Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
يفوته الحج بسبب عائق عن الوقوف بعرفة وقته؛ لأنه لو فاته الحج، لم يوجد منه التمتع، فدل ذلك على أن الإِحرام بالحج لا يتحقق به وجود حقيقة التمتع التي علق على وجودها ما استيسر من الهدي.
الثاني: أن الهدي الواجب بالتمتع له محل معين، لا بدَّ من بلوغه في زمن معين، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بيَّن ﷺ بفعله الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه، وقوله: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي" الحديث المتقدم أن محله هو منى يوم النحر كما تقدَّم إيضاحه.
واستدلالهم بأن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فجاز تقديم الهدي على يوم النحر، قياسًا على بدله = مردود من وجهين:
الأول: أنه قياس مخالف لسنة النبي ﷺ التي فعلها مبينًا بها القرآن. وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فهو قياس فاسد الاعتبار، كما قدمنا إيضاحه قريبًا.
الوجه الثاني: أنه قياس مع وجود فوارق تمنع من إلحاق الفرع بالأصل.
منها: أن الهدي يترقب على ذبحه قضاء التفث، كما يدل عليه قوله في ذبح الهدايا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم رتب على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهذا الحكم الموجود في الأصل منتفٍ عن الفرع؛ لأن الصوم لا يترتب عليه قضاء تفث.
стр. 3327
ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتفٍ عن الفرع، وهو الصوم، فإنه لا يختص بمكان.
ومنها: أن الصوم إنما يؤدى جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وهذا منتفٍ عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى.
واستدلالهم بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسًا على فدية الطيب واللباس = مردود من وجهين أيضًا.
اعلم أولًا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشةً دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم نسك كالأضحية. فعلى أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى أنه دم جبران، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران:
الأول: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته السنَّة الثابتة، عنه ﷺ .
الثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنَّة على وجوب الهدي في الطيب واللباس حتى يقاس عليه هدي التمتع. والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب، واللباس قياسًا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه لا بدَّ أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق الخصمين. وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من لبس أو تطيب في إحرامه لزمته فدية الأذى، قياسًا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ
стр. 3328
رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس فدية، فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمها بالقياس أصلًا ثانيًا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران. وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة قياسًا على البر بجامع الاقتيات، والادخار، أو الكيل مثلًا، ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الذرة بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلًا ثانيًا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ذلك. فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله:
وحكم الأصل قد يكون ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا
فهو قياس مختلف في صحته أصلًا، وهو فاسد الاعتبار أيضًا، لمخالفة لسنته ﷺ .
واستدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قائلين: إنه بمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فيجب الهدي بإحرام الحج؛ لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ مردود أيضًا.
أما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبًا، فأغنى عن إعادته هنا.
وقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية
стр. 3329
الذي هو "إلي"، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج، وأوله الإِحرام، فيجب الذبح بالإِحرام، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإِتمامه = مردود من وجهين.
الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية.
ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فنكاحها زوجًا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح لا يتعلق به الحكم، بل لا بدَّ من بلوغ آخر الغاية، وهو الجماع، ولذا قال ﷺ : "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فعلم أن التعلق بأول الغاية لا يلزم على كل حال.
الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله بينت أن هذا الحكم لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإِحلال الأول، لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلَّا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية، ففعلة مبين قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنَّة، واللَّه يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية، وهو ﷺ يبين المناسك بأفعاله، موضحًا بذلك المراد من القرآن، ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم".
стр. 3330
الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل، فالحلق لا يجوز حتى يبلغ الهدي محله؛ كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغه محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن ﷺ في حجته لمن ساق هديًا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديًا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم = مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب؛ لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم، وذلك هو عين القلب، وإيضاحه أن لفظ الحديث "وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" والإِشارة في قوله: "وذلك" راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم؛ وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر.
والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج؛ لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإِحلال من الحج. وهو يستدل به على وقوعه قبل الإِحرام بالحج.
والظاهر أن هذا سهو منه، أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك؛ لأن أصل الإِحرام بالحج، ففسخوه في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا
стр. 3331
كأنهم محلون من الحج الذي فسخوه فيها، وهذا محتمل، ولكنه بعيد جدًّا من ظاهر اللفظ؛ لأن الحج الذي أحرموا به لما فسخوه في عمرة زال اسمه بالكلية، وصار الإِحلال من عمرة، لا من حج كما ترى، فحمل لفظ الإِحلال من الحج على الإِحلال من العمرة حمل للفظ الحديث على ما لا يدل عليه بحسب الوضع العربي من غير دليل يجب الرجوع إليه.
ولو سلمنا جدليًّا أن المراد في حديث جابر المذكور بالإِحلال من الحج هو الإِحلال من العمرة التي فسخوا فيها الحج كما هو رأي النووي، فلا دليل في الحديث أيضًا؛ لأن غاية ما دلَّ عليه الحديث على التفسير المذكور أنه أمرهم عند الإِحلال من العمرة بالهدي، وذلك لا يستلزم أنهم ذبحوه في ذلك الوقت، بل الأحاديث الصحيحة الكثيرة دالة على أنهم لم يذبحوا شيئًا من هداياهم قبل يوم النحر، كما تقدم إيضاحه.
واستدلالهم بحديث ابن عباس المتقدم عند الحاكم "أنه ﷺ قسم يومئذٍ في أصحابه غنمًا فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة" إلى آخر الحديث المتقدم، لا دليل فيه؛ لأنه محمول على أنه لم يذبحه إلَّا يوم النحر، كما فعل جميع الصحابة. وجاء في مسند الإِمام أحمد التصريح بذلك فصارت رواية أحمد المصرحة بأن ذلك وقع يوم النحر مفسرة لرواية الحاكم.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ما نصه: باب تفرقة الهدي. عن ابن عباس ﵄ "أن النبي ﷺ قسم غنمًا يوم النحر في أصحابه وقال: اذبحوا لعمرتكم فإنها تجزئ عنكم، فأصاب
стр. 3332
سعد بن أبي وقاص تيس" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اهـ منه.
وهذه الرواية الصحيحة مبينة أن ذبحهم عن عمرتهم إنما كان يوم النحر، وأن ذلك هو المراد في الرواية التي رواها الحاكم؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، كما هو معلوم في علم الحديث والأصول. ولقد صدق الهيثمي في أن رجاله رجال الصحيح؛ لأن أحمد رواه عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبي محمد مولى سليمان بن مجالد، وهو ترمذي الأصل سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة، أخرج له الجميع. وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، وقال فيه في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر ثناءً عليه كثيرًا من نقاد رجال الحديث: كان ثقةً صدوقًا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد. والظاهر أن الإِمام أحمد إنما أخذ عنه قبل اختلاطه؛ لأنه كان في بغداد قبل المصيصة، ثم رجع من المصيصة إلى بغداد في حاجة له، فمات بها، واختلاطه في رجوعه الأخير كما يعلمه من نظر ترجمته في كتب الرجال. وحجاج المذكور رواه عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد أخرج له الجميع، وهو ثقة فقيه فاضل معروف، وكان يدلس ويرسل، ولكنه في هذا الحديث صرح بالإِخبار عن عكرمة، عن ابن عباس. وراوي الحديث عن أحمد ابنه، عبد الله، وجلالته معروفة، فظهر صحة الإِسناد المذكور، كما قاله في مجمع الزوائد. والعلم عند الله تعالى.
وقد رأيت مما ذكرنا أدلة من قال بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، ومن قال بجوازه عند الفراغ من العمرة، وأدلة من قال: لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ومناقشتها.
стр. 3333
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - واللَّه أعلم - أنه لا يجوز ذبح هدي التمتع، والقران قبل يوم النحر؛ لأدلة متعددة، أوضحناها غاية الإِيضاح قريبًا.
منها: أن النبي ﷺ كذلك فعل، فلم يذبح عن أزواجه المتمتعات، ولا عن عائشة القارنة إلَّا يوم النحر، وكذلك فعل هو وجميع أصحابه المتمتعين بأمره، واستمر على ذلك عمل الأمة، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، وقد أمرنا أن نأخذ عنه مناسكنا، ومن مناسكنا وقت ذبح الهدايا، ولا شك أن القرآن العظيم دل على أن كل هدي له تعلق بالحج أن ذبحه في أيام معلومات، لا في أيام مجهولات، كما أوضحناه مرارًا، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، لأن مضمون الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج يأتوك حجاجًا مشاةً وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: وليقتربوا إلى الله بدماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ذاكرين اسم الله عليها عند التذكية.
فقد صرح بأن ذلك التقرب بدماء الأنعام الذي هو من جملة ما دعوا إلى الحج من أجله أنه في أيام معلومات، لا في زمن مطلق مجهول كما ترى.
وقد بينا الأيام المعلومات في أول هذا البحث، وقد بيَّن ﷺ أول وقتها، فذكر اسم الله على ما رزقه من بهيمة الأنعام وقت تذكيتها يوم النحر، ويوضح أن ذكر اسم الله عليها إنما هو عند تذكيتها
стр. 3334
تقربًا للَّه تعالى بدمائها قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي: ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل، كما هو معلوم.
ولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس قبل بلوغه إياه، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها أنه ﷺ أمر من لم يسق هديًا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة، والإِحلال من العمرة، وتأسف هو ﷺ أنه لم يفعل ذلك وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة".
ولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل، وحلق الرأس، حتى يبلغ الهدي محله.
ومن الضروري البديهي أن هدي التمتع لو كان يجوز ذبحه عند الإِحلال من العمرة، أو الإِحرام بالحج أنه ﷺ يتحلل بعمرة، ويذبح هديه عندما تحلل منها، فيكون متمتعًا ذابحًا عند الفراغ من العمرة، أو عند الإِحرام بالحج، فلما صرح بامتناع هذا، وعلله بأنه قلَّد هديه، علم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح.
وقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج - ويدخل فيها الذبح ووقته - كلها بيان لإِجمال آيات القرآن، كقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ كما أنه بيان لقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية. ولذا قال ﷺ مبينًا أن أفعاله في الحج بيان للقرآن: "لتأخذوا عني مناسككم". وقد قدمنا اتفاق الأصوليين على أنه فعله ﷺ الذي هو
стр. 3335
بيان لإِجمال نص يقتضي الوجوب أنه واجب، إلى آخر ما قدمناه من الأدلة.
وقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، أو بعد الفراغ من العمرة، كالشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة، ليس معهم حجة واضحة من كتاب الله، ولا من سنة نبيه ﷺ ، ولا فعل أحد من الصحابة، وأن تمسكهم بآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة يجب الرجوع إليها. هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي يوم النحر من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها، والتمكن منها، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها، وتضيع تلك الغنم بكثرة، وتنتفخ وينتشر نتن ريحها في أقطار منى، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه نتن الجيف = أن كل ذلك لا يجوز، وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة. ولا يجوز لمن بسط الله يده إقرارهم على ذلك؛ لأنه فساد وأذية لسائر الحجاج بالأرواح المنتنة، وإضاعة للمال، وإفساد له باسم التقرب إلى الله. ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهدٍ وكل مضحٍ أنه يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من يسلخها طرية حين ذبحها أو يسلخها هو، ويحملها بنفسه أو بأجرة، حتى يوصلها إلى المستحقين؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ ويقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا
стр. 3336
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلَّا بإيصال ذلك إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه، وعلى من بسط الله يده أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإِيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك، كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإِيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها.
واعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلي بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل. والعلم عند الله تعالى.
ومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديًا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
وأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج، أي: في حالة التلبس بإحرام الحج؛ لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك بالإِحرام. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ولا دليل في الآية عندي؛ لأن الكلام على حذف مضاف، أي: من زمن الحج أشهر معلومات؛ وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإِعراب إذا ما حذفا
стр. 3337
وعليه فينبغي أن يحرم بحجه قبل يوم التروية ليتم الثلاثة قبل يوم النحر؛ لأن صومه لا يجوز. وكره بعض أهل العلم للحاج صوم يوم عرفة، واستحب أن يفرغ من صوم الثلاثة قبله، وجزم به صاحب المهذب. والتحقيق: أن السبعة إنما يصومها بعد الرجوع إلى أهله، ووصوله إلى بلده، وأنه ليس المراد أنه يصومها في طريقه في رجوعه. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: أن المراد الرجوع إلى أهله، وهو ظاهر القرآن؛ فلا يجوز العدول عنه. والظاهر أن الأيام الثلاثة والأيام السبعة لا يجب التتابع في واحد منهما، لعدم الدليل على ذلك.
قال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا، وإن فاته صومها قبل يوم النحر، فهل يجوز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق للمتمتع.
والثاني: يجوز له صومها.
وفيها قول ثالث: أنها يجوز صومها مطلقًا. ولا يخفى بُعد هذا القول وسقوطه.
أما حجة من قال: إنها لا يجوز صومها للمتمتع، ولا غيره فهو ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم عنه زيادة "وذكر الله".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
стр. 3338
حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه حدثه "أن رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب" وفي لفظ عند مسلم: "فناديا". اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي ﷺ صحابيان: هما كعب بن مالك، ونبيشة بن عبد الله الهذلي، فيه التصريح من النبي ﷺ بأن أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذلك يدل على أنها لا يجوز صومها. وظاهر الحديث الإِطلاق في المتمتع وغيره. وفي الحديث المذكور: الرد على من أجاز صومها مطلقًا. ومما يؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صومهن، وأمر بفطرهن. قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أبو داود، وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم.
وأما حجة من قال بجواز صوم أيام التشريق الثلاثة للمتمتع الذي فاته صومها قبل يوم النحر، فهي ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب صيام أيام التشريق. قال أبو عبد الله: قال لي محمد بن المثنى: حدثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر ﵃ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلَّا لمن لم يجد الهدي. انتهى منه. قالوا: فهذا الحديث له
стр. 3339
حكم الرفع، وفيه التصريح بالترخيص في صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا.
والروايات الصحيحة التي رواها الحفاظ من أصحاب شعبة: لم يرخص بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول.
قال في الفتح: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني - واللفظ له - والطحاوي: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة. وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال.
وقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال:
ثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي ﷺ فله حكم الرفع، وإلَّا فلا.
واختلف في الترجيح فيما إذا لم يضفه. ويلتحق به رخص لنا في كذا، وعزم علينا ألا نفعل كذا، كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى. لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ لأن قوله: في الحج يعم ما قبل النحر، وما بعده، فتدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية. وقد ثبت نهيه ﷺ عن صوم أيام التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإِذن،
стр. 3340
وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز. وإلى هذا جنح البخاري. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر في الفتح وتراه فيه يجعل: أمرنا، ونهينا، ورخص لنا، وعزم علينا، كلها سواء في الخلاف المذكور، هل لها حكم الرفع أو الوقف؟ وممن قال بصوم أيام التشريق للمتمتع: ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، والزهري، ومالك، والأوزاعي وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين، وممن روى عنه عدم صوم المتمتع لها: الشافعي في القول الثاني، وأحمد في الرواية الثالثة، وروي نحوه عن علي والحسن، وعطاء وهو قول ابن المنذر. قاله في المغني.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: مسألة صوم أيام التشريق للمتمتع يظهر لي فيها أنها بالنسبة إلى النصوص الصريحة يترجح فيها عدم جواز صومها، وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يترجح فيها جواز صومها. وإيضاح هذا أن عدم صومها دل عليه حديث نبيشة الهذلي، وكعب بن مالك في صحيح مسلم، كما قدمنا، وكلا الحديثين صريح في أن كونها أيام أكل وشرب. من لفظ النبي ﷺ ، وهو نص صحيح صريح في عدم صومها، فظاهره الإِطلاق في المتمتع الذي لم يجد هديًا وفي غيره.
ولم يثبت نص صريح من لفظ النبي ﷺ ، ولا من القرآن يدل على جواز صومها للمتمتع الذي لم يجد هديًا.
وما ذكره ابن حجر عن الطحاوي من أن ابن عمر، وعائشة ﵃ أخذا جواز صومها من ظاهر عموم قوله تعالى:
стр. 3341
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ليس بظاهر. والظاهر سقوطه - واللَّه أعلم - لإِجماع جميع المسلمين أن الحاج إذا طاف طواف الإِفاضة بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أنه يحل له كل شيء حرم عليه بالحج من النساء، والصيد، والطيب، وكل شيء، فقد زال عنه الإِحرام بالحج بالكلية، وصار حلالًا حلًا تامًا كل التمام، وذلك ينافي كونه يطلق عليه أنه في الحج، فإن صام أيام التشريق فقد صامها في غير الحج؛ لأنه تحلل من حجه، وقضى مناسكه.
ومن أصرح الأدلة في ذلك أن الله صرح بأنه لا رفث في الحج، وأيام التشريق يجوز فيها الرفث بالجماع، فما دونه، فدل على أن ذلك الرافث فيها ليس في الحج، وأما الرمي في أيام التشريق فهو من السنن الواقعة بعد تمام الحج تابعة له، وكذلك النحر فيها إن لم ينحر يوم النحر.
أما كونه في أيام التشريق يصدق عليه أنه في الحج بعد إحلاله منه، وفراغه منه، حتى يتناوله عموم الآية، فليس بظاهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.
وأما بالنظر إلى صناعة علم الحديث فالذي يترجح هو جواز صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا، لأن المشهور الذي عليه جمهور المحدثين أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو رخص لنا في كذا، أو أحل لنا كذا له كله حكم الرفع، فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا.
قال ابن الصلاح في علوم الحديث الثاني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المرفوع، والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم:
стр. 3342
أبو بكر الإِسماعيلي. والأول هو الصحيح، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ . انتهى محل الغرض منه.
وقد قال بعد هذا: ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله ﷺ ، أو بعده.
وقال النووي في تقريبه: الثاني قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنَّة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان، وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور. وقيل: ليس بمرفوع، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله ﷺ ، أو بعده. انتهى منه. وعلى هذا درج العراقي في ألفيته في قوله:
قول الصحابي من السنَّة أو ... نحو أمرنا حكمه الرفع ولو
بعد النبي قاله بأعصر ... على الصحيح وهو قول الأكثر
وفي علوم الحديث مناقشات في هذه المسألة معروفة. والصحيح عندهم الذي عليه الأكثر: أن ذلك له حكم الرفع. وبه تعلم أن حديث ابن عمر، وعائشة عند البخاري: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن" الحديث له حكم الرفع.
وإذا قلنا: إنه حديث صحيح مرفوع عن صحابيين، فلا إشكال في أنه يخصص به عموم حديث نبيشة، وكعب بن مالك، ولو كان ظاهر الآية يدل على صومها، كما ذكره ابن حجر عن الطحاوي، فلا مانع من تخصيص عمومها بالحديث المرفوع.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن التحقيق جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد كما هو معلوم؛ لأن
стр. 3343
التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس. ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهو متواتر بحديث "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" وهو خبر آحاد. وقد أكثرنا من أمثلته في هذا الكتاب المبارك. وكذلك أجاز الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم: "في أربعين شاة شاة" وهو منطوق بمفهوم المخالفة في حديث "في الغنم السائمة زكاة" عند من يقول بذلك.
والحاصل: أن المبين باسم الفاعل يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول في السند، وفي الدلالة. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد
وقد أوضحنا هذا، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.
وقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين:
الأول: أن عدم صومها مرفوع رفعًا صريحًا، وصومها موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا على المشهور، والمرفوع صريحًا أولى بالتقديم من المرفوع حكمًا.
والثاني: أن الجواز والنهي إذا تعارضا قدم النهي؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب منهي عنه. وقد يحتج المخالف بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع، ودليل النهي عام، والخاص يقضي على العام. والعلم عند الله تعالى.
فإن أخر صوم الأيام الثلاثة عن يوم عرفة فقد فات وقتها على
стр. 3344
القول بأن أيام التشريق لا يصومها المتمتع، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام التشريق، وهل عليه قضاؤها بعد ذلك؟ لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب الله ولا من سنَّة رسوله ﷺ .
والعلماء مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: يقضيها فيصوم عشرة، ومن قال بهذا القول من أهل العلم اختلفوا، هل يفرقها، فيفصل بين الثلاثة والعشرة، بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء لو لم تفت في وقتها بناء على أن تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت، فلم يسقط كترتيب أفعال الصلاة، أو ليس عليه تفريقها، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية بناء على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين، وقد فات، فسقط كالتفريق بين الصلوات التي فاتت أوقاتها، فإنها تقضى متوالية، لا متفرقة على أوقاتها حسب الأداء لو لم تفت؟ والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب الشافعي، وعدمه مذهب أحمد، وعلى قول من قالوا بلزوم قضاء الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها.
فبعضهم يقول: لا دم على المتمتع؛ لأنه قضى ما فات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: عليه دم مع القضاء، لأجل التأخير. وجزم الخرقي، وهو مروي عن أحمد. وقال القاضي: إن أخره لعذر فليس عليه إلا القضاء ولا دم. وعن أحمد لا دم مع القضاء بحال.
وقيل: لا تقضى الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها، ويلزم الدم لسقوط قضائها بفوات وقتها، ولا يجوز صوم السبعة بعد ذلك؛ لأنها تابعة للثلاثة التي سقطت، ويتعين الدم. وهذا مذهب أبي حنيفة، وآخر وقت الثلاثة عنده يوم عرفة.
واعلم: أن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إن صوم الثلاثة للعاجز
стр. 3345
عن الهدي يجوز قبل التلبس بإحرام الحج، فمذهب أبي حنيفة: أن أول وقت صومها في أشهر الحج بين الإِحرامين، والأفضل عنده: أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم السابع، ويوم التروية، ويوم عرفة. وبعض الحنفية يروى هذا عن علي ﵁. وعند أحمد. يجوز صومها عند الإِحرام بالعمرة، وعنه: إذا حل من العمرة. وهذه الأقوال مبنية على أن قوله: في الحج يراد به: أشهره. وقد بينا عدم ظهوره، وعند مالك والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبس بإحرام الحج، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وهما يقولان: ينبغي تقديمها قبل يوم النحر. والشافعي: يستحب إنهاءها قبل يوم عرفة، فإن لم يصم إلى يوم النحر، أفطر يوم النحر، وصام عند مالك أيام التشريق، فإن لم يصمها حتى رجع إلى بلده وله به مال لزمه أن يبعث بالهدي إلى الحرم، ولا يجزئه الصوم عنده. وليس له أن يؤخر الصيام، ليهدي من بلده. وفي صوم أيام التشريق للمتمتع عند الشافعية: قولان. وعن أحمد: روايتان فيهما. وقد علمت أن أبا حنيفة لا يجيز صومها، وأن مالكًا يجيزه ويكفي عنده في صوم السبعة الرجوع من منى.
وقد قدمنا أن التحقيق أن صومها بعد الرجوع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر الثابت في الصحيح. فما يروى عن مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم مما يخالف ذلك من الروايات لا ينبغي التعويل عليه، لمخالفته الحديث الصحيح. ولفظه: "فمن لم يجد هديًا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، ولفظ البخاري "فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله" فلفظة: "إذا رجع إلى أهله"
стр. 3346
في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وهو تفسير منه لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وإذا ثبت أن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث ابن عمر: تفسير الرجوع في الآية برجوعه إلى أهله، فلا وجه للعدول عنه.
وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس بلفظ "وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" وكل ذلك يدل على أن صوم السبعة بعد رجوعه إلى أهله، لا في رجوعه إلى مكة، ولا في طريقه، كما هو ظاهر النصوص التي ذكرنا، بل صريحها، والعدول عن النص بلا دليل يجب الرجوع إليه لا يجوز. والعلم عند الله تعالى.
والأظهر عندي: أنه إن صام السبعة قبل يوم النحر لا يجزئه ذلك، فما قال اللخمي من المالكية من أنه يرى إجزاءها لا وجه له. واللَّه أعلم.
بل لو قال قائل بمقتضى النصوص، وقال: لا تجزئ قبل رجوعه إلى أهله لكان له وجه من النظر واضح، لأن من قدمها قبل الرجوع إلى أهله، فقد خالف لفظ النبي ﷺ الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، وهو لفظ منه ﷺ في معرض تفسير آية ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ والعدول عن لفظ الصريح المبين لمعنى القرآن لو قيل بأنه لا يجزئ فاعله، لكان له وجه. والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيًّا في بلده، هذا هو الظاهر، وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة، ثم وجد الهدي بعد أن صام يومًا منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الهدي، لأنه دخل في الصوم بوجه جائز، وأنه ينبغي له أن ينتقل إلى الهدي. واستحباب الانتقال إلى الهدي هو
стр. 3347
مذهب مالك، ومن وافقه. وممن وافقه الحسن، وقتادة، والشافعي وأحمد. وعن ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد الهدي قبل أن يكمل صوم الثلاثة، فعليه الهدي. وقيل: متى قدر على الهدي قبل النحر انتقل إليه، صام، أو لم يصم. والأظهر ما قدمنا. واللَّه أعلم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي: أنه إن فاته صوم الثلاثة في وقتها إلى ما بعد أيام التشريق أنه يجري على القاعدة الأصولية التي هي: هل يستلزم الأمر المؤقت القضاء إذا فات وقته، أو لا يستلزمه؟ وقد قدمنا الكلام على تلك المسألة مستوفى في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية.
فعلى القول بأن الأمر يستلزم القضاء فلا إشكال في قضاء الثلاثة بعد وقتها، وعلى القول: بأنه لا يستلزم القضاء يحتمل أن يقال بوجوب القضاء؛ لعموم حديث: "فدين الله أحق أن يقضى" ويحتمل أن يقال بعدمه بناء على أن صوم الثلاثة في الحج ليكون ذلك مسوغًا لقضاء التفث؛ لأن الدم مسوغ لقضاء التفث ممن عنده هدي، فلا يبعد أن يكون بعض الصوم قدم لينوب عن الدم في تسويغ قضاء التفث. وعلى هذا الاحتمال لا يظهر القضاء، ولا يبعد لزوم الدم للإِخلال بالصوم في وقته. والعلم عند الله تعالى.
أما لزوم صوم السبعة بعد الرجوع إلى أهله، فالذي يظهر لي لزومه لمن لم يجد الهدي مطلقًا، وأنه لا يسقط بحال؛ لأن وجوبه ثابت بالقرآن، فلا يمكن إسقاطه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه. فجعل الدم بدلًا منه إن فات صوم الثلاثة في وقتها
стр. 3348
ليس عليه دليل يوجب ترك العمل بصريح القرآن في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
تنبيه
إذا أخر الحاج طواف الإِفاضة عن أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة مثلًا، فهل يجزئه حينئذ صوم الأيام الثلاثة؛ لأنه لم يزل في الحج، لبقاء ركن منه، ولأنه لا يجوز له الرفث إلى النساء؛ لأنه لم يزل في الحج، أو لا يجوز له صومها نظرًا إلى أن وقت الطواف" الذي بينه النبي ﷺ وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" قد فات؟ وهذا التأخير مخالف للسنة، فلا عبرة به. وهذا أظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم. وبنحوه جزم النووي في شرح المهذب قائلًا: إن تأخير الطواف بعيد، فلا يحمل عليه قوله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ وذكر عن بعض الشافعية وجهًا آخر غير هذا. وإن مات المتمتع العاجز عن الصوم قبل أن يصوم فقال بعض أهل العلم: يتصدق عما أمكنه صومه، عن كل يوم بمد من حنطة. وهو مروي عن الشافعي. وقيل: يهدي عنه. وقيل: لا هدي عنه، ولا إطعام. واللَّه تعالى أعلم.
واختلف أهل العلم إن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي، هل ينتقل إلى الهدي؛ لأن الصوم إنما لزم للعجز عن الهدي، وقد زال بوجوده. وهذا إن وقع قبل يوم النحر لا ينبغي أن يختلف فيه. أما إن وجد الهدي بعد فوات وقت الأيام الثلاثة، فهو محل القولين، وهما روايتان عن أحمد. وقد قدمنا كلام أهل العلم في ذلك، ولا نص فيه.
والأظهر: أن صوم السبعة الذي لم يعين له وقت لا ينبغي
стр. 3349
العدول عنه إلى غيره، كما تقدم خلافًا لمن قال بغير ذلك. والعلم عند الله تعالى.
هذا هو حاصل ما يتعلق بالدماء الواجبة بغير النذر مع كونها منصوصًا عليها في القرآن.
أما الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على المذكورة في القرآن، فمنها: دم الفوات. فقد روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أمر أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. انتهى محل الغرض منه.
فقد قاس عمر بن الخطاب ﵁ دم الفوات على دم التمتع حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وقول عمر ثلاثة في الحج لا يظهر في الفوات؛ لأن الفوات لا يتحقق إلا بانتهاء ليلة النحر، اللهم إلا إن كان عاقه عائق - وهو بعيد - بحيث لو سار ثلاثة أيام لم يدرك عرفة ليلة النحر، فحينئذٍ قد يصومها وكأنه في الحج؛ لأنه لم يحصل له الفوات فعلًا، وإن كان الفوات محققًا وقوعه في المستقبل. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع حتى صار بدله من الصوم كبدله. ذكره ابن قدامة في المغني قائلًا: إن هدي التمتع إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين. انتهى محل الغرض منه. ولا يظهر عندي كل الظهور.
стр. 3350
ثم قال في المغني: فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإِحصار فإنه أشبه به، إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه.
قلنا: الهدي فيهما سواء. وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما ثبت قياسًا، فقياس هذا على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإِحصار، وهو عشرة أيام أيضًا، إلا أن صيام الإِحصار يجب أن يكون قبل حله، وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده. وهو أيضًا مفارق لصوم المتعة، لأن الثلاثة في المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون بعد فوات عرفة. والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم عن جزاء الصيد، عن كل مد يومًا. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا. ويقاس عليه أيضًا كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
وأما من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة.
وقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًا، ويصوم عن كل مد يومًا، فتكون ملحقة
стр. 3351
بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد. ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل محظور يترفه به كتقليم الأظافر، واللبس، والطيب، وكل استمتاع من النساء: كالوطء في العمرة، أو في الحج بعد رمي جمرة العقبة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرنا، فيقاس عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر: عليك فدية من صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك. انتهى بطوله من المغني.
وهذه الأمور المذكورة لا نص فيها من كتاب ولا سنة.
وقد قدمنا في سورة البقرة أقوال أهل العلم في المحصر إن عجز عن الهدي هل يلزمه بدله، أو لا يلزمه شيء بدلًا عنه؟ وأقوال من قالوا: يلزمه البدل في البدل؛ هل هو الصوم؛ أو الإِطعام؟ بما أغني عن إعادته هنا.
وقد علمت من كلام صاحب المغني أن المشهور في مذهب أحمد هو قياس دم الفوات على دم التمتع، كما فعل عمر ﵁، وأن الخرقى من الحنابلة قاسه على دم جزاء الصيد، فجعل الصوم عن دم الفوات، كالصوم عن جزاء الصيد، وأن مذهب أحمد أيضًا، قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام، وذلك كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. وكذلك قياس صوم من عجز عن البدنة في حال إفساد حجة بالجماع، فهو عند أحمد عشرة أيام قياسًا على التمتع. وقد قدمنا نقل صاحب المغني لذلك عن بعض الصحابة، وعدم مخالفة غيرهم لهم.
стр. 3352
وعن بعض الحنابلة: تقويم بدنة المجامع العاجز بالدراهم، فيشتري بها طعامًا إلى آخر ما تقدم. وأن مذهب أحمد: قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية الأذى.
وقد قدمنا أن قياس تلك الأشياء على فدية الأذى مجمع عليه من الأئمة الأربعة إلا أن أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره فيما فعل من ذلك لا لعذر، كما تقدم إيضاحه.
وأما مذهب الشافعي في دم الفوات، ففيه طريقان أصحهما: قياسه على دم التمتع في الترتيب، والتقدير، وسائر الأحكام.
والطريق الثاني: على قولين أحدهما: أنه كدم التمتع أيضًا. والثاني: أنه كدم الجماع في الأحكام إلا أن هذا شاة، والجماع بدنة لاشتراك الصورتين في وجوب القضاء. وقد قدمنا حكم المجامع العاجز عن البدنة في مذهب الشافعي ماذا يلزمه. ومذهب الشافعي في الدم الواجب بسبب ترك بعض المأمورات كالإِحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي منى، وطواف الوداع هو أن في ذلك أربعة أوجه أصحها: أنه كدم التمتع أيضًا في الترتيب، والتقدير، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
الوجه الثاني: أنه إن عجز عن الهدي قوّم شاة الهدي دراهم، واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. والوجهان الآخران عند الشافعية تركناهما لضعفهما وشذوذهما، كما قاله علماء الشافعية. ومذهب الشافعي في الدم اللازم بسبب
стр. 3353
الاستمتاع: كالطيب واللباس، ومقدمات الجماع أن فيه عندهم أربعة أوجه، وقد قدمناها.
وقدمنا أن أصحها أنه كفدية الأذى المنصوصة في آية الفدية. ودم الجماع فيه عند الشافعية طرق واختلاف منتشر، والمذهب المشهور عندهم: أنه بدنة، فإن عجز عنها فبقرة، فإن عجز سبع شياه، فإن عجز قوّم البدنة بدراهم، والدراهم بطعام، ثم تصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. وقيل: إن عجز عن الغنم قوم البدنة وصام، فإن عجز أطعم، فيقدم الصيام على الإِطعام ككفارة الظهار ونحوها. وقيل: لا مدخل للإِطعام والصيام، بل إذا عجز عن الغنم ثبت الفداء في ذمته. وقيل: إنه يتخير بين البدنة، والبقرة، والغنم، فإن عجز عنها، فالإِطعام ثم الصوم. وقيل: يتخير بين البدنة، والبقرة والشياه، والإِطعام والصيام. وكل هذه الأقوال لا دليل على شيء منها من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي.
وقول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه المذكورات من صيام، ودم لا يجب؛ لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو = له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
وقد قدمنا أن مذهب مالك هو قياس الطيب واللبس ونحو ذلك على فدية الأذى كغيره من الأئمة.
وأما دم الفوات، والفساد، وترك الرمي، وتعدي الميقات، وترك المبيت بمزدلفة، فكل ذلك يقيس بدله على بدل التمتع، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، وإنما يصوم الثلاثة في الحج عندهم المتمتع، والقارن، ومتعدي الميقات، ومفسد الحج، ومن فاته الحج.
стр. 3354
وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بمزدلفة، فيصوم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فيصوم في غير حج. اهـ. من المواق.
وقد قدمنا في مسائل الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج بعض المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها في مواضع متفرقة، مع عدم النص في ذلك من كتاب أو سنة.
والأظهر عندي: أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عند من يقول: حجه صحيح، وعليه دم، وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى، أنه تتعدد عليه الدماء، بتعدد أسبابها مع اختلافها. أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد، كأن ترك رمي يوم، ثم ترك رمي يوم آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى ثم كرر ذلك، فللتعدد وجه، وللاتحاد وجه. وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك في محله. والعلم عند الله تعالى.
واعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحل من عمرته، وهو يريد التمتع، ثم كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي تمتع واحد، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. والعلم عند الله تعالى.
وقد قدمنا أن أقل الهدي - واجبًا كان للمتمتع والقران ونحوهما، أو غير واجب - شاة تجزئ ضحية، أو شرك في دم، كسبع بدنة، أو بقرة على التحقيق، كما تقدم إيضاحه، ولا عبرة بخلاف من خالف في الاشتراك فيه؛ لثبوته بالنص الصحيح.
стр. 3355
واعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف ففي جواز إدخاله عليها حينئذٍ خلاف بين أهل العلم.
قال النووي: فجوزه مالك، ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور.
واختلفوا أيضًا في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران. وقد قدمنا أن الشافعية والمالكية يقولون: إن ذلك هو الذي فعله النبي ﷺ في حجة الوداع، وأكثرهم يقول: هو لا يجوز لغيره، بل جوازه خاص به ﷺ كما قدمنا.
وقال النووي في شرح المهذب: واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز، ويصير قارنًا، وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر. ونقل منعه عن أكثر من لقيه. اهـ. محل الغرض منه.
والظاهر: أن المحرم المتمتع إذا أحل من عمرته يستحب له ألا يحرم بالحج إلا يوم التروية؛ لأن ذلك هو الذي فعله أصحاب النبي ﷺ بأمره في حجة الوداع. ومحل هذا إن كان واجدًا هدي التمتع، فإن كان عاجزًا عنه، ويريد أن يصوم استحب له تقديم الإِحرام، ليصوم الأيام الثلاثة في إحرام الحج. وقد قدمنا أقوال من قال من أهل العلم: إنه ينبغي أن يكون آخرها يوم عرفة، وقول من كره صوم يوم عرفة، واستحب انتهاءها قبل يوم عرفة. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 3356
تنبيه
إذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هديًا، فإن له التحلل التام، فله مس الطيب والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق الهدي ففيه للعلماء قولان.
أحدهما: أن له التحلل أيضًا، لأن الله يقول في التمتع ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك، لأنه متمتع.
والقول الثاني: أنه لا يجوز له الإِحلال حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر. واستدل من قال بهذا بحديث حفصة ﵂، الذي قدمناه أنها قالت له ﷺ : ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلّدت هدي فلا أحل حتى أنحر" وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة ﵃.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أن له أن يحل من إحرامه، ولكنه يؤخر ذبح هدي تمتعه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا ينهض كل النهوض لأن النبي ﷺ كان قارنًا، فحديثها ليس في محل النزاع؛ لأن النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها، والإِحرام بالحج بعد ذلك، هل يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع. وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك. تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم. وكما تقدم إيضاحه.
ومما يوضحه أنه ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فدل على أنه لو كانت مفردة لكان
стр. 3357
له الإِحلال منها مطلقًا، ولا حجة في قوله: "لما سقت الهدي" لأنه ساقه لقران، لا لعمرة مفردة عن الحج.
وقال النووي: فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵁ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، في حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله ﷺ : "من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحجة فليتم حجه".
فالجواب: أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية، وبعدها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" فهذه الرواية مفسرة للأولى. ويتعين هذا التأويل، لأن القصة واحدة فصحت الروايات. انتهى منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يؤيد ما ذكرنا عن النووي أن رواية حديث عائشة المذكورة التي قال: إنها يجب تأويلها بتفسيرها بالروايات الصحيحة الأخرى فيها ما لفظه: "ومن أهل بحجة فليتم حجه"؛ لكثرة الروايات الصحيحة المتفق عليها عن جماعة من الصحابة أن النبي ﷺ أمر كل من أحرم بحج مفردًا، ولم يسق هديًا أن يفسخ حجه في عمرة، ويحل منها الحل كله. فعلم أن قولها: ومن أهل بحجة فليتم حجته: يجب تأويله، وتفسيره بالروايات الأخرى الصحيحة، كما قال النووي.
وقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإِحلال منها حتى ينحر يوم النحر له وجه قوي من النظر، لدخوله في ظاهر
стр. 3358
عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حل من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محله. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الدماء الواجبة بغير النذر.
أما الهدي الذي ليس بواجب. وهو هدي التطوع، وهو مستحب، فيستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرقه "لأن رسول ﷺ أهدى مائة بدنة وهو قارن" ويكفيه لدم القران بدنة واحدة، بل شاة واحدة، وبقية المائة تطوع منه ﷺ . ويستحب أن يكون ما يهديه سمينًا حسنًا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. وعن ابن عباس ﵄: "تعظيمها الاستسمان والاستحسان والاستعظام" ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. ومعلوم أن أقل الهدي شاة تجزئ ضحية، أو سبع بدنة، أو بقرة كما تقدم إيضاحه. ولا يكون من الحيوان إلا من بهيمة الأنعام. وقد تقدم إيضاح الأنعام، وأنها الأزواج الثماينة المذكورة في آيات من كتاب الله: وهي الجمل والناقة، والبقرة، والثور، والنعجة، والكبش، والعنز، والتيس.
واعلم: أن التحقيق أن الهدي والإِطعام يختص بهما فقراء الحرم المكي، وأن الصوم لا يختص به مكان دون مكان، مع اختلاف في الطعام كما تقدم إيضاحه في سورة المائدة.
وأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم، وتفريقه في الحرم أيضًا، خلافًا لمن زعم جواز الذبح في الحل إن كان تفريق اللحم في الحرم. والتحقيق أن البدن يسن تقليدها،
стр. 3359
وإشعارها فيقلدها نعلين. ومعنى إشعارها: هو جرحها في صفحة سنامها، ويسلت الدم عنها. والجمهور على أن الإِشعار في صفحة السنام اليمنى، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس خلافًا لمالك القائل: إنه في الصفحة اليسرى.
واعلم: أن التحقيق أن الإِشعار المذكور سنة لثبوته ﷺ خلافًا لأبي حنيفة القائل بالنهي عنه، معللًا بأنه مثلة وهي منهى عنها. وروي مثله عن النخعي، لأن الأحاديث الصحيحة الواردة بالإِشعار تخصص عموم النهي عن المثلة، ولأنه لا يسلم أنه مثلة، فهو جرح لمصلحة كالفصد والختان والحجامة والكي والوسم.
واعلم: أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم. وخالف مالك وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة "أنه ﷺ أهدي غنمًا فقلدها".
وقال بعض أهل العلم: لا يقلد بالنعال لضعفها، وإنما تقلد بنحو عرى القرب، ولا تشعر الغنم إجماعًا. والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به؛ لأنه صحيح متفق عليه، وإشعار البقر إن كان له سنام لا نص فيه. وقاسه جماعة من أهل العلم على إشعار الإِبل. والمقصود من الإِشعار والتقليد وتلطيخ الهدي بالدم، هو أن يعلم كل من رآه أنه هدي؛ لأنه قد يختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز عن غيره، وربما شرد فيعرف أنه هدي فيرد، وهذه العلة موجودة في البقر، فمقتضى القياس: إشعاره إن كان له سنام.
وقال بعض أهل العلم: الحكمة في تقليده النعلين أن المنتعل عندهم كالراكب، لكون النعل تقي صاحبها الأذى من الحر والبرد
стр. 3360
والشوك، والقذر ونحو ذلك، فكان المهدي خرج للَّه عن مركوبه الحيواني، وغير الحيواني. وظاهر صنيع البخاري أنهم قلدوا البقر في حجة الوداع حيث قال: باب فتل القلائد للبدن والبقر. ثم ساق حديث حفصة المتقدم. وفيه قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي. الحديث. وحديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه" الحديث. فترى البخاري قال في الترجمة هذه: باب فتل القلائد للبدن والبقر.
وقال ابن حجر: وترجمه البخاري صحيحه؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإِبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإِبل خاصة، فالبقر في معناها. اهـ. محل الغرض منه، وهو كما قال.
والأظهر: أن الصواب إن شاء الله أن البقر والإِبل والغنم كلها تقلد إن كانت هديًا، وأن الغنم لا تشعر قولًا واحدًا، وأن السنَّة الصحيحة ثابتة بإشعار الإِبل، ومقتضى القياس أن البقر كذلك إن كان له سنام. واللَّه أعلم.
واعلم: أن التحقيق أن من أهدي إلى الحرم هديًا وهو مقيم في بلده ليس بحاج ولا معتمر، لا يحرم عليه شيء بإرسال الهدي، كما هو ثابت في الصحيح عن عائشة ﵂ ثبوتًا لا مطعن فيه، فلا ينبغي أن يعول على ما خالفه. والعلم عند الله تعالى. ولذا ثبت في صحيح البخاري: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس. فتلت قلائد
стр. 3361
هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله حتى نحر الهدي.
وحديث عائشة المذكور عند البخاري أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد، إلا أن فيه: أن الذي سأل عائشة ابن زياد. والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد بن أبيه، كما نبه عليه غير واحد، فما في مسلم من كونه ابن زياد وهم من بعض الرواة. وقد قدمنا مرارًا أن السنَّة الثابتة عنه ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين. وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه، وأن ما خالفه ذلك لا يلتفت إليه، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر، وابنه، وعلي، وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، ومجاهد؛ لأن السنَّة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء، وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب من أنه لا يجتنب إلَّا الجماع ليلة جمع، وهي ليلة النحر لا يلتفت إليه، للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفًا. والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف، كما ذكره الحافظ في الفتح، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه.
وذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنَّة النبي ﷺ ، ورجع الناس عن فتوى ابن عباس. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3362
واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم أن من أراد النسك لا يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافًا لما حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق من أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وخلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي، وأم البيت، ثم قلد وجب عليه الإِحرام؛ لأن إيجاب الإِحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه.
وقد دلت النصوص: على أنه لا يجب إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
الظاهر: أن التحقيق أنه لا يشترط في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فلو اشتراه من منى ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحل أجزأه.
قال النووي في شرح المهذب: وهو مذهبنا. وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور. قال ابن عمر، وسعيد بن جبير: لا هدي إلَّا ما أحضر عرفات.
وقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، ولكن يستحب ذلك. وروي هذا عن ابن عباس. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به. ونحوه، عن سعيد بن جبير. اهـ. محل الغرض منه.
ومعلوم أن مذهب مالك أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة. ولا بد
стр. 3363
عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل، والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه. وإنما قلنا: إن الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي بين الحل والحرم لثلاثة أمور:
الأول: أنه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه.
الثاني: أن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم.
الثالث: أنه قول أكثر أهل العلم.
وقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي. اهـ.
وهذا هو الظاهر. واحتج من قال بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم بأن النبي ﷺ لم يهد هديًا إلا جامعًا بين الحل والحرم؛ لأنه يساق من الحل إلى الحرم، وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن ابن عمر اشترى هديه من الطريق. ونحو ذلك من الأدلة. ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين، في زمن
стр. 3364
معين. والغرض المقصود شرعًا حاصل ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم. وجمع هديه ﷺ بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأن الإِبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك. واللَّه جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
ولا خلاف بين أهل العلم في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق أن له أن يركبها؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها. قال: يا رسول الله ﷺ إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في الثانية، أو في الثالثة" هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري فقال: "اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة فقال: ويلك في الثانية أو في الثالثة" وروى مسلم نحوه عن أنس، وجابر ﵄.
واعلم: أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها، وهو مذهب الشافعي. قال النووي: وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير، ومالك، وأحمد، وإسحاق: له ركوب من غير حاجة بحيث لا يضره. وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبه إلَّا إن لم يجد منه بدًا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال دليلًا عندي في
стр. 3365
ركوب الهدي واجبًا أو غير واجب هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز، وإلَّا فلا؛ لأن أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع، وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر ابن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا". وفي رواية عنه في صحيح مسلم: "اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا". اهـ. فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه ﷺ بأن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا ألجأت إليه الضرورة، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي. فهذا القيد الذي في هذا الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد، لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير أهل العلم. ولا سيما إن اتحد الحكم، والسبب كما هنا.
أما حجة من قال بوجوب ركوب الهدي، فهي ظاهرة السقوط؛ لأن النبي ﷺ لم يركب هديه كما هو معلوم.
وأما حجة من أجاز الركوب مطلقًا، فهو قوله ﷺ : "ويلك اركبها" وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أحد التفسيرين. ولا تنهض به الحجة فيما يظهر؛ لأنه محمول على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه آنفًا، فهو أخص نص في محل النزاع، فلا ينبغي العدول عنه. والعلم عند الله تعالى.
والظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به؛ لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها. وقال بعض أهل العلم: إن ركبها
следующие страницы →