Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
أو الجوع. ومن قول من زعم أن الذين يجأرون هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم. فكل ذلك خلاف الظاهر وإن قاله من قاله.
• قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ .
يتضمن حضهم على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم؛ لأنهم إن تدبروه تدبرًا صادقًا علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ قال القرطبي: فأنكروه، وأعرضوا عنه، وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له.
وقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين.
قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أولًا بترك الانتفاع بالقرآن، ثم ثانيًا بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين، أي: إرسال الرسل ليس بدعًا، ولا مستغربًا، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من كذب. وآباءهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر، وعليه فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.
стр. 3607
• قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ .
فقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ .
"أم" المذكورة في هذه الآية هي المعروفة عند النحويين بأم المنقطعة. وضابطها إلا تتقدم عليها همزة تسوية نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآية، أو همزة مغنية عن لفظة، أي: كقولك أزيد عندك، أم عمرو؟ أي: أيهما عندك، فالمسبوقة بإحدى الهمزتين المذكورتين هي المعروفة عندهم بأم المتصلة، والتي لم تسبق بواحدة منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا. وأم المنقطعة تأتي لثلاثة معان:
الأول: أن تكون بمعنى بل الإِضرابية.
الثاني: أن تكون بمعنى همزة استفهام الإنكار.
الثالث: أن تكون بمعناهما معًا، فتكون جامعة بين الإِضراب والإِنكار، وهذا الأخير هو الأكثر في معناها خلافًا لابن مالك في الخلاصة في اقتصاره على أنها بمعنى بل في قوله:
وبانقطاع، وبمعنى بل وفت ... إن تك مما قيدت به خلت
ومراده بخلوها مما قيدت به ألا تسبقها إحدى الهمزتين المذكورتين، فإن سبقتها إحداهما، فهي المتصلة كما تقدم قريبًا.
стр. 3608
وعلى ما ذكرنا فيكون المعنى متضمنًا للإِضراب عما قبله إضرابًا انتقاليًا، مع معنى استفهام الإِنكار، فتضمن الآية الإِنكار على الكفار في دعواهم أن نبينا ﷺ به جنة، أي: جنون، يعنون: أن هذا الحق الذي جاءهم به هذيان مجنون، قبحهم الله، ما أجحدهم للحق؛ وما أكفرهم؛ ودعواهم عليه هذه أنه مجنون كذبها الله هنا بقوله: ﴿بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾ فالإِضراب ببل إبطالي. والمعنى: ليس بمجنون، بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح المؤيد بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق.
وما نفته هذه الآية الكريمة من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ وهذا الجنون الذي افتري على آخر الأنبياء افتري أيضًا على أولهم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح أنهم قالوا فيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ وقد بين في موضع آخر أن الله لم يرسل رسولًا إلَّا قال قومه: إنه ساحر، أو مجنون، كأنهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك؛ لتواطئ أقوالهم لرسلهم عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ فبين أن سبب تواطئهم على ذلك ليس التواصي به؛ لاختلاف أزمنتهم، وأمكنتهم، ولكن الذي جمعهم على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان. وقد أوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه
стр. 3609
مقالاتهم لرسلهم هو تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان، وكراهية الحق.
وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ ذكر نحو معناه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية. وذلك المنكر الذي تعره في وجوههم إنما هو لشدة كراهيتهم للحق. ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق أنهم يمتنعون من سماعه، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه، كما قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإِشراك به، وهو نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من الحق، والدعوة إليه. وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء ﷺ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية. فترى بعضهم ينهى بعضًا عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن قليلًا من الكفار ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضًا على آية الزخرف التي ذكرنا آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.
والجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم
стр. 3610
بأن قليلًا من الكفار كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإِيمان باللَّه ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا: صبأوا وفارقوا دين آبائهم. ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله:
• اصدع بأمرك ما عليك غضاضة *
الأبيات، وقال فيها:
ولقد علم بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
وقال فيه ﷺ أيضًا:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل
وقد بين أبو طالب في شعره أن السبب المانع له من اعتناق الإِسلام ليس كراهية الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له، كما في قوله:
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحًا بذاك يقينا
• قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ .
اختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال بعضهم: الحق: هو الله تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكون المراد بالحق في الآية: هو الله عزاه القرطبي
стр. 3611
للأكثرين، وممن قال به: مجاهد، وابن جريج، وأبو صالح، والسدي، وروي عن قتادة، وغيرهم.
وعلى هذا القول فالمعنى: لو أجابهم الله إلى تشريع ما أحبوا تشريعه، وإرسال من اقترحوا إرساله بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعًا لأهوائهم الفاسدة لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن؛ لأن أهواءهم الفاسدة وشهواتهم الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض، وذلك لفساد أهوائهم، واختلافها. فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع.
ومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح لأن تكون متبعة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ لأن القرآن لو أنزل على أحد الرجلين المذكورين، وهو كافر يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ قال ابن كثير ﵀: ففي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه علوًا كبيرًا.
ومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدت السموات والأرض ومن فيهن قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فسبحان الله رب العرش عما يصفون.
القول الثاني: أن المراد بالحق في الآية: الحق الذي هو ضد
стр. 3612
الباطل المذكور في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية، وأنكر الأول.
وعلى هذا القول فالمعنى: أنه لو فرض كون الحق متبعًا لأهوائهم التي هي الشرك باللَّه، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك لفسد كل شيء، لأن هذا الغرض يصير به الحق، هو أبطل الباطل، ولا يمكن أن يقوم نظام السماء والأرض على شيء، هو أبطل الباطل، لأن استقامة نظام هذا العالم لا تمكن إلَّا بقدرة وإرادة إله هو الحق منفرد بالتشريع، والأمر والنهي، كما لا يخفى على عاقل. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ .
اختلف العلماء في الذكر في الآية، فمنهم من قال: (ذكرهم) فخرهم، وشرفهم؛ لأن نزول هذا الكتاب على رجل منهم فيه لهم أكبر الفخر والشرف، وعلى هذا فالآية كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ على تفسير الذكر بالفخر والشرف، وقال بعضهم: الذكر في الآية: الوعظ والتوصية، وعليه فالآية كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ وقال بعضهم: الذكر هو ما كانوا يتمنونه في قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ وعليه، فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ وعلى هذا القول فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ الآية كقوله هنا، فهم عن ذكرهم معرضون، وكقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ والآيات بمثل هذا على القول الأخير كثيرة والعلم عند الله تعالى.
стр. 3613
• قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ .
المراد بالخرج والخراج هنا: الأجر والجزاء.
والمعنى: أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيري الدنيا والآخرة أجرة ولا جعلًا. وأصل الخرج والخراج هو ما تخرجه إلى كل عامل في مقابلة أجرة، أو جعل. وهذه الآية الكريمة تتضمن أنه ﷺ لا يسألهم أجرًا في مقابلة تبليغ الرسالة.
وقد أوضحنا الآيات القرآنية الدالة على أن الرسل لا يأخذون الأجرة على التبليغ في سورة هود في الكلام على قوله تعالى عن نوح: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. وبينا وجه الجمع بين تلك الآيات، مع آية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وبينا هناك حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقرأ هذين الحرفين ابن عامر: (خرْجًا فخرْج ربك) بإسكان الراء فيهما معًا، وحذف الألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي: (خراجًا فخراج ربك) بفتح الراء بعدها ألف فيهما معًا، وقرأ الباقون: (خرجًا فخراج ربك) بإسكان الراء، وحذف الألف في الأول، وفتح الراء وإثبات الألف في الثاني.
والتحقيق أن معنى الخرج والخراج واحد، وأنهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان خلافًا لمن زعم أن بين معناهما فرقًا زاعمًا أن الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه.
стр. 3614
ومعنى الآية لا يساعد على هذا الفرق كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ نظرًا إلى أن بعض المخلوقين يرزق بعضهم، كقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآية. ولا شك أن فضل رزق الله خلقه على رزق بعض خلقه بعضهم كفضل ذاته، وسائر صفاته على ذوات خلقه، وصفاتهم.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ فأغنى عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لإِنكارهم البعث والجزاء ناكبون عن الصراط، والمراد بالصراط الذي هم ناكبون عنه الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة المذكور في قوله قبله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ ومن نكب عن هذا الصراط المستقيم دخل النار بلا شك.
والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
стр. 3615
ومعنى قوله: ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ عادلون عنه، حائدون غير سالكين إياه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نصيب:
خليلي من كعب ألما هديتما ... بزينب لا تفقد كما أبدًا كعب
من اليوم زوراها فإن ركابنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب
جمع ناكبة عنها، أي: عادلة عنها متباعدة عنها، وعن أهلها.
• قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ .
قد بينا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية من أنه تعالى يعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد أن لو وجد كيف يكون = في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية: ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ اللجاج هنا: التمادي في الكفر والضلال. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو كفرهم باللَّه، وادعاؤهم له الأولاد والشركاء، وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين لا يميزون حقًّا من باطل. وقال بعض أهل العلم: العمه: عمى القلب. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ الكفار بالعذاب. والظاهر أنه هنا: العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب، والأمراض والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: ما خضعوا له، ولا ذلوا: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾، أي: ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين
стр. 3616
له، ليكشف عنهم ذلك العذاب؛ لشدة قسوة قلوبهم، وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب الله لهم.
وهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ وقوله في سورة الأعراف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ .
قد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ وبينا هناك وجه إفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ .
﴿ذَرَأَكُمْ﴾ معناه: خلقكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فِي الأَرْضِ﴾ هو أي: خلقكم
стр. 3617
وبثكم في الأرض عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ الآية، وقال: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ أي: إليه وحده تجمعون يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب.
وما تضمنته هذه الآية من أنه خلقهم، وبثهم في الأرض، وأنه سيحشرهم إليه يوم القيامة جاء معناه في آيات كثيرة، كقوله في أول هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ وذكر جل وعلا أيضًا هاتين الآيتين في سورة الملك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ .
قد قدمنا الآيات الدالة على الإِماتتين والإِحياءتين، وأن ذلك من أكبر الدواعي للإِيمان به جل وعلا في سورة الحج في الكلام على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن له اختلاف الليل والنهار، يعني: أن ذلك هو الفاعل له وهو الذي يذهب بالليل، ويأتي
стр. 3618
بالنهار، ثم يذهب بالنهار ويأتي بالليل، واختلاف الليل والنهار من أعظم آياته الدالة على كمال قدرته، ومن أعظم مننه على خلقه كما بين الأمرين في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. أي: لتسكنوا في الليل وتطلبوا معايشكم بالنهار. والآيات الدالة على أن اختلاف الليل والنهار من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، واستحقاقه للعبادة وحده كثير جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿يُغشِى اللَّيلَ النَّهَارَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت ويخالف بين الليل والنهار أنه الإِله الحق المعبود وحده جل وعلا الذي لا يصح أن يسوى به غيره علوًا كبيرًا.
• قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ .
لفظة "بل" هنا للإِضراب الانتقالي.
стр. 3619
والمعنى: أن الكفار الذين كذبوا نبينا ﷺ قالوا مثل ما قالت الأمم قبلهم، من إنكار البعث؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ إنكار منهم للبعث.
والآيات الدالة على إنكارهم للبعث كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وكقوله عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ وقوله عنهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ والآيات بمثل هذا في إنكارهم البعث كثيرة. وقد بينا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية. وفي أول سورة النحل، وغيرهما الآيات الدالة على البعث بعد الموت، وأوردنا منها كثيرًا، كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات. وأوضحنا أربعة براهين قرآنية دالة على البعث بعد الموت، وأكثرنا من ذكر الآيات الدالة على ذلك. فأغنى ذلك عن التطويل هنا.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَإِذَا مِتنَا﴾ قرأ نافع والكسائي بالاستفهام في: ﴿أَإِذَا مِتنَا﴾، وحذف همزة الاستفهام في ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، بل قرأ إنا لمبعوثون، بصيغة الخبر لدلالة الاستفهام الأول على الاستفهام الثاني المحذوف. وقرأه ابن عامر بالعكس، فحذف همزة الاستفهام من: أئذا، وقرأ إذا بدون استفهام، وأثبت همزة الاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وقد دل الاستفهام الثاني المثبت في قراءة ابن عامر على الاستفهام الأول المحذوف فيها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة بالاستفهام فيهما معًا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا
стр. 3620
وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ وهم على أصولهم في الهمزتين، فنافع وابن كثير وأبو عمرو، يسهلون الثانية، والباقون يحققونها، وأدخل قالون، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر ألفًا بين الهمزتين. وقرأ الباقون بالقصر دون الألف. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (متنا) بكسر الميم، والباقون: بضم الميم. وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ الآية. وجه كسر الميم في إسناد الفعل الذي هو مات إلى تاء الفاعل، وبينا أنه يخفى على كثير من طلبة العلم. وأوضحنا وجهه غاية مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: إنهم وعدوا بالبعث، ووعد به آباؤهم من قبلهم. والظاهر أنهم يعنون أجدادهم الذين جاءتهم الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به هم وآباؤهم كذب لا حقيقة له، وأنه ما هو إلَّا أساطير الأولين، أي: ما سطروه وكتبوه من الأباطيل والترهات. والأساطير: جمع أسطورة، وقيل: جمع أسطارة. وهذا الذي ذكوه عنهم من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث الذي أنكروه في هذه الآية بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسُحَرُونَ﴾ لأن من له الأرض، ومن فيها، ومن هو
стр. 3621
رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه لا شك أنه قادر على بعث الناس بعد الموت، كما أوضحنا فيما مر البراهين القرآنية القطعية الدالة على ذلك.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ .
قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته المستلزمة لإِخلاص العبادة له وحده في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وفي سورة بني إسرائيل في الكلام عَلَى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وأوضحنا دلالة توحيده في ربوبيته على توحيده في عبادته، وقد ذكرنا كثيرًا من الآيات القرآنية الدالة عَلَى ذلك، مع الإِيضاح، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملكوت: فعلوت من الملك، أي: من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل شيء كائنًا ما كان. وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: الملكوت، والرحموت، والرهبوت بمعنى الملك، والرحمة، والرهبة تفيد المبالغة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 3622
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: هو يمنع من شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحدًا شاء أن يهلكه أو يعذبه؛ لأنه هو القادر وحده عَلَى كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر:
أراك طفقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: كيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد ربكم، وطاعته مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة. وقيل: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عنكم شيئًا بناء على أن السحر هو التخييل.
وقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه الباطلة فيذهب بعقولكم عن الحق كما يفعل بالمسحور. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد لإِدغام إحدى التاءين في الذال.
وقوله تعالى: ﴿سيَقُولُونَ للَّهِ﴾ جاء في هذه الآيات ثلاث مرات.
الأول: ﴿سيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَدَكَّرُونَ﴾. وهذه اتفق جميع السبعة على قراءتها بلام الجر الداخلة على لفظ الجلالة؛ لأنها جواب
стр. 3623
المجرور بلام الجر، وهو قوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: للَّه.
وأما الثاني: الذي هو ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.
والثالث: الذي هو قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ فقد قرأهما أبو عمرو بحذف لام الجر، ورفع الهاء من اللفظ للجلالة.
والمعنى: على قراءة أبي عمرو المذكورة واضح لا إشكال فيه، لأن الظاهر في جواب من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، أن تقول: الله بالرفع، أي: رب ما ذكر هو الله، وكذلك جواب قوله: ﴿مَن بِيَدِهِ ملَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. فالظاهر في جوابه أيضًا أن يقال: الله، بالرفع، أي: الذي بيده ملكوت كل شيء هو الله، فقراءة أبي عمرو جارية على الظاهر الذي لا إشكال فيه. وقرأ الحرفين المذكورين غيره من السبعة بحرف الجر وخفض الهاء من لفظ الجلالة كالأول.
وفي هذه القراءة التي هي قراءة الجمهور سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه الإِتيان بلام الجر، مع أن السؤال لا يستوجب الجواب بها، لأن قول: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ الظاهر أن يقال في جوابه: ربهما الله، وإذًا يشكل وجه الإِتيان بلام الجر.
والجواب عن هذا السؤال معروف واضح، لأن قوله تعالى: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فيه معنى من هو مالك السموات والأرض، والعرش، وكل شيء،
стр. 3624
فيحسن الجواب بأن يقال: للَّه، أي: كل ذلك ملك للَّه، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
إذا قيل: من رب المزالف والقرى ... ورب الجياد الجرد قلت: لخالد
لأن قوله: من رب المزالف فيه معنى من هو مالكها، فحسن الجواب باللام، أي: هي لخالد. والمزالف: جمع مزلفة كمرحلة. قال في القاموس: هي كل قرية تكون بين البر والريف، وجمعها مزالف.
• قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ .
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنه لم يتخذ ولدًا عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثانية: أنه لم يكن معه إله آخر عن ذلك علوًا كبيرًا.
والثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الإلهة بقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم فريتهم في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك في مواضع متعددة، فقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ الآية. وذكرنا طرفًا منه في أول الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته.
стр. 3625
وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ما يدل عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ ولم نتعرض لما يسميه المتكلمون دليل التمانع، لكثرة المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا الآيات بالقرآن على طريق الاستدلال القرآني بها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ .
أمر جل وعلا نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما تريني ما يوعدون، أي: إن ترني ما توعدهم من العذاب بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد أرى نزوله بهم: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ أي: لا تجعلني في جملة المعذبين الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم. وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه لا ينزل بهم العذاب، وهو فيهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية، وبين هنا أنه قادر على أن يريه العذاب الذي وعدهم به في قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ وبين في سورة الزخرف أنه إن ذهب به قبل تعذيبهم، فإنه معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر فهو مقتدر عليهم. وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.
стр. 3626
• قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ .
هذا الذي تضمنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإِنس وشياطين الجن قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية.
وقوله في هذه الآية ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع. ووزن السيئة، فيعلة أصلها: سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد زيدت الياء الساكنة بين الفاء والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على القاعدة التصريفية المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:
إن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا ومن عروض عريا
فياءًا الواوَ اقلبن مدغما ... وشذ معطى غير ما قد رسما
كما قدمناه مرارًا. والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء.
وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: بما تصفه ألسنتهم من الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم الأولاد والشركاء للَّه. وقد قدمنا في سورة المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات القرآن بعد نزول القتال إنما هو بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
стр. 3627
الْكَافِرِينَ﴾ وبينا الآيات الدالة على ذلك، كقوله في النبي ﷺ وأصحابه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر ما تقدم.
وقوله في هذه الآية: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ الهمزات: جمع همزة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين نخساتهم لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية.
والظاهر في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾، أن المعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائنًا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشئون في جميع الأوقات. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ .
الظاهر عندي: أن "حتى" في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويقال لها: حرف ابتداء، كما قاله ابن عطية، خلافًا للزمخشري القائل: إنها غاية لقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، وأبي حيان القائل: إن الظاهر له أن قبلها جملة محذوفة هي غاية لها
стр. 3628
يدل عليها ما قبلها، وقدر الجملة المذكورة بقوله: فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون. ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر وهو الفرزدق.
فواعجبًا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع
قال: المعنى: يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة. وفي الآية دل ما قبلها عليها. انتهى الغرض من كلام أبي حيان. ولا يظهر عندي كل الظهور.
بل الأظهر عندي: هو ما قدمته، وهو قول ابن عطية.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط، وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو "كلّا" جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة، ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ
стр. 3629
الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. وقد تضمنت هذه الآيات التي ذكرنا، وأمثالها في القرآن أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند حضور الموت، ويوم النشور، ووقت عرضهم على الله تعالى، ووقت عرضهم على النار.
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه صيغة الجمع في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ ولم يقل: رب ارجعني بالإِفراد.
وقد أوضحنا الجواب عن هذا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وبينا أنه يجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول - وهو أظهرها - : أن صيغة الجمع في قوله: (ارجعون)، لتعظيم المخاطب، وذلك أن النادم السائل الرجعة يظهر في ذلك
стр. 3630
الوقت تعظيمه ربه. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر حسان بن ثابت أو غيره:
ألا فارحموني يا إله محمد ... فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهل
وقول الآخر يخاطب امرأة:
وإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا
والنقاخ الماء البارد، والبرد: النوم، وقيل: ضد الحر. والأول أظهر.
الوجه الثاني: قوله: (رب) استغاثة به تعالى، وقوله: (ارجعون) خطاب للملائكة. ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير، عن ابن جريج قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة: "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدموني إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون".
الوجه الثالث: وهو قول المازني: إنه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: رب ارجعني، ارجعني، ارجعني. ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ الظاهر أن لعل فيه التعليل، أي: ارجعون، لأجل أن أعمل صالحًا، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير جازم بأنه إذا رد للدنيا عمل صالحًا، والأول أظهر. والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج الذي كان قد فرط فيه، والصلوات، والزكاة ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3631
وقوله: ﴿كَلَّا﴾ كلمة زجر؛ وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح.
• قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾
في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان يحتاجان إلى جواب مبين للمقصود مزيل للإِشكال.
السؤال الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية: أنه إذا نفخ في الصور - والظاهر أنها النفخة الثانية - أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، فيقال: ما وجه نفي الأنساب بينهم، مع أنها باقية كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ ففي الآية ثبوت الأنساب بينهم.
السؤال الثاني: أنه قال: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ مع أنه ذكر في آيات أخر أنهم في الآخرة يتساءلون، كقوله في سورة الطور: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ وقوله في الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد ذكرنا الجواب عن هذين السؤالين في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب بما حاصله.
أن الجواب عن السؤال الأول: هو أن المراد بنفي الأنساب انقطاع آثارها، التي كانت مترتبة عليها في دار الدنيا، من التفاخر بالآباء، والنفع والعواطف والصلات، فكل ذلك ينقطع يوم القيامة، ويكون الإِنسان لا يهمه إلا نفسه. وليس المراد نفي حقيقة الأنساب، من أصلها بدليل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ الآية.
стр. 3632
وأن الجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه:
الأول: هو قول من قال: إن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية، وإثباته بعدهما معًا. وهذا الجواب فيما يظهر لا يخلو من نظر.
الثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط، وإثباته فيما عدا ذلك، وهو عن السدي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
الثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق، لقنوطهم من الإِعطاء، ولو كان المسؤول أبًا، أو ابنًا، أو أمًا، أو زوجة. ذكر هذه الأوجه الثلاثة صاحب الإِتقان.
• قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾
قد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى هاتين الآيتين في سورة الأعراف في الكلام على قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية. وقوله في سورة مريم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ وغير ذلك. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
• قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ .
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار تلفح
стр. 3633
وجوههم النار، أي: تحرقها إحراقًا شديدًا جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ الكالح: هو الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أسنانه، والنار - والعياذ باللَّه - تحرق شفاههم، حتى تتقلص عن أسنانهم، كما يشاهد مثله في رأس الشاة المشوي في نار شديدة الحر، ومنه قول الأعشى:
وله المقدم لا مثل له ... ساعة الشدق عن الناب كلح
وعن ابن عباس: ﴿كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ عابسون.
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ .
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار يسألون يوم القيامة، فيقول لهم ربهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإِيمان؛ لأن الله أراد بهم الشقاء، وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا،
стр. 3634
وكذبوا الرسل. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله هنا ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ الظاهر أن معنى قولهم: ﴿غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا﴾ أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم، وتلت عليهم آيات ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية غلب عليهم، فكذبوا الرسل، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا من شقاوتهم. ونظير الآية على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ وقوله عن أهل النار: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ويزيد ذلك إيضاحًا قوله ﷺ : "كلّ ميسر لما خلق له" وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ على أصح التفسيرين وقوله عنهم: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ اعتراف منهم بضلالهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب، ولا الندم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وهذا الذي فسرنا به الآية هو الأظهر الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وبه تعلم أن قول أبي عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. اهـ. تكلف مخالف للتحقيق.
стр. 3635
ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل، ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق. اهـ.
ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى.
وقوله هنا: ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٧)﴾ أي: عن الإِسلام إلى الكفر، عن طريق الجنة إلى طريق النار.
وقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي: (شقاوتنا) بفتح الشين، والقاف وألف بعدها، وقرأه الباقون: بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف.
• قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل النار يدعون ربهم فيها، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها فإنا ظالمون، وأن الله يجيبهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ أي: امكثوا فيها خاسئين، أي: أذلاء صاغرين حقيرين؛ لأن لفظة اخسأ إنما تقال للحقير الذليل، كالكلب ونحوه. فقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: ذلوا فيها ماكثين في الصغار والهوان.
وهذا الخروج من النار الذي طلبوه قد بين تعالى أنهم لا ينالونه كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 3636
وقد جاء في القرآن أجوبة متعددة لطلب أهل النار، فهنا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ فأجيبوا: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ وفي السجدة قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فأجيبوا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية، وفي سورة المؤمن: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ فأجيبوا: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وفي الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فأجيبوا: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ وفي سورة إبراهيم: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وفي سورة فاطر ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مثل هذه الأجوبة.
وعن ابن عباس: أن بين كل طلب منها، وجوابه ألف سنة واللَّه أعلم.
وقوله في هذه الآية: ولا تكلمون، أي: في رفع العذاب عنكم، ولا إخراجكم من النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾ .
قد تقرر في الأصول في مسلك الإِيماء والتنبيه أن "إن"
стр. 3637
المكسورة المشددة من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء، أي: لأجل إساءته. وقوله في هذه الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآيتين. يدل فيه لفظ "إن" المكسورة المشددة على أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ فالكفار يسخرون من ضعفاء المؤمنين في الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإِيمان به فيدخلون بذلك النار.
وما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية وكل ذلك احتقار منهم لهم، وإنكارهم أن الله يمن عليهم بخير، وكقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآية. وقوله تعالى عنهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكل ذلك احتقار منهم لهم.
وقوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ والسخري بالضم والكسر: مصدر سخر منه، إذا استهزأ به على سبيل الاحتقار.
قال الزمخشري في ياء النسب: زيادة في الفعل، كما قيل في الخصوصية بمعنى الخصوص. ومعناه: أن الياء المشددة في آخره تدل على زيادة سخرهم منهم، ومبالغتهم في ذلك.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي (سخريًا) بضم السين، والباقون بكسرها. ومعنى القراءتين واحد، وهو سخرية الكفار واستهزاؤهم بضعفاء المؤمنين، كما بينا. وممن قال بأن معناهما واحد: الخليل، وسيبويه، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وعن الكسائي والفراء: أن
стр. 3638
السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرناه من الاستهزاء، وأن السخري بضم السين من التسخير، الذي هو التذليل والعبودية.
والمعنى: أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين، ويستعبدونهم كما كان يفعله أمية بن خلف ببلال، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى.
وحتى في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ حرف غاية، لاتخاذهم إياهم سخريًا، أي: لم يزالوا كذلك حتى أنساهم ذلك ذكر الله والإِيمان به، فكان مأواهم النار. والعياذ باللَّه.
• قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جزى أولئك المؤمنين المستضعفين في الدنيا بالفوز بالجنة في الآخرة.
وقوله ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم في دار الدنيا على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريًّا، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم جزاهم الله يوم القيامة الفوز بجنته، ورضوانه جاء مبينًا في مواضع أخر، مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في النار. والعياذ باللَّه، كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 3639
وقرأ حمزة والكسائي: (إنهم هم الفائزون) بكسر همزة إن، وعلى قراءتهما فمفعول جزيتهم محذوف؛ أي: جزيتهم جنتي إنهم هم الفائزون، وعلى هذه القراءة فإن لاستئناف الكلام. وقرأ الباقون: (أنهم هم الفائزون) بفتح همزة أن. وعلى قراءة الجمهور هذه فالمصدر المنسبك من أن وصلتها مفعول به لجزيتهم؛ أي: جزيتهم فوزهم كما لا يخفى. والفوز نيل المطلوب الأعظم.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ .
في هذه الآية سؤال معروف: وهو أنهم لما سئلوا يوم القيامة عن قدر مدة لبثهم في الأرض في الدنيا أجابوا بأنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم مع أنه قد دلت آيات أخر على أنهم أجابوا بغير هذا الوجوب، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ والعشر أكثر من يوم، أو بعضه، وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ والساعة: أقل من يوم أو بعضه، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.
وقد بينا الجواب عن هذا السؤال في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية بما حاصله: أن بعضهم يقول: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ويقول بعض آخر منهم: لبثنا ساعة، ويقول بعض آخر منهم: لبثنا عشرًا.
والدليل على هذا الجواب من القرآن أنه تعالى بين أن أقواهم
стр. 3640
إدراكًا، وأرجحهم عقلًا، وأمثلهم طريقة هو من يقول: إنهم ما لبثوا إلا يومًا واحدًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ فالآية صريحة في اختلاف أقوالهم، وعلى ذلك فلا إشكال. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ أي: الحاسبين الذين يضبطون مدة لبثنا. وقرأ ابن كثير، والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة. والباقون: (فاسأل) بغير نقل. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (قل كم لبثتم) بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. وقرأ الباقون: (قال كم لبثتم) بفتح القاف بعدها ألف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي.
وقال الزمخشري ما حاصله: أنه على قراءة (قال) بصيغة الماضي فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أو إلى من أمر بسؤالهم من الملائكة، وعلى قراءة (قل) بصيغة الأمر، فالضمير راجع إلى الملك المأمور بسؤالهم، أو بعض رؤساء أهل النار. هكذا قال. واللَّه تعالى أعلم.
وقد صدقهم الله جل وعلا في قلة لبثهم في الدنيا بقوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جدًّا بالنسبة إلى طول مدتهم خالدين في النار، والعياذ باللَّه.
وقرأ حمزة والكسائي: (قل إن لبثتم إلا قليلًا) بصيغة الأمر، والباقون بصيغة الماضي.
стр. 3641
• قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ .
الاستفهام في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ للإِنكار، والحسبان هنا معناه: الظن. يعني: أظننتم أنا خلقناكم عبثًا لا لحكمة، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة، فنجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا شر، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون خلقهم عبثًا، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء.
وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ أي: تعاظم وتقدس، وتنزه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، ومنه خلقكم عبثًا عن ذلك علوًا كبيرًا.
وما تضمنته هذه الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾ وقوله: ﴿سُدًى﴾ أي: مهملًا لا يحاسب ولا يجازى، وهو محل إنكار ظن ذلك في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ وقوله: ﴿عَبَثًا﴾ يجوز إعرابه حالًا؛ لأنه مصدر منكر، أي: إنما خلقناكم في حال كوننا عابثين، ويجوز أن يعرب مفعولًا من أجله؛ أي: إنما خلقناكم لأجل العبث، لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم. وأعربه بعضهم مفعولًا مطلقًا، وليس بظاهر.
стр. 3642
قال القرطبي عبثًا، أي: مهملين. والعبث في اللغة اللعب، ويدل على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ قال بعضهم: أي: الذي يحق له الملك؛ لأن كل شيء منه وإليه. وقال بعضهم: الملك الحق الثابت الذي لا يزول ملكه، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه. والظاهر أن قوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ خلافًا لمن قال: إنه معطوف على قوله: ﴿عَبَثًا﴾ لأن الأول أظهر منه. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ .
البرهان: الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا.
وقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. والسلطان: هو الحجة الواضحة، وهو بمعنى: البرهان.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قد بين أن حسابه الذي عند ربه لا فلاح له فيه بقوله بعده: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ وأعظم الكفارين كفرًا هو من يدعو مع الله إلهًا آخر، لا برهان له به، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه، وأنه من أهل النار. وقد حذر الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ
стр. 3643
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد أن يقول: أما من عبد معه إلهًا آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية المتواترة دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا، ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره البتة.
وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع، فيرد النص ذاكرًا الوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذًا ليس لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع.
ومن أمثلته في القرآن هذه الآية؛ لأن قوله ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ وصف مطابق للواقع؛ لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ومن أمثلته في القرآن أيضًا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله: ﴿مِن دُونِ الْمُؤمِنِينَ﴾ ذكر لموافقته للواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ممنوع على كل حال. وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع
стр. 3644
• قوله تعالى في خاتمة هذه السورة الكريمة. ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.
فيه الدليل على أن ذلك الفريق الذين كانوا يقولون: "ربنا آمنا، فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين" موفقون في دعائهم ذلك ولذا أثنى الله عليهم به، وأمر به نبيه ﷺ لتقتدي به أمته في ذلك. ومعمول اغفر وارحم حذف هنا، لدلالة ما تقدم عليه في قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ والمغفرة: ستر الذنوب بعفو الله وحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها. والرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا. ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم، وصفاتهم كما أوضحنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. والعلم عند الله تعالى.
* * *
стр. 3645
انتهى الجزء الخامس من هذا الكتاب المبارك، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السادس وأوله "سورة النور". وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم
следующие страницы →