Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإِعجاز تبين أنه ليس نصًّا في الرجوع إلى غيرها.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ على ما قاله جماعات من المفسرين؛ لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى.
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها.
وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه، وأن المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان في الاستمرار على ملة آبائكم من الكفر، وعبادة الأوثان إلَّا قليلًا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وأمثالهم.
وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ معناه: لاتبعتم الشيطان كلكم. قال: والعرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:
أشم ندى كثير النوادي ... قليل المثالب والقادحه
يعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم
стр. 3572
كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلَّا بغامها
ويريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته.
وقول الآخر:
فما بأس لو ردت علينا تحية ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابها
يعني لا عاب فيها، أي: لا عيب فيها عند من يعرف الحق. وأمثال هذا كثير في كلام العرب.
وبالآيات التي ذكرنا تعلم أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلَّا لدليل هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، وتتمتع به بملك اليمين. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهو يؤيد قول الأكثرين أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلَّا بدليل منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة.
وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : تأولت آية
стр. 3573
من كتاب الله على غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. ثم قال ابن كثير: هذا أثر غريب منقطع. ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة. وهو هنا أليق. وإنما حرمها عَلَى الرجال، معاملة لها بنقيض قصدها. واللَّه أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأةٌ غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: تأولت كتاب الله على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها.
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عني بني عمي، فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما واللَّه لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. اهـ من القرطبي.
المسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ هذه التي هي ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه
стр. 3574
بذلك قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل) وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز، قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة.
وما روي عن الإِمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:
إذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها، لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن. والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارًا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى
فاللَّه جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ ولم يستثن من ذلك البتة إلَّا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى
стр. 3575
أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة، والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده. وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل من كتاب أو سنَّة يجب الرجوع إليه. أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية - بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة، واستدلالهم بالآية ما نصه - : وقد استأنسوا بحديث رواه الإِمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلَّا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره". اهـ.
ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. واللَّه أعلم. انتهى منه. ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة، لدلالته على منع ذلك. وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة؛ لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر.
لطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين أن مغفلًا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم
стр. 3576
صياحها، فجاءوا وقالوا: ما هذا الصياح؟ فقال لهم ذلك المغفل: لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة.
المسألة الرابعة: اعلم أنا قدمنا في سورة النساء أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ تدل بظاهرها على منع نكاح المتعة؛ لأنه جل وعلا صرح فيها بما يعلم منه وجوب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وأن المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة، ولا مملوكة. أما كونها غير مملوكة فواضح. وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء.
فتبين بذلك أن مبتغى نكاح المتعة من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ما حرم. وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنَّة، وأن نكاح المتعة ممنوع إلى يوم القيامة. وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة "على" في هذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية؛ لأن مادة الحفظ لا تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى، فقيل: إن "على" بمعنى: "عن". والمعنى: أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء إلَّا عن أزواجهم، و"حفظ" قد تتعدى بعن.
وحاول الزمخشري الجواب عن الإِتيان بعلى هنا فقال ما نصه:
стр. 3577
(على أزواجهم) في موضع الحال، أي: إلَّا والين على أزواجهم، أو قوامين عليهم، من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان. ونظيره. كان زياد على البصرة، أي: واليًا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشًا.
والمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلَّا في تزوجهم أو تسريهم، أو تعلق "على" بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلَّا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلَّا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه، أو تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ علي عنان فرسي. على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك باللَّه إلَّا فعلت بمعنى: ما طلبت منك إلَّا فعلك. اهـ منه. ولا يخفى ما فيه من عدم الظهور.
قال أبو حيان: وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة، وهي متكلفة. ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين، ضمن حافظون معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾.
والظاهر أن قوله هنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن المملوكات من جملة العقلاء، والعقلاء يعبر عنهم بـ "من" لا بـ "ما"، هو أن الإِماء لما كنَّ يتصفن ببعض صفات غير العقلاء، كبيعهن وشرائهن، ونحو ذلك كان ذلك مسوغًا لإِطلاق لفظة "ما" عليهن. والعلم عند الله تعالى.
وقال بعض أهل العلم: إن وراء ذلك هو مفعول ابتغى، أي: ابتغى سوى ذلك. وقال بعضهم: إن المفعول به محذوف، ووراء ظرف، أي: فمن ابتغى مستمتعًا لفرجه وراء ذلك.
стр. 3578
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون لأماتهم وعهدهم، أي: محافظون على الأمانات. والعهود، والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس. والعهود أيضًا تشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه من حقوق الله، وحقوق الناس.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ وقوله تعالى في (سأل سائل): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ وقوله في العهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وقد أوضحنا هذا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.
وقوله: راعون: جمع تصحيح للراعي، وهو القائم على الشيء بحفظ، أو إصلاح، كراعي الغنم، وراعي الرعية. وفي الحديث "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" الحديث.
وقرأ هذا الحرف ابن كثير وحده: (لأمانتهم) بغير ألف بعد
стр. 3579
النون على صيغة الإِفراد. والباقون بألف بعد النون على صيغة الجمع المؤنث السالم.
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم يحافظون على صلواتهم، والمحافظة عليها تشمل إتمام أركانها، وشروطها، وسننها، وفعلها في أوقاتها في الجماعات في المساجد، ولأجل أن ذلك من أسباب نيل الفردوس أمر تعالى بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية. وقال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ وقال فيها أيضًا: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾. وقد أوضحنا ذلك في سورة مريم، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ الآية. وقال تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية. وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ ، أي: العمل أحبّ إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" الحديث. وقد قدمناه والأحاديث في فضل الصلاة والمحافظة عليها كثيرة جدًّا، ولكن موضوع كتابنا بيان القرآن بالقرآن، ولا نذكر غالبًا البيان من السنَّة إلَّا إذا كان في القرآن بيان غير واف بالمقصود، فنتمم البيان من السنة كما قدمناه مرارًا، وذكرناه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.
стр. 3580
• قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين المتصفين بالصفات التي قدمناهم الوارثون، وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو الوارثون، لدلالة قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ عليه. والفردوس: أعلا الجنة، وأوسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن جل وعلا، وعبر تعالى عن نيل الفردوس هنا باسم الوراثة.
وقد أوضحنا معنى الوراثة، والآيات الدالة على ذلك المعنى، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ الآية في سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقرأ هذا الحرف: حمزة والكسائي: على (صلاتهم) بغير واو، بصيغة الإِفراد وقرأ الباقون: على (صلواتهم) بالواو المفتوحة بصيغة الجمع المؤنث السالم، والمعنى واحد؛ لأن المفرد الذي هو اسم جنس إذا أضيف إلى معرفة كان صيغة عموم، كما هو معروف في الأصول.
وقوله هنا: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: بلا انقطاع أبدًا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ أي: غير مقطوع. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ كما قدمناه مستوفى.
стр. 3581
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أطوار خلقه الإِنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة، والصحيح من ذلك، وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة، أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى يصلي عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى.
أما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، إذ استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود
والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه.
ومنه قول حسان ﵁:
فجاءت به عضب الأديم غضنفرًا ... سلالة فرج كان غير حصين
стр. 3582
وبناء الاسم على الفعالة يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت. والمراد بخلق الإِنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.
وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بُلَّ بالماء صار طينًا، ولما خمر صار طينًا لازبًا يلصق باليد، وصار حمأ مسنونًا. قال بعضهم: طينًا أسود منتنًا، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة كان وجود جنس الإِنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. . . إلخ. وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج.
وقوله هنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ يعني: بدأه خلق نوع الإِنسان بخلق آدم، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ أي: بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإِنسان الذي هو النسل؛ لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر. كما أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
стр. 3583
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان أمر كل مكلف أن ينظر فيه. والأمر المطلق يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مرارًا. وذلك في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية. وقد أشار في آيات كثيرة إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا، والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة إلخ مع أنه لم يشق بطن أمه، بل هو مستتر بثلاث ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فتأمل معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: عن هذه العجائب والغرائب التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية، واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ
стр. 3584
بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذه كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا، فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده.
وقد بين في آية المؤمنون هذه: أنه يخلق المضغة عظامًا، وبين في موضع آخر: أنه يركب بعض تلك العظام مع بعض، تركيبًا قويًّا، ويشد بعضها مع بعض، علي أكمل الوجوه وأبدعها، وذلك في قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ الآية. والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتآسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد بها، ومنه قول حميد بن ثور:
وما دخلت في الخدب حتى تنقضت ... تآسير أعلى قده وتحطما
وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسرًا شده بالأسار، وهو القد، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد. فقول بعض المفسرين واللغويين: أسرهم، أي: خلقهم فيه قصور في التفسير؛ لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه الذي لم يدبغ. واللَّه جل وعلا يشد بعض العظام ببعض شدًّا محكمًا متماسكًا كما يشد الشيء بالقد، والشد به قوي جدًّا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه. قاله أبو حيان في البحر.
وقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم،
стр. 3585
وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال الزمخشري: أي: خلقًا مباينًا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانًا، وكان جمادًا، وناطقًا وكان أبكَم، وسميعًا وكان أصم وبصيرًا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره، بل كل عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه عجائب فطره، وغرائب حكمه، لا تدرك بوصف الواصف، ولا بشرح الشارح. انتهى منه.
وقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي وأبو العالية، والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادًا. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره. وقال الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر. وقال مجاهد: كمال شبابه. وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا، وفي غيره من النطق والإِدراك، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. اهـ منه.
والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أنه صار بشرًا سويًا بعد أن كان نطفة، ومضغة، وعلقة، وعظامًا كما هو واضح.
مسألة
وقد استدل بهذه الآية الإِمام أبو حنيفة ﵀ على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنده أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ؛ لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة، فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب
стр. 3586
ما غضب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس. اهـ منه.
وقوله في هذه الآية: ﴿أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤)﴾ أي: المقدرين. والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير، ومنه قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
فقوله: يخلق ثم لا يفري، أي: يقدر الأمر، ثم لا ينفذه؛ لعجزه عنه كما هو معلوم.
ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي محضة أعرب قوله: ﴿وأَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ نعتًا للفظ الجلالة، ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلًا، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أحسن الخالقين.
وقرأ هذين الحرفين: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ ابن عامر وشعبة عن عاصم (عَظْمًا) بفتح العين، وإسكان الظاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه الباقون: (عظامًا) بكسر العين، وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن عامر وشعبة. فالمراد بالعظم: العظام.
وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس قد تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من
стр. 3587
أمثلته في القرآن، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك من إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ .
بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم بعد أن أنشأهم خلقًا آخر، فأخرج الواحد منهم من بطن أمه صغيرًا، ثم يكون محتلمًا، ثم يكون شابًّا، ثم يكون كهلًا، ثم يكون شيخًا، ثم هرمًا أنهم كلهم صائرون إلى الموت، من عمر منهم، ومن لم يعمر، ثم هم بعد الموت يبعثون أحياء يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا الموت والحياة المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر؛ لأنهما إماتتان وإحياءتان ذكر من كل منهما واحدة هنا، وذكر الجميع في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ كما قدمنا إيضاحه في سورة الحج والبقرة. وكل ذلك دليل على كمال قدرته، ولزوم الإِيمان به، واستحقاقه للعبادة وحده علوًا كبيرًا.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ .
في قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنها قيل لها: طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقًا فوق طاق، وركب بعضها عَلَى
стр. 3588
بعض، ومنه قوله ﷺ : "كأن وجوههم المجان المطرقة" أي: التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض. ومنه قول الشاعر يصف نعلًا له مطارقة:
وطراق من خلفهن طراق ... ساقطات تلوى بها الصحراء
يعني: نعال الإِبل. ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقه إذا ركب بعض ريشه بعضًا. ومنه قول زهير يصف بازيًا:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك
وقول ذي الرمة يصف بازيًا أيضًا:
طراق الخوافي واقع فوق ريعه ... ندى ليله في ريشه يترقرق
وقول الآخر يصف قطاة:
سكاء مخطومة في ريشها طرق ... سود قوادمها كدر خوافيها
فعلى هذا القول فقوله: ﴿سَبعَ طَرَائِقَ﴾ يوضح معناه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ الآية. وهذا قول الأكثر.
الوجه الثاني: أنها قيل لها: طرائق؛ لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج. وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. وأما قول من قال: قيل لها: طرائق، لأن لكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى، وقول من قال: طرائق، أي: مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لأن من يمسك السماء
стр. 3589
لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه. وقال بعضهم: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ بل نحن القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني السموات برهان على قوله قبله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ لأن من قدر على خلق السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإِنسان، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ والآيات بمثل هذا متعددة.
وقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها، وهي مذكورة هنا؛ ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل من السماء ماء معظمًا نفسه جل وعلا بصيغة الجمع المراد بها التعظيم، وأن ذلك الماء الذي أنزله من السماء أسكنه في الأرض؛ لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك، وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء
стр. 3590
أن يذهبه، فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء من أصله جوعًا وعطشًا، وبين أنه أنزله بقدر، أي: بمقدار معين عنده يحصل به نفع الخلق، ولا يكثره عليهم حتى يكون كطوفان نوح؛ لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي به المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في غير هذا الموضع.
الأولى: التي هي كونه أنزله بقدر أشار إليها في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.
والثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ والينبوع: الماء الكثير، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ على ما قدمنا في الحجر.
والثالثة: التي هي قدرته على إِذهابه أشار لها في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ويشبه معناها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ لأنه إذا صار ملحًا أجاجًا لا يمكن الشرب منه ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم.
وقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فصرح بأن الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء، وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية. فقوله: ثقالًا جمع ثقيلة، وثقلها
стр. 3591
إنما هو بالماء الذي فيها، وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾ جمع سحابة ثقيلة.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة. وبين جل وعلا أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم سنة، حتى يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر النعمة، وهل يعتبرون بعظم الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب، ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه.
وبين أنه مع الإِنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان مائه في الأرض ليشربوا منه هم، وأنعامهم، وينتفعوا به أبي أكثرهم إلا الكفر به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.
ولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورًا الذين يزعمون أن المطر لم ينزل منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخر إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس، أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته؛ ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإِيمان به واستحقاقه للعبادة وحده،
стр. 3592
فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.
وقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء، ومنزله حيث شاء كيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" هذا لفظ مسلم ﵀ في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا مسندًا ذلك للطبيعة أنه كافر باللَّه، مؤمن بالطبيعة والبخار. والعرب كانوا يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر إلا أنهم يسندون فعل ذلك للفاعل المختار جل وعلا. ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد:
لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر
كبنات البحر يمأدن إذا ... أنبت الصيف عساليج الخضر
فقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر.
وقول أبي ذؤيب الهذلي:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم غرماؤهن ثجيج
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
ولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر
стр. 3593
على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
• قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ الآية وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ .
قوله: (وشجرة) معطوف على جنات من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مسوغه مرارًا، أي: فأنشأنا لكم به جنات، وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء، وهي شجرة الزيتون، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ الآية. والدهن الذي تنبت به: هو زيتها المذكور في قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ ومع الاستضاءة منها فهي صبغ للآكلين، أي: إدام يأتدمون به.
وقرأ هذا الحرف: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (سيناء) بكسر السين، وقرأ الباقون: بفتحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (تُنبِت) بضم التاء، وكسر الباء الموحدة مضارع أنبت الرباعي. وقرأ الباقون: (تَنبُت) بفتح التاء، وضم الباء مضارع نبت الثلاثي، وعلى هذه القراءة فلا إشكال في حرف الباء في قوله: (بالدهن) أي: تنبت مصحوبة بالدهن الذي يستخرج من زيتونها، وعلى قراءة ابن كثير
стр. 3594
وأبي عمرو ففي الباء إشكال، وهو أن أنبت الرباعي يتعدى بنفسه، ولا يحتاج إلى الباء، وقد قدمنا النكتة في الإِتيان بمثل هذه الباء في القرآن، وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وفي كلام العرب في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية. ولا يخفي أن أنبت الرباعي، على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو هنا لازمة، لا متعدية إلى المفعول، وأنبت تتعدى، وتلزم، فمن تعديها قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ ومن لزومها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو المذكورة، ونظيرها من كلام العرب قول زهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا بها حتى إذا أنبت البقل
فقوله: أنبت البقل لازم بمعنى نبت. وهذا هو الصواب في قراءة: (تنبت) بضم التاء خلافًا لمن قال: إنها مضارع أنبت المتعدي، وأن المفعول محذوف، أي: تنبت زيتونها، وفيه الزيت.
وقال ابن كثير: الطور: هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى طورًا إذا كان فيه شجر، فإن عرى عن الشجر سمي جبلًا لا طورًا. واللَّه أعلم. وطور سيناء: هو طور سنين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇ ، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. اهـ. محل الغرض من كلام ابن كثير.
وفي حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة" رواه أحمد، ورواه الترمذي وغيره عن عمر. والظاهر أنه لا يخلو من مقال. وقال فيه العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الألباس: رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن عمر،
стр. 3595
وابن ماجه فقط عن أبي هريرة. وصححه الحاكم على شرطهما ثم قال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃. اهـ. منه والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة معنى هذه الآية، وما يستفاد منها من الأحكام الفقهية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الآية، مع بيان أوجه القراءة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ .
الضمير في قوله: (عليها) راجع إلى الأنعام المذكورة في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية أنه يحمل خلقه على الأنعام. والمراد بها هنا الإِبل؛ لأن الحمل عليها هو الأغلب، وعلى الفلك، وهي السفن. ولفظ الفلك يطلق على الواحد والجمع من السفن.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من الامتنان على خلقه بما يسر لهم من الركوب والحمل على الأنعام والسفن جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ وقوله في الأنعام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ وقوله فيها: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا
стр. 3596
بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾، وقوله في الفلك والأنعام معًا: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ وقوله في السفن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة، وهذا من نعمه وآياته.
وقرن الأنعام بالفلك في الآيات المذكورة؛ لأن الإبل سفائن البر، كما قال ذو الرمة:
ألا خيلت مي وقد نام صحبتي ... فما نفر التهويم إلا سلامها
طروقًا وجلب الرحل مشدودة بها ... سفينة بر تحت خدي زمامها
فتراه سمى ناقته سفينة بر، وجلب الرحل بالضم والكسر عيدانه أو الرحل بما فيه:
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾.
قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه من الآيات التي لها بيان في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ .
стр. 3597
بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه بعد إرسال نوح والرسول المذكور بعده أرسل رسله تترى، أي: متواترين واحدًا بعد واحد، وكل متتابع متتال تسميه العرب متواترًا. ومنه قول لبيد في معلقته:
يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها
يعني: مطرًا متتابعًا، أو غبار ريح متتابعًا. وتاء تترى مبدلة من الواو. وأنه كل ما أرسل رسولًا إلى أمة كذبوه فأهلكهم، وأتبع بعضهم بعضًا في الإِهلاك المستأصل بسبب تكذيب الرسل. وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة. وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من هذا الإِهلاك المذكور.
أما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.
أما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيمانًا حقًّا، وأن الله عاملهم به معاملة المؤمنين، وذلك في قوله في يونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ لأن ظاهر إطلاق قوله: (فآمنوا) يدل على ذلك. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3598
ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ؛ لأنه تعالى قال فيهم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الآية وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: أخبارًا وقصصًا يسمر بها، ويتعجب منها، كما قال ابن دريد في مقصورته:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثًا حسنًا لمن وعى
وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: (تترًا) بالتنوين. وهي لغة كنانة، والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين. وهي لغة أكثر العرب. وسهل نافع، وابن كثير، وأبو عمرو الهمزة الثانية من قوله: (جاء أمة)، وقرأها الباقون بالتحقيق، كما هو معلوم.
وقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ مصدر لا يظهر عامله، وقد بعد بعدًا بفتحتين، وبعدًا بضم فسكون، أي: هلك، فقوله: بعدًا، أي: هلاكًا مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ قال الشاعر:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا ... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا
وقد قال سيبويه: إن بعدًا وسحقًا ودفرًا، أي: نتنًا من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر. اهـ. ومن هذا القبيل قولهم: سقيًا ورعيًا، كقول نابغة ذبيان:
نبئت نعمًا على الهجران عاتية ... سقيًا ورعيًا لذلك العاتب الزاري
والأحاديث في قوله: (فجعلناهم أحاديث) في مفرده وجهان معروفان.
أحدهما: أنه جمع حديث كما تقول: هذه أحاديث رسول الله ﷺ ، تريد بالأحاديث جمع حديث. وعلى هذا فهو من
стр. 3599
الجموع الجارية على غير القياس المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:
وحائد عن القياس كل ما ... خالف في البابين حكما رسما
يعني بالبابين: التكسير والتصغير، كتكسير حديث على أحاديث وباطل على أباطيل، وكتصغير مغرب على مغيربان، وعشية على عشيشية. وقال بعضهم: إنها اسم جمع للحديث.
الوجه الثاني: أن الأحاديث جمع أحدوثة التي هي مثل: أضحوكة، وألعوبة، وأعجوبة بضم الأول، وإسكان الثاني: وهي ما يتحدث به الناس تلهيًا، وتعجبًا. ومنه بهذا المعنى قول توبة بن الحمير:
من الخفرات البيض ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وهذا الوجه أنسب هنا لجريان الجمع فيه على القياس. وجزم به الزمخشري. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ .
أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة رسله عليهم الصلاة والسلام مع أن الموجود منهم وقت نزولها واحد، وهو نبينا ﷺ ، بالأكل من الطيبات، وهي الحلال الذي لا شبهة فيه على التحقيق، وأن يعملوا العمل الصالح. وذلك يدل على أن الأكل من الحلال له أثر في العمل الصالح، وهو كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه الآية الكريمة أمر به المؤمنين من هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
стр. 3600
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾. والآية تدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال، والعمل الصالح. وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال معروف. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب فأنَّى يستجاب له" وهو يدل بدلالة واضحة أن دعاءه الذي هو من أعظم القرب لم ينفعه؛ لأنه لم يأكل من الحلال ولم يشرب منه، ولم يركب منه.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ .
قد أوضحنا معنى هاتين الآيتين، وفسرنا ما يحتاج منهما إلى تفسير، وبينا الآيات الموضحة لمعناها في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية، وبينا جميع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ .
أمر جل وعلا نبيه ﷺ أن يذر الكفار، أي: يتركهم في غمرتهم
стр. 3601
إلى حين، أي: وقت معين عند الله. والظاهر أنه وقت انقضاء آجالهم بقتل أو موت، وصيرورتهم إلى ما هم صائرون إليه بعد الموت من العذاب البرزخي، والأخروي. وكون المراد بالحين المذكور وقت قتلهم، أو موتهم ذكره الزمخشري عن علي ﵁ بغير سند.
وأقوال أهل العلم في معنى (غمرتهم) راجعة إلى شيء واحد كقول الكلبي: في غمرتهم، أي: جهالتهم، وقول ابن بحر: في حيرتهم، وقول ابن سلام: في غفلتهم، وقول بعضهم: في ضلالتهم فمعنى كل هذه الأقوال واحد، وهو أنه أمره أن يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال والغي والمعاصي.
قال الزمخشري: الغمرة: الماء الذي يغمر القامة، فضربت مثلًا لما هم مغمورون فيه من جهلهم، وعمايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء؛ لما هم عليه من الباطل. قال ذو الرمة:
ليالي اللهو يطبيني فأتبعه ... كأنني ضارب في غمرة لعب
وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَذَرهُمْ فِي غَمْرَتهِمْ﴾ للتهديد. وقد تقرر في فن الأصول في مبحث الأمر، وفي فن المعاني في مبحث الإِنشاء أن من المعاني التي تأتي لها صيغة افعل التهديد. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا نبينا ﷺ جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾، وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة الحجر
стр. 3602
في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية، وتكلمنا هناك على لفظ (ذرهم).
• قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾
قد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
ما تضمنته هذه الآية من التخفيف في هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها نبينا ﷺ قد ذكرنا طرفًا من الآيات الدالة عليه في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾ .
الحق أن المراد بهذا الكتاب: كتاب الأعمال الذي يحصيها الله فيه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآية، وفي سورة الإِسراء في الكلام على قوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾.
والظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق: أن جميع المكتوب فيه
стр. 3603
حق، فمن قرأ المكتوب فيه كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق. وربما أطلقت العرب اسم الكلام على الخط، كما روي عن عائشة أنها قالت: ما بين دفتي المصحف كلام الله. واللَّه تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ .
(حتى) هنا في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية، والعذاب الذي أخذهم ربهم به قيل: هو عذاب يوم بدر بالقتل والأسر، وقيل: الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم لما دعا عليهم رسول الله ﷺ فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فأصابهم بسبب دعوته ﷺ من الجوع الشديد عذاب أليم. وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم القيامة.
وقد بين تعالى في هاتين الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب، والمترفون هم أصحاب النعمة والرفاهية في دار الدنيا. وهذا المعنى أشار له بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ فقوله: (أولي النعمة) يريد بهم: المترفين في الدنيا، وبين أنه سيعذبهم بعد التهديد بقوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ الآية.
وقوله: (يجأرون)، الجؤار: الصراخ باستغاثة، والعرب تقول: جأر الثور يجأر: صاح، فالجؤار كالخوار. وفي بعض القراءات (عجلًا جسدًا له جؤار) بالجيم والهمزة، أي: خوار، وجأر الرجل إلى الله: تضرع بالدعاء.
стр. 3604
فمعنى الآية الكريمة: أن المنعمين في الدنيا من الكفار إذا أخذهم الله بالعذاب يوم القيامة صاحوا مستصرخين مستغيثين، يطلبون الخلاص مما هم فيه، وصراخهم واستغاثتهم المشار له هنا جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فقوله: (يصطرخون) يفتعلون من الصراخ مستغيثين يريدون الخروج مما هم فيه، بدليل قوله تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فهذا الصراخ المذكور في هذه الآية العام للمترفين وغيرهم هو الجؤار المذكور عن المترفين هنا.
ومن إطلاق العرب الجؤار على الصراخ والدعاء للاستغاثة قول الأعشى:
يراوح من صلوات المليك ... فطورًا سجودًا وطورًا جؤارا
والجؤار المذكور: هو النداء في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ لأن نداءهم نداء استغاثة واستصراخ، وكقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآية؛ لأن القضاء عليهم من أعظم الأمور التي يطلبونها، فيستغيثون بالموت من دوام ذلك العذاب الشديد، أجارنا الله وإخواننا المسلمين منه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ وذلك الدعاء بالثبور الذي هو أعظم الهلاك والويل من أنواع جؤارهم والعياذ باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ يدل على أنهم إن استغاثوا لم يغاثوا، وإن استرحموا لم يرحموا، وقد أشار
стр. 3605
تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.
• قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾ .
لما بين أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب ضجوا وصاحوا واستغاثوا، وبين أنهم لا يغاثون - كما أوضحنا آنفًا - بين سبب ذلك بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْءَايَاتِى﴾ أي: التي أرسلت بها رسلي: ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تقرأ عليكم واضحة مفصلة، ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون عنها القهقرى. والعقب: مؤخر القدم. والنكوص: الرجوع عن الأمر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ومنه قول الشاعر:
زعموا بأنهم على سبل النجا ... ة وإنما نكص على الأعقاب
وهذا المعنى الذي ذكره هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ فكفرهم عند ذكر الله وحده من نكوصهم على أعقابهم، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته لم يقتصروا على النكوص عنها على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم، لشدة بغضهم لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة أظهر عندنا من قول من قال: إنه يوم بدر،
стр. 3606
أو الجوع. ومن قول من زعم أن الذين يجأرون هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم. فكل ذلك خلاف الظاهر وإن قاله من قاله.
• قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ .
يتضمن حضهم على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم؛ لأنهم إن تدبروه تدبرًا صادقًا علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ قال القرطبي: فأنكروه، وأعرضوا عنه، وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له.
وقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين.
قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أولًا بترك الانتفاع بالقرآن، ثم ثانيًا بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين، أي: إرسال الرسل ليس بدعًا، ولا مستغربًا، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من كذب. وآباءهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر، وعليه فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.
стр. 3607
• قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ .
فقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ .
"أم" المذكورة في هذه الآية هي المعروفة عند النحويين بأم المنقطعة. وضابطها إلا تتقدم عليها همزة تسوية نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآية، أو همزة مغنية عن لفظة، أي: كقولك أزيد عندك، أم عمرو؟ أي: أيهما عندك، فالمسبوقة بإحدى الهمزتين المذكورتين هي المعروفة عندهم بأم المتصلة، والتي لم تسبق بواحدة منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا. وأم المنقطعة تأتي لثلاثة معان:
الأول: أن تكون بمعنى بل الإِضرابية.
الثاني: أن تكون بمعنى همزة استفهام الإنكار.
الثالث: أن تكون بمعناهما معًا، فتكون جامعة بين الإِضراب والإِنكار، وهذا الأخير هو الأكثر في معناها خلافًا لابن مالك في الخلاصة في اقتصاره على أنها بمعنى بل في قوله:
وبانقطاع، وبمعنى بل وفت ... إن تك مما قيدت به خلت
ومراده بخلوها مما قيدت به ألا تسبقها إحدى الهمزتين المذكورتين، فإن سبقتها إحداهما، فهي المتصلة كما تقدم قريبًا.
стр. 3608
وعلى ما ذكرنا فيكون المعنى متضمنًا للإِضراب عما قبله إضرابًا انتقاليًا، مع معنى استفهام الإِنكار، فتضمن الآية الإِنكار على الكفار في دعواهم أن نبينا ﷺ به جنة، أي: جنون، يعنون: أن هذا الحق الذي جاءهم به هذيان مجنون، قبحهم الله، ما أجحدهم للحق؛ وما أكفرهم؛ ودعواهم عليه هذه أنه مجنون كذبها الله هنا بقوله: ﴿بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾ فالإِضراب ببل إبطالي. والمعنى: ليس بمجنون، بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح المؤيد بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق.
وما نفته هذه الآية الكريمة من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ وهذا الجنون الذي افتري على آخر الأنبياء افتري أيضًا على أولهم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح أنهم قالوا فيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ وقد بين في موضع آخر أن الله لم يرسل رسولًا إلَّا قال قومه: إنه ساحر، أو مجنون، كأنهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك؛ لتواطئ أقوالهم لرسلهم عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ فبين أن سبب تواطئهم على ذلك ليس التواصي به؛ لاختلاف أزمنتهم، وأمكنتهم، ولكن الذي جمعهم على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان. وقد أوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه
стр. 3609
مقالاتهم لرسلهم هو تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان، وكراهية الحق.
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ ذكر نحو معناه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية. وذلك المنكر الذي تعره في وجوههم إنما هو لشدة كراهيتهم للحق. ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق أنهم يمتنعون من سماعه، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه، كما قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإِشراك به، وهو نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من الحق، والدعوة إليه. وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء ﷺ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية. فترى بعضهم ينهى بعضًا عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن قليلًا من الكفار ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضًا على آية الزخرف التي ذكرنا آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.
والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم
стр. 3610
بأن قليلًا من الكفار كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإِيمان باللَّه ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا: صبأوا وفارقوا دين آبائهم. ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله:
• اصدع بأمرك ما عليك غضاضة *
الأبيات، وقال فيها:
ولقد علم بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
وقال فيه ﷺ أيضًا:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل
وقد بين أبو طالب في شعره أن السبب المانع له من اعتناق الإِسلام ليس كراهية الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له، كما في قوله:
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحًا بذاك يقينا
• قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ .
اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال بعضهم: الحق: هو الله تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكون المراد بالحق في الآية: هو الله عزاه القرطبي
следующие страницы →