Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، يدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون، ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخشع وتخضع وتطمئن.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار لا يزالون في مرية، أي: شك وريب منه، أي: من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر. واختاره ابن جرير، وهو قول ابن جريج، كما نقله عنهم ابن كثير. وقال سعيد بن جبير، وابن زيد: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في شك مما ألقى الشيطان.
وذكر تعالى في هذه الآية: أنهم لا يزالون كذلك حتى تأتيهم الساعة، أي: القيامة بغتة، أي: فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. قد روى مجاهد عن أبي بن كعب: أن اليوم العقيم المذكور يوم بدر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد. واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره، ثم قال: وقال مجاهد،
стр. 3537
وعكرمة في رواية عنهما: هو يوم القيامة لا ليل له. وكذا قال الضحاك، والحسن البصري، ثم قال: وهذا القول هو الصحيح وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به. اهـ. محل الغرض من ابن كثير.
وقد ذكرنا مرارًا أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. وبه تعلم أن القرينة القرآنية هنا دلت على أن المراد باليوم العقيم: يوم القيامة، لا يوم بدر، وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم العقيم، بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وذلك يوم القيامة وقوله: يومئذ، أي: يوم إذ تأتيهم الساعة، أو يأتيهم عذاب عقيم، وكل ذلك يوم القيامة. فظهر أن اليوم العقيم: يوم القيامة، وإن كان يوم بدر عقيمًا على الكفار؛ لأنهم لا خير لهم فيه، وقد أصابهم ما أصابهم.
• قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ .
ذكر جل علا في هذه الآية الكريمة: أن الملك يوم القيامة له، وإن كان الملك في الدنيا له أيضًا، لأن في الدنيا ملوكًا من المخلوقين، ويوم القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلَّا للَّه جل وعلا وحده.
وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له، ومعلوم أن الملك هو الذي له الحكم بين الخلق بينه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ
стр. 3538
الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ .
إدخال الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين: يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في قوله: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وما ذكره هنا من الوعد والوعيد قد بينا الآيات الدالة على معناه مرارًا بكثرة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد؛ لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل منهم، أو ماتوا على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد، أنه تعالى أقسم ليرزقنهم رزقًا حسنًا وأنه خير الرازقين، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا جاء مبينًا في غير هذا الموضع.
أما الذين قتلوا في سبيل الله: فقد بين الله جل وعلا أنه يرزقهم
стр. 3539
رزقًا حسنًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن. وأما الذين ماتوا في غير قتال المذكورين في قوله هنا: أو ماتوا، فقد قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا شك أن من وقع أجره على الله: أن الله يرزقه الرزق الحسن كما لا يخفى.
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة.
وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفًا منها والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية "ثم قتلوا" قرأه ابن عامر بتشديد التاء، والباقون بتخفيفها.
• قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ .
ذكر غير واحد من المفسرين: أن الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى نصرة من ظلم من عباده المؤمنين المذكور قبل في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآية، أي: ذلك النصر المذكور كائن بسبب أنه قادر لا يعجز عن نصرة من شاء نصرته. ومن علامات قدرته الباهرة: أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير
стр. 3540
والشر والبغي والانتصار، وأنه سميع لما يقولون، بصير بما يفعلون، أي: وذلك الوصف بخلق النهار والليل والإِحاطة بما يجري فيهما، والإِحاطة بكل قول وفعل بسب أن الله هو الحق، أي: الثابت الإِلهية والاستحقاق للعبادة وحده، وأن كل ما يدعى إلهًا غيره باطل وكفر، ووبال على صاحبه، وأنه جل وعلا هو العلي الكبير الذي هو أعلا من كل شيء، وأعظم وأكبر علوًا كبيرًا.
وقد أشار تعالى لأول ما ذكرنا بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية، ولآخره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الآية.
والأظهر عندي: أن الإِشارة في قوله (ذلك) راجعة إلى ما هو أعم من نصر المظلوم، وأنها ترجع لقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى ما ذكره من نصرة المظلوم، أي: ذلك المذكور من كون الملك له وحده يوم القيامة، وأنه الحاكم وحده بين خلقه، وأنه المدخل الصالحين جنات النعيم، والمعذب الذين كفروا العذاب المهين، والناصر من بغي عليه من عباده المؤمنين، بسبب أنه القادر على كل شيء. ومن أدلة ذلك: أنه يولج الليل في النهار إلى آخر ما ذكرنا. وهذا الذي وصف به نفسه هنا من صفات الكمال والجلال ذكره في غير هذا الموضع، كقوله في سورة لقمان مبينًا أن من اتصف بهذه الصفات قادر على إحياء الموتى، وخلق الناس: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.
ثم استدل على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ
стр. 3541
مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ فهذه الصفات الدالة على كمال قدرته استدل بها على قدرته في الحج، وفي لقمان. وإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر فيه معنيان:
الأول: وهو قول الأكثر: هو أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر إنما هو بإدخال جزء منه فيه، وبذلك يطول النهار في الصيف؛ لأنه أولج فيه شيء من الليل، ويطول الليل في الشتاء؛ لأنه أولج فيه شيء من النهار، وهذه من أدلة قدرته الكاملة.
المعنى الثاني: هو أن إيلاج أحدهما في الآخر هو تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك، لغيبوبة الشمس، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا، كما يضيء البيت المغلق بالسراج، ويظلم بفقده. ذكر هذا الوجه الزمخشري، وكأنه يميل إليه، والأول أظهر، وأكثر قائلًا. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي: (يدعون) بالياء التحتية، وقرأه الباقون بتاء الخطاب الفوقية.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ .
الظاهر: أن "تر" هنا من رأى بمعنى علم؛ لأن إنزال المطر وإن كان مشاهدًا بالبصر فكون الله هو الذي أنزله، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر. فالرؤية هنا علمية عَلَى التحقيق.
فالمعنى: ألم تعلم الله منزلًا من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة، أي: ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب
стр. 3542
إنزاله الماء من السماء، وهذه آية من آياته وبراهين قدرته عَلَى البعث كما بيناه مرارًا. وهذا المعنى المذكور هنا من كون إنبات نبات الأرض بإنزال الماء من آياته الدالة عَلَى كمال قدرته جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وكقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي: خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، كقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.
تنبيه
في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان:
الأول: هو ما حكمة عطف المضارع في قوله: (فتصبح) على الماضي الذي هو (أنزل)؟
السؤال الثاني: ما وجه الرفع في قوله: (فتصبح) مع أن قبلها استفهامًا؟
فالجواب عن الأول: أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، كما تقول: أنعم علي فلان عام كذا وكذا،
стр. 3543
فأروح وأغدو شاكرًا له، ولو قلت: فغدوت ورحت لم يقع ذلك الموقع. هكذا أجاب به الزمخشري.
والذي يظهر لي - واللَّه أعلم - : أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيأة التي اتصفت بها الأرض بعد نزول المطر، والماضي لا يفيد دوام استحضارها؛ لأنه يفيد انقطاع الشيء.
أما الرفع في قوله: (فتصبح) فلأنه ليس مسببًا عن الرؤية التي هي موضع الاستفهام، وإنما هو مسبب الإِنزال في قوله: (أنزل) والإِنزال الذي هو سبب إصباح الأرض مخضرة ليس فيه استفهام، ومعلوم أن الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط، ولا يمكن أن تقول هنا: إن تر أن الله أنزل من السماء ماء، تصبح الأرض مخضرة؛ لأن الرؤية لا أثر لها البتة في اخضرار الأرض، بل سببه إنزال الماء، لا رؤية إنزاله.
وقد قال الزمخشري في الكشاف في الجواب عن هذا السؤال: فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابًا للاستفهام.
قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض؛ لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار.
مثاله: أن تقول لصاحبك: ألم تراني أنعمت عليك فتشكر، إن تنصبه فأنت ناف لشكره شاكٍ تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإِعراب، وتوقير أهله. انتهى منه. وذكر نحوه أبو حيان وفسره ظانًا أنه أوضحه، ولا يظهر لي كل الظهور. والعلم عند الله تعالى.
فإن قيل: كيف قال: فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر.
стр. 3544
فالجواب: أنه على قول من قال: (فتصبح الأرض مخضرة) أي: تصير مخضرة، فالأمر واضح، والعرب تقول: أصبح فلان غنيًا مثلًا بمعنى صار. وذكر أبو حيان عن بعض أهل العلم: أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر. ذكره عكرمة وابن عطية. وعلى هذا فلا إشكال. وقال بعضهم: إن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ مع أن بين ذلك أربعين يومًا كما في الحديث، قاله ابن كثير.
وقوله: (لطيف خبير) أي: لطيف بعباده، ومن لطفه بهم إنزاله المطر وإنباته لهم به أقواتهم، خبير بكل شيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض علوًّا كبيرًا.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الله سخر لخلقه ما في الأرض، وسخر لهم السفن تجري في البحر بأمره، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحًا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقد بينا معنى تسخير ما في السماء بإيضاح في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ وكقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة النحل وغيرها.
стр. 3545
• قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها، كما قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد أشار لهذا المعنى غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ على قول من فسرها بأنه غير غافل عن الخلق، بل حافظ لهم من سقوط السموات المعبر عنها بالطرائق عليهم.
تنبيه
هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، يدل دلالة واضحة على أن ما يزعمه ملاحدة الكفرة، ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإِسلام أن السماء فضاء، لا جرم مبني أنه كفر وإلحاد وزندقة، وتكذيب لنصوص القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3546
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ أي: ومن رأفته ورحمته بخلقه: أنه أمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم.
• قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ .
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أي: بعد أن كنتم أمواتًا في بطون أمهاتكم قبل نفخ الروح فيكم فهما إحياءتان، وإماتتان، كما بينه بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية.
ونظير آية الحج المذكورة هذه قوله تعالى في الجاثية: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية.
وكفر الإِنسان المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ مع أن الله أحياه مرتين، وأماته مرتين، هو الذي دل القرآن على استبعاده وإنكاره مع دلالة الإِماتتين والإِحياءتين على وجوب الإِيمان بالمحيي المميت، وعدم الكفر به في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ .
الأظهر في معنى قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: متعبدًا هم متعبدون فيه؛ لأن أصل النسك التعبد. وقد بين تعالى أن منسك
стр. 3547
كل أمة فيه التقرب إلى الله بالذبح، فهو فرد من أفراد النسك صرح القرآن بدخوله في عمومه. وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك.
والآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الآية.
وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ في الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين، والباقون بفتحها.
• قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أن يدعو الناس إلى ربهم، أي: إلى طاعته، وطاعة رسله، وأخبر فيها أنه على صراط مستقيم، أي: طريق حق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإِسلام الذي أمره أن يدعو الناس إليه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين جاء واضحًا في مواضع آخر، كقوله في الأول منهما: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وأخبر جل وعلا أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَوَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ وكقوله في الأخير: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ
стр. 3548
جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾ .
أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة أنه إن جادله الكفار، أي: خاصموه بالباطل وكذبوه، أن يقول لهم: الله أعلم بما تعملون.
وهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين:
أحدهما: أمر الرسول ﷺ أن يهددهم بقوله: الله أعلم بما تعملون، أي: من الكفر، فمجازيكم عليه أشد الجزاء.
الثاني: الإِعراض عنهم، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه الآية في غير هذا الموضع.
أما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير له فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾.
وأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ فقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ الآية، فيه أشد الوعيد للمكذبين، كما قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ في مواضع متعددة، وهم إنما يكذبونه بالجدال، والخصام بالباطل. وقد أمره الله في غير هذا الموضع أن يجادلهم
стр. 3549
بالتي هي أحسن، وذلك في قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وبين له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل إلَّا جاءه الله بالحق الذي يدمغ ذلك الباطل، مع كونه أحسن تفسيرًا كشفًا وإيضاحًا للحقائق. وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
أي: ما عظموه حق عظمته حين عبدوا معه من لا يقدر على خلق ذباب، وهو عاجز أن يسترد من الذباب ما سلبه الذباب منه، كالطيب الذي يجعلونه على أصنامهم، إن سلبها الذباب منه شيئًا لا تقدر على استنقاذه منه. وكونهم لم يعظموا الله حق عظمته، ولم يعرفوه حق معرفته، حيث عبدوا معه من لا يقدر على جلب نفع، ولا دفع ضر. ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وكقوله في الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ .
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يصطفي، أي: يختار رسلًا من الملائكة، ومن الناس، فرسل الناس لإِبلاع الوحي، ورسل الملائكة لذلك أيضًا، وقد يرسلهم لغيره. وهذا الذي ذكره هنا
стр. 3550
من اصطفائه الرسل منه ما جاء واضحًا في غير هذا الموضع، كقوله في رسل الملائكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية، وقوله في جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ ومن ذكره إرسال الملائكة بغير الوحي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ وكقوله في رسل بني آدم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ .
أي: اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد.
ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
الحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ ، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا.
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ
стр. 3551
ضَعِيفًا (٢٨)﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عباس أن النبي ﷺ لما قرأ خواتم سورة البقرة "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله: قد فعلت" في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحرج في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر، والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام قاعدًا، وإباحة المحظور للضرورة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير. وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا ﷺ هو إحدى القواعد الخمس، والتي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي هذه الخمس:
الأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: "لا ضرر ولا ضرار".
الثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكرنا في معناها من الآيات.
الثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا؛ لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها.
الرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية.
الخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث "إنما
стр. 3552
الأعمال بالنيات" الحديث. وقد أشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله:
قد أسس الفقه على رفع الضرر ... وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفي رفع القطع بالشك وأن ... يحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد ... مع التكلف ببعض وارد
• قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ .
قال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير، أي: ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم. وأعربه بعضهم منصوبًا بمحذوف، أي: الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ شاملًا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله.
• قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ .
اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ فقال بعضهم: الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا. وهذا القول مروي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو، أي: إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنه ابن كثير.
стр. 3553
وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.
إحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أي: القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.
القرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم، فقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: الله (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: الله، (هو سماكم المسلمين) أي: الله.
فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.
فالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف؛ لأن قوله: (وفي هذا) يعني القرآن دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله، لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله، نحو: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يناسبه أن يكون (هو سماكم) أي: الله المسلمين.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:
стр. 3554
قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول ﷺ بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، وفي هذا.
روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وأن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله" وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾. اهـ من تفسير ابن كثير.
وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين.
• قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ .
يعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها
стр. 3555
المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدًا أنه بلغكم، وقيل: شهيدًا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ.
وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وقال فيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.
* * *
стр. 3556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة المؤمنون
стр. 3557
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات المؤمنين المفلحين قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ أي: فازوا وظفروا بخير الدنيا والآخرة.
وفلاحِ المؤمنين مذكور ذكرًا كثيرًا في القرآن، كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ أصل الخشوع: السكون، والطمأنينة، والانخفاض. ومنه قول نابغة ذبيان:
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع
وهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.
وقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا في قوله في الأحزاب: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.
стр. 3558
وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون الفردوس: وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ على أن من خشوع المصلي: أن يكون نظره في صلاته إلى موضع سجوده، قالوا: كان النبي ﷺ ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فجعل رسول الله ﷺ ينظر حيث يسجد.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فطأطأ رأسه". اهـ منه.
وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره. وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا.
واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:
стр. 3559
الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ... ولقد أفلح من كان عقل
أي: فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.
والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضًا في رجز له:
لو أن حيا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح
يعني مدرك البقاء. ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط ابن قريع:
لكل هم من الهموم سعة ... والمسى والصبح لا فلاح معه
أي: لا بقاء معه. ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح في الآيات المذكورة، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين. والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما فسر بعض العلماء حديث الأذان والإِقامة في لفظه: حي على الفلاح.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين: إعراضهم عن اللغو. وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب، واللهو، والهزل، وما توجب المروءة تركه.
وقال ابن كثير: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك، كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال. اهـ منه.
стр. 3560
وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية أشار له في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ ومن مرورهم به كرامًا إعراضهم عنه، وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ .
في المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم.
أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وعزاه ابن كثير للأكثرين.
الثاني: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، أي: تطهيرها من الشرك، والمعاصي بالإِيمان باللَّه، وطاعته وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا فالمراد بالزكاة هنا كالمراد بها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ وقوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ الآية. وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على أحد التفسيرين. وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث قرائن:
الأول: أن هذه السورة مكية بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم، فدل على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ نزل قبل فرض زكاة الأموال المعروفة، فدل على أن المراد به غيرها.
القرينة الثانية: هي أن المعروف في زكاة الأموال: أن يعبر عن
стр. 3561
أدائها بالإيتاء، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ ونحو ذلك. وهذه الزكاة المذكورة هنا، لم يعبر عنها بالإِيتاء، بل قال تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ فدل على أن هذه الزكاة: أفعال المؤمنين المفلحين، وذلك أولى بفعل الطاعات، وترك المعاصي من أداء مال.
الثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادة مقرونة بالصلاة، من غير فصل بينهما، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ وهذه الزكاة المذكورة هنا فصل بين ذكرها وبين ذى الصلاة بجملة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾.
والذين قالوا: المراد بها زكاة الأموال قالوا: إن أصل الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة، وأن الزكاة التي فرضت بالمدينة سنة اثنتين هي ذات النصب، والمقادير الخاصة.
وقد أوضحنا هذا القول في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقد يستدل لأن المراد بالزكاة في هذه الآية غير الأعمال التي تزكى بها النفوس من دنس الشرك والمعاصي، بأنا لو حملنا معنى الزكاة على ذلك، كان شاملًا لجميع صفات المؤمنين المذكورة في أول هذه السورة، فيكون كالتكرار معها، والحمل على التأسيس والاستقلال أولى من غيره، كما تقرر في الأصول. وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية.
والذين قالوا: هي زكاة الأموال، قالوا: فاعلون، أي:
стр. 3562
مؤدون، قالوا: وهى لغة معروفة فصيحة. ومنها قول أمية بن أبي الصلت:
المطعمون الطعام في السنة الأز ... مة والفاعلون للزكوات
وهو واضح بحمل الزكاة على المعنى المصدري، بمعنى التزكية للمال؛ لأنها فعل المزكى كما هو واضح. ولا شك أن تطهير النفس بأعمال البر، ودفع زكاة المال كلاهما من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة.
وقد قال ابن كثير ﵀: وقد يحتمل أن المراد بالزكاة ها هنا: زكاة النفس من الشرك، والدنس إلى أن قال: ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا. واللَّه أعلم. اهـ منه.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس ويخلدون فيها حفظهم لفروجهم، أي: من اللواط والزنى، ونحو ذلك، وبين أن حفظهم فروجهم لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بعقد الزواج أو بملك اليمين. والمراد به التمتع بالسراري. وبين أن من لم يحفظ فرجه عن زوجه أو سريته لا لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعا بفرجه وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات فهو من العادين، أي: المعتدين المتعدين حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه.
стр. 3563
وبين معنى العادين في هذه الآية قوله تعالى في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وهذا الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة (سأل سائل) لأنه قال فيها في الثناء على المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن "ما" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من صيغ العموم، والمراد بها "من" وهي من صيغ العموم. فآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وآية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة "ما" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين في التسري بهما معًا؛ لدخولهما في عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبهذا قال داود الظاهري، ومن تبعه. ولكن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يدل بعمومه على منع جمع الأختين بملك اليمين؛ لأن الألف واللام في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين، سواء كانتا بعقد، أو ملك يمين. ولذا قال عثمان ﵁ لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. يعني بالآية المحللة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبالمحرمة ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وسنذكر هنا إن شاء الله المهم مما ذكرنا فيه، ونزيد ما تدعو الحاجة إلى زيادته.
стр. 3564
وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم وخصوص من وجه، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان ﵁ عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. وإيضاحه أن آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ تنفرد عن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأختين المجموع بينهما، بعقد نكاح، وتنفرد آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأمة الواحدة، أو الأمتين اللتين ليستا بأختين، ويحتمعان في الجمع بين الأختين، فعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريمه، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقتضي إباحته. وإذا تعارض الأعمان من وجه في الصورة التي يجتمعان فيها وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدم ويخصص به عموم الآخر، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
وإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مرجح من خمسة أوجه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.
الأول: منها: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك المقصود بالذات، لأن السورة سورة النساء: وهي التي بين الله فيها من تحل منهن، ومن لا تحل، وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم النساء، ولا تحليلهن، بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة، فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية. وقد تقرر في الأصول: أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها، لا من مظانها.
стр. 3565
الوجه الثاني: أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليس باقية على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا: للإِجماع على أن عموم (أو ما ملكت أيمانهم) يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعًا، للإِجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص، مع العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص. وهذا هو قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفي الدين الهندي، والسبكي.
وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص. والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم: هو مجاز في الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز؟ وإن كان الصحيح: أنه حجة في الباقي، وحقيقة فيه؛ لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه. وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه.
الوجه الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف
стр. 3566
العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم قال في مراقي السعود:
وما أتى للمدح أو للذم ... يعم عند جل أهل العلم
وخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإِمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم. ولذا لم يأخذ الإِمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الحلي المباح؛ لأن الآية سيقت للذم، فلا تعم عنده الحلي المباح.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء.
الوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم حتى يدل دليل لا معارض له على الإِباحة.
الوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإِباحة، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.
فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين محتجًا بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي، والشافعي، والحنبلي. وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء بعد جمل متعاطفة، أو مفردات متعاطفة أن الاستثناء
стр. 3567
المذكور يرجع لجميعها خلافًا لأبي حنيفة القائل: يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. قال في مراقي السعود:
وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . . إلخ
وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم، وبني زهرة، والفقراء إلَّا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط. ولذلك لم يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يرجِع عنده الاستثناء فيه للأخيرة فقط، وهي ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: فقد زال عنهم اسم الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا مطلقًا بلا استثناء؛ لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة. ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة، وغيره.
ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله؛ لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في الجملة الأخيرة التي هي ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ لأن الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى الشرك، والقتل،
стр. 3568
والزنى في الجمل المتعاطفة قبله، فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها عند أبي حنيفة، على أصله المقرر مستلزمًا لرجوعه للجميع.
وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضًا برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فيقول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيكون المعنى: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.
وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك. وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين:
الأول منهما: أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لما قدمنا من أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت
стр. 3569
عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلَّا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر، فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء، كما قال الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق
وإذ كان ملك اليمين في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في السبي خاصة، كما هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعًا من رجوعه إلى قوْله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقًا. وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مطلقًا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق. وأوضحنا الأدلة على ذلك.
الوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها يحتاج إلى دليل منفصل، لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع، أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعًا لغير الجملة الأخيرة التي تليه، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلَّا بعد النظر في الأدلة، ومعرفة ذلك منها. وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع، أو بعضها المعين، دون بعض إلَّا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة. واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالًا على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضًا استدلال داود.
стр. 3570
فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.
وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية، لا يرجع قولًا واحدًا إلى الجملة الأخيرة التي تليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدًا ولو وصلوا إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﷺ ، كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر، وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل
стр. 3571
إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإِعجاز تبين أنه ليس نصًّا في الرجوع إلى غيرها.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ على ما قاله جماعات من المفسرين؛ لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى.
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها.
وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه، وأن المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان في الاستمرار على ملة آبائكم من الكفر، وعبادة الأوثان إلَّا قليلًا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وأمثالهم.
وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ معناه: لاتبعتم الشيطان كلكم. قال: والعرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:
أشم ندى كثير النوادي ... قليل المثالب والقادحه
يعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم
стр. 3572
كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلَّا بغامها
ويريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته.
وقول الآخر:
فما بأس لو ردت علينا تحية ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابها
يعني لا عاب فيها، أي: لا عيب فيها عند من يعرف الحق. وأمثال هذا كثير في كلام العرب.
وبالآيات التي ذكرنا تعلم أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلَّا لدليل هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، وتتمتع به بملك اليمين. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهو يؤيد قول الأكثرين أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلَّا بدليل منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة.
وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : تأولت آية
стр. 3573
من كتاب الله على غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. ثم قال ابن كثير: هذا أثر غريب منقطع. ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة. وهو هنا أليق. وإنما حرمها عَلَى الرجال، معاملة لها بنقيض قصدها. واللَّه أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأةٌ غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تأولت كتاب الله على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها.
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عني بني عمي، فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما واللَّه لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. اهـ من القرطبي.
المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ هذه التي هي ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه
стр. 3574
بذلك قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل) وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز، قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة.
وما روي عن الإِمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها، لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن. والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارًا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى
فاللَّه جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ ولم يستثن من ذلك البتة إلَّا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى
стр. 3575
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة، والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده. وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل من كتاب أو سنَّة يجب الرجوع إليه. أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية - بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة، واستدلالهم بالآية ما نصه - : وقد استأنسوا بحديث رواه الإِمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلَّا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره". اهـ.
ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. واللَّه أعلم. انتهى منه. ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة، لدلالته على منع ذلك. وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة؛ لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر.
لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين أن مغفلًا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم
следующие страницы →