← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله حتى نحر الهدي. وحديث عائشة المذكور عند البخاري أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد، إلا أن فيه: أن الذي سأل عائشة ابن زياد. والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد بن أبيه، كما نبه عليه غير واحد، فما في مسلم من كونه ابن زياد وهم من بعض الرواة. وقد قدمنا مرارًا أن السنَّة الثابتة عنه ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين. وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه، وأن ما خالفه ذلك لا يلتفت إليه، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر، وابنه، وعلي، وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، ومجاهد؛ لأن السنَّة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء، وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب من أنه لا يجتنب إلَّا الجماع ليلة جمع، وهي ليلة النحر لا يلتفت إليه، للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفًا. والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف، كما ذكره الحافظ في الفتح، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه. وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنَّة النبي ﷺ ، ورجع الناس عن فتوى ابن عباس. والعلم عند الله تعالى.

стр. 3362

واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم أن من أراد النسك لا يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافًا لما حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق من أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وخلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي، وأم البيت، ثم قلد وجب عليه الإِحرام؛ لأن إيجاب الإِحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. وقد دلت النصوص: على أنه لا يجب إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى. تنبيه الظاهر: أن التحقيق أنه لا يشترط في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فلو اشتراه من منى ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحل أجزأه. قال النووي في شرح المهذب: وهو مذهبنا. وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور. قال ابن عمر، وسعيد بن جبير: لا هدي إلَّا ما أحضر عرفات. وقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، ولكن يستحب ذلك. وروي هذا عن ابن عباس. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به. ونحوه، عن سعيد بن جبير. اهـ. محل الغرض منه. ومعلوم أن مذهب مالك أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة. ولا بد

стр. 3363

عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل، والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه. وإنما قلنا: إن الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي بين الحل والحرم لثلاثة أمور: الأول: أنه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه. الثاني: أن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم. الثالث: أنه قول أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي. اهـ. وهذا هو الظاهر. واحتج من قال بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم بأن النبي ﷺ لم يهد هديًا إلا جامعًا بين الحل والحرم؛ لأنه يساق من الحل إلى الحرم، وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن ابن عمر اشترى هديه من الطريق. ونحو ذلك من الأدلة. ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين، في زمن

стр. 3364

معين. والغرض المقصود شرعًا حاصل ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم. وجمع هديه ﷺ بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأن الإِبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك. واللَّه جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى. والعلم عند الله تعالى. ولا خلاف بين أهل العلم في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق أن له أن يركبها؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها. قال: يا رسول الله ﷺ إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في الثانية، أو في الثالثة" هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري فقال: "اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة فقال: ويلك في الثانية أو في الثالثة" وروى مسلم نحوه عن أنس، وجابر ﵄. واعلم: أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها، وهو مذهب الشافعي. قال النووي: وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير، ومالك، وأحمد، وإسحاق: له ركوب من غير حاجة بحيث لا يضره. وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبه إلَّا إن لم يجد منه بدًا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال دليلًا عندي في

стр. 3365

ركوب الهدي واجبًا أو غير واجب هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز، وإلَّا فلا؛ لأن أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع، وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر ابن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا". وفي رواية عنه في صحيح مسلم: "اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا". اهـ. فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه ﷺ بأن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا ألجأت إليه الضرورة، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي. فهذا القيد الذي في هذا الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد، لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير أهل العلم. ولا سيما إن اتحد الحكم، والسبب كما هنا. أما حجة من قال بوجوب ركوب الهدي، فهي ظاهرة السقوط؛ لأن النبي ﷺ لم يركب هديه كما هو معلوم. وأما حجة من أجاز الركوب مطلقًا، فهو قوله ﷺ : "ويلك اركبها" وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أحد التفسيرين. ولا تنهض به الحجة فيما يظهر؛ لأنه محمول على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه آنفًا، فهو أخص نص في محل النزاع، فلا ينبغي العدول عنه. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به؛ لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها. وقال بعض أهل العلم: إن ركبها

стр. 3366

الركوب المباح للضرورة ونقصها ذلك فعليه قيمة النقص يتصدق بها. وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى. وإنما قلنا: إن الظاهر أنه لا فرق في الحكم المذكور بين الهدي الواجب وغيره؛ لأنه ﷺ قال لصاحب البدنة: "اركبها" وهي مقلدة نعلًا، وقد صرح له تصريحًا مكررًا بأنها بدنة، ولم يستفصله النبي ﷺ ، هل تلك البدنة من الهدي الواجب أو غيره؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم إيضاحه مرارًا. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله: ونزلن ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال مسألة في حكم الهدي إذا عطب في الطريق أو بعد بلوغ محله اعلم أولًا أن الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها، ليعلم من مر بها أنها هدي، ويخلى بينها وبين الناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أهل رفقته المرافقين له في سفره. وإنما قلنا: إن هذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي ﷺ في الصحيح، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ما لفظه "بعث رسول الله ﷺ بست عشرة بدنة، مع رجل وامرأة فيها قال: فمضى ثم رجع فقال: يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: انحرها، ثم اصبغ نعليها في

стр. 3367

دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك". انتهى من صحيح مسلم. وفي رواية في صحيح مسلم عن ابن عباس "أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله ﷺ كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب شيء منها فخشيت عليه موتًا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب بها صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك". انتهى منه. وقوله: كيف أصنع بما أبدع منها: هو بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال بصيغة المبني للمفعول، أي: كل وأعيى حتى وقف من الإِعياء. فهذا النص الصحيح لا يلتفت معه إلى قول من قال: إن رفقته لهم الأكل مع جملة المساكين؛ لأنه مخالف للنص الصحيح، ولا قول لأحد مع السنة الثابتة عنه ﷺ ، كما أوضحنا مرارًا. والظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة؛ لئلا يتوصل هو أو بعض رفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب، أو بالتسبب له في ذلك؛ للطمع في أكل لحمه؛ لأنه صار للفقراء، وهم يعدون أنفسهم من الفقراء ولو لم يبلغ محله. والظاهر: أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء، بل للفقراء. واللَّه أعلم. فإن قيل: روى أصحاب السنن عن ناجية الأسلمي "أن رسول الله ﷺ بعث معه بهدي فقال: إن عطب فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خلِّ بينه وبين الناس". اهـ. وظاهر قوله "وبين الناس" يشمل بعمومه سائق الهدي ورفقته.

стр. 3368

فالجواب: أن حديث مسلم أصح وأخص، والخاص يقضي على العام؛ لأن حديث مسلم أخرج السائق ورفقته من عموم حديث أصحاب السنن. ومعلوم أن الخاص يقضي على العام. واعلم أن للعلماء تفاصيل في حكم ما عطب من الهدي قبل نحره بمحل النحر، سنذكر أرجحها عندنا إن شاء الله من غير استقصاء للأقوال والحجج؛ لأن مسائل الحج أطلنا عليها الكلام طولًا يقتضي الاختصار في بعضها خوف الإِطالة المملة. اعلم أولًا: أن الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو بغيره، والواجب بالنذر، إما معين، أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول: علي لله نذر أن أهدي هديًا أن لجميع ذلك حالتين. الأولى: أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير أن يعينه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي. والحالة الثانية: هي أن يسوقه ينوي به الهدي المذكور مع تعيينه بالقول. فإن نواه، ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه، ولا يزول ملكه عنه إلَّا بذبحه، ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع؛ لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب؛ لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين، فحمله إلى مستحقه بقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه فعليه

стр. 3369

قضاء الدين بغير التالف؛ لأنه تلف في ذمته. وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا ويفعل بالذي تعيب ما شاء؛ لأنه لم يزل في ملكه، وضمانه. والذي يظهر أن له التصرف فيه ولو لم يعطب، ولم يتعيب؛ لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته، حتى يوصله إلى مستحقه. والظاهر: أن له نماءه. وأما الحالة الثانية: وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب علي - والظاهر أن الإِشعار والتقليد كذلك - فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة، فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، فيجب عليه هدي آخر؛ لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول، أو التقليد والإِشعار. والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء؛ لأن الهدي لازم في ذمته، وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله، لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن حقهم باق في آلذمة، فله بيعه وأكله، وكل ما شاء. وعلى هذا جمهور أهل العلم. وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند أحمد. قال في المغني: وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الإِعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه كما لو فرقه. ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلَّا التفرقة، وليست واجبة، بدليل أنه لو خلي بينه، وبين الفقراء أجزأه.

стр. 3370

ولذلك لما نحر النبي ﷺ البدنات قال: من شاء اقتطع. انتهى محل الغرض من المغني. وأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه: حتى يوصله إلى المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ويقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ والآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه، وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإِذن لهم في ذلك، وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل. والعلم عند الله تعالى. وقول من قال: إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه، وهو لم يجب عليه إلَّا واحد. وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربًا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك، ولو لم يجزئه. وأما الواجب المعين بالنذر، كأن يقول: نذرت للَّه إهداء هذا الهدي المعين، فالظاهر أنه يتعين بالنذر، ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله؛ لأن حق الفقراء إنما تعلق بعينه، لا بذمة المهدي. والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله. وحاصل ما ذكرنا: راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا. وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين

стр. 3371

للمساكين ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر. واعلم أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي، له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه، فلا يجوز إطعامه إلَّا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم. وكره عندهم إطعام الذميين منه. وستأتي تفاصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز إن شاء الله تعالى في الكلام على آية ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الآية. وأما هدي التطوع: فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه، وخلي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، كما تقدم إيضاحه، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه. وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه معين لم يتعلق بذمته. وأما مذهب الشافعي، وأصحابه: فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلَّا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه، حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك. وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه هو أن الإِذن له في

стр. 3372

الأكل جاء النص به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإِذن بأكله. ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة؛ لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله. هكذا قالوا. والعلم عند الله تعالى. تنبيه الأظهر عندي أنه إذا عين هديًا بالقول، أو التقليد، والإِشعار ثم ضل، ثم نحر هديًا آخر مكانه، ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالًا أن عليه أن ينحره أيضًا؛ لأنه صار هديًا للفقراء. فلا ينبغي أن يرده لملكه، مع وجوده، وكذلك إن عين بدلًا عنه، ثم وجد الضال، فإنه ينحرهما معًا. قال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وفعلته عائشة ﵃. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي، فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما؛ لأنه قد ذبح ما في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعين. وهذا قول أصحاب الرأي. ووجه الأول: ما روي عن عائشة ﵂: أنها أهدت هديين، فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي. رواه الدارقطني. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر. انتهى محل الغرض من المغني. وليس في المسألة شيء مرفوع. والأحوط: ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر. والعلم عند الله تعالى.

стр. 3373

واعلم: أن الهدي إن كان معينًا بالنذر من الأصل، بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه، أو معينًا تطوعًا، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده. أما لو مات بغير تفريطه، أو ضل أو سرق، فليس عليه بدل عنه كما أوضحناه، لأنه لم يتعلق الحق بذمته، بل بعين الهدي. والأظهر عندي إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله، وينحره بالحرم بدلًا عن الذي فرط فيه. وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم، فله وجه من النظر. واللَّه أعلم. ولا نص في ذلك. ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الهدي، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز من الهدايا. تنبيه قد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين على أن نحر الهدي قبل الحلق، والتقصير يوم النحر، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والحاصل: أن الحاج مفردًا كان أو قارنًا أو متمتعًا إن رمي جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي: فعليه الحلق أو التقصير، وقد قدمنا أن التحقيق: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، لقوله ﷺ : "رحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فقال: والمقصرين"

стр. 3374

في الرابعة، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه. فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مرارًا على أن الحلق نسك؛ لأنه لو لم يكن قربة للَّه تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي ﷺ له بالرحمة. ودل تأخير الدعاء للمقصرين إلى الثالثة أو الرابعة أن التقصير مفضول، وأن الحلق أفضل منه، والتقصير مع كونه مفضولًا يجزئ بدلالة الكتاب، والسنة والإِجماع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وقد روى الشيخان، وغيرهما التقصير عن جماعة من الصحابة ﵃. فمن ذلك حديث جابر: أنه حج مع النبي ﷺ وقد أهلوا بالحج مفردًا. فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "حلق النبي ﷺ وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم" وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين، قال: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص على المروة، وحديث: "رحم الله المحلقين" ثم قال بعد ذلك: "والمقصرين" إلى غير ذلك من الأحاديث. وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير، فقال الشافعي، وأصحابه: يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعدًا، أو تقصيرها؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير؛ لأن الثلاث جمع. وقال أبو حنيفة: يكفي حلق ربع الرأس، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة. وقال مالك، وأحمد وأصحابهما: يجب حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن

стр. 3375

يأخذ من جميع جوانب الرأس. وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية والشافعية، لأن الله تعالى يقول ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولم يقل: بعض رؤوسكم ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ أي: رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه. وظاهره حلق الجميع، أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي ﷺ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب، ولا سنَّة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي ﷺ لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس. وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وقد قدمنا أن فعله ﷺ إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب. ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول. تنبيه آخر اعلم: أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة. أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير.

стр. 3376

والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها، ويكفيها قدر الأنملة، لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من جمالها، وحلقه مثلة، وتقصيره جدًّا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها. وقد جاء عن النبي ﷺ : أن النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن التقصير. قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير". حدثنا أبو يعقوب البغدادي - ثقة - ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" انتهى منه. وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس: هذا رواه أبو داود بإسنادٍ حسن. وقال صاحب نصب الراية في حديث ابن عباس المذكور: قال ابن القطان في كتابه: هذا ضعيف، ومنقطع. أما الأول: فانقطاعه من جهة ابن جريج، وقال: بلغني عن صفية، فلم يعلم من حدَّثه به. وأما الثاني: فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى

стр. 3377

أبا يعقوب، وهذا غير كاف. وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه. وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها. انتهى محل الغرض من نصب الراية للزيلعي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حديث ابن عباس المذكور في أن على النساء التقصير، لا الحلق أقل درجاته الحسن. فقول النووي: إنه حديث رواه أبو داود بإسنادٍ حسن أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان في كتابه، وسكت عليه من أن الحديث المذكور ضعيف ومنقطع. فقول ابن القطان: وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها فيه قصور ظاهر جدًّا؛ لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، وقد روت عن النبي ﷺ ، وعن ابن عباس، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط كما ترى. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم عثمان بنت سفيان القرشية الشيبية العبدرية، أم بني شيبة الأكابر، كانت من المبايعات روت عنها صفية بنت شيبة، وروى عبد الله بن مسافع، عن أمه عنها. انتهى منه. وقال ابن حجر في الإِصابة: أم عثمان بنت سفيان، والدة بني شيبة الأكابر، وكانت من المبايعات. قاله أبو عمر إلى آخر كلامه. وقد أورد فيه حديثًا روته عن النبي ﷺ في السعي بين الصفا والمروة، وقد قدمناه. وذكر ابن حجر في الإِصابة عن أبي نعيم حديثًا أخرجه، وفيه:

стр. 3378

أن أم عثمان بنت سفيان هي أم بني شيبة الأكابر. وقد بايعت النبي ﷺ . اهـ. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب. أم عثمان بنت سفيان. ويقال: بنت أبي سفيان؛ هي أم ولد شيبة بن عثمان. روت عن النبي ﷺ وعن ابن عباس. وروت عنها صفية بنت شيبة. اهـ. ومعلوم أن الصحابة كلهم عدول بتزكية الكتاب والسنَّة لهم، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، فتبين أن قول ابن القطان: "إن الحديث ضعيف؛ لأنها لم يعلم حالها" قصور منه ﵀ كما ترى. وأما قوله: "إن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كافٍ، وأن أبا يعقوب المذكور، إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه". فجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن إبراهيم، واسم إبراهيم أبو إسرائيل، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال. وقال فيه الذهبي في الميزان: حافظ شهير. قال: ووثقه يحيى بن معين، والدارقطني. وقال صالح جزرة: صدوق إلَّا أنه كان يقف في القرآن، ولا يقول: غير مخلوق، بل يقول: كلام الله. وقال فيه أيضًا: قال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا لم يكن مثله أحد في الحفظ والورع واتهم بالوقف. وقال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلَّا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل

стр. 3379

إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين عليه، وتفضيله على بعض الثقات المعروفين. ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلَّا أنه كان قليل العقل. وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ، والعدالة كثير مشهور، وإنما نقموا عليه أنه كان يقول: القرآن كلام الله، ويسكت عندها، ولا يقول: غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة. صدوق في الحديث إلَّا أنه يقول: القرآن كلام الله ويقف. وقال الساجي: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إبي إسرائيل واقفي مشؤوم، إلَّا أنه كان صاحب حديث كيسًا. وقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق ألا قالوا كلام الله وسكتوا. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم أتهم وليس بمتهم. وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي. والحاصل: أنهم متفقون على ثقته، وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلَّا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف، وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة، وقول من ناظره أنه قال له: لم أقل على الشك، ولكني سكت كما سكت القوم قبلي. ومعنى كلامه: أنه لا يشك في أن

стр. 3380

القرآن غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك. ولما حكى الذهبي في الميزان قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده ما نصه: قلت: قل من ترك الأخذ عنه. اهـ، وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبوله، فحديثه لا يقل عن درجة الحسن. وروايته عند أبي داود الذي وثقه تعتضد بالرواية المذكورة قبلها. وقول ابن جريج فيها: بلغني عن صفية بنت شيبة تفسره الرواية الثانية التي بين فيها ابن جريج: أن من بلغه عن صفية المذكورة: هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف. فإن قيل: ابن جريج روى عنه بالعنعنة، وهو مدلس، والرواية بالعنعنة لا تقبل من المدلس، بل لا بدَّ من تصريحه بما يدل على السماع. والجواب: أنا قدمنا أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد هو الاحتجاج بالمرسل، ومن يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما نبه عليه غير واحد من الأصوليين. وقد قدمناه موضحًا مرارًا في هذا الكتاب المبارك مع اعتضاد هذه الرواية بالأخرى، واعتضادها بغيرها. قال الزيلعي في نصب الراية - بعد ذكره كلام ابن القطان في تضعيف حديث ابن عباس المذكور في تقصير النساء، وعدم حلقهن الذي ناقشنا تضعيفه له كما رأيت ما نصه - : وأخرجه الدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه، عن أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدارقطني أيضًا، والبزار في مسنده، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن صفية به. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن

стр. 3381

ابن عباس إلَّا من هذا الوجه. انتهى. وأخرجه الدارقطني في سننه، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال في المحرمة: تأخذ من شعرها قدر السبابة. انتهى. وليث هذا الظاهر أنه ابن أبي سليم، وهو ضعيف. انتهى من نصب الراية. فتبين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير، لا الحلق أنه لا يقل عن درجة الحسن، كما جزم النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له بواسطة نقل الزيلعي، عند الطبراني، والدارقطني: والبزار. ويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا. الأول: الإِجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج. الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق. الثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. الرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام. الخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز. أما الإِجماع، فقد قال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمعوا على ألا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير. ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة. واختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ابن عمر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، وقال

стр. 3382

قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجوز من بعض القرون. انتهى محل الغرض منه، وتراه نقل عن ابن المنذر الإِجماع على أن النساء: لا حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في الحج؛ لأن الحلق نسك على التحقيق، كما تقدم إيضاحه. وأما الأحاديث الواردة في ذلك فسأنقلها بواسطة نقل الزيلعي في نصب الراية؛ لأنه جمعها فيه في محل واحد. قال: فنهى النساء عن الحلق فيه أحاديث. منها: ما رواه الترمذي في الحج، والنسائي في الزينة، قالا: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: "نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. ثم رواه الترمذي، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي به، عن خلاس عن النبي مرسلًا، وقال: هذا حديث فيه اضطراب. وقد روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، عن النبي ﷺ مرسلًا انتهى. وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام، عن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي. وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة، عن النبي مرسلًا. حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ نهى أن تحلق المرأة رأسها"

стр. 3383

انتهى. قال البزار: ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي روى عن عبد الحميد أحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث. انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل، وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث. انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. حديث آخر رواه البزار في مسنده أيضًا: حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها" انتهى. قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم روى عنه إلَّا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي. انتهى كلام الزيلعي في نصب الراية. وهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها، عن علي، وعثمان، وعائشة يعضد بعضها بعضًا كما تعضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله. وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يخالف فيه إلَّا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى. وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال، فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم

стр. 3384

الخاصة بهم دون الإِناث عادةً. وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. وأما كون حلق رأس المرأة مثلة، فواضح؛ لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم. وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها، لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام. وسنذكر هنا منه أمثلة قليلة تنبيهًا بها على غيرها قال امرؤ القيس في معلقته: وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل المداري في مثنى ومرسل فتراه جعل كثرة شعر رأسها وسواده وطوله من محاسنها، وهو كذلك. وقال الأعشى ميمون بن قيس: غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل فقوله: فرعاء. يعني أن فرعها، أي: شعر رأسها تام في الطول والسواد والحسن. وقال عمر بن أبي ربيعة: تقول يا أمتا كفى جوانبه ... ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر مثل الأساود قد أعيى مواشطه ... تضل فيه مداريها وتنكسر

стр. 3385

فلولم تكن كثرة الشعر وسواده من الجمال عندهم لما تعبوا في خدمته هذا التعب الذي ذكره هذا الشاعر. ونظيره قول الآخر: وفرع يصير الجيد وحف كأنه ... على الليث قنوان الكروم الدوالح قال لأن قوله: يصير الجيد، أي: يميل العنق لكثرته، وقد بالغ من قال: بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو وجف أسحم فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم وأمثال هذا أكثر من أن تنحصر، وقصدنا مطلق التمثيل، وهو يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها، وتشويه لها، فهو مثلة. وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإِسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت، وغير ذلك. فإن قيل: جاء عن أزواج النبي ﷺ ما يدل على حلق المرأة رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق، فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه في النوع الحادي عشر من القسم الخامس، من حديث وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة "أن النبي ﷺ تزوجها حلالًا، وبنى بها، وماتت بسرف فدفنها في الظلة التي بني بها فيها، فنزلها قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس، فألقاه وكانت قد حلقت

стр. 3386

رأسها في الحج، فكان رأسها محجمًا". انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها، ولو كان حرامًا ما فعلته. وأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي ﷺ من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قال: وكان أزواج النبي ﷺ ، يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. اهـ من صحيح مسلم. فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض، لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها. وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. وأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر، فلا إشكال؛ لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود. قال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع، وأكثر من اللمة. واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر. قاله الأصمعي. انتهى محل الغرض من النووي. وأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز الأذنين. قال في القاموس: والوفرة: الشعر المجتمع على

стр. 3387

الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة. اهـ منه. وقال الجوهري في صحاحه: والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة: وهي التي ألمت بالمنكبين. وقال ابن منظور في اللسان: والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر. والجمع وفار. قال كثير عزة: كأن وفار القوم تحت رحالها ... إذا حسرت عنها العمائم عنصل وقيل: الوفرة أعظم من الجمة. قال ابن سيده: وهذا غلط، إنما هي وفرة، ثم جمة، ثم لمة، والوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين، واللمة: ما ألم بالمنكبين. التهذيب: والوفرة: الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين، وقيل: الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة، إلى أن قال: والوفرة شعر الرأس إذا وصل شحمة الأذن. انتهى من اللسان. فالجواب: أن أزواج النبي ﷺ إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته ﷺ ؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن. أما بعد وفاته ﷺ فلهن حكم خاص بهن، لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه ﷺ إلى الموت. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإِخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب.

стр. 3388

وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: قال عياض رحمه الله تعالى: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون، والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد وفاته ﷺ لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته ﷺ ، لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته ﷺ . وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى كلام النووي. وقوله: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. فيه عندي نظر؛ لما قدمنا من أن أزواج النبي بعد وفاته ﷺ لا يقاس عليهن غيرهن؛ لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وقد يباح لهن من الإِخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيرهن (١)، حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطاب، وربما تزوجت؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة. وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل: أبى القلب إلَّا أم عمرو وحبها ... عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند كثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد وقال الآخر: ولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى جديدًا أوائله والعلم عند الله تعالى.

стр. 3389

• قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ . الضمير في قوله: منها. راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها، وإطعام البائس الفقير منها أمر بنحوه في خصوص البدن أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الآية، ففي الآية الأولى الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن، وبغيرها. وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة. وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل، وإطعام البائس الفقير، وفي الآية الخاصة بالبدن أمر بالأكل، وإطعام القانع والمعتر. وفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان: الأول: حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر، أو الندب والاستحباب؟ المبحث الثاني: فيما يجوز الأكل منه لصاحبه، وما لا يجوز له الأكل منه، ومذاهب أهل العلم في ذلك. أما المبحث الأول: فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب، والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة

стр. 3390

عن الوجوب في صيغة الأمر: هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم، فرخص للمسلمين في ذلك. وعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم، ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون. وقال ابن كثير في تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب. قال: وهو اختيار ابن جرير في تفسيره. وقال القرطبي في تفسيره: فكلوا منها. أمر معناه: الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل. وشذت طائفة، فأوجبت الأكل، والإِطعام بظاهر الآية، ولقوله ﷺ : "فكلوا وادخروا وتصدقوا". قال إلكيا: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. انتهى كلام القرطبي. ومعلوم: أن بيع جميعه لا وجه لحليته، بل ولا بيع بعضه، كما هو معلوم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى القولين دليلًا: وجوب الأكل والإِطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل تدل على الوجوب إلَّا لدليل صارف عن الوجوب. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.

стр. 3391

وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج. ومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده "أن النبي ﷺ نحر مائة من الإِبل، فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها" وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة من تلك الإِبل الكثيرة إلَّا وقد أكل منها أو شرب من مرقها. وهذا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإِطعام، فالأظهر فيه الوجوب. والحاصل أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة افعل تدل على الوجوب إلَّا لصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب، وكذلك الإِطعام. هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية. وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه. وقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإِطعام، وقيل باستحبابهما. وقيل باستحباب الأكل، ووجوب الإِطعام. والأظهر أنه لا تحديد للقدر الذي يأكله، والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء، ويتصدق بما شاء. وقد قال بعض أهل العلم يتصدق بالنصف، ويأكل النصف. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصف للفقراء. وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له،

стр. 3392

وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول. والعلم عند الله تعالى. والبائس: هو الذي أصابه البؤس، وهو الشدة. قال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل يبأس بؤسًا وبئسًا: اشتدت حاجته، فهو بائس. وأنشد أبو عمرو: لبيضاء من أهل المدينة لم تذق ... بئيسًا ولم تتبع حمولة مجحد وهو اسم وضع موضع المصدر. اهـ منه يعني: أن البئيس في البيت لفظه لفظ الوصف، ومعناه المصدر. والفقير معروف، والقاعدة عند علماء التفسير: أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وعلى قولهم: فالفقير هنا يشمل المسكين؛ لأنه غير مذكور معه هنا، وذلك هو مرادهم بأنهما إذا افترقا اجتمعا. ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في آية الصدقة أيهما أشد فقرًا، وقد ذكرنا حجج الفريقين، وناقشناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة البلد. ومما استدل به القائل: إن الفقير أحوج من المسكين، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم بكفايته قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، قالوا: فسماهم مساكين، مع أن عندهم سفينة عاملة للإِيجار. ومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير: أن الله قال في المسكين: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ قالوا: ذا متربة، أي: لا شيء عنده، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلَّا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت

стр. 3393

له. وقال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس، ولا غيره. انتهى من القرطبي. وعضدوا هذا بأن العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه، ومنه قول راعي نمير: أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد فسماه فقيرًا مع أن له حلوبة قدر عياله. وقد ناقشنا أدلة الفريقين مناقشة تبين الصواب في الكتاب المذكور، فأغنانا ذلك عن إعادته هنا. والعلم عند الله تعالى. وأما المبحث الثاني: وهو ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز فقد اختلف فيه أهل العلم. وهذه مذاهبهم وما يظهر رجحانه بالدليل منها: فذهب مالك ﵀، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلَّا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين. وقال اللخمي: كل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة من فساد، أو متعة، أو قران، أو تعدي ميقات، أو ترك النزول بعرفة نهارًا، أو ترك النزول بمزدلفة، أو ترك رمي الجمار، أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده. أما جزاء الصيد، وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغهما محلهما، ولا يؤكل منهما بعده. وأما النذر المضمون إذا لم يسمه للمساكين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله، وإن كان منذورًا معينًا، ولم يسمعه للمساكين، أو قلده، وأشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله، ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر للمساكين، أو نوى ذلك حين التقليد والإِشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد.

стр. 3394

والحاصل: أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقًا عند مالك، وأن النذر المضمون للمساكين، حكمه عند المالكية حكم جزاء الصيد، وفدية الأذى، فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله، ويجوز قبله، لأنه باقي في الذمة حتى يبلغ محله. وأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين، كقوله: علي للَّه نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي، فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله، وبعده. وقد قدمنا أن هدي التطوع إن عطب في الطريق لا يجوز له الأكل منه عند المالكية، وأوضحنا دليل ذلك. هذا هو حاصل مذهب مالك في الأكل من الهدايا. ولا خلاف في جواز الأكل من الضحايا. وقد قدمنا قول اللخمي من المالكية أن كل هدي جاز أن يأكل منه جاز أن يطعم منه من شاء من غني وفقير، وكل هدي لم يجز له أن يأكل منه، فإنه يطعمه فقيرًا، لا تلزمه نفقته كالكفارة. وكره ابن القاسم من أصحاب مالك إطعام الذمي من الهدايا كما تقدم. ومذهب أبي حنيفة ﵀: أنه يأكل من هدي التمتع والقران، وهدي التطوع إذا بلغ محله، أما إذا عطب هدي التطوع قبل بلوغ محله، فليس لصاحبه الأكل منه عند أبي حنيفة كما تقدم إيضاحه. ولا يأكل من غير ذلك، هو ولا غيره من الأغنياء، بل يأكله الفقراء. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة ﵀. وأما مذهب الشافعي ﵀: فهو أن الهدي إن كان تطوعًا، فالأكل منه مستحب. واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالوا: فجعلها لنا، وما هو للإِنسان فهو مخير بين تركه، وأكله. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال.

стр. 3395

واعلم: أنا حيث قلنا في هذا المبحث: يجوز الأكل، فإنا نعني. الإِذن في الأكل الصادق بالاستحباب، وبالوجوب؛ لما قدمنا من الخلاف في وجوب الأكل والإِطعام، واستحبابهما، والفرق بينهما بإيجاب الإِطعام دون الأكل. وكل هدي واجب لا يجوز الأكل منه في مذهب الشافعي، كهدي التمتع، والقران، والنذر، وجميع الدماء الواجبة. قال النووي: وكذا قال الأوزاعي، وداود الظاهري: لا يجوز الأكل من الواجب. هذا هو حاصل مذهب الشافعي. وأما مذهب أحمد ﵁: فهو أنه لا يأكل من هدي واجب إلَّا هدي التمتع والقران، وأنه يستحب له أن يأكل من هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداءً من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه. هذا هو مشهور مذهب الإِمام أحمد. وعنه رواية أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما. قال في المغني: وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله للَّه تعالى بخلاف غيرهما. وقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة. ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين، ولا مدخل للإِطعام فيه فأشبه التطوع. وقال الشافعي: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي واجب بالإِحرام فلم يجز الأكل منه، كدم الكفارة. انتهى من المغني.

стр. 3396

فقد رأيت مذاهب الأربعة فيما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة: هو جواز الأكل من هدي التطوع، وهدي التمتع، والقران دون غير ذلك. والأكل من هدي التطوع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب الأكل منه، أو وجوبه. ومعلوم أن النبي ﷺ ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع "أنه أهدى مائة من الإِبل" ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعًا. وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما قدمنا مما ثبت في الصحيح أن أزواج النبي ﷺ ذبح عنهن ﷺ بقرًا ودخل عليهم بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذبح عنهن في تمتعهن، وقرانهن بأمره ﷺ . وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران. أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ لأنه لترك واجب، أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط. والعلم عند الله تعالى. مسألة في الأضحية لا يخفى أن كلامنا في الهدي، وأن الآية التي نحن بصددها ظاهرها أنها في الهدي، ولما كان عمومها قد تدخل فيه الأضحية. أردنا هنا أن نشير إلى بعض أحكام الأضحية باختصار. اعلم أولًا: أن الأضحية فيها أربع لغات: أضحية بضم الهمزة،

стр. 3397

وإضحية بكسرها، وجمعها أضاحي بتشديد الياء، وتخفيفها، وضحية، وجمعها ضحايا، وأضحاة وجمعها: أضحى كأرطأة وأرطى. واعلم أنه لا خلاف في مشروعية الأضحية. قال بعض أهل العلم: وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ على ما قاله بعض أهل التفسير من أن المراد به: ذبح الأضحية بعد صلاة العيد، ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وأن الأضحية داخلة في عموم ﴿وَانْحَرْ (٢)﴾. وأما الإِجماع: فقد أجمع جميع المسلمين على مشروعية الأضحية. وأما السنة فقد وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة صحيحة في مشروعية الأضحية. وسنذكر طرفًا منها فيه كفاية إن شاء الله. قال البخاري في صحيحه: باب أضحية النبي ﷺ بكبشين أقرنين ويذكر سمينين. وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يضحي بكبشين" وأنا أضحي بكبشين. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس "أن رسول الله ﷺ انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده" وقال إسماعيل، وحاتم بن وردان، عن

стр. 3398

أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس. تابعه وهيب، عن أيوب. وقال: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الليث، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر "أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود، فذكره للنبي ﷺ فقال: ضح به أنت" انتهى من صحيح البخاري. وفي لفظ له من حديث أنس ﵁ قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده" وفي لفظ له عن أنس ﵁ أيضًا "أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويضع رجله على صفاحهما، ويذبحهما بيده". انتهى منه. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" وفي لفظ له عن أنس ﵁ قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين قال: ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما قال: وسمى وكبر" وفي لفظ لمسلم عن أنس عن النبي ﷺ بمثله غير أنه قال: ويقول: "بسم الله واللَّه أكبر". وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخر، عن يزيد بن قسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: أشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم

стр. 3399

ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به". انتهى من صحيح مسلم. والأحاديث الواردة في مشروعية الأضحية كثيرة معروفة. وقد اختلف أهل العلم في حكمها، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة في حق الموسر، ولا تجب عليه. وقال النووي في شرح المهذب: وهذا مذهبنا. وبه قال أكثر العلماء، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبلال، وأبو مسعود البدري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود وابن المنذر. وقال ربيعة، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، والأوزاعي: هي واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى. وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار. والمشهور عن أبي حنيفة: أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابًا. انتهى كلام النووي. وقال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في وجوب الأضحية، على الموسر، فقال جمهورهم: هي سنة في حقه إن تركها بلا عذر لم يأثم، ولم يلزمه القضاء، وممن قال بهذا: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب إلى آخر كلامه قريبًا مما ذكرنا عنه في شرح المهذب. وقال ابن قدامة في المغني: أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير واجبة. روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري ﵃. وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي،

стр. 3400

وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة. ونقل ابن قدامة في المغني عن مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه، ومذهبه هو ما نقل عنه النووي: من أنها سنة، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى، لأن ما يذبحه هدي، لا أضحية. وقد قدمنا أن آية الحج لا تخلو من دلالة على ما ذهب إليه مالك، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. فإذا رأيت أقوال أهل العلم في حكم الأضحية، فهذه أدلة أقوالهم ومناقشتها، وما يظهر رجحانه بالدليل منها، على سبيل الاختصار. أما من قال: إنها واجبة فقد استدل بأدلة منها: "أنه ﷺ كان يفعلها" واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية. وقد قدمنا قول من قال من أهل الأصول: إن فعله ﷺ الذي لم تعلم جهته من وجوب أو غيره يحمل على الوجوب. وأوضحنا أدلة ذلك. وذكرنا أن صاحب مراقي السعود ذكره بقوله في كتاب السنة في مبحث أفعال النبي ﷺ : وكل ما الصفة فيه تجهل ... فللوجوب في الأصح يجعل وذكرنا مناقشة الأقوال فيه في الحج، وغيره من سور القرآن. ومن أدلتهم على وجوب الأضحية ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا الأسود بن قيس: سمعت جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي ﷺ يوم النحر فقال: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح
следующие страницы →