Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
الهاشمي مولى ابن عباس، ومعلوم أنه ثقة، وأنه أخرج له الجميع.
هذا هو حاصل حجة من قال: إن على من نذر نذرًا، ولم يطقه كفارة يمين.
وأما الذين قالوا: عليه صيام ثلاثة أيام، فقد احتجوا بما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر ﵁ أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، فسأل النبي ﷺ فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام". اهـ بواسطة نقل المجد في المنتقى.
قال الشوكاني في هذا الحديث: حسنه الترمذي، ولكن في إسناده عبيد الله بن زحر، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. اهـ محل الغرض منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر كلام أبي داود في عبد الله بن زحر المذكور: أنه ثقة عنده؛ لأنه ذكر تزكيته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يتعقب ذلك بشيء.
فقد قال أبو داود في هذا الحديث: حدثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني عبيد الله ابن زحر؛ أن أبا سعيد أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره؛ أن عقبة بن عامر أخبره أنه سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام".
حدثنا مخلد بن خالد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: كتبت إلى يحيى بن سعيد أخبرني عبيد الله بن ذحر، مولى لبني ضمرة، وكان أيما رجل أن أبا سعيد الرعيني، أخبره. بإسناد يحيى،
стр. 3467
ومعناه. اهـ. من سنن أبي داود. فكتابة يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ابن جريج في ابن زحر المذكور: "وكان أيما رجل" فيه أعظم تزكية؛ لأن قولهم: "فكان أيما رجل" يدل على أنه من أفاضل الرجال والتفضيل في هذا المقام إنما هو في الثقة والعدالة، كما ترى. ومن هذا القبيل قول الراعي:
فأومأت إيماء خفيًا لحبتر ... فللَّه عينا حبتر أيما فتى
وقال ابن حجر في التقريب في ابن زحر المذكور: صدوق يخطئ، وكلام أئمة الحديث فيه كثير منهم المثني، ومنهم القادح.
وحجة من قال: إن عليه بدنة هي ما رواه عكرمة، عن ابن عباس؛ أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النبي ﷺ : "إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة" رواه أحمد، وأبو داود.
وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.
وحجة من قال: إن عليه هديًا هي ما رواه أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو الوليد، ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي ﷺ أن تركب، وتهدي هديًا. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود والمنذري.
ولزوم الهدي المذكور مروي عن مالك في الموطأ. وفسر الهدي: ببدنة، أو بقرة، أو شاة، إن لم تجد غيرها.
стр. 3468
هذا هو حاصل أدلة أقوال أهل العلم فيما يلزم من نذر شيئًا، وعجز عن فعله. والقول بالهدي والقول بالبدنة يمكن الجمع بينهما؛ لأن البدنة هدي، والخاص يقضي على العام.
وقد ذكرنا كلام الناس في أسانيد الأحاديث الواردة في ذلك وأحوطها فيمن عجز عن المشي الذي نذره في الحج: البدنة؛ لأنها أعظم ما قيل في ذلك، وليس من المستبعد أن تلزم البدنة، وأنه يجزئ الهدى، والصوم، وكفارة اليمين؛ لأن كل الأحاديث الواردة بذلك ليس فيها التصريح بنفي إجزاء شيء آخر، فحديث لزوم كفارة اليمين لم يصرح بعدم إجزاء البدنة، وحديث الهدي لم يصرح بعدم إجزاء الصوم مثلًا. وهكذا.
وقد عرفت أقوال أهل العلم في ذلك مع أن الأحاديث لا يخلو شيء منها من كلام. وظاهر النصوص العامة أنه لا شيء عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويقول النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" وقد ثبت صحيح مسلم: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية. قال الله: قد فعلت. وفي رواية: نعم. ويدخل في حكم ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية.
الفرع الرابع: في حكم الإِقدام على النذر مع تعريفه لغة وشرعًا.
اعلم أن الأحاديث الصحيحة دلَّت على أن النذر لا ينبغي وأنه منهي عنه، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به إن كان قربة كما تقدم.
стр. 3469
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا سعيد بن الحارث، أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أو لم ينهوا عن النذر، إن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر شيئًا، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" وفي البخاري عن ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن النذر فقال: "إنه لا يرد شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل" وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل". اهـ. من صحيح البخاري. وهو صريح في النهي عن النذر، وأنه ليس ابتداء فعله من الطاعات المرغب فيها.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ يومًا ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح" وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "النذر لا يقدم شيئًا، ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل، وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من
стр. 3470
القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج". اهـ. من صحيح مسلم.
وهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من النخيل.
وفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف؛ لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، كقوله تعالى في هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية. وكقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن شعبة: حدثني أبو جمرة، حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين ﵄، يحدث عن النبي ﷺ قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدرى ذكر ثنتين
стр. 3471
أو ثلاثًا بعد قرنه "ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن". اهـ. من صحيح البخاري. وهو ظاهر جدًّا في إثم الذين لا يوفون بنذرهم، وأنهم كالذين يخونون، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه، عن عمران بن حصين.
وقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا: فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجب بلا خلاف، وإن كان ابتداء النذر منهيًا عنه. كما سبق في بابه، اهـ. محل الغرض منه.
ولأجل هذا الإِشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإِقدام على النذر، فذهب المالكية إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائمًا، كصوم يوم من كل أسبوع فهو مكروه عندهم. وذهب أكثر الشافعية إلى أنه مكروه، ونقله بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه. ونقل نحوه عن المالكية أيضًا، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة. وجزم الحنابلة بالكراهة. وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وكراهته مروية عن بعض الصحابة. اهـ. بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. وجزم صاحب المغني: بأن النهي عنه نهي كراهة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإِشكال الذي لا ينبغي العدول عنه: أن نذر القربة على نوعين.
أحدهما: معلق على حصول نفع، كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي للَّه نذر كذا، أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف، فعلي للَّه نذر كذا، ونحو ذلك.
стр. 3472
والثاني: ليس معلقًا على نفع للناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربًا خالصًا بنذر كذا من أنواع الطاعة، وأن النهي إنما هو في القسم الأول، لأن النذر فيه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر، وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أن القدر فيه غالب على النذر، وأن النذر لا يرد فيه شيئًا من القدر.
أما القسم الثاني: وهو نذر القربة الخالص من اشتراط النفع في النذر، فهو الذي فيه الترغيب والثناء على الموفين به المقتضي أنه من الأفعال الطيبة. وهذا التفصيل قالت به جماعة من أهل العلم.
وإنما قلنا: إنه لا ينبغي العدول عنه لأمرين.
الأول: أن نفس الأحاديث الواردة في ذلك فيها قرينة واضحة دالة عليه، وهو ما تكرر فيها من أن النذر لا يرد شيئًا من القدر، ولا يقدم شيئًا، ولا يؤخر شيئًا، ونحو ذلك، فكونه لا يرد شيئًا من القدر قرينة واضحة على أن الناذر أراد بالنذر جلب نفع عاجل، أو دفع ضر عاجل، فبين ﷺ أن ما قضي الله به في ذلك واقع لا محالة، وأن نذر الناذر لا يرد شيئًا كتبه الله عليه، ولكنه إن قدر الله ما كان يريده الناذر بنذره، فإنه يستخرج بذلك من البخيل الشيء الذي نذر. وهذا واضح جدًّا كما ذكرنا.
الثاني: أن الجمع واجب إذا أمكن، وهذا جمع ممكن بين الأدلة واضح تنتظم به الأدلة، ولا يكون بينها خلاف. ويؤيده أن الناذر الجاهل قد يظن أن النذر قد يرد عنه ما كتبه الله عليه. هذا هو الظاهر في حل هذا الإِشكال. وقد قال به غير واحد. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3473
تنبيه
فإن قيل: إن النذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا، فللَّه علي نذر كذا، قد ذكرتم أنه هو المنهي عنه، وإذا تقرر أنه منهي عنه لم يكن من جنس القربة، فكيف يجب الوفاء بمنهي عنه.
والجواب: أن النص الصحيح دل على هذا، فدل على النهي عنه أولًا، كما ذكرنا الأحاديث الدالة على ذلك، ودل على لزوم الوفاء به بعد الوقوع، فقوله ﷺ : "إنما يستخرج به من النخيل" نص صريح في أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر إخراجه، وهو المصرح بالنهي عنه أولًا، ولا غرابة في هذا؛ لأن الواحد بالشخص قد يكون له جهتان. فالنذر المذكور له جهة هو منهي عنه من أجلها ابتداء: وهي شرط حصول النفع فيه، وله جهة أخرى هو قربة بالنظر إليها: وهو إخراج المنذور تقربًا للَّه، وصرفه في طاعة الله. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن النذر في اللغة النحب، وهو ما يجعله الإِنسان نحبًا واجبًا عليه قضاؤه، ومنه قول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلالٌ وباطل
وحاصله: أنه إلزام الإِنسان نفسه بشيء لم يكن لازمًا لها، فيجعله واجبًا عليها. وهو في اصطلاح الشرع: التزام المكلف قربة لم تكن واجبة عليه.
وقال ابن الأثير في النهاية. يقال: نذرتُ أنذُرُ وأنذِرُ نذرًا إذا أوجبت على نفسي شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة أو غير ذلك. وقد
стр. 3474
تكرر في أحاديثه ذكر النهي عنه وهو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يرد قضاء. فقال: لا تنذروا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم. اهـ. الغرض من كلام ابن الأثير. وقد قاله غيره. ولا يساعد عليه ظواهر الأحاديث.
فالظاهر أن الأرجح الذي لا ينبغي العدول عنه هو ما قدمنا من الجمع. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن تعريف المالكية للنذر شرعًا: بأنه التزام مسلم مكلف، ولو غضبان إلى آخره فيه أمران.
الأول: أن اشتراط الإِسلام في النذر فيه نظر؛ لأن ما نذره الكافر من فعل الطاعات قد ينعقد نذره له، بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان لغوًا غير منعقد لما كان له أثر بعد الإِسلام.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله؛ أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله ﷺ إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "أوف بنذرك". انتهى منه. فقوله ﷺ لعمر في هذا الحديث الصحيح: "أوف بنذرك" مع أن نذره في الجاهلية صريح في ذلك كما ترى. ولا التفات إلى ما أوله به بعض العلماء من المالكية
стр. 3475
وغيرهم. وقول المالكية في تعريف النذر: ولو غضبان لا يخفى أن العلماء مختلفون في نذر الغضبان، هل يلزم فيه ما نذر، أو هو من نوع اللجاج، تلزم فيه كفارة يمين؟ كما أوضحنا حكمه سابقًا.
الفرع الخامس: اعلم أنه قد دل الحديث على أن من نذر أن ينحر تقربًا للَّه في محل معين، فلا بأس بإيفائه بنذره، بأن ينحر في ذلك المحل المعين إذا لم يتقدم عليه أنه كان به وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية. ومفهومه أنه إن كان قد سبق أن فيه وثنًا يعبد، أو عيدًا من أعياد الجاهلية أنه لا يجوز النحر فيه.
قال أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ ، أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة فقال النبي ﷺ : "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". اهـ. منه.
وفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال، والعلم عند الله تعالى. وإسناد الحديث صحيح.
الفرع السادس: اعلم أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن من مات وعليه نذر أنه يقضى عنه، وسنقتصر هنا على قليل منها اختصارًا لصحته، وثبوته.
стр. 3476
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي ﷺ في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه: أن يقضيه عنها فكانت سنة بعد. اهـ من صحيح البخاري.
وقد قدمنا بعض الأحاديث الدالة على ذلك فيمن مات وعليه نذر الحج أنه يقضى عنه كما تقدم إيضاحه. والأحاديث في هذا الباب كثيرة معروفة.
تنبيه
اعلم: أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بقضاء الصلاة المنذورة عن الميت إذا مات ولم يصل ما نذر.
قال البخاري في صحيحه: باب من مات وعليه نذر. وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء فقال: صلي عنها. وقال ابن عباس نحوه. اهـ. من البخاري. وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته: أنها حدثته، عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها. قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: لا يمشي أحد عن أحد. اهـ. من الموطأ.
وقال الزرقاني في شرحه: قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة.
قال ابن عبد البر: يعني: لا يعرف إيجاب المشي للحالف،
стр. 3477
والناذر. وأما المتطوع، فقد روى مالك فيما مر أنه ﷺ كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا، وأن إتيانه مرغب فيه. اهـ. منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي عليه جمهور أهل العلم، وحكى ابن بطال الإِجماع عليه أنه لا يصلي أحد عن أحد. أما الصوم والحج عن الميت فقد قدمنا مشروعيتهما وإن خالف جل أهل العلم في الصوم عن الميت. والعلم عند الله تعالى.
وفي الموطأ عن مالك بعد أن ذكر حديث "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله ﷺ : "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس للَّه بطاعة، إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه، أو حنث بما حلف عليه؛ لأنه ليس للَّه في هذه الأشياء طاعة. وإنما يوفي للَّه بما له فيه طاعة. اهـ. من الموطأ.
الفرع السابع: الأظهر عندي: أن من نذر جميع ماله للَّه ليصرف في سبيل الله أنه يكفيه الثلث، ولا يلزمه صرف الجميع. وهذا قول مالك وأصحابه، وأحمد وأصحابه، والزهري.
وفي هذه المسألة للعلماء عشرة مذاهب أظهرها عندنا: هو ما ذكرنا، ويليه في الظهور عندنا قول من قال: يلزمه صرفه كله، وهو مروي عن الشافعي، والنخعي. وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه كفارة يمين. وعن ربيعة تلزمه الصدقة بقدر الزكاة. وعن جابر بن زيد، وقتادة إن كان كثيرًا، وهو ألفان تصدق بعشرة، وإن كان متوسطًا، وهو ألف تصدق بسبعة، وإن كان قليلًا، وهو خمسمائة
стр. 3478
تصدق بخمسة. وعن أبي حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله، وعنه في غيره روايتان: إحداهما: يتصدق به. والثانية: لا يلزم منه شيء. وعن النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله كله. وعن الليث: إن كان مليًا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفارة يمين. ووافقه ابن وهب، وزاد: وإن كان متوسطًا يخرج قدر زكاة ماله. وهذا مروي أيضًا عن أبي حنيفة، وهو قول ربيعة كما تقدم. وعن الشعبي: لا يلزم شيء أصلًا، وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج، فكفارة يمين. وعن سحنون: يلزمه إخراج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
فاعلم: أن أكثرها لا يعتضد بدليل، والذي يعتضد بالدليل منها ثلاثة مذاهب:
الأول: هو ما قدمنا أنه أظهرها عندنا، وهو الاكتفاء بالثلث.
والثاني: لزوم الصدقة بالمال كله.
والثالث: قول سحنون: أنه يلزمه إخراج ما لا يضر به.
أما الاكتفاء بالثلث الذي هو أقربها عندنا، فقد يستدل له ببعض الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن التصدق بالمال كله، وفيها أن الثلث كثير.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي،
стр. 3479
قال: سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". اهـ.
فظاهر هذا الحديث الصحيح: أن كعبًا غير مستشير، بل مريد التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة، كما في ترجمة الحديث، وقد أمره ﷺ بأن يمسك بعض ماله، وصرح له بأن ذلك خير له. وقد جاء في بعض الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين، وأنه يتصدق بالثلث.
وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند: فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب. ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري بهذا السند عند أبي داود "إن من توبتي أن أخرج من مالي كله للَّه ورسوله صدقة قال: لا. قلت: فنصفه؟ قال: لا. قلت: فثلثه؟ قال: نعم. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر".
واعلم أن ابن إسحاق في حديثه هذا عند أبي داود صرح بالتحديث عن الزهري، فأمن تدليسه. ثم قال ابن حجر: وأخرج من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي ﷺ . وذكر الحديث وفيه: وإنى أنخلع من مالي كله صدقة. قال: "يجزئ عنك الثلث" وفي حديث أبي لبابة عند أحمد وأبي داود مثله. اهـ. محل الغرض من فتح الباري.
وقد رأيت الروايات المصرحة بأنه يجزئه الثلث عن جميع
стр. 3480
المال. وظاهر الحديث أنه جازم غير مستشير، فمن زعم من أهل العلم أنه مستشير فهو مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف التوكيد الذي هو إن المكسورة في قوله: "إن من توبتي أن أنخلع من مالي"، واللفظ الذي هذه صفته لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة، كما ترى، فقوله ﷺ لكعب بن مالك وأبي لبابة: "إن الثلث يكفي عن الصدقة بجميع المال" هو الدليل الذي ذكرنا بسببه أن أقرب الأقوال عندنا الاكتفاء بالثلث.
وأما قول من قال: يلزمه التصدق بجميعه، فيستدل له بالحديث الصحيح "من نذر أن يطيع الله فليطعه" وهو يدل على إيفائه بنذره ولو أتى على كل المال إلا أن دليل ما قبله أخص منه في محل النزاع، والأخص مقدم على الأعم.
وأما قول سحنون: يلزمه التصدق بما لا يضر به فيستدل له بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية؛ لأن العفو في أصح التفسيرين، هو ما لا يضر إنفاقه بالمنفق، ولا يجحف به لإِمساكه ما يسد خلته الضرورية. وهذا قد يرجع إلى الأول؛ لأن الثلث من العفو الذي لا يجحف به إنفاقه. فأظهرها الأول كما ذكرنا. وباقي الأقوال لا أعلم له دليلًا متجهًا من كتاب، ولا سنة. وما وجه به تلك الأقوال بعض أهل العلم لا يتجه عندي. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن: اعلم أنه قد دل النص الصحيح على أن من نذر أن يسافر إلى مسجد ليصلي فيه كمسجد البصرة، أو الكوفة، أو نحو ذلك لا يلزمه السفر إلى مسجد من تلك المساجد، وليصل الصلاة التي نذرها به في موضعه الذي هو به.
стр. 3481
والنص الصحيح المذكور هو حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس" والجاري على الأصول. أنه لا يخرج من هذا الحصر الذي صرح به النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح إلا ما أخرجه نص صحيح يحب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. والأظهر أن من نذر السفر لصلاة في مسجد إيلياء، وصلاها في مسجد مكة، أو المدينة أجزأته، لأنهما أفضل منه.
وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال: "صل ها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذًا".
قال أبو داود: وروى نحوه عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﷺ . وفي لفظ أبي داود عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ ، فقال ﷺ : "والذي بعث محمدًا بالحق لو صليت هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس". اهـ. والعلم عند الله تعالى.
ولنكتف بما ذكر هنا من مسائل النذر لكثرة ما كتبنا في آيات سورة الحج من الأحكام الشرعية، وأقوال أهل العلم فيها، والنذر باب مذكور في كتب الفروع، فمن أراد الإِحاطة بجميع مسائله، فلينظرها في كتب فروع المذاهب الأربعة، وقد ذكرنا هنا عيون مسائله المهمة، والعلم عند الله تعالى.
стр. 3482
• قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ .
في المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد به القديم؛ لأنه أقدم مواضع التعبد.
الثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة.
الثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم.
والعرب تسمي القديم عتيقًا وعاتقًا. ومنه قول حسان ﵁:
كالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذبيح مدام
لأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمنًا طويلًا، وتسمى الكرم عتقًا. ومنه قول كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل
فقوله: عتق مبين، أي: كرم ظاهر. ومنه قول المتنبي:
ويبين عتق الخيل في أصواتها
أي: كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد دلت آية من كتاب الله على أن العتيق في الآية بمعنى القديم الأول، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ الآية، مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنا. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
стр. 3483
تنبيهان
الأول: دلت هذه الآية الكريمة على لزوم طواف الإِفاضة، وأنه لا صحة للحج بدونه.
الثاني: دلت هذه الآية أيضًا على لزوم الطواف من وراء الحجر الذي عليه الجدار القصير شمال البيت؛ لأن أصله من البيت، فهو داخل في اسم البيت العتيق، كما تقدم إيضاحه.
• قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ .
لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية الأنعام، ولكنه بينه بقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وهذا الذي ذكرنا هو الصواب. أما ما قاله جماعات من أهل التفسير من أن الآية التي بينت الإِجمال في قوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أنها قوله تعالى في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ الآية، فهو غلط؛ لأن المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وآية الحج هذه نازلة قبل نزول المائدة بكثير فلا يصح أن يحال البيان عليها في قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بل المبين لذلك الإِجمال آية الأنعام التي ذكرنا؛ لأنها نازلة بمكة، فيصح أن تكون مبينة لآية الحج المذكورة، كما نبه عليه غير واحد.
أما قوله تعالى في المائدة: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فيصبح بيانه بقوله في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
стр. 3484
وَالدَّمُ﴾ الآية. كما أوضحنا في أول المائدة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ .
"من" في هذه الآية بيانية.
والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي: عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس. وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائنًا من كان. وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا جاء مبينًا في آيات، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه باللَّه في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين للَّه، وبين أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الآية. وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ والأصنام تدخل في الطاغوت دخولًا أوليًا.
• قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ .
أمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور، وهو الكذب والباطل كقولهم: إن الله حرم البحيرة والسائبة، ونحو ذلك، وكادعائهم له الأولاد والشركاء، وكل قول مائل عن الحق فهو زور؛ لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل،
стр. 3485
والاعوجاج، كما أوضحناه في الكلام على قوله: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الآية.
واعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وتقدمت لذلك أمثلة. وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه، كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه ﷺ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور. وقال في الذين يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ فصرح بأن قولهم ذلك منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله ﷺ ، قال: الإِشراك باللَّه، وعقوق الوالدين. وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت". اهـ. وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإِشراك به تعالى في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ هو قول
стр. 3486
الزور. وقد أتى مقرونًا بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ وذلك يدل على عظمة قول الزور؛ لأن الإِشراك باللَّه قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد للَّه، وكتكذيبه ﷺ ، فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإِشراك باللَّه. نعوذ باللَّه من كل سوء.
ومعنى حنفاء: قد قدمناه مرارًا مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك باللَّه غيره، أي: ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه، ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خر، أي: سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها، وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق، أي: محل بعيد؛ لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص، ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة؛ لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلَّا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك باللَّه وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ الآية، وكقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
стр. 3487
بِهِ﴾ الآية في الموضعين من سورة النساء. والخطف: الأخذ بسرعة. والسحيق: البعيد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ أي: بعدًا لهم.
وقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك باللَّه إنما هو في حق من مات على ذلك الإِشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له؛ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله.
والآيات الدالة على ذلك متعددة، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية، وقوله في الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه. وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر، والتوبة منه عند حضور الموت، وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ وكقوله في فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾.
стр. 3488
وقرأ هذا الحرف نافع (فتخطفه) بفتح الخاء وتشديد الطاء، أصله فتتخطفه الطير بتاءين، فحذفت إحداهما. وقرأه غيره من السبعة (فتخطفه) الطير بإسكان الخاء وتخفيف الطاء مضارع خطفه بالكسر.
• قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ .
قد ذكرنا قريبًا أنا ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، فيكون ذلك الفرد قطعي الدخول لا يمكن إخراجه بمخصص، وواعدنا بذكر بعض أمثلته في هذه الآيات. ومرادنا بذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر الله، وقد نص تعالى على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعًا، وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فيدخل في الآية تعظيم البدن واستسمانها واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر الله.
وقد قدمنا أن الله صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة، كما تقدم إيضاحه في مبحث السعي. وقوله في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه من الإِعراب:
الأول: أن يكون في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ذلك حكم الله وأمره.
стр. 3489
الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: اللازم ذلك أو الواجب ذلك.
الثالث: أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، أي: اتبعوا ذلك، أو امتثلوا ذلك، ومما يشبه هذه الإِشارة في كلام العرب قول زهير:
هذا وليس كمن يعيى بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا
قاله القرطبي وأبو حيان.
والضمير المؤنث في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال القرطبي: هو عائد إلى الفعلة التي يتضمنها الكلام، ثم قال: وقيل: إنه راجع إلى الشعائر بحذف مضاف، أي: فإن تعظيمها، أي: الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، فرجع الضمير إلى الشعائر. اهـ.
وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. ولا يستقيم المعنى إلَّا بتقديرها؛ لأنه لابد من راجع من الجزاء إلى من يرتبط به. اهـ منه.
• قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ أن يبشر المخبتين، أي: المتواضعين للَّه المطمئنين الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت قلوبهم، أي: خافت من الله جل وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من الأذى. ومتعلق التبشير محذوف لدلالة
стр. 3490
المقام عليه، أي: بشرهم بثواب الله وجنته. وقد بين في موضع آخر: أن الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: هم المؤمنون حقًا، وكونهم هم المؤمنين حقًا يجعلهم جديرين بالبشارة المذكورة هنا. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية، وأمره في موضع آخر أن يبشر الصابرين على ما أصابهم مع بيان بعض ما بشروا به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
واعلم أن وجل القلوب عند ذكر الله، أي: خوفها من الله عند سماع ذكره لا ينافي ما ذكره جل وعلا من أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكر الله، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ ووجه الجمع بين الثناء عليهم بالوجل الذي هو الخوف عند ذكره جل وعلا، مع الثناء عليهم بالطمأنينة بذكره، والخوف والطمأنينة متنافيان هو ما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وهو أن الطمأنينة بذكر الله تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، وصدق ما جاء به الرسول ﷺ ، فطمأنينتهم بذلك قوية؛ لأنها لم تتطرقها الشكوك، ولا الشبه. والوجل عند ذكر الله تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن الهدى، وعدم تقبل الأعمال، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ وقال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولهذا كان ﷺ يقول في دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".
стр. 3491
• قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ .
قد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام: وهي الإِبل والبقر والغنم بأنواعها الثمانية، وأمر بإطعام البائس الفقير منها، وأمر بالأكل من البدن، وإطعام القانع والمعتر منها، وما كان من الإِبل فهو من البدن بلا خلاف.
واختلفوا في البقرة، هل هي بدنة وقد قدمنا الحديث الصحيح أن البقرة من البدن. وقدمنا أيضًا ما يدل على أنها غير بدنة، وأظهرها أنها من البدن. وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها عندي أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم. ومنه قول الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعف من القنوع
يعني أعف من سؤال الناس، والطمع فيهم، وأن المعتر هو الذي يعتري متعرضًا للإِعطاء من غير سؤال وطلب. واللَّه أعلم.
وقد قدمنا حكم الأكل من أنواع الهدايا والضحايا، وأقوال أهل العلم في ذلك ما أغني عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ .
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ نعت لمصدر، أي: سخرناها، أي: البدن لكم تسخيرًا كذلك، أي: مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون، أي: ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا عليها؛ لأنها أقوى منكم، ألا ترى البعير إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به.
стр. 3492
وقوله هنا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ قد قدمنا مرارًا أن لعل تأتي في القرآن لمعان أقربها اثنان:
أحدهما: أنها بمعناها الأصلي الذي هو الترجي والتوقع، وعلى هذا فالمراد بذلك خصوص الخلق؛ لأنهم هم الذين يترجى منهم شكر النعم من غير قطع بأنهم يشكرونها، أو لا يشكرونها؛ لعدم علمهم بما تؤول إليه الأمور. وليس هذا المعنى في حق الله تعالى؛ لأنه عالم بما سيكون، فلا يجوز في حقه جل وعلا إطلاق الترجي والتوقع لتنزيهه عن ذلك، وإحاطة علمه بما ينكشف عنه الغيب، وقد قال تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ أي: على رجائكما وتوقعكما أنه يتذكر أو يخشى، مع أن الله عالم في سابق أزله أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، فمعنى لعل بالنسبة إلى الخلق، لا إلى الخالق جل وعلا. المعنى الثاني: هو ما قدمنا من أن بعض أهل العلم قال: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلَّا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قال: فهي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان لفظة لعل للتعليل معروف في كلام العرب. وقد قدمناه موضحًا مرارًا. وقد قدمنا من شواهده العربية قول الشاعر:
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق
يعني كفوا الحروب لأجل أن نكف. وإذا علمت أن هذه الآية الكريمة بين الله فيها أن تسخيره الأنعام لبني آدم نعمة من إنعامه، تستوجب الشكر لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.
فاعلم: أنه بين هذا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ
стр. 3493
فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله في آية يس هذه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ كقوله في آية الحج: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى قريبًا: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ الآية. وقد قدمنا معنى شكر العبد لربه، وشكر الرب لعبده مرارًا بما أغنى عن إعادته هنا. والتسخير: التذليل.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يدفع السوء عن عباده الذين آمنوا به إيمانًا حقًا، ويكفيهم شر أهل السوء. وقد أشار إلى هذا المعني في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بفتح الياء والفاء بينهما دال ساكنة مضارع دفع المجرد، وعلى هذه القراءة فالمفعول محذوف، أي: يدفع عن الذين آمنوا الشر والسوء؛ لأن الإِيمان باللَّه هو أعظم أسباب دفع المكاره. وقرأ الباقون: (يدافع) بضم الياء، وفتح الدال بعدها ألف، وكسر الفاء مضارع دافع المزيد فيه ألف بين الفاء والعين على وزن فاعل. وفي
стр. 3494
قراءة الجمهور هذه إشكال معروف، وهو أن المفاعلة تقتضي بحسب الوضع العربي اشتراك فاعلين في المصدر، واللَّه جل وعلا يدفع كل ما شاء من غير أن يكون له مدافع يدفع شيئًا.
والجواب: هو ما عرف من أن المفاعلة قد ترد بمعنى المجرد، نحو: جاوزت المكان بمعنى جزته، وعاقبت اللص، وسافرت، وعافاك الله، ونحو ذلك، فإن فاعل في جميع ذلك بمعنى المجرد، وعليه فقوله: يدافع، بمعنى: يدفع، كما دلت عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
وقال الزمخشري: ومن قرأ يدافع فمعناه: يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه؛ لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ. اهـ منه.
ولا يبعد عندي أن يكون وجه المفاعلة أن الكفار يستعملون كل ما في إمكانهم لإِضرارهم بالمؤمنين، وإيذائهم، واللَّه جل وعلا يدفع كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه جل وعلا لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد، يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين. وبهذا الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة في قوله: (يدافع)، وإن كان جل وعلا قادرًا على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عباده المؤمنين. ومما يوضح هذا المعنى الذي أشرنا إليه قول كعب بن مالك ﵁:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
والعلم عند الله تعالى. ومفعول (يدافع) محذوف، فعلى القول بأنه بمعنى: يدفع فقد ذكرنا تقديره، وعلى ما أشرنا إليه أخيرًا فتقدير المفعول: يدافع عنهم أعداءهم، وخصومهم فيرد كيدهم في نحورهم.
стр. 3495
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ .
صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأنه لا يحب كل خوان كفور. والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة؛ لأن الفعال بالتضعيف والفعول بفتح الفاء من صيغ المبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، فلو قلت: زيد ليس بقتال للرجال فقد نفيت مبالغته في قتلهم، ولم يستلزم ذلك أنه لم يحصل منه قتل لبعضهم، ولكنه لم يبالغ في القتل. وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة فإن الآية قد صرحت بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله يبغض الخائن مطلقًا، والكافر مطلقًا، وقد أوضح جل وعلا ذلك في بعض المواضع، فقال في الخائن: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ وقال في الكافر: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.
• قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ .
متعلق (أذن) محذوف في هذه الآية الكريمة، أي: أذن لهم في القتال بدليل قوله: (يقاتلون) وقد صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة؛ أنه أذن للذين يقاتلون، وهم النبي ﷺ وأصحابه، ودل قوله: يقاتلون على أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى، والأعرج، والمريض، والضعيف، والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ
стр. 3496
حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ الآية. وقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الباء فيه سببية، وهي من حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة.
وهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من أحكام الجهاد إلَّا مجرد الإِذن لهم فيه ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على أحكام أخر زائدة على مطلق الإِذن، فهي مبينة عدم الاقتصار على الإِذن كما هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله ﵎ لعظم حكمته في التشريع إذا أراد أن يشرع أمرًا شاقًا على النفوس كان تشريعه له على سبيل التدريج؛ لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه مشقة عظيمة على الذين كلفوا به. قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على النفوس؛ لما فيه من تعريضها لأسباب الموت؛ لأن القتال مع العدو الكافر القوي من أعظم أسباب الموت عادة وإن كان الأجل محدودًا عند الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه المال أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه شرعه تدريجًا، فأذن فيه أولًا من غير
стр. 3497
إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية. ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإِذن فيه أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية. وهذا تدريج من الإِذن إلى نوع خاص من الإِيجاب، ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجابًا عامًا جازمًا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالًا غير ما ذكرنا، ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر، فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجًا، فذكر أولًا بعض معائبها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثمًا أكثر مما فيها من النفع حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. فكانوا بعد نزولها لا يشربونها إلَّا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة. وكذلك ما بين الصبح والظهر. وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات، فلما استأنست نفوسهم لتحريمها حرمها
стр. 3498
عليهم تحريمًا عامًا جازمًا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وكذلك للصوم، فإنه لما كان الإِمساك عن شهوة الفرج والبطن شاقًا على النفوس، وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجًا فخير أولًا بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فلما استأنست النفوس به في الجملة، أوجبه أيضًا إيجابًا عامًا جازمًا بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية. وقال بعض أهل العلم: التدريج في تشريع الصوم على ثلاثة مراحل كما قبله قالوا: أوجب عليهم أولًا صومًا خفيفًا لا مشقة فيه، وهو صوم يوم عاشوراء، وثلاثة من كل شهر، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجًا على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفًا. هكذا قالته جماعات من أهل العلم، وله اتجاه. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ يشير إلى معنيين:
أحدهما: فيه الإِشارة إلى وعده للنبي وأصحابه بالنصر على أعدائهم، كما قال قبله قريبًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
والمعنى الثاني: أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال؛ لقدرته على إهلاكهم بما شاء، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكه إياهم، ولكنه شرع الجهاد لحكم، منها: اختبار الصادق في إيمانه، وغير الصادق فيه، ومنها: تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل الله بقتل الكفار لشهداء المسلمين، ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل الله. كما أشار تعالى إلى
стр. 3499
حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله تعالى في حكمة الابتلاء المذكور، وتسهيل الشهادة في سبيله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾.
وقرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو، وعاصم: (أُذِنَ) بضم الهمزة، وكسر الذال مبنيًا للمفعول. وقرأ الباقون بفتح الهمزة مبنيًا للفاعل، أي: أذن الله للذين يقاتلون. وقرأ نافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: (يقاتلون) بفتح التاء مبنيًا للمفعول. وقرأ الباقون بكسر التاء مبنيًا للفاعل.
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ .
تقدم ما يوضح هذه الآية من الآيات في سورة براءة في الكلام على قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
стр. 3500
• قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ .
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أقسم لينصرن من ينصره، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه، وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله جل وعلا بين صفات الذين وعدهم بنصره ليميزهم عن غيرهم، فقال مبينًا من أقسم أنه ينصره؛ لأنه ينصر الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن من نصر الله نصره الله جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر إلَّا مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من
стр. 3501
أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ العزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مرارًا بشواهده العربية.
وهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأن الله نصرهم على أعدائهم، لأنهم نصروه فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكن لهم، واستخلفهم في الأرض، كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
والحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله ﷺ ، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ .
في هذه الآيات الكريمة تسلية للنبي ﷺ بأن الذي عامله به قومه من التكذيب عومل به غيره مِن الرسل الكرام، وذلك يسليه ويخفف عليه كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من
стр. 3502
الآيات. وذكر تعالى في هذه الآيات سبع أمم كل واحدة منهم كذبت رسولها.
الأولى: قوم نوح في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ والآيات الدالة على تكذيب قوم نوح لا تكاد تحصى في القرآن، لكثرتها ولنقتصر على الأمثلة؛ لكثرة الآيات الدالة على تكذيب هذه الأمم رسلها، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الثانية: عاد، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع في آيات كثيرة أنهم كذبوا رسولهم هودًا، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾.
الثالثة: ثمود، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع تكذيبهم لنبيهم صالح في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الرابعة: قوم إبراهيم، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الآية. وكقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الخامسة: قوم لوط، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ وقوله:
стр. 3503
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
السادسة: أصحاب مدين، وقد بين تعالى أنهم كذبوا نبيهم شعيبًا في غير هذا الموضع في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
السابعة: من كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أن فرعون وقومه كذبوا موسى في آيات كثيرة كقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ قد بين تعالى نوع العذاب الذي عذب به كل أمة من تلك الأمم بعد الإِملاء لها والإِمهال، فبين أنه أهلك قوم نوح بالغرق في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين في مواضع كثيرة أنه بعد الإِملاء والإِمهال لعاد
стр. 3504
أهلكهم بالريح العقيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وبين أنه أهلك ثمود بصيحة أهلكتهم جميعًا، كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.
وقوم إبراهيم الذين كذبوه هم نمروذ، وقومه، وقد ذكر المفسرون أن العذاب الدنيوي الذي أهلكهم الله به هو المذكور في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
وقد بين تعالى أنه أهلك قوم لوط بجعل عالي أرضهم سافلها، وأنه أرسل عليهم مطرًا من حجارة السجيل في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وقد بين تعالى أنه أهلك أصحاب مدين بالصيحة في مواضع، كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 3505
وقد بين في مواضع كثيرة أنه أهلك الذين كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه بالغرق، كقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومعلوم أن الآيات كثيرة في بيان ما أهلكت به هذه الأمم السبع المذكورة، وقد ذكرنا قليلًا منها كالمثال لغيره، وكل ذلك يوضح معنى قوله تعالى بعد أن ذكر تكذيب الأمم السبع لأنبيائهم: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب، وهو ما ذكرته بعض الآيات الدالة على تفاصيله.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ النكير: اسم مصدر، بمعنى الإِنكار، أي: كيف كان إنكاري عليهم منكرهم، الذي هو كفرهم بي، وتكذيبهم رسلي، وهو ذلك العذاب المستأصل الذي بينا، وبعده عذاب الآخرة الذي لا ينقطع. نرجو الله لنا ولإِخواننا المسلمين العافية من كل ما يسخط خالقنا، ويستوجب عقوبته. والجواب: إنكارك عليهم بذلك العذاب واقع موقعه على أكمل وجه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فجزاء العمل البالغ غاية القبح بالنكال العظيم جزاء وفاق واقع موقعه، فسبحان الحكيم الخبير الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه.
وقرأ هذا الحرف ورش وحده عن نافع: ﴿فكيف كان نكيري﴾ بياء المتكلم بعد الراء وصلًا فقط. وقرأ الباقون بحذفها اكتفاء بالكسرة عن الياء.
следующие страницы →