من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان لم تجزئ عنهما كالأخبيين. اهـ منه. والحديث المتفق عليه المذكور حجة على من خالفه.
الفرع السابع: اعلم أنا قدمنا وقت الأضحية والهدي وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. وقد قدمنا حديث أم سلمة، عند مسلم المقتضي أن من أراد أن يضحي لا ينبغي له أن يحلق شيئًا من شعره، ولا أن يقلم شيئًا من أظفاره في عشر ذي الحجة، حتى يضحي. وظاهر الحديث تحريم ذلك؛ لأن في لفظ الحديث عند مسلم، عن أم سلمة عنه ﷺ "فلا يأخذن شعرًا، ولا يقلمن ظفرًا" وفي لفظ له عنها عنه ﷺ : "فلا يمس من شعره وبشره شيئًا" وفي الألفاظ المذكورة في الحديث الصحيح النهي عن حلق الشعر، وتقليم الأظفار في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، والنهي يقتضي التحريم إلَّا لصارف عنه يجب الرجوع إليه، كما تقرر في الأصول. وقال الشافعية والمالكية، ومن وافقهم: إن الحلق وتقليم الأظفار مكروه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأن المضحي ليس بمحرم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحريم أظهر لظاهر الحديث، ولأنه ﷺ يقول: "وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" والتحريم المذكور لظاهر النص وجه للشافعية. قال النووي: حكاه أبو الحسن العبادي في كتابه الرقم، وحكاه الرافعي عنه لظاهر الحديث، وحكى الشيخ المواق في شرحه لخليل، عن أحمد، وإسحاق: تحريم الحلق، وتقليم الأظافر في عشر ذي الحجة لمريد التضحية. وقال ابن قدامة في المغني: قال بعض أصحابنا بالتحريم، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وقال القاضي، وجماعة من
стр. 3432
أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك، والشافعي لقول عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده" ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه، وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر، وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وأظهر شيء في محل النزاع وأصرحه وأخصه فيه: حديث أم سلمة، وظاهره التحريم.
وقال النووي في شرح المهذب: مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية: مكروه كراهة تنزيه، حتى يضحي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يكره، وقال سعيد بن المسيب، وأحمد، وربيعة، وإسحاق، وداود: يحرم، وعن مالك أنه يكره، وحكى عنه الدارمي يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب، ثم ذكر الدليلين المذكورين للقولين.
وقد ذكرنا آنفًا أن أخصهما في محل النزاع ظاهره التحريم، وهو حديث أم سلمة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن: أجمع العلماء على إجزاء الذكر والأنثى. واختلفوا أيهما أفضل، وظاهر النصوص الصحيحة: أن ذكور الضأن خير من إناثها، لتضحيته بالكبش، دون النعجة، وبعضهم قال بأفضلية الذكور مطلقًا، وبعضهم قال بأفضلية الإِناث مطلقًا. ولم يقم دليل صحيح في غير ذكر الضأن فلا ينبغي أن يختلف في ذكر الضأن أنه أفضل من أنثاه.
стр. 3433
الفرع التاسع: اعلم أن منع ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. منسوخ. فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه ﷺ منع ادخار لحم الأضاحي بعد ثلاث، ومنع المضحي أن يأكل من أضحيته بعد ثلاث، ثم نسخ ذلك، وصار الأكل والادخار منها مباحًا مطلقًا. وسنذكر هنا إن شاء الله طرفًا من الأحاديث الصحيحة الدالة على المنع المذكور أولًا، وعلى نسخه وإباحة ذلك مطلقًا.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: قال النبي ﷺ : "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله ﷺ نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها" وحديث سلمة بن الأكوع هذا. أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه قريبًا من لفظ البخاري.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب ﵁، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: "إن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث" وفي لفظ مسلم عن علي أنه قال: "إنه ﷺ قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا".
وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام" وفي لفظ له عنه "أنه ﷺ نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث" ثم قال: قال
стр. 3434
سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وفي لفظ: بعد ثلاث.
وفي لفظ لمسلم عن عبد الله بن واقد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة ﵂ تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية صفرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ادخروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله ﷺ إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها الودك. فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا".
وفي لفظ لمسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ "أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا".
وفي لفظ لمسلم عن عطاء، عن جابر أيضًا أنه قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث في منى فأرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: "كلوا وتزودوا" قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم.
وفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزود منها ونأكل. يعني: فوق ثلاث. وفي لفظ له عنه: كنا نتزودها إلى المدينة على عهد رسول الله ﷺ .
стр. 3435
وفي لفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث" وقال ابن المثنى: ثلاثة أيام، فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالًا وحشمًا وخدمًا فقال: "كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا" قال ابن المثنى: شك عبد الأعلى.
وفي لفظ لمسلم عن ثوبان ﵁ قال: "ذبح رسول الله ﷺ ضحية ثم قال: يا ثوبان أصلح لهم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة".
وفي بعض ألفاظ حديث ثوبان هذا عند مسلم أن ذلك في حجة الوداع.
وفي لفظ لمسلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلَّا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا". اهـ منه.
فكل هذه الألفاظ الثابتة بالأسانيد الصحيحة في مسلم، وبعضها في البخاري فيها الدلالة الصحيحة الصريحة: أن تحريم الادخار، والأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث: أنه منسوخ، وأن ذلك جائز مطلقًا، وفي بعض الروايات: تعليل ذلك النهي الموقت بمجيء بعض الفقراء من البادية، وهم المعبر عنهم في الحديث بالدافة.
قال ابن الأثير في النهاية: الدافة القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. يقال لهم: يدفون دفيفًا، والدافة قوم من الأعراب يردون المصر. يريد أنهم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن
стр. 3436
ادخار لحوم الأضاحي، ليفرقوها ويتصدقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى من النهاية.
تنبيه
في هذا الحديث دليل لمن قال من أهل الأصول باشتراط انعكاس العلة في صحتها؛ لأن علة تحريم ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: هي وجود دافة فقراء البادية الذين دفوا عليهم. ولما زالت هذه العلة زال الحكم معها، ودوران الحكم مع علته في العدم، هو المعروف في الاصطلاح بانعكاسها. والمقرر في الأصول: أن محل القدح في العلة بعدم انعكاسها فيما إذا كانت علة الحكم واحدة، لا إن كانت له علل متعددة، فلا يقدح في واحدة منها بعدم العكس؛ لأنه إذا انعدمت واحدة منها ثبت الحكم بالعلة الأخرى، كالبول، والغائط، لنقض الوضوء مثلًا، فإن البول يكون معدومًا، وعلة النقض ثابتة بخروج الغائط، وهكذا. وكذلك مع كونها علة واحدة لا بد أيضًا في القدح فيها بعدم العكس من عدم ورود دليل ببقاء الحكم مع ذهاب العلة، فإن دل دليل على بقاء الحكم، مع انتفاء العلة، فلا يقدح فيها بعدم العكس، كالرمل في الأشواط الأول من الطواف، فإن علته هي أن يعلم المشركون: أن الصحابة أقوياء ولم تضعفهم حمى يثرب، وهذه العلة قد زالت مع أن حكمها وهو الرمل في الأشواط المذكورة باق؛ لوجود الدليل على بقائه؛ لأنه ﷺ رمل في حجة الوداع، والعلة المذكورة معدومة قطعًا زمن حجة الوداع كما قدمنا إيضاحه. وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود في مبحث القوادح بقوله:
وعدم العكس مع اتحاد ... يقدح دون النص بالتمادي
стр. 3437
الفرع العاشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: هو نسخ الأمر بالفرع والعتيرة. ونقل النووي في شرحه لمسلم عن عياض: أن جماهير العلماء على نسخ الأمر بالفرع، والعتيرة. وذكر النووي أيضًا في شرحه لمسلم: أن الصحيح عند علماء الشافعية: استحباب الفرع والعتيرة قال: وهو نص الشافعي.
والدليل عندنا على أن الأظهر هو نسخهما: هو ثبوت ما يدل على ذلك عن النبي ﷺ .
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب. قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (ح) وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد: أخبرنا. وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا فرع ولا عتيرة". زاد ابن رافع في روايته: والفرع: أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه. اهـ من صحيح مسلم. وهذا الإِسناد في غاية الصحة من طريقيه كما ترى. وفيه: تصريح النبي ﷺ بأنه لا فرع ولا عتيرة. والفرع بالفاء والراء المفتوحتين بعدهما عين مهملة، جاء تفسيره عن ابن رافع كما ذكره عنه مسلم فيما رأيت.
وقال النووي: قال الشافعي وأصحابه وآخرون: الفرع: هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يملكونه رجاء البركة في الأم، وكثرة نسلها. وهكذا فسره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم. وقال كثيرون منهم: هو أول النتاج، كانوا يذبحونه لآلهتهم: وهي
стр. 3438
طواغيتهم. وكذا جاء هذا التفسير في صحيح البخاري، وسنن أبي داود. وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه. وقال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قدم بكرًا فنحره لصنمه، ويسمونه الفرع. اهـ محل الغرض منه.
وأما العتيرة بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوق فهي ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية أيضًا. وحديث مسلم هذا الذي ذكرنا صريح في نسخ الأمر بها، لأن قوله: "لا فرع ولا عتيرة" نفي أريد به النهي فيما يظهر، كقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا. وعليه فيكون المعنى: لا تعملوا عمل الجاهلية في ذبح الفرع والعتيرة. ولو قدرنا أن الصيغة نافية، فالظاهر أن المعنى: لا فرع ولا عتيرة مطلوبان شرعًا. ونسخهما هو الأظهر عندنا، للحديث الصحيح كما رأيت. ومن زعم بقاء مشروعيتهما، واستحبابهما فقد استدل ببعض الأحاديث على ذلك، وسنذكر حاصلها بواسطة نقل النووي، لأنه جمعها في محل واحد، فقال: منها حديث نبيشة ﵁ قال: نادى رجل رسول الله ﷺ فقال: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فقال: "اذبحوا للَّه في أي شهر كان، وبروا للَّه وأطعموا" قال: إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ فقال: "في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه" رواه أبو داود، وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن المنذر: هو حديث صحيح. قال أبو قلابة، أحد رواة هذا الحديث: السائمة مائة. ورواه البيهقي بإسناده الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ بالفرعة من كل خمسين
стр. 3439
واحدة. وفي رواية: من كل خمسين شاة شاة. قال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح.
وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال الراوي: أراه عن جده. قال: سئل النبي ﷺ عن الفرع فقال: "الفرع حق وإن تركوه حتى يكون بكرًا أو ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناؤك وتوله ناقتك" قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: قال النبي ﷺ : "الفرع حق" ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد ولا شبع فيه. ولذا قال: "تذبحه فيلزق لحمه بوبره" وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ولهذا قال: "خير من أن تكفأ" يعني. أنك إذا فعلت ذلك، فكأنك كفأت إناءك وأرقته. وأشار به إلى ذهاب اللبن، وفيه: أنه يفجعها بولدها ولهذا قال: "وتوله ناقتك" فأشار بتركه، حتى يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة، ثم يذهب وقد طاب لحمه، واستمتع بلبن أمه، ولا تشق عليها مفارقته، لأنه استغنى عنها. هذا كلام أبي عبيد.
وروى البيهقي بإسناده عن الحارث بن عمر قال: أتيت النبي ﷺ بعرفات، أو قال: بمنى، وسأله رجل عن العتيرة؟ فقال: "من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع" وعن أبي رزين قال: يا رسول الله ﷺ إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب، فنأكل منها، ونطعم فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس بذلك". وعن أبي رملة، عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا مع رسول الله ﷺ بعرفات فسمعته يقول: "يا أيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدري ما العتيرة؟ هي: التي تسمى
стр. 3440
الرجبية" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج؛ لأن أبا رملة مجهول. هذا مختصر ما جاء من الأحاديث في الفرع والعتيرة. اهـ كلام النووي.
وقد قدمنا الكلام مستوفى على حديث مخنف بن سليم المقتضى أن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة. وقد علمت حجج الفريقين في الفرع والعتيرة.
وقد قدمنا أن الأظهر عندنا فيهما النسخ، ويترجح ذلك بأمور:
منها: أن حديث مسلم المصرح بذلك أصح من جميع الأحاديث المذكورة في الباب.
ومنها: أن أكثر أهل العلم على النسخ في ذلك، كما ذكره النووي عن عياض.
ومنها: أن ذلك كان من فعل الجاهلية، وكانوا يتقربون بها لطواغيتهما، وللمخالف أن يقول في هذا الأخير: إن المسلمين يتقربون بهما للَّه ويتصدقون بلحومهما. ولم نستقص أقوال أهل العلم في المسألة لقصد الاختصار، لطول الكلام في موضوع آيات الحج هذه.
الفرع الحادي عشر: اعلم أن المعيبة لا تجوز التضحية بها، ولا تجزئ. والأصل في ذلك ما رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن وابن حبان والبيهقي، والحاكم عن البراء بن عازب ﵁، وصححه الترمذي. وقال النووي: في حديث البراء: صحيح رواه
стр. 3441
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، بأسانيد حسنة قال أحمد بن حنبل: ما أحسنه من حديث. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي" وفي رواية "والكسير التي لا تنقي" والتي لا تنقى هي التي لا مخ فيها؛ لأن النِّقْي بكسر النون المشددة وسكون القاف المخ. فقول العرب: أنقت تنقي إنقاء: إذا كان لها مخ ومنه قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
وقول الآخر:
ولا يسرق الكلب السرو نعالنا ... ولا ينتقي المخ الذي في الجماجم
وقال ابن الأثير في النهاية: الكسير: التي لا تنقى، أي: التي لا مخ فيها" لضعفها وهزالها. وقوله في الحديث: البين ضلعها، أي: عرجها كما هو واضح. والضلع بفتح الضاد، واللام، وقد جاء في الحديث عن عليّ ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء" قال المجد في المنتقى: ورواه الخمسة، وصححه الترمذي. ومراده بالخمسة الإِمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث علي المذكور: أخرجه أيضًا البزار، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وأعله الدارقطني. والمقابلة والمدابرة: كلتاهما بفتح الباء بصيغة اسم المفعول. والمقابلة: هي التي قطع شيء من مقدم أذنها ولم ينفصل، بل بقي لاصقًا بالأذن متدليًا، والمدابرة: هي التي قطع شيء من مؤخر أذنها
стр. 3442
على نحو ما ذكرنا فيما قبلها. والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير. والشرقاء: مشقوق الأذن. اهـ. وضابط ما يمنع الإِجزاء هو ما ينقص اللحم.
وقال النووي في شرح المهذب: أجمعوا على أن العمياء لا تجزئ، وكذلك العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء.
واختلفوا في ذاهبة القرن ومكسورته فمذهبنا: أنها تجزئ. قال مالك: إن كانت مكسورة القرن، وهو يدمي لم تجزه، وإلَّا فتجزئه. وقال أحمد: إن ذهب أكثر من نصف قرنها لم تجزه، سواء دميت أم لا، وإن كان دون النصف أجزأته. وأما مقطوعة الأذن، فمذهبنا: أنها لا تجزئ، سواء قطع كلها أو بعضها. وبه قال مالك، وداود. وقال أحمد: إن قطع أكثر من النصف لم تجزه، وإلَّا فتجزئه. وقال أبو حنيفة: إن قطع أكثر من الثلث لم تجزه. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن بقي أكثر من نصف أذنها أجزأت. وأما مقطوعة بعض الألية فلا تجزئ عندنا. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة في رواية: إن بقي الثلث أجزأت، وفي رواية: إن بقي أكثرها أجزأت. وقال داود: تجزئ بكل حال. انتهى محل الغرض من كلام النووي.
ومعلوم أن هناك روايات أخر لم يذكرها عن الأئمة الذين نقل عنهم، ولم نستقص هنا أقوال أهل العلم؛ لأن باب الأضحية جاء في هذا الكتاب استطرادًا، مع أن الكلام في آيات الحج طال كثيرًا، ولذلك اكتفينا هنا بهذه الجمل التي ذكرنا من أحكام الأضاحي.
стр. 3443
مسألة
اعلم أنه لما كانت العمرة قرينة الحج في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أردنا أن نذكر هنا حكم العمرة على سبيل الاختصار استطرادًا. والعمرة في اللغة الزيارة، ومنه قول الراجز:
لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدًا من بعيد وضبر
وهي في الشرع: زيارة بيت الله للنسك المعروف المتركب من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق، أو تقصير.
واعلم: أن العلماء أجمعوا على أن من أحرم بالعمرة وجب عليه إتمامها، ولا يجوز له قطعها، وعدم إتمامها: لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
أما حكم استئناف فعلها فقد اختلف فيه أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنها واجبة في العمر كالحج، وذهب بعضهم: إلى أنها غير واجبة أصلًا، ولكنها سنة في العمر مرة واحدة، وممن قال بأنها فرض في العمر مرة: الشافعي في الصحيح من مذهبه.
قال النووي: وبه قال عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الحضرمي، وعبد الله بن شداد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود.
وممن قال بأنها سنة في العمر ليست بواجبة: مالك وأصحابه،
стр. 3444
وأبو حنيفة، وأبو ثور، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعي. قاله النووي.
وقال ابن قدامة في المغني: وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في إحدى الروايتين. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي. وبه قال الثوري، وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه. والرواية الثانية ليست بواجبة، وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. اهـ محل الغرض منه.
وإذا علمت أقوال العلماء في العمرة: هل هي فرض في العمر، أو سنة؟ فدونك أدلتهم، ومناقشتها باختصار مع بيان ما يظهر رجحانه منها.
أما الذين قالوا: العمرة فرض في العمر، فقد احتجوا بأحاديث:
منها: حديث أبي رزين العقيلي. وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى، وهو أنه "أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج، ولا العمرة ولا الظعن، فقال: حج عن أبيك واعتمر" رواه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الترمذي. ومحل الدليل منه قوله: "واعتمر"، لأنه صيغة أمر بالعمرة، مقرونة بالأمر بالحج، فأفادت صيغة الأمر الوجوب، كما أوضحنا توجيه ذلك مرارًا في هذا الكتاب المبارك. وذكر غير واحد عن الإِمام أحمد ﵀ أنه قال: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح.
ومن أدلتهم على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
стр. 3445
الآية، بناء على أن المراد بإتمامها في الآية ابتداء فعلها على الوجه الأكمل، لا إتمامها بعد الشروع. وقد قدمنا الكلام في الآية بما أغنى عن إعادته هنا. وأن الظاهر أن المتبادر منها: وجوب الإِتمام بعد الشروع من غير تعرض إلى حكم ابتداء فعلها.
ومن أدلتهم على وجوبها: ما رواه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت "الحج والعمرة فريضتان لا يضرك أيهما بدأت". اهـ.
ومن أدلتهم على وجوب العمرة: ما جاء في بعض روايات حديث سؤال جبريل. "وأن تحج وتعتمر" أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم. ورواه المجد في المنتقى بلفظ فقال: "يا محمد ما الإِسلام؟ قال: الإِسلام أن تشهد أن لَا إلهَ إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان" الحديث. وأنه قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" ثم قال المجد: رواه الدارقطني وقال: هذا إسناد ثابت صحيح. ورواه أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين.
ومن أدلتهم على وجوبها: ما أخرجه الإِمام أحمد، وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله ﷺ هل على النساء من جهاد؟ قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة". اهـ. قال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وابن ماجه، وإسناده صحيح.
ومن أجوبة المخالفين عن هذه الأدلة الدالة على وجوب العمرة أن الحديث الذي قال أحمد: لا أعلم حديثًا أجود في إيجاب العمرة منه، وهو حديث أبي رزين العقيلي الذي فيه: "حج عن أبيك
стр. 3446
واعتمر" أن صيغة الأمر في قوله: "واعتمر" واردة بعد سؤال أبي رزين، وقد قرر جماعة من أهل الأصول أن صيغة الأمر الواردة بعد المنع أو السؤال: إنما تقتضي الجواز، لا الوجوب، لأن وقوعها في جواب السؤال عن الجواز دليل صارف عن الوجوب، إلى الجواز. والخلاف في هذه المسألة معروف.
وقد قدمنا الكلام عليه في آيات الحج هذه.
وأجابوا عن آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ بأن المراد بها: الإِتمام بعد الشروع كما تقدم إيضاحه.
وأجابوا عن حديث "الحج والعمرة فريضتان" الحديث. بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف لا يحتج به.
وقال ابن حجر في التلخيص: ثم هو عن ابن سيرين، عن زيد، وهو منقطع، ورواه البيهقي موقوفًا على زيد من طريق ابن سيرين، وإسناده أصح. وصححه الحاكم، ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، وابن لهيعة ضعيف. وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم أن حديث زيد بن ثابت المذكور ليس بصالح للاحتجاج.
وأجابوا عما جاء في حديث جبريل عن عمر مرفوعًا بلفظ "وأن تحج وتعتمر" بجوابين.
أحدهما: أن الروايات الثابتة في صحيح مسلم، وغيره وليس فيها ذكر العمرة وهي أصح. وقد يجاب عن هذا بأن زيادة العدول مقبولة.
والجواب الثاني: هو ما ذكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في شرحه للحديث المذكور، ونص كلامه:
стр. 3447
فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإِسلام يدل على الوجوب. فيقال: ليس كل أمر من الإِسلام واجبًا. والدليل على ذلك: حديث شعب الإِسلام، والإِيمان، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإِجماع. اهـ منه وله وجه من النظر.
وأجابوا عن حديث عائشة: بأن قوله ﷺ : "عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" بأن لفظة عليهن، ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، وإذا كان محتملًا لإرادة الوجوب والسنَّة المؤكدة لزم طلب الدليل بأمر خارج. وقد دل دليل خارج على وجوب الحج، ولم يدل دليل خارج يجب الرجوع إليه على وجوب العمرة.
هذا هو حاصل أدلة القائلين بوجوب العمرة مرة في العمر ومناقشة مخالفيهم لهم.
أما القائلون بأن العمرة سنَّة لا فرض، فقد احتجوا أيضًا بأدلة:
منها: ما رواه الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، والبيهقي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن جابر ﵁ أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: "لا، وأن تعتمر خير لك" وفي رواية: "أولى لك".
وقال صاحب نيل الأوطار: وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله، عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن جابر.
وقال ابن حجر في التلخيص: وفي الباب عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه الدارقطني، وابن حزم والبيهقي. وإسناده ضعيف.
стр. 3448
وأبو صالح ليس هو ذكوان السمان، بل هو أبو صالح ماهان الحنفي، كذلك رواه الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن الثوري، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله ﷺ قال: "الحج جهاد والعمرة تطوع" ورواه ابن ماجه من حديث طلحة، وإسناده ضعيف. والبيهقي من حديث ابن عباس ولا يصح من ذلك شيء.
واستدل بعضهم بما رواه الطبراني من طريق يحيى بن الحارث عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: "من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة".
هذا هو حاصل أدلة من قالوا: بأن العمرة غير واجبة.
وأجاب مخالفوهم عن أدلتهم، قالوا: أما حديث سؤال الأعرابي النبي ﷺ عن وجوب العمرة، وأنه أجابه بأنها غير واجبة، وأنه إن اعتمر تطوعًا، فهو خير له بأنه حديث ضعيف، وتصحيح الترمذي له مردود. ووجه ذلك أن في إسناده: الحجاج بن أرطاة، وأكثر أهل الحديث على تضعيف الحجاج المذكور كما قدمناه مرارًا.
وقال ابن حجر في التلخيص: وفي تصحيحه نظر كثير من أجل الحجاج، فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على أنه مدلس.
وقال النووي: ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فإنه اتفق الحفاظ على تضعيفه. وقد نقل الترمذي، عن الشافعي أنه قال: ليس في العمرة شيء ثابت أنها تطوع. وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل. اهـ محل الغرض من كلام ابن حجر. ثم قال بعد هذا في الحديث المذكور: أنه موقوف على جابر، وقال: كذلك رواه ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن جابر. اهـ منه.
стр. 3449
هذا هو حاصل حجج من قالوا: إن العمرة سنة لا واجبة.
وقال الشوكاني: في نيل الأوطار - بعد أن ساق الأحاديث، التي ذكرنا في عدم وجوب العمرة ما نصه - : قال الحافظ: ولا يصح من ذلك شيء، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره، وهو محتج به عند الجمهور. ويؤيده ما عند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا "من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة غير مكتوبة، فأجره كعمرة" إلى أن قال: والحق عدم وجوب العمرة؛ لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلَّا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضاده بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب، ويؤيد ذلك اقتصاره ﷺ على الحج في حديث "بني الإسلام على خمس" واقتصار الله ﷻ على الحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. انتهى محل الغرض منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما. وقد رأيت الشوكانى رجح عدم الوجوب بموافقته للبراءة الأصلية. والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب، وذلك من ثلاثة أوجه.
الأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل على الخبر المبقي على البراءة الأصلية، وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:
وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر
على إباحة. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . إلخ
стр. 3450
لأن معنى قوله: "وناقل" أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على الخبر المبقي عليها. وعزاه في شرحه المسمى نشر البنود للجمهور، وهو المشهور عند أهل الأصول.
الثاني: أن جماعة من أهل الأصول رجحوا الخبر الدال على الوجوب على الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك: هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود المذكور آنفًا:
. . . . . . . . . ... . . . . . . ثم هذا الآخر
على إباحة. . . . . ... . . . . . . . . . . . إلخ
لأن مراده بالآخر المقدم على الإِباحة: هو الخبر الدال على الأمر، فالأول الدال على النهي؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، ثم الدال على الأمر للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ثم الدال على الإِباحة ويشمل غير الواجب، فيدخل فيه المسنون والمندوب، لاشتراك الجميع في عدم العقاب على ترك الفعل.
الثالث: أنك إن عملت بقول من أوجبها فأديتها على سبيل الوجوب برئت ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها، ولو مشيت على أنها غير واجبة فلم تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبًا بواجب على قول جمع كثير من العلماء. والنبي ﷺ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ويقول: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وهذا المرجع راجع في الحقيقة لما قبله. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3451
فروع تتعلق بهذه المسألة
اعلم: أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن جميع السَّنة وقت للعمرة إلَّا أيام التشريق. فلا تنبغي العمرة فيها حتى تغرب شمس اليوم الرابع عشر (١)، على ما قاله جمع من أهل العلم.
الفرع الثاني: اعلم أنه قد صح عن النبي ﷺ : أن عمرة في رمضان تعدل حجة. وفي بعض روايات الحديث في الصحيح "حجة معي".
الفرع الثالث: اعلم أن التحقيق أن النبي ﷺ لم يعتمر في رجب بعد الهجرة قطعًا، وأنه لم يعتمر بعد الهجرة إلَّا أربع عمر:
الأولى: عمرة الحديبية في ذي القعدة، من عام ست، وصده المشركون، وأحل ونحر من غير طواف ولا سعي، كما هو معلوم.
الثانية: عمرة القضاء في ذي القعدة، عام سبع، وهي التي وقع عليها صلح الحديبية. وقد قدمنا في سورة البقرة وجه تسميتها عمرة القضاء وأوضحناها.
الثالثة: عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، بعد فتح مكة في رمضان عام ثمان.
الرابعة: العمرة التي قرنها، مع حجة الوداع. هذا هو التحقيق.
وقد قدمنا الإِشارة إليه. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام العمرة؛ لأن غالب أحكامها ذكرناه في أثناء كلامنا على مسائل الحج، والعلم عند الله تعالى.
стр. 3452
• قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ .
صيغة الأمر في هذه الآية الكريمة تدل على وجوب الإِيفاء بالنذر، كما قدمنا مرارًا أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب، على الأصح إلَّا لدليل صارف عنه.
ومما يدل من القرآن على لزوم الإِيفاء بالنذر أنه تعالى أشار إلى أنه هو، والخوف من أهوال يوم القيامة من أسباب الشرب من الكأس الممزوجة بالكافور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ ثم أشار إلى بعض أسباب ذلك فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ فالوفاء بالنذر ممدوح على كل حال، وإن كانت آية الإِنسان ليست صريحة في وجوبه، وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ الآية. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن إن لم يكن وافيًا بالمقصود أتممناه بالبيان بالسنَّة. ولذلك سنبين هنا ما تقتضيه السنَّة من النذر الذي يجب الإِيفاء به، والذي لا يجب الإِيفاء به.
اعلم أولًا: أن الأمر المنذور له في الجملة حالتان:
الأولى: أن يكون فيه طاعة للَّه.
والثانية: ألا يكون فيه طاعة للَّه، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما هو معصية للَّه.
والثاني: ما ليس فيه معصية في ذاته، ولكنه ليس من جنس الطاعة، كالمباح الذي لم يؤمر به.
стр. 3453
والذي يجب اعتماده بالدليل في الأقسام الثلاثة المذكورة: أن المنذور إن كان طاعة للَّه، وجب الإِيفاء به، سواء كان في ندب كالذي ينذر صدقة بدراهم على الفقراء، أو ينذر ذبح هدي تطوعًا أو صوم أيام تطوعًا، ونحو ذلك، فإن هذا ونحوه يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به. وكذلك الواجب إن تعلق النذر بوصف، كالذي ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، فإنه يجب عليه الإِيفاء بذلك.
أما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، فلا أثر لنذره، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر.
وإن كان المنذور معصية للَّه، فلا يجوز الوفاء به، وإن كان جائزًا لا نهي فيه ولا أمر، فلا يلزم الوفاء به.
أما الدليل على وجوب الإِيفاء في نذر الطاعة وعلى منعه في نذر المعصية فهو: أن النبي ﷺ ثبت عنه ذلك.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". اهـ. وهو ظاهر في وجوب الإِيفاء بنذر الطاعة، ومنع الإِيفاء بنذر المعصية.
وقال البخاري أيضًا: حدثنا أبو عاصم، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، إلى آخر الإِسناد والمتن المذكورين آنفًا.
وإذا علمت أن هذا الحديث الصحيح، قد دل على لزوم الإِيفاء بنذر الطاعة، ومنعه في نذر المعصية.
فاعلم أن الدليل على عدم الإِيفاء بنذر الأمر الجائز: هو أنه ثبت أيضًا عن النبي ﷺ .
стр. 3454
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال "بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه". اهـ محل الغرض من صحيح البخاري. وفيه التصريح بأن ما كان من نذره من جنس الطاعة، وهو الصوم أمره ﷺ بإتمامه، وفاء بنذره، وما كان من نذره مباحًا لا طاعة، كترك الكلام، وترك القعود، وترك الاستظلال، أمره بعدم الوفاء به. وهو صريح في أنه لا يجب الوفاء به.
واعلم أنا لم نذكر أقوال أهل العلم هنا للاختصار، ولوجود الدليل الصحيح من السنَّة على ما ذكرنا.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنه لا نذر لشخص في التقرب بشيء لا يملكه، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وعلي بن حجر السعدي، واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ . الحديث بطوله. وفيه ما نصه: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم
стр. 3455
يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإِبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ قال: وناقة منوقة فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم قال: ونذرت للَّه إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة، رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله ﷺ ، قالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له فقال: "سبحان الله بئسما جزتها، نذرت للَّه إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد". . . الحديث. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ "ولا فيما لا يملك العبد" وهذا نص صحيح صريح فيما ذكرنا. ويؤيده حديث ثابت بن الضحاك أنه ﷺ قال: "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم". اهـ.
قال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أبو داود، والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإِسناد. وله شاهد من حديث كردم عند أحمد.
الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن نذر نذرًا لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين، أو لا يلزمه شيء؟ وحجة من قال لا يلزمه شيء: هو حديث نذر أبي إسرائيل، أنه لا يقعد ولا يتكلم، ولا يستظل، وقد أمره النبي ﷺ في الحديث الصحيح المذكور آنفًا: أنه لا يفي بهذا النذر، ولم يقل له إن عليه كفارة يمين.
وقد قدمنا هذا في سورة مريم موضحًا. وقد قدمنا أن القرطبي قال في قصة أبي إسرائيل: هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم
стр. 3456
وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه. فقد قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بالكفارة.
وأما الذين قالوا: إن النذر الذي لا يجب الوفاء به تجب فيه كفارة يمين فقد احتجوا بما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني هارون بن سعيد الإِيلي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عيسى، قال يونس: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة اليمين". اهـ. وظاهره شموله للنذر الذي لا يجب الوفاء به.
وقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلًا: إن كلمت زيدًا مثلًا، فللَّه عليَّ حجة، أو غيرها، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه. هذا هو الصحيح في مذهبنا. وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذر. وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين. واللَّه أعلم. اهـ كلام النووي.
ولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإِيفاء به، وبين شيء آخر،
والأظهر عندي في معنى الحديث: أن من نذر نذرًا مطلقًا كأن
стр. 3457
يقول: عليَّ للَّه نذر أنه تلزمه كفارة يمين، لما رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" وروى نحوه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس. وفي الحديثين بيان المراد بحديث مسلم بأن المراد به: النذر المطلق الذي لم يسم صاحبه ما نذره، بل أطلقه، والبيان يجوز بكل ما يزيل الإِيهام، كما قدمناه مرارًا، والمطلق يحمل على المقيد.
ومما يؤيد القول بلزوم الكفارة في نذر اللجاج أن النبي ﷺ لما حرم شرب العسل على نفسه في قصة ممالأة أزواجه عليه، وأنزل الله في ذلك: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال الله بعد ذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فدل ذلك على لزوم كفارة اليمين. وكذلك قال ابن عباس وغيره بلزوم كفارة اليمين، على القول بأنه حرم جاريته، والأقوال فيمن حرم زوجته، أو جاريته، أو شيئًا من الحلال معروفة عند أهل العلم. فغير الزوجة والأمة لا يحرم بالتحريم قولًا واحدًا والخلاف في لزوم كفارة اليمين، وعدم لزومها، وظاهر الآية لزومها. وبعض العلماء يقول: لا يلزم فيه شيء، وهو مذهب مالك وأصحابه، أما تحريم الرجل امرأته أو جاريته، ففيه لأهل العلم ما يزيد على ثلاثة عشر مذهبًا معروفة في محلها، وأجراها على القياس في تحريم الزوجة لزوم كفارة الظهار؛ لأن من قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، فهو بمثابة ما لو قال لها: أنت حرام، والظهار نص الله في كتابه على أن فيه كفارته المنصوصة في سورة المجادلة.
أما نذر اللجاج فقد قدمنا القول بأن فيه كفارة يمين، والمراد بنذر اللجاج النذر الذي يراد به الامتناع من أمر، لا التقرب إلى الله.
стр. 3458
قال ابن قدامة في المغني: وجملته أنه إذا أخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئًا، أو يحث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا، فللَّه عليَّ الحج، أو صدقة مالي، أو صوم سنة، فهذا يمين، حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور، وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج، والغضب، ولا يتعين الوفاء به، ثم قال: وهذا قول عمر، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة، وبه قال عطاء، وطاوس وعكرمة، والقاسم والحسن، وجابر بن زيد، والنخعي، وقتادة، وعبد الله بن شريك، والشافعي، والعنبري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج. وعن الشعبي، والحارث العكلي، وحماد، والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ماله؛ لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف باللَّه لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم الله، ولا يجب ما سماه؛ لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه على طريق العقوبة، فلم يلزمه. وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره؛ لأنه نذر فيلزم الوفاء به كنذر البر. وروي نحو ذلك عن الشعبي.
ولنا ما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد بن منصور والجوزجاني في المترجم. وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من حلف بالمشي والهدي، أو جعل ماله في سبيل الله، أو في المساكين، أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة يمين". . . إلى أن قال: وعن أحمد رواية ثانية: أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه الوفاء بنذره. وهو قول بعض
стр. 3459
أصحاب الشافعي لأنه يمين. اهـ محل الغرض من المغني.
وروى أبو داود، عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك". اهـ. رواه أبو داود. وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر. قال بعضهم: وعليه فهو من مراسيل سعيد. وذكر جماعة أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁. وعن أحمد ما يدل على سماع سعيد من عمر، وأنه قال: إن لم نقبل سعيدًا عن عمر، فمن يقبل. والظاهر سماعه من عمر كما صدر بما يدل عليه صاحب تهذيب التهذيب. وعن مالك وغيره أنه لم يدرك عمر. وحديث سعيد المذكور عن عمر: إما متصل، وإما مرسل من مراسيل سعيد، وقد قدمنا كلام العلماء فيها.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن الخطاب، فهو منقطع، وروي نحوه عن عائشة؛ أنها سُئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة. فقالت: يكفر عن اليمين. أخرجه مالك، والبيهقي بسندٍ صحيح. وصححه ابن السكن. اهـ. ولفظ مالك في الموطأ فقالت عائشة ﵂: يكفره ما يكفر اليمين. وليس في الموطأ أن فتواها هذه في نذر لجاج، بل الذي فيه: أنها سئلت عن رجل قال: مالي في رتاج الكعبة؛ وهو بابها. وهو براء مكسورة، فمثناة فوقية بعدها ألف فجيم.
стр. 3460
وهذا الذي ذكرنا هو حاصل حجة من قال: إن نذر اللجاج فيه كفارة يمين. وهو الأقرب عندي لما ذكرنا، خلافًا لمن قال: لا شيء فيه.
وأما نذر المعصية فلا خلاف في أنه حرام، وأن الوفاء به ممنوع، وإنما الخلاف في لزوم الكفارة به. فذهب جمهور أهل العلم أنه لا كفارة فيه. وعن أحمد والثوري وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية: فيه الكفارة. وذكر الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك.
واحتج من قال بأنه ليس فيه كفارة بالأحاديث الصحيحة الواردة بأنه لا نذر في معصية. ونفي نذر المعصية مطلقًا يدل على نفي أثره، فإذا انتفى النذر من أصله انتفت كفارته، لأن التابع ينتفي بانتفاء المتبوع. وإن قلنا: إن الصيغة في قوله: "لا نذر في معصية" خبر أريد به الإِنشاء، وهو النهي عن نذر المعصية، فالنهي يقتضي الفساد، وإذا فسد المنذور بالنهي بطل معه تأثيره في الكفارة. قالوا: والأصل براءة الذمة من الكفارة. قالوا: ومما يؤيد ذلك الأحاديث الواردة بأنه لا نذر إلَّا فيما ابتغي به وجه الله.
قال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وأبو داود. وفي لفظ عند أحمد: إنما النذر ما ابتغي به وجه الله، وهو من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وفي إسناده مناقشات تركناها اختصارًا.
واحتج من قال بأن في نذر المعصية كفارة ببعض الأحاديث الواردة بذلك.
منها: ما روي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
стр. 3461
قال المجد في المنتقى: رواه الخمسة، واحتج به أحمد، وإسحاق. ومعلوم أن مراده بالخمسة: الإِمام أحمد، وأصحاب السنن.
ولفظ أبي داود في هذا الحديث: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
حدثنا ابن السرح قال: ثنا وهب، عن يونس، عن ابن شهاب بمعناه وإسناده. قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبيويه، يقول: قال ابن المبارك - يعني في هذا الحديث - : حدث أبو سلمة. فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.
وقال أحمد بن محمد: وتصديق ذلك: ما حدثنا أيوب - يعني ابن سليمان - قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك، وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه، يعني: أيوب بن سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب.
حدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم: أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه،
стр. 3462
عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ . أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂.
قال أبو داود: روى بقية عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله. اهـ من سنن أبي داود بلفظه. وفيه سوء ظن كثير بالزهري، وهو أنه حذف من إسناد الحديث واسطتين: وهما سليمان بن أرقم، ويحيى بن أبي كثير، وأرسله عن أبي سلمة. وكذلك قال الترمذي بعد إخراجه لحديث عائشة المذكور، لا يصح؛ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة. ومما يقوي سوء الظن المذكور بالزهري: أن سليمان بن أرقم الذي حذفه من الإسناد متروك لا يحتج بحديثه، فحذف المتروك، ورواية حديثه عمن فوقه من العدول من تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس وأقبحها، ولا شك أن هذا النوع من التدليس قادح فيمن تعمده. وما ذكره بعضهم: من أن الثوري والأعمش كانا يفعلان هذا النوع من التدليس مجاب عنه بأنهما لا يدلسان إلَّا عمن هو ثقة عندهما، وإن كان ضعيفًا عند غيرهما. ومن المستبعد أن يكون الزهري يحسن الظن بسليمان بن أرقم مع اتفاق الحفاظ على عدم الاحتجاج به.
والحاصل: أن لزوم الكفارة في نذر المعصية جاءت فيه أحاديث متعددة، لا يخلو شيء منها من كلام. وقد يقوي بعضها بعضًا.
وقال الشوكاني: قال النووي في الروضة: حديث "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" ضعيف باتفاق المحدثين.
стр. 3463
قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي، وأبو علي بن السكن، فأين الاتفاق. انتهى منه.
وقد تركنا تتبع الأحاديث الواردة فيه، ومناقشتها اختصارًا. والأحوط لزوم الكفارة؛ لأن الأمر مقدم على الإباحة كما تقرر في الأصول؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. فمن أخرج كفارة عن نذر المعصية، فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع ومن لم يخرجها بقي مطالبًا بها على قول أحمد، ومن ذكرنا معه.
الفرع الثالث: اعلم أن من نذر شيئًا من الطاعة لا يقدر عليه لا يلزمه الوفاء به؛ لعجزه عنه.
واختلف فيما يلزمه في ذلك المعجوز عنه، فلو نذر مثلًا أن يحج، أو يعتمر ماشيًا على رجليه، وهو عاجز عن المشي جاز له الركوب؛ لعجزه عن المشي، وإن قدر على المشي لزمه.
وفي حالة ركوبه عند العجز اختلف العلماء فيما يلزمه فقال بعضهم: لا شيء عليه؛ لأنه عاجز واللَّه يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقد عجز عما نذر، ولا يلزمه شيء غير ما نذر. وقال بعضهم: تلزمه كفارة يمين. وقال بعضهم: يلزمه صوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم: تلزمه بدنة. وقال بعضهم: يلزمه هدي.
قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ولا يجزئه المشي إلَّا في
стр. 3464
الحج أو العمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع: هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي، ويلزمه المشي فيه لنذره، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعي. وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبي ﷺ أن تركب، وتهدي هديًا. رواه أبو داود، وفيه ضعف، ولأنه أخل بواجب في الإِحرام فلزمه هدي كتارك الإِحرام من الميقات. وعن ابن عمر وابن الزبير قالا: يحج من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب ونحوه قال ابن عباس وزاد فقال: ويهدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعي روايتان: إحداهما: كقول ابن عمر، والثانية: كقول ابن عباس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هدي سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه. وأقل الهدي شاة، وقال الشافعي: لا يلزمه مع العجز كفارة بحال إلَّا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان. وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء. اهـ محل الغرض من المغني.
وإذا علمت أقوال أهل العلم فيما يلزم من نذر شيئًا، وعجز عنه، فهذه أدلة أقوالهم نقلناها ملخصة بواسطة نقل المجد في المنتقى؛ لأنه جمعها في محل واحد.
أما من قال: تلزمه كفارة يمين فقد احتج بما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر نذرًا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين". اهـ.
стр. 3465
قال الحافظ في بلوغ المرام، في حديث ابن عباس هذا: إسناده صحيح إلَّا أن الحفاظ رجحوا وقفه. اهـ كما تقدمت الإِشارة إليه.
ومن أدلة أهل هذا القول ما رواه كريب، عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال. "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها" رواه أحمد، وأبو داود.
وقال في نيل الأوطار: في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود، والمنذرى، ورجاله رجال الصحيح. والظاهر المتبادر أن المراد بالتكفير عن اليمين هو كفارة اليمين المعروفة. ولقد صدق الشوكاني في أن رجال حديث أبي داود المذكور رجال الصحيح، لأن أبا داود قال: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، ثنا أبو النضر، ثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس إلى آخر الحديث المذكور، فطبقة إسناده الأولى حجاج بن أبي يعقوب، وهو حجاج بن الشاعر الذي أكثر مسلم في صحيحه من الإِخراج له، وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية: أبو النضر وهو هاشم بن القاسم بن مسلم بن مقسم الليثي البغدادي خراساني الأصل، ولقبه قيصر، وهو ثقة ثبت، أخرج له الجميع، وطبقته الثالثة هي: شريك، وهو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي، أبو عبد الله الكوفي القاضي. أخرج له البخاري تعليقًا، وهو من رجال مسلم. وظاهر كلام ابن حجر في تهذيب التهذيب: أن مسلمًا إنما أخرج له في المتابعات، وكلام أهل العلم فيه كثير بين مثن وذاكر غير ذلك، وطبقته الرابعة: محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وهو من رجال مسلم، وهو ثقة، وطبقته الخامسة: كريب بن أبي مسلم
стр. 3466
الهاشمي مولى ابن عباس، ومعلوم أنه ثقة، وأنه أخرج له الجميع.
هذا هو حاصل حجة من قال: إن على من نذر نذرًا، ولم يطقه كفارة يمين.
وأما الذين قالوا: عليه صيام ثلاثة أيام، فقد احتجوا بما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر ﵁ أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، فسأل النبي ﷺ فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". اهـ بواسطة نقل المجد في المنتقى.
قال الشوكاني في هذا الحديث: حسنه الترمذي، ولكن في إسناده عبيد الله بن زحر، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. اهـ محل الغرض منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر كلام أبي داود في عبد الله بن زحر المذكور: أنه ثقة عنده؛ لأنه ذكر تزكيته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يتعقب ذلك بشيء.
فقد قال أبو داود في هذا الحديث: حدثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني عبيد الله ابن زحر؛ أن أبا سعيد أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره؛ أن عقبة بن عامر أخبره أنه سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام".
حدثنا مخلد بن خالد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: كتبت إلى يحيى بن سعيد أخبرني عبيد الله بن ذحر، مولى لبني ضمرة، وكان أيما رجل أن أبا سعيد الرعيني، أخبره. بإسناد يحيى،
стр. 3467
ومعناه. اهـ. من سنن أبي داود. فكتابة يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ابن جريج في ابن زحر المذكور: "وكان أيما رجل" فيه أعظم تزكية؛ لأن قولهم: "فكان أيما رجل" يدل على أنه من أفاضل الرجال والتفضيل في هذا المقام إنما هو في الثقة والعدالة، كما ترى. ومن هذا القبيل قول الراعي:
فأومأت إيماء خفيًا لحبتر ... فللَّه عينا حبتر أيما فتى
وقال ابن حجر في التقريب في ابن زحر المذكور: صدوق يخطئ، وكلام أئمة الحديث فيه كثير منهم المثني، ومنهم القادح.
وحجة من قال: إن عليه بدنة هي ما رواه عكرمة، عن ابن عباس؛ أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النبي ﷺ : "إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة" رواه أحمد، وأبو داود.
وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.
وحجة من قال: إن عليه هديًا هي ما رواه أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو الوليد، ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي ﷺ أن تركب، وتهدي هديًا. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود والمنذري.
ولزوم الهدي المذكور مروي عن مالك في الموطأ. وفسر الهدي: ببدنة، أو بقرة، أو شاة، إن لم تجد غيرها.
стр. 3468
هذا هو حاصل أدلة أقوال أهل العلم فيما يلزم من نذر شيئًا، وعجز عن فعله. والقول بالهدي والقول بالبدنة يمكن الجمع بينهما؛ لأن البدنة هدي، والخاص يقضي على العام.
وقد ذكرنا كلام الناس في أسانيد الأحاديث الواردة في ذلك وأحوطها فيمن عجز عن المشي الذي نذره في الحج: البدنة؛ لأنها أعظم ما قيل في ذلك، وليس من المستبعد أن تلزم البدنة، وأنه يجزئ الهدى، والصوم، وكفارة اليمين؛ لأن كل الأحاديث الواردة بذلك ليس فيها التصريح بنفي إجزاء شيء آخر، فحديث لزوم كفارة اليمين لم يصرح بعدم إجزاء البدنة، وحديث الهدي لم يصرح بعدم إجزاء الصوم مثلًا. وهكذا.
وقد عرفت أقوال أهل العلم في ذلك مع أن الأحاديث لا يخلو شيء منها من كلام. وظاهر النصوص العامة أنه لا شيء عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وقد ثبت صحيح مسلم: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية. قال الله: قد فعلت. وفي رواية: نعم. ويدخل في حكم ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية.
الفرع الرابع: في حكم الإِقدام على النذر مع تعريفه لغة وشرعًا.
اعلم أن الأحاديث الصحيحة دلَّت على أن النذر لا ينبغي وأنه منهي عنه، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به إن كان قربة كما تقدم.
стр. 3469
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا سعيد بن الحارث، أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أو لم ينهوا عن النذر، إن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر شيئًا، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" وفي البخاري عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن النذر فقال: "إنه لا يرد شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل" وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل". اهـ. من صحيح البخاري. وهو صريح في النهي عن النذر، وأنه ليس ابتداء فعله من الطاعات المرغب فيها.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ يومًا ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح" وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "النذر لا يقدم شيئًا، ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل، وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من
стр. 3470
القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". اهـ. من صحيح مسلم.
وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من النخيل.
وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف؛ لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، كقوله تعالى في هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية. وكقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن شعبة: حدثني أبو جمرة، حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين ﵄، يحدث عن النبي ﷺ قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدرى ذكر ثنتين