. وقال البخاري في كتاب الطب: باب الحجم في السفر والإِحرام. قاله ابن بحينة عن النبي ﷺ به. حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس قال: "احتجم النبي ﷺ ، وهو محرم". وقال البخاري في كتاب الطب أيضًا: باب الحجامة على الرأس: حدثنا إسماعيل، حدثني سليمان، عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع عبد الله بن بحينة، يحدث "أن رسول الله ﷺ احتجم بلحيى جمل من طريق مكة، وهو محرم في وسط رأسه" وقال الأنصاري: أخبرنا هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ احتجم في رأسه" وفي لفظ للبخاري عن ابن عباس قال: "احتجم النبي ﷺ في رأسه وهو محرم من وجع كان به، بماء يقال له: لحيي جمل" وفي لفظ له أيضًا عن ابن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به". انتهى منه. وحديث ابن عباس الذي ذكره البخاري أخرجه مسلم أيضًا،

стр. 3246

عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس ﵄ بلفظ "أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم" وأخرج مسلم أيضًا حديث ابن بحينة المذكور بلفظ "أن النبي ﷺ احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه". اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين، وهما: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن بحينة صريح في جواز الحجامة للمحرم إن دعت إلى ذلك ضرورة وجع. والحديث المتفق عليه المذكور فيه أن الحجامة المذكورة كانت في الرأس. قال ابن حجر في الفتح: وخالف ذلك حديث أنس فأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة عنه قال: "احتجم النبي ﷺ ، وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به" ورجاله رجال الصحيح إلَّا أن أبا دواد حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر. وليست هذه بعلة قادحة. والجمع بين حديث ابن عباس، وحديث أنس واضح بالحمل على التعدد. أشار إلى ذلك الطبري. اهـ منه. ولا يخفى أن مثل هذا لا تعارض فيه، وأنه احتجم مرة في الرأس، ومرة على ظهر القدم كما لا يخفى. وقوله في الحديث المتفق عليه: "بلحيي جمل" هو بفتح اللام، ويجوز كسرها وسكون الحاء وياء مثناة تحتية، وفي بعض رواياته: بياءين بصيغة التثنية، وجمل بفتح الجيم، والميم. وقد جاء في الروايات أنه اسم موضع بين مكة، والمدينة. وقال في الفتح: قال ابن وضاح: هي بقعة معروفة، وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا. اهـ.

стр. 3247

وقال صاحب القاموس: ولحي جمل موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب. وزعم صاحب القاموس: أن السقيا بالضم: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء. وما ظنه بعضهم: من أن المراد به أحد فكي الجمل الذي هو ذكر الإِبل، وأن فكه كان هو آلة الحجامة، فهو غلط لا شك فيه. فهذه النصوص التي ذكرنا لا يبقى معها شك في جواز الحجامة للمحرم الذي به وجع يحتاج إلى الحجامة. أما ما يلزم في ذلك فاختلفوا فيه. قال النووي في شرح مسلم: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم. وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه. ودليل المسألة قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. وهذا الحديث محمول على أن النبي ﷺ كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قلع شعر، فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك، بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عندنا، وعند الجمهور، ولا فدية فيها. ووافق الجمهور سحنون من أصحاب مالك. وعن ابن عمر ومالك: كراهتها. وعن الحسن البصري: فيها الفدية. دليلنا: أن إخراج الدم ليس حرامًا في الإِحرام. انتهى منه. وما ذكره النووي عن ابن عمر ومالك: من كراهة الحجامة لغير

стр. 3248

عذر، ذكره مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: أنه كان يقول: لا يحتجم المحرم إلَّا مما لا بد منه. وفيه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلَّا من ضرورة. ولا شك أنها إن أدت إلى قطع شعر من غير حاجة إليها أنها حرام، وإن كانت لا تؤدي إلى قطع شعر، فقد وجه المالكية كراهتها المذكورة عن مالك وابن عمر بأمرين. أحدهما: أن إخراج الدم من الحاج قد يؤدي إلى ضعفه، كما كره صوم يوم عرفة للحاج، مع أن الصوم أخف من الحجامة، قالوا: فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإِحرام؛ لأنا لم نقل بالحرمة، بل بالكراهة؛ لعلة أخرى علمت. قاله الزرقاني في شرح الموطأ. ومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض المناسك. الأمر الثاني: هو أن الحجامة إنما تكون في العادة بشد الزجاج ونحوه والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده. قاله الشيخ سند. وقال الحطاب في شرحه لقول خليل عاطفًا على ما يكره: "وحجامة بلا عذر" ما نصه: وأما مع العذر فتجوز، فإن لم يزل بسببها شعرًا، ولم يقتل قملًا فلا شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرًا فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولًا بسقوطها. قال في التوضيح: وهو غريب. وإن قتل قملًا، فإن كان كثيرًا، فالفدية، وإلَّا أطعم حفنة من طعام. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى منه. والقول الذي ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل في

стр. 3249

التوضيح بسقوط الفدية مطلقًا ولو أزال بسبب الحجامة شعرًا، له وجه من النظر. ولا يخلو عندي من قوة. واللَّه تعالى أعلم. وإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة "بأن النبي ﷺ احتجم في رأسه" لم يرد في شيء منها أنه افتدى لإِزالة ذلك الشعر من أجل الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك الفدية، لبينها للناس؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. والاستدلال على وجوب الفدية في ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، لا ينهض كل النهوض؛ لأن الآية واردة في حلق جميع الرأس، لا في حلق بعضه. وقد قدمنا أن حلق بعضه ليس فيه نص صريح. ولذلك اختلف العلماء فيه، فذهب الشافعي: إلى أن الفدية تلزم بحلق ثلاث شعرات فصاعدًا. وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى: إلى لزومها بأربع شعرات. وذهب أبو حنيفة: إلى لزومها بحلق الربع. وذهب مالك: إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه، أو إماطة أذى. وهذا الاختلاف يدل على عدم النص الصريح في حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية في من أزال شعرًا قليلًا، لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع. واللَّه تعالى أعلم. وممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة لا فدية فيه: محمد، وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة، بل قالا: في ذلك صدقة. وقد قدمنا مرارًا أن الصدقة عندهم نصف صاع من بر، أو صاع كامل من غيره، كتمر وشعير.

стр. 3250

والحاصل: أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة على أنه إن حلق الشعر لأجل تمكن آلة الحجامة لزمته الفدية على التفصيل المتقدم في قدر ما تلزم به الفدية، من حلق الشعر كما تقدم إيضاحه. وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظر قوي. وحكاه ابن بشير من المالكية. وأما إن لم يحلق بالحجامة شعرًا، فقد قدمنا قريبًا أقوال أهل العلم فيها، وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة، وبين غيره. والعلم عند الله تعالى. واستدل أهل العلم بأحاديث الحجامة المذكورة على جواز الفصد، وربط الجرح، والدمل، وقلع الضرس، والختان، وقطع العضو، وغير ذلك من وجوه التداوي إذ لم يكن في ذلك محظور، كالطيب، وقطع الشعر. وأما الحك، فإن كان في موضع لا شعر فيه فلا ينبغي أن يختلف في جوازه، وإن كان في موضع فيه شعر كالرأس، وكان برفق بحيث لا يحصل به نتف بعض الشعر فكذلك، وإن كان بقوة بحيث يحصل به نتف بعض الشعر، فالظاهر أنه لا يجوز. وهذا هو الصواب إن شاء الله في مسألة الحك. ولم أعلم في ذلك بشيء مرفوع إلى النبي ﷺ . وإنما فيه بعض الآثار عن الصحابة ﵃. وقد قدمنا قول البخاري: ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا. وروى مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم، أيحك جسده؟ قالت: نعم فليحككه، ويشدد. ولو ربطت يداي، ولم أجد إلَّا رجلي لحككت. اهـ.

стр. 3251

وأما نزع القراد والحلمة من بعيره، فقد أجازه عمر بن الخطاب. وكرهه ابن عمر ومالك. وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الله بن الهدير: أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقرد بعيرًا له في طين بالسقيا، وهو محرم. قال مالك: وأنا أكرهه. وروى أيضًا في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يكره أن ينزع المحرم حلمة، أو قرادًا عن بعيره. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إليَّ في ذلك. وقوله: يقرد بعيره، أي: ينزع عنه القراد ويرميه. وأما تضميد العين بالصبر ونحوه مما لا طيب فيه لضرورة الوجع فلا خلاف فيه بين العلماء، وأنه لا فدية فيه، كما أجمعوا على أنه إن دعته الضرورة إلى تضميد العين ونحوها بما فيه طيب أن ذلك جائز له، وعليه الفدية. ومن أدلتهم على جواز تضميد العين بالصبر ونحوه: ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة، قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله فأرسل إليه: أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان ﵁ حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم ضمدهما بالصبر. وفي لفظ عن مسلم: أن عمر بن عبيد الله بن معمر رمدت عينه، فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدها

стр. 3252

بالصبر، وحدث عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي ﷺ : أنه فعل ذلك. انتهى من صحيح مسلم. وأما السواك في الإِحرام، فلا خلاف في جوازه بين أهل العلم. قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: "وَربط جرحه" ما نصه: قال التادلي في مناسك ابن الحاج: وأجمع أهل العلم على أن للمحرم أن يتسوك، وإن دمي فمه. انتهى. وقال ابن عرفة الشيخ: روى محمد والعتبي: للمحرم أن يتسوك ولو أدمى فاه. انتهى. ثم قال: قلت: لا يلزم من منع القاضي الزينة منع السواك بالجوزاء ونحوه. انتهى واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب. فصل فيما تتعدد فيه الفدية ونحوها وما لا يتعدد فيه ذلك وأقوال العلماء فيه اعلم أولًا أن هذا الفصل يدخل في مسألة كبيرة، يذكرها علماء الأصول في مبحث الأمر، وهي: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا؟ وهي ذات واسطة وطرفين، طرف يتعدد فيه اللازم بلا خلاف، وطرف لا يتعدد فيه، بلا خلاف، وواسطة: هي محل الخلاف. وهذا البحث أعم مما نحن بصدده، ولكن إذا تكلمنا عليه على سبيل العموم، رجعنا إلى مسألتنا، فذكرنا فيها كلام أهل العلم، وأدلتهم، وناقشناها. والمسألة المذكورة: هي إذا تعددت الأسباب، واتحد موجبها

стр. 3253

بصيغة اسم المفعول، هل يتعدد الموجب نظرًا لتعدد أسبابه أو لا يتعدد نظرًا لاتحاده في نفسه؟ وأشار إلى هذه المسألة في الجملة الشيخ ميارة في التكميل بقوله: إن يتعدد سبب والموجب ... متحد كَفى لهن موجب كناقض سهو ولوغ والفدا ... حكاية حد تيمم بدا وذا الكثير والتعدد ورد ... بخلف أو وفق بنص معتمد فقوله: الموجب في الموضعين بصيغة اسم المفعول. وقوله كناقض: يعني أن نواقض الوضوء إن تعددت كمن بال مرات، أو بال ونام وقبل فإنه يكفي لجميعها وضوء واحد، وكذلك الجنابة إن تعددت أسبابها بوطء مرات، وإنزال بلذة، واحتلام، وانقطاع حيض، فإنه يكفي لجميع ذلك غسل واحد. وقوله: سهو يعني: أن من سها في صلاته مرات متعددة يكفيه لجميعها سجود سهو واحد. وقوله: ولوغ، يعني: أنه إذا تعدد ولوغ الكلب في الإِناء بأن ولغ فيه مرات متعددة، أو ولغت فيه كلاب متعددة، فإنه يكفي لجميع ذلك غسله سبع مرات على نحو ما في الحديث، ولا يتعدد الغسل بتعدد الولوغ. وقوله: والفدا: يعني أن من تكرر منه موجب الفدية، كمن لبس ثوبًا مخيطًا مطيبًا تكفيه فدية واحدة. قوله: حكاية؛ يعني: أن من سمع أذان جماعة من المؤذنين في وقت واحد، يكفيه حكاية أذان واحد، ولا تتعدد حكاية الأذان لتعدد المؤذنين.

стр. 3254

وقوله: حد؛ يعني أن من زنى مرات متعددة قبل أن يقام عليه الحد يكفي حده حدًا واحدًا، ولا يتعدد الحد بتعدد الزنى مثلًا. أما إذا أقيم عليه الحد، ثم زنى بعد إقامة الحد، فإنه يقام عليه الحد لزناه الواقع بعد إقامة الحد. وقوله: تيمم؛ يعني: أن الجنب مثلًا الذي حكمه التيمم، إذا أراد حمل المصحف، وقراءة القرآن فيه يكفيه تيمم واحد، ولا يلزمه أن يتيمم لكل واحد منهما. وقوله: وذا الكثير؛ يعني أن الكثير في فروع هذه المسألة عدم تعدد الموجب الذي تعددت أسبابه. وقوله: والتعدد ورد بخلف، أو وفق. يعني: أن تعدد الموجب لتعدد أسبابه وارد في الشرع، وتارة يكون مجمعًا على تعدده، وتارة يكون مختلفًا فيه. فقوله: أو وفق. يعني: بالوفق الاتفاق، ومراده به الإِجماع. وقد نظم العلوي الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود ما يتعدد بتعدد سببه إجماعًا، وما يتعدد بخلاف في شرحه لقوله في المراقي: أو التكرر إذا ما علقا ... بشرط أن بصفة تحققا فقال ﵀: وما تعدد بوفق غره ... أو دية ومهر غصب الحره عقيقة ومهر من لم تعلم ... والثلث من بعد الخروج فاعلم والخلف في صاع المصراة وفي ... كفارة الظهار من نسايفي وهدي من نذر نحر ولده ... غسل إناء الولغ يرى بعدده

стр. 3255

حكاية المؤذنين وسجود ... تلاوة وبعد تكفير يعود قذف جماعة وثلث قبل أن ... يخرج ثلثا قاله من قد فطن كفارة اليمين باللَّه علا ... لقصد تأسيس من الذي ائتلا وحاصل كلامه في نظمه: أن الذي يتعدد إجماعًا خمس مسائل: الأولى: أن من ضرب بطن حامل، فأسقطت جنينين مثلًا، يتعدد الواجب فيهما من غرة، أو دية على ما مر تفصيله في سورة بني إسرائيل. وهذا مراده بقوله: وما تعدد بوفق غرة، أو دية. المسألة الثانية: أن من غصب حرة فزنى بها مرات متعددة، يتعدد عليه مهرها بتعدد الزنى بها. والثالثة: أن من ولد له توأمان لزمته عقيقتان. الرابعة: أن من وطئت مرات وهي غير عالمة كالنائمة؛ فإنه يتعدد لها المهر بتعدد الوطء. الخامسة: أن من نذر ثلث ماله فأخرجه ثم نذر بعد ذلك ثلثه؛ فإنه يلزمه. ومراده بهذا واضح من النظيم. وقد يقال: إن بعض المذكورات لا يخلو من خلاف. أما ما ذكر تعدده على خلاف فيه، فهو عشر مسائل: الأولى: صاع المصراة، يعني صاع التمر الذي يرده مع المصراة إذا حلبها، هل يتعدد بتعدد الشياه المصراة، أو يكفي عن جميعها صاع واحد، والأظهر في هذه التعدد. الثانية: إذا ظاهر من زوجاته الأربع، هل تتعدد كفارة الظهار بتعددهن، أو تكفي كفارة واحدة؟

стр. 3256

والثالثة: إذا تكرر منه نذر ذبح ولده، بأن نذر أنه يذبح اثنين، أو ثلاثة من ولده، وقلنا: يلزمه الهدي، هل يتكرر بتكرر الأولاد المنذور ذبحهم، أو يكفي هدي واحد؟ والرابعة: تعدد ولوغ الكلاب في الإِناء، هل يتعدد الغسل سبعًا بتعدد الولوغ، أو يكفي غسله سبعًا مرة واحدة؟ والخامسة: حكاية أذان المؤذنين. والسادسة: سجود التلاوة، إذا كرر آية السجدة مرارًا في وقت واحد، هل يكفي سجود واحد أو لا؟ والسابعة: إذا جامع في نهار رمضان، ثم كفر من حينه، ثم جامع مرة أخرى في نفس اليوم، هل تتعدد الكفارة أو لا؟ والثامنة: إذا قذف جماعة، هل يتعدد عليه حد القذف بتعددهم، أو يكفي حد واحد؟ والتاسعة: إذا نذر ثلث ماله، ثم نذر ثلثًا آخر قبل أن يخرج الثلث الأول، هل يلزمه النذر في الثلثين، أو يكفي واحد؟ والعاشرة: إذا حلف باللَّه مرات متعددة، وقصد بكل يمين التأسيس، لا التأكيد، هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، أو تكفي كفارة واحدة، هذا هو حاصل مراده بالأبيات. ولا شك أن المسائل المتفق على تعددها، والمختلف فيها أكثر مما ذكر بكثير، فمن المسائل المتفق على التعدد فيها، ولم يذكرها من صاد ظبيين مثلًا وهو محرم، فإنه يتكرر عليه الجزاء إجماعًا. وما روي عن أحمد من أنه يكفي جزاء واحد لا يصح، كما قاله صاحب المغني؛ لأنه مخالف لصريح قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ لأن الواحد لا يكون مثلًا للاثنين.

стр. 3257

والحاصل: أن هذه المسألة، إنما تعرف فروعها بالتتبع، فقد يكفي موجب واحد مع تعدد الأسباب إجماعًا، كتعدد نواقض الوضوء، وأسباب الجنابة، وتعدد سبب الحد كالزنى، وقد يتعدد إجماعًا كالمسائل المذكورة آنفًا، وقد يختلف في تعدده، وعدم تعدده وهذا هو الغالب في فروع هذه المسألة خلافًا لما قاله الشيخ ميارة في التكميل. فإذا علمت هذه المسألة في الجملة، وعلمت أنها عند الأصوليين من المسائل المبنية على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار، أو لا يقتضيه؟ فهذه أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المسألة التي نحن بصددها، وهي ما تعدد فيه الفدية ونحوها بتعدد أسبابها، وما لا تتعدد فيه. واعلم أولًا: أن تعدد اللازم في الجماع بتعدد الجماع، وعدم تعدده قد قدمنا أقوال أهل العلم فيه، واستوفينا الكلام عليه. أما مذهب مالك ﵀ في هذه المسألة ففيه تفصيل، وحاصله: أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده، سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الجماع الأول، أو قبله. وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام كلبس المخيط، والتطيب، وحلق الرأس، وقلم الأظافر، ونحو ذلك، فتارةً تكفي عنده في ذلك فديةً واحدةً عن الجميع، وتارةً تتعدد بتعدد أسبابها. أما موجبات عدم تعدد الفدية فهي في مذهب مالك ثلاثة: الأولى: أن يكون فعل أسباب الفدية في وقت واحد، أو بعضها بالقرب من بعض، فإن لبس وتطيب وحلق في وقت واحد،

стр. 3258

فعليه فدية واحدة، وكذلك إن فعل بعضها قريبًا من بعض. والقول الذي خرجه اللخمي بالتعدد في ذلك ضعيف، لا يعول عليه. الثانية: أن ينوي فعل جميعها، بأن ينوي اللبس والتطيب والحلق فتلزمه فدية واحدة، ولو كان بعضها بعد بعض غير قريب منه. الثالثة: أن يكون فعل محظورات الإِحرام ظانًا أنها مباحة، كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته، ثم يسعى، ويحل، ويفعل محظورات متعددة، وكالذي يرفض إحرامه ظانًا أن الإِحرام يصح رفضه، ثم يفعل بعد رفضه محظورات متعددة، وكمن أفسد إحرامه بالوطء، ثم فعل موجبات الفدية ظانًا أن الإِحرام تسقط حرمته بالفساد. وجعل بعض المالكية من صور ظن الإِباحة من ظن أن الإِحرام لا يمنعه من محرماته، أو لا يمنعه من بعضها. وأما ما يوجب تعدد الفدية عند المالكية، فهو أن يفعل محظورات الإِحرام مترتبة بعضها بعد بعض، غير قريب منه، فإنه تلزمه بكل محظور فدية ولو كثر ذلك سواء كانت المحظورات من نوع واحد، كمن كرر التطيب، أو كرر اللبس، أو كرر الحلق في أوقات غير متقاربة. والظاهر أن القرب بحسب العرف، أو من أنواعٍ، كمن لبس مخيطًا، ثم تطيب، ثم حلق، فإن الفدية تتعدد في جميع ذلك إن لم يكن بعضه قريبًا من بعض، أو في وقت واحد، فإن احتاج إلى لبس قميص، ثم احتاج بعد ذلك إلى لبس سراويل، ففدية واحدة عندهم؛ لأن محل السراويل كان يستره القميص قبل لبس السراويل. أما إن احتاج إلى السراويل أولًا، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص، ففديتان؛ لأن القميص يستر من أعلى بدنه شيئًا ما كان يستره السراويل.

стр. 3259

هذا هو حاصل مذهب مالك في تعدد الفدية وعدمه في تعدد محظورات الإِحرام. وأما مذهب أبي حنيفة: فهو أنه إن تكرر منه موجب الفدية من نوع واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة، وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إن كان لغير عذر، وإن فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت الكفارة. وقال محمد: لا تتعدد إلَّا إذا كفر عن الأول قبل فعل الثاني، فلو لبس قميصًا وقباء وسراويل وخفين يومًا كاملًا لزمه دم واحد، أو فدية واحدة؛ لأنها من جنس واحد، فصارت كجناية واحدة، وكذلك لو دام على لبس ذلك أيامًا، وكذا لو كان ينزعه بالليل، ويلبسه بالنهار لا يجب عليه إلَّا دم واحد إلَّا إذا نزعه على عزم الترك، ثم لبسه بعد ذلك، فإنه يجب عليه دم آخر؛ لأن اللبس الأول انفصل عن الثاني بالعزم على الترك، وكذا لو لبس قميصًا للضرورة، ولبس خفين من غير ضرورة فعليه دم وفدية؛ لأن السبب اختلف فلا يمكن التداخل، وكذلك لو طيب جميع أعضائه، فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد إن كان لغير عذر، وفدية واحدة إن كان ذلك لعذر، وإن كان تطييب أعضائه في مجالس تعددت الفدية، أو الدم بتعدد الأعضاء التي طيبها في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أولم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد. وإن اختلفت أسباب الفدية، كمن تطيب ولبس مخيطًا، أو تطيب وغطى رأسه يومًا كاملًا مثلًا تعددت الفدية، أو الدم سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجلسين. وقد قدمنا أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد

стр. 3260

الصيد. وما روي عن أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن العظيم. هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة في المسألة. وأما مذهب أحمد في هذه المسألة فهو: أنه إن فعل محظورات متعددة من جنس واحد، كما لو حلق مرة بعد مرة، أو لبس مرة بعد مرة، أو تطيب مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد، سواء كانت في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة. ومحل هذا ما لم يكفر عن الفعل الأول، قبل الفعل الثاني، فلو تطيب مثلًا، ثم افتدى، ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى، لتطيبه بعد أن افتدى. وعن أحمد: أنه إن كرر ذلك لأسباب مختلفة، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس للمرض فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة. وقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصًا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة. قلت له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة، قال: هذا الآن عليه كفارتان. قاله في المغني. ثم قال: وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره. وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره. ولنا أنما يتداخل إذا كان بعضه عقب بعض، يجب أن يتداخل وإن تفرق، كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن الله تعالى أوجب في حلق
следующие страницы →