Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه قال: "أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي ﷺ الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله ( ﷺ ) فقال: أحصنت؟ قال: نعم، قال: اذهبوا فارجموه" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم: فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه". اهـ.
قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه، أي: أربع إقرارات، بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط؛ لأن (لمَّا) مضمنة معنى الشرط. وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه دليل على اشتراط الأربع المذكورة. والرجل المذكور في هذا الحديث هو ماعز بن مالك. وقصته مشهورة صحيحة. وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه حتى شهد على نفسه أربع شهادات، كما رأيت في الحديث المذكور آنفًا.
وقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع، والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة؛ لأن الجمع بين الأدلة
стр. 3677
واجب متى ما أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإِقرار مرة على من كان أمره ملتبسًا في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من السكر، ونحو ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإِقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله، وصحوه من السكر، وسلامة إقراره من المبطلات. وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار.
ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز. وقد دلت روايات حديثه أن النبي ﷺ كان لا يدري أمجنون هو أم لا؟ صاح هو أو سكران؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفًا: أبك جنون، وسؤاله ﷺ لقومه عن عقله، وسؤاله ﷺ أشرب خمرًا، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى تصريحًا ينفي كل احتمال، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبًا للحد.
ويدل لهذا قوله ﷺ لماعز لما قال: إنه زنى: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. قال: أفنكتها، لا يكني، قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه. وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره
стр. 3678
من حديث ابن عباس. ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه، ويستغفر الله، فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.
الفرع الثاني: اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه، بأن أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة، والإِقرار غير تام عند من يشترط أربعًا. فأظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحد يقام عليه، لكمال البينة خلافًا لمن زعم أنه لا يقام عليه الحد، لأن شرط صحة البينة الإنكار، وهذا غير منكر.
وقال ابن قدامة في المغني: إن سقوط الحد بإقراره مرة قول أبي حنيفة. اهـ.
وكذلك لو تمت عليه شهادة البينة وأقر على نفسه أربع مرات، ثم رجع عن إقراره، فلا ينفعه الرجوع؛ لوجوب الحد عليه بشهادة البينة، فلا حاجة لإِقراره، ولا فائدة في رجوعه عنه. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا أقر بزنى قديم قبل إقراره، ولا يبطل الإِقرار بأنه لم يقر إلَّا بعد زمن طويل؛ لأن الظاهر اعتبار الإِقرار مطلقًا، سواء تقادم عهده، أو لم يتقادم، وكذلك شهادة البينة، فإنها تقبل، ولو لم تشهد إلَّا بعد طول الزمن؛ لأن عموم النصوص يقتضي ذلك؛ لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم: إن الإِقرار يقبل بعد زمن طويل، والشهادة لا تقبل مع التأخير.
وقال ابن قدامة في المغني: وإن شهدوا بزنى قديم، أو أقر به
стр. 3679
وجب الحد، وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإِقرار به. وهذا قول ابن حامد. وذكره ابن أبي موسى مذهبًا لأحمد. اهـ منه.
أما قبول الإِقرار بالزنا القديم ووجوب الحد به فلا وجه للعدول عنه بحال، لأنه مقر على نفسه، ولا يتهم في نفسه.
وأما شهادة البينة بزنا قديم، فالأظهر قبولها، لعموم النصوص كما ذكرنا آنفًا. وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه في رد شهادة البينة على زنا قديم هو أن تأخير الشهادة يدل على التهمة، فيدرأ ذلك الحد.
وقال في المغني: ومن حجتهم على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدّ لم يشهدوا بحضرته فهم شهود ضغن، ثم قال: رواه الحسن مرسلًا، ومراسيل الحسن ليست بالقوية. اهـ منه.
وقد قدمنا الكلام مستوفى على مراسيل الحسن. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: اعلم أنه إن أقر بأنه زنى بامرأة وسماها فكذبته وقالت: إنه لم يزن بها. فأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه يجب عليه حد الزنى بإقراره، وحد القذف أيضًا، لأنه قذف المرأة بالزنا، ولم يأت بأربعة شهود، فوجب عليه حد القذف.
وقال في المغني: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حدّ عليه؛ لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكومًا بكذبه.
стр. 3680
قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي العدول عنه، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين:
الأول: أنه أقر على نفسه بالزنا إقرارًا صحيحًا، وقولهم: إننا صدقناها ليس بصحيح، بل نحن لم نصدقها، ولم نقل: إنها صادقة، ولكن انتفاء الحد عنها إنما وقع؛ لأنها لم تقر، ولم تقم عليها بينة، فعدم حدها لانتفاء مقتضيه؛ لا لأنها صادقة كما ترى.
الأمر الثاني: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ : أن رجلًا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي ﷺ إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها. اهـ منه. وعبد السلام المذكور في هذا الإِسناد وثقه ابن معين، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي: إنه غير معروف؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
والحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد، وهو واضح؛ لأن من أقر على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه. وأما كونه يحد مع ذلك حد القذف فظاهر أيضًا، ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية، والأخذ بعموم النصوص واجب إلَّا بدليل مخصص يجب الرجوع إليه. وكون حديث سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفًا عند أبي داود ليس فيه أن النبي حد الرجل المذكور حد القذف، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم النصوص.
стр. 3681
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحدُّه للزنا والقذف معًا هو الظاهر، لوجهين:
الأول: أن غاية ما في حديث سهل: أن النبي ﷺ لم يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على المسقوط، لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة، أو لوجود مسقط. إلى أن قال:
الوجه الثاني: أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلَّا ما خرج بدليل، وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قاذف. اهـ منه. وهو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ماعز بن مالك أنه عين الجارية التي زنا بها، ولم يحده النبي ﷺ لقذفها، بل حده للزنا فقط، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريبًا.
وعلى كل حال فمن قال: زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا، وقاذف لها هي به، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه، وحده أيضًا حد القذف، لأنه قاذف بلا شك كما ترى.
ومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا موسى بن هارون البردي، ثنا هشام بن يوسف، عن القاسم بن فياض الأبناوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن رجلًا من بني بكر بن ليث أتى النبي ﷺ ، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مائة، وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب واللَّه يا رسول الله ( ﷺ ) فجلده حد الفرية ثمانين. اهـ منه.
стр. 3682
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي الصنعاني. قال فيه ابن حجر في التقريب: مجهول. وقال فيه الذهبي في الميزان: ضعفه غير واحد، منهم عباس عن ابن معين، فالجواب من وجهين:
الأول: أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود: ثقة، كما نقله عنه الذهبي في الميزان، والتعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل مجملًا كما تقدم.
الثاني: أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف وحد الزنا، إن قال: إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت، معتضد اعتضادًا قويًا بظواهر النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة بالزنى، فأنكرت، ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف.
فالحاصل: أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف، وحد الزنا، وهو مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة، خلافًا لمن قال: يحد حد الزنا فقط، كأحمد، والشافعي، ولمن قال: يحد حد القذف فقط. ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه: من أن الرجل لو قال لامرأة: زنيت، فقالت له: زنيت بك، أنها تحد للقذف، وللزنا معًا، ولا يحد الرجل لهما لأنها صدقته. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أنه لا يصح إقرار المكره، فلو أكره الرجل بالضرب، أو غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرهًا لم يلزمه إقراره به، فلا يحد ولا يثبت عليه الزنا، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3683
المسألة الثالثة: اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبينة والإِقرار، ولا خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب.
أما ظهور الحمل بامرأة، لا يعرف لها زوج، ولا سيد، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به. فقال بعض أهل العلم: الحبل في التي لا يعرف لها زوج، ولا سيد يثبت عليها به الزنا، ويجب عليها الحد به، وقد ثبت هذا في حديث عمر ﵁ الذي قدمناه في قوله: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. والحديث المذكور في الصحيحين، وغيرهما كما تقدم. وقد صرح فيه أمير المؤمنين عمر ﵁ بأن الحبل الذي هو الحمل يثبت به الزنا، كما يثبت بالبينة والإِقرار. وممن ذهب إلى أن الحبل يثبت به الزنا عمر ﵁ كما رأيت، ومالك، وأصحابه.
وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا، ولا يجب الحد بمجرد الحبل ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد. وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي، وأبي حنيفة، وجماهير أهل العلم.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم.
أما الذين قالوا: إن الزنا يثبت بالحمل إن لم يكن لها زوج ولا سيد، فقد احتجوا بحديث عمر المتفق عليه المتقدم. وفيه التصريح من عمر بأن الحبل يثبت به الزنا كالبينة والإِقرار.
وقال ابن قدامة في المغني: إنما قال من قال بوجوب الحد وثبوت الزنا بالحمل، لقول عمر ﵁: والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا قامت البينة،
стр. 3684
أو كان الحبل، أو الاعتراف. وروي أن عثمان أُتِيَ بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال عليّ: ليس لك عليها سبيل، قال الله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها. وعن عمر نحو من هذا. وروي عن علي ﵁ أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناآن: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية: أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإِمام أول من يرمي. وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر في عصرهم مخالف، فيكون إجماعًا. انتهى محل الغرض من المغني.
وانظر أسانيد الآثار التي ذكرها عن الصحابة. هذا هو حاصل ما احتج به من قال: إن الزنا يثبت بالحمل.
وأما الذين قالوا: إن الحمل وحده لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، بل لابد من البينة أو الإِقرار، فقد قال في المغني: حجتهم أنه يحتمل أن الحمل من وطء إكراه، أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات. وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها، أو فعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وُجِد ذلك.
وأما قول الصحابة، فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا هاشم: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ﵁، ليس لها زوج، وقد حملت فسألها عمر فقالت: إنني امرأة ثقيلة الرأس وقع عليّ رجل، وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد. وروى البراء بن صبرة عن عمر
стр. 3685
أنه أُتِيَ بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد، ألَّا يقتل أحد إلَّا بإذنه. وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل. وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر ﵃ أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت. ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هنا. اهـ بلفظه في المغني.
وانظر أيضًا أسانيد هذه الآثار التي ذكرها عن الصحابة. وهذا الذي ذكر هو حاصل ما احتج به الجمهور الذين قالوا: إن الحبل لا يثبت به الزنا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الزنا لا يثبت بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد؛ لأن الحمل قد يقع بلا شك من غير وطء في الفرج، بل قد يطأ الرجل المرأة في فخذيها، فتتحرك شهوتها فينزل ماؤها وينزل الرجل، فيسيل ماؤه فيدخل في فرجها، فيلتقي ماؤه بمائها فتحمل من غير وطء. وهذا مشاهد لا يمكن إنكاره.
ولأجل ذلك فالأصح أن الزوج إذا كان يطأ امرأته في الفخذين، ولم يجامعها في الفرج فظهر بها حمل أنه لا يجوز له اللعان لنفي ذلك الحمل؛ لأن ماءه قد يسيل إلى فرجها، فتحمل منه. وقول عمر ﵁: إذا كان الحبل، أو الاعتراف، اجتهاد منه؛ لأنه يظهر له ﵁ أن الحمل يثبت به الزنا كالاعتراف والبينة.
وإنما قلنا: إن الأظهر لنا خلاف قوله ﵁؛ لأنا نعلم أن وجود الحمل لا يستلزم الوطء في الفرج، بل قد تحبل بدون
стр. 3686
ذلك، وإذا كان الحبل لا يستلزم الوطء في الفرج فلا وجه لثبوت الزنا. وإقامة الحد بأمر محتمل غير مستلزم لموجب الحد كما ترى.
ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات. هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بوجوب الحد بالحمل قالوا: إن تلك الحامل إن كانت طارئة من بلاد أخرى، وادعت أن حملها من زوج لها تركته في بلدها فلا حد عليها عندهم، ولا يثبت عليها الزنا بذلك الحمل.
الفرع الثاني: اعلم أنه إن ظهر بها حمل فادعت أنها مكرهة لا يقبل دعواها الإِكراه عند من يثبت الزنا بالحمل إلَّا إذا اعتضدت دعواها بما يقويها من القرائن، كإتيانها صارخة مستغيثة ممن فعل بها ذلك، وكأن تأتي متعلقة برجل تزعم أنه هو الذي أكرهها، وكأن تشتكي من الذي فعل بها ذلك قبل ظهور الحمل.
وقال بعض علماء المالكية: إن كانت شكواها من الرجل الذي فعل بها ذلك مشبهة؛ لكون الرجل الذي ادعت عليه غير معروف بالصلاح، فلا حد عليها، وإن كان الذي ادعت عليه معروفًا بالصلاح، والعفاف، والتقوى حدت ولم يقبل قولها عليه.
وقال بعض المالكية: إن لم تسم الرجل الذي ادعت أنه أكرهها تعزر، ولا تحد إن كانت معروفة بالصلاح والعفاف.
الفرع الثالث: قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: "أو مكرهة" ما نصه: قال الطراز في أواخر الجزء
стр. 3687
الثالث في ترجمة تفسير الطلاق، وما يلزم من ألفاظه: قال ابن عبد الغفور: ويقال: إن عبد الله بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجها فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت لبلل بين فخذي، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء.
فأجاب فيها: أنها لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف، وحسن الحال، ويفسخ النكاح، ولها المهر كاملًا إلَّا أن تكون علمت الحمل، وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطراز. انتهى ما نقله الحطاب. وهو يؤيد أن الحمل قد يقع من غير وطء يوجب الحد كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن من ثبت عليه الزنا وهو محصن. اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: يجلد مائة جلدة أولًا، ثم يرجم بعد ذلك، فيجمع له بين الجلد والرجم، وقال بعضهم: يرجم فقط ولا يجلد، لأن غير القتل يندرج في القتل. وممن قال بالجمع بينهما علي ﵁، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
قال ابن قدامة في المغني: وبه قال ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد العزيز عنهما، واختاره، وبه قال الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بأنه يرجم فقط ولا يجلد مع الرجم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي. واختاره أبو إسحاق الجوزجاني، وأبو بكر الأثرم، ونصراه في سننهما، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود. قال ذلك كله ابن قدامة في المغني. وهذا القول الأخير الذي هو الاقتصار على الرجم عزاه النووي في شرح مسلم لجماهير العلماء.
стр. 3688
وفي المسألة قول ثالث: وهو ما حكاه القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث، وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا، فإن كان شابًا ثيبًا اقتصر على الرجم.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، فقد احتجوا بأدلة.
منها: أن النبي ﷺ صرح بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحًا ثابتًا عنه ثبوتًا لا مطعن فيه.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". وهذا تصريح منه ﷺ بأن الثيب - وهو المحصن - يجلد مائة ويرجم. وهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضًا بإسناد آخر. وفي لفظ في صحيح مسلم: "الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة" وهو تصريح من النبي ﷺ بالجمع بينهما. وفي لفظ عند مسلم أيضًا: "والثيب يجلد ويرجم". وهذه الروايات الثابتة في الصحيح فيها تصريحه ﷺ بالجمع بين الجلد والرجم.
ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن عليًا ﵁ جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنَّة رسول الله ﷺ .
стр. 3689
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ثنا سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: قد رجمتها بسنَّة رسول الله ﷺ . انتهى منه.
وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث ما نصه: في رواية علي بن الجعد أن عليًا أُتيَ بامرأة زنت فضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، إلى آخر ما ذكره من الروايات بأن عليًا ضربها ورجمها وهي شراحة الهمدانية كما تقدم. وفي رواية: أنها مولاة لسعيد بن قيس.
ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ واللفظ عام في البكر والمحصن، ثم جاءت السنَّة بالرجم في حق المحصن، والتغريب سنة في حق البكر، فوجب الجمع بينهما عملًا بدلالة الكتاب والسنَّة معًا كما قال علي ﵁. قالوا: وقد شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب: فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر: فهما الجلد والتغريب.
هذا هو حاصل ما احتج به الذين قالوا: إنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم.
وأما الذين قالوا: يرجم فقط، ولا يجلد فاحتجوا بأدلة.
منها: أنه ﷺ رجم ماعزًا، ولم يجلده مع الرجم، لأن جميع الروايات في رجم ماعز بن مالك ليس في شيء منها أنه جلده مع الرجم، بل ألفاظها كلها مقتصرة على الرجم. قالوا: ولو كان الجلد
стр. 3690
مع الرجم لم ينسخ لأمر بجلد ماعز مع الرجم، ولو أمر به لنقله بعض رواة القصة، قالوا: وقصة ماعز متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه التصريح بالجمع بينهما.
والدليل على أن حديث عبادة متقدم، وأنه أول نص نزل في حد الزنا أن قوله ﷺ فيه: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا" الحديث. يشير بجعل الله لهن سبيلًا بالحد إلى قوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ فالزواني كن محبوسات في البيوت إلى أحد أمرين: وهما الموت، أو جعل الله لهن سبيلًا، فلما قال ﷺ : "قد جعل الله لهن سبيلًا" ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك.
ومن أدلتهم: أنه رجم الغامدية كما تقدم، ولم يقل أحد: إنه جلدها، ولو جلدها مع الرجم لنقل ذلك بعض الرواة.
ومن أدلتهم: أنه قال ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يقل: فاجلدها مع الرجم، فدل ذلك على سقوط الجلد؛ لأنه لو وقع لنقله بعض الرواة. وهذه الوقائع كلها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت، كما أشرنا إلى ما يقتضي ذلك آنفًا.
ومن أدلتهم على أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم: الروايات الصحيحة التي قدمناها في رجمه ﷺ للمرأة الجهنية، والغامدية، فإنها كلها مقتصرة على الرجم، ولم يذكر فيها جلد.
стр. 3691
وقال أبو داود: قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد. انتهى منه. وعليه فالجهنية هي الغامدية.
وعلى كل حال فجميع الروايات الواردة في رجم الغامدية، ورجم الجهنية ليس في شيء منها ذكر الجلد، وإنما فيها كلها الاقتصار على الرجم، وكذلك قصة اليهوديين الذين رجمهما ﷺ ليس فيها إلَّا الرجم ولم يذكر فيها جلد.
هذا هو حاصل ما احتج به أهل هذا القول.
وأما الذين قالوا: إن الجمع بين الرجم والجلد خاص بالشيخ والشيخة. وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن، ويرجم فقط إن أحصن، فقد احتجوا بلفظ الآية التي نسخت تلاوتها، وهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، إلى آخره. قالوا: فرجم الشيخ والشيخة ثبت بهذه الآية، وإن نسخت تلاوتها فحكمها باق.
وقال ابن حجر في الفتح: وقال عياض: شذت فرقة من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب. ولا أصل له. وقال النووي: "هو مذهب باطل" كذا قاله، ونفى أصله، ووصفه بالبطلان إن أراد به طريقه فليس بجيد؛ لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان، وإن كان المراد دليله ففيه نظر أيضًا؛ لأن الآية وردت بلفظ الشيخ، ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة، فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، فكيف يوصف بالبطلان. انتهى محل الغرض من فتح الباري.
وقد قال صاحب فتح الباري: إن هذا القول حكاه ابن المنذر
стр. 3692
وابن حزم عن أبي بن كعب. زاد ابن حزم: وأبي ذر. وابن عبد البر: عن مسروق. انتهى.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وحججهم، فاعلم أن كل طائفة منهم ترجح قولها على قول الأخرى.
أما الذين قالوا: يجمع بين الجلد والرجم للمحصن، فقد قالوا: هذا القول هو أرجح الأقوال، ولا ينبغي العدول عنه، لأن النبي ﷺ صرح في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن المحصن يجلد، ويرجم بالحجارة. فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد في قصة ماعز، والجهنية، والغامدية، واليهوديين. لأن ما صرح به النبي ﷺ لا يعدل عنه بأمر محتمل، ويجوز أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة؛ لأن عدم ذكره لا يدل دلالة قطعية على عدم وقوعه، لأن الراوي قد يتركه لظهوره، وأنه معروف عند الناس جلد الزاني.
قالوا: والمحصن داخل قطعًا في عموم ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا العموم القرآني لا يجوز العدول عنه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلة الصريحة من القرآن، والسنَّة الصحيحة.
قالوا: وعمل أمير المؤمنين علي ﵁ به بعد وفاته ﷺ دليل على أنه لم ينسخ، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكر عليه ذلك.
ولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل به أهل هذا القول.
وأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد
стр. 3693
رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد، والعمل بالمتأخر أولى.
والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور، كما يدل عليه قوله ﷺ : "قد جعل الله لهن سبيلًا"، فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنا، كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾.
قالوا: ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" وهذا قسم منه ﷺ أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، قالوا: إن قوله: "فإن اعترفت" شرط، وقوله: "فارجمها" جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى.
وهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا هو رجمها فقط، فربط هذا الجزاء بهذا الشرط، أقسم النبي ﷺ أنه قضاء بكتاب الله، وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا.
وهذا الدليل أيضًا قوي جدًّا؛ لأن فيه إقسامه ﷺ بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون ﷺ اقتصر على قوله: فارجمها، أو يكون قال مع ذلك: فاجلدها، وترك الراوي الجلد. فإن كان قد اقتصر على الرجم، فذلك يدل على نسخ الجلد؛ لأنه جعل جزاء الاعتراف
стр. 3694
الرجم وحده؛ لأن ربط الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية، لا دلالة سكوت، وإن كان قال مع الرجم: واجلدها، وحذف الراوي الجلد، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع؛ لأن حذف بعض جزاء الشرط مخل بالمعنى، موهم غير المراد، والحذف إن كان كذلك فهو ممنوع، ولا يجوز للراوي أن يفعله، والراوي عدل فلن يفعله.
وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية. أنه لا تعارض بين نصين، مع اختلاف زمنهما كما هو التحقيق.
وأما القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب وإن وجهه ابن حجر بما ذكرنا فلا يخفى سقوطه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: دليل كل منهما قوي، وأقربهما عندي: أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم؛ لأمور:
منها: أنه قول جمهور أهل العلم.
ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهنية، والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة. وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم، ولا يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها.
ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" تصريح منه ﷺ بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء، وهو في الحديث الرجم فقط.
ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين
стр. 3695
الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة. والعلم عند الله تعالى.
قال بعضهم: ويؤيده من جهة المعنى أن القتل بالرجم أعظم العقوبات، فليس فوقه عقوبة فلا داعي للجلد معه؛ لاندراج الأصغر في الأكبر.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: إذا ثبت الزنا على الزاني فظن الإِمام أنه بكر فجلده مائة، ثم ثبت بعد جلده أنه محصن، فإنه يرجم، ولا ينبغي أن يختلف في هذا.
وقد قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا (ح) وثنا ابن السرح المعنى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: أن رجلًا زنى بامرأة فأمر به النبي ﷺ ، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم. قال أبو داود: روى هذا الحديث محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج موقوفًا على جابر. ورواه أبو عاصم عن ابن جريج بنحو ابن وهب، لم يذكر النبي ﷺ ، قال: إن رجلًا زنى فلم يعلم بإحصانه، فجلد ثم علم بإحصانه فرجم.
حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار؛ أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلًا زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم إحصانه فرجم. اهـ من سنن أبي داود.
стр. 3696
وقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا ما نصه: حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري، وقدمنا في أول الكتاب أن ما سكتا عنه فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضًا النسائي. اهـ منه.
الفرع الثاني: قد قدمنا في الروايات الصحيحة: أن الحامل من الزنا لا ترجم حتى تضع حملها وتفطمه، أو يوجد من يقوم برضاعه؛ لأن رجمها وهي حامل فيه إهلاك جنينها الذي في بطنها وهو لا ذنب له، فلا يجوز قتله، وهو واضح مما تقدم.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وجب عليه الرجم، هل يحفر له أو لا يحفر له؟ فقال بعضهم: لا يحفر له مطلقًا، وقال بعضهم: يحفر لمن زنى مطلقًا، وقيل: يحفر للمرأة إن كان الزنا ثابتًا بالبينة دون الإِقرار.
واحتج من قال بأن المرجوم لا يحفر له بما ثبت في صحيح مسلم، وغيره، عن أبي سعيد الخدري في قصة رجم ماعز، ولفظ مسلم في صحيحه في المراد من الحديث قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له. الحديث. وفيه التصريح من أبي سعيد في هذا الحديث الصحيح أنهم لم يحفروا له.
وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أبي سعيد: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له" ما نصه: وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم: فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، وذكر بعده في حديث الغامدية ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. أما قوله: "فما أوثقناه"
стр. 3697
فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء.
قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ﵃ في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما.
وقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما.
وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالإِقرار.
وأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإِقرار.
وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا.
أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها.
والثاني: لا يستحب ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإِمام.
والثالث وهو الأصح: إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإِقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت.
فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية، وكذا لماعز في رواية. ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له أن المراد حفيرة عظيمة، أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة.
وأما من قال: لا يحفر، فاحتج برواية من روى "فما أوثقناه، ولا حفرنا له"، وهذا المذهب ضعيف؛ لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز.
стр. 3698
وأما من قال بالتخيير فظاهر. وأما من فرَّق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز. وهذا تأويل ضعيف.
ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، وقوله: جعل يجنأ عليها. ولو حفر لهما لم يجنأ عليها.
واحتجوا أيضًا بقوله في حديث ماعز: فلما أذلقته الحجارة هرب. وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة واللَّه أعلم. انتهى كلام النووي.
وقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة، وبين حججهم، وناقشها، وقد ذكر في كلامه أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة. والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل، وأنه لو ترك الحفر لهما معًا فلا بأس.
قال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ويحفر لها في الرجم لا له. وقال شارحه في تبيين الحقائق: ولا بأس بترك الحفر لهما، لأنه ﵊ لم يأمر بذلك. اهـ.
وقال ابن قدامة في المغني في الفقه الحنبلي: وإن كان الزاني رجلًا أقيم قائمًا، ولم يوثق بشيء، ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافًا، لأن النبي ﷺ لم يحفر لماعز.
قال أبو سعيد: لما أمرنا رسول الله ﷺ برجم ماعز، خرجنا به إلى البقيع فواللَّه ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود، ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب ألا تثبت. وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر
стр. 3699
لها أيضًا، وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف، وذكر في المحرر أنه إن ثبت الحد بالإِقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر.
قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي، وهو قول أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بكر، وبريدة "أن للنبي ﷺ رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة" رواه أبو داود، ولأنه أستر لها، ولا حاجة لتمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإِقرار، فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه؛ لأن رجوعها عن إقرارها مقبول.
ولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإن النبي ﷺ لم يحفر للجهنية، ولا لماعز، ولا لليهوديين. والحديث الذي احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له. إذا ثبت هذا فإن ثياب المرأة تشد عليها كيلا تنكشف، وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال: فأمر بها النبي ﷺ فشدت عليها ثيابها، ولأن ذلك أستر لها. اهـ من المغني.
وقد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم وأدلتهم في مسألة الحفر للمرجوم من الرجال والنساء.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى الأقوال المذكورة دليلًا بحسب صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث أن المرجوم يحفر له مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى، ثبت زناه ببينة، أو بإقرار. ووجه ذلك أن قول أبي سعيد في صحيح مسلم: فما أوثقناه ولا حفرنا له يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: فلما كان الرابعة
стр. 3700
حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم. اهـ. وهو نص صحيح صريح في أن ماعزًا حفر له.
وظاهر الحديث أن النبي ﷺ هو الحافر له، أي: بأمره بذلك، فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد نافٍ له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث أن المثبت مقدم على النافي. وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته أيضًا في صحيح مسلم بنفس الإِسناد "أن النبي ﷺ أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها" وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معًا، أما الأنثى فلم يرد ما يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأما الرجل فرواية الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم بعدم الحفر؛ لأن المثبت مقدم على النافي.
وقول ابن قدامة في المغني: والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر السقوط؛ لأنه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه ﷺ كما ترى. وبالرواية الصحيحة التي في صحيح مسلم من حديث بريدة "أنه ﷺ حفر للغامدية" وزناها ثابت بإقرارها، لا ببينة تعلم أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيمن يبدأ بالرجم فقال بعضهم: إن كان الزنا ثابتًا ببينة، فالسنَّة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإِمام، أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما. واستدلوا لبداءة الشهود، وبداءة الإِمام بما ذكره ابن قدامة
стр. 3701
في الفقه الحنبلي، وصاحب تبيين الحقائق في الفقه الحنفي.
قال صاحب المغني: وروى سعيد بإسناده عن علي ﵁: أنه قال: الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإِمام ثم الناس، وما كان ببينة؛ فأول من يرجم البينة ثم الناس، ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. اهـ منه.
وحاصل هذا الاستدلال: أثر مروى عن علي، وكون مباشرتهم الرمي بالفعل أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. وهذا كأنه استدلال عقلي لا نقلي.
وقال صاحب تبيين الحقائق في شرحه لقول صاحب كنز الدقائق: يبدأ الشهود به، فإن أبوا سقط ثم الإِمام ثم الناس، ويبدأ الإِمام، ولو مقرًا ثم الناس. ما نصه، أي: يبدأ الشهود بالرجم. وقال الشافعي: لا تشترط بداءتهم اعتبارًا بالجلد. ولنا ما روي عن علي ﵁ أنه قال حين رجم شراحة الهمدانية: إن الرجم سنَّة سنَّها رسول الله ﷺ ، ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد، ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر. قال الراوي: ثم رمى الناس وأنا فيهم. ولأن الشاهد ربما يتجاسر على الشهادة، ثم يستعظم المباشرة فيأبى أو يرجع، فكان في بداءته احتيال للدرء بخلاف الجلد، فإن كل أحد لا يحسنه، فيخاف أن يقع مهلكًا أو متلفًا لعضو، وهو غير مستحق، ولا كذلك الرجم؛ لأن الإِتلاف فيه متعين.
قال ﵀: فإن أبوا سقط، أي: إن أبى الشهود من البداءة سقط الحد؛ لأنه دلالة الرجوع، وكذلك إن امتنع واحد منهم، أو جنوا، أو فسقوا، أو قذفوا فحدوا، أو أحدهم، أو عمي،
стр. 3702
أو خرس، أو ارتد، والعياذ باللَّه تعالى؛ لأن الطارئ على الحد قبل الاستيفاء كالموجود في الابتداء، وكذا إذا غابوا أو بعضهم، أو ماتوا أو بعضهم لما ذكرنا. وهذا عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله تعالى، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عنه أنهم إذا امتنعوا أو ماتوا، أو غابوا، رجم الإِمام، ثم الناس، وإن كان الشهود مرضى لا يستطيعون أن يرموا، أو مقطوعي الأيدي رجم بحضرتهم بخلاف ما إذا قطعت أيديهم بعد الشهادة. ذكره في النهاية.
قال ﵀: ثم الإِمام ثم الناس؛ لما روينا من أثر علي ﵁، ويقصدون بذلك مقتله إلَّا من كان منهم ذا رحم محرم منه؛ فإنه لا يقصد مقتله لأن بغيره كفاية.
وروي أن حنظلة استأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه، وكان كافرًا فمنعه من ذلك، وقال: دعه يكفيك غيرك؛ ولأنه مأمور بصلة الرحم، فلا يجوز القطع من غير حاجة.
قال ﵀: ويبدأ الإِمام، ولو مقرًا ثم الناس، أي: يبدأ الإِمام بالرجم إن كان الزنى مقرًا؛ لما روينا من أثر علي ﵁؛ ورمى رسول الله ﷺ الغامدية بحصاة مثل الحمصة؛ ثم قال للناس: ارموا، وكانت أقرت بالزنا. انتهى محل الغرض من تبيين الحقائق ممزوجًا بنص كنز الدقائق.
هذا حاصل ما استدل به من قال ببداءة الشهود أو الإِمام.
وذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم إلى أنه لا تعيين لمن يبدأ من شهود ولا إمام؛ ولا غيرهم. واحتج مالك لهذا بأنه لم يعلم أحدًا من الأئمة تولى ذلك بنفسه؛ ولا ألزم به البينة.
стр. 3703
قال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: ولم يعرف بداءة البينة، ولا الإِمام، ما نصه: قال مالك: مذ أقامت الأئمة الحدود فلم نعلم أحدًا منهم تولى ذلك بنفسه، ولا ألزم ذلك البينة خلافًا لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنا ببينة بدأ الشهود ثم الإِمام ثم الناس. اهـ منه. واستدل له بأن النبي ﷺ لم يبدأ برجم ماعز، وأنه قال لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يحضر ﷺ ليبدأ برجمها، وقول مالك ﵀: إنه لم يعلم أحدًا تولى ذلك بنفسه من الأئمة، ولا ألزم به البينة يدل على أنه لم يبلغه أثر علي، أو بلغه ولم يصح عنده. وكذلك الحديث المرفوع الذي استدل به القائلون ببداءة الشهود والإِمام، وهو أنه ﷺ رمى الغامدية بحصاة كالحمصة ثم قال للناس: ارموا.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما هذا الحديث المرفوع، فليس بثابت، ولا يصح للاحتجاج، لأن في إسناده راويًا مبهمًا.
قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن زكريا أبي عمران قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة، عن أبيه: "أن النبي ﷺ رجم امرأة حفر لها إلى الثندوة".
ثم قال أبو داود: حدثنا عن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا زكرياء بن سليم بإسناده نحوه زاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموا واتقوا الوجه. الحديث. وهذا الإِسناد الذي فيه زيادة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة. هو بعينه الإِسناد الذي فيه قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة. وهذا الشيخ الذي حدث عن ابن أبي بكرة لم يدر أحد من هو، فهو مبهم، والمبهم
стр. 3704
مجهول العين والعدالة، فلا يحتج به كما ترى. وقال صاحب نصب الراية في هذا الحديث بعد أن ذكر رواية أبى داود التى سقناها آنفًا: رواه النسائي في الرجم.
حدثنا محمد بن حاتم، عن حبان بن موسى، عن عبد الله، عن زكريا أبي عمران البصري قال: سمعت شيخًا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا الحديث بتمامه. ورواه البزار في مسنده، والطبراني في معجمه.
قال البزار: ولا نعلم أحدًا سمى هذا الشيخ. وتراجع ألفاظهم. وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة النسائي، ولم يعله بغير الانقطاع. اهـ منه. وأي علة أعظم من الانقطاع بإبهام الشيخ المذكور.
فتحصل أن الحديث المرفوع ضعيف ليس بصالح للاحتجاج.
أما الأثر المروى عن علي ﵁ فقد قال البيهقي في سننه الكبرى، في باب من اعتبر حضور الإِمام والشهود، وبداءة الإِمام بالرجم ما نصه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو الجواب، ثنا عمار - هو ابن رزيق - عن أبي حصين، عن الشعبي قال: أُتي علي ﵁ بشراحة الهمدانية قد فجرت فردها حتى ولدت، فلما ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها ولدها، ثم جلدها ورجمها، ثم قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بالسنَّة، ثم قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف، فالإِمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن نعاها الشهود فالشهود أول من يرجم، ثم الإِمام ثم الناس.
стр. 3705
وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا محمد بن عبد الوهاب؛ أنبأنا جعفر بن عون، أنبأ الأجلح عن الشعبي قال: جيء بشراحة الهمدانية إلى عليّ ﵁ فقال لها: ويلك لعل رجلًا وقع عليك وأنت نائمة، قالت: لا، قال: لعلك استكرهك؟ قالت: لا. قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه. يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة فأحاط الناس بها؛ وأخذوا الحجارة فقال: ليس هكذا الرجم، إنما يصيب بعضكم بعضًا، صفوا كصف الصلاة صفًا خلف صف؛ ثم قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أول من يرجم، ثم الناس، وأيما امرأة جيء بها، أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم، ثم الإِمام، ثم الناس. ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم.
قال الشيخ ﵀: قد ذكرنا أن جلد الثيب صار منسوخًا، وأن الأمر صار إلى الرجم فقط. اهـ. من السنن الكبرى بلفظه. وذلك يدل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهو كذلك، وقد جاءت النصوص بالصلاة على المرجوم كما هو معلوم.
وقال صاحب نصب الراية في أثر على هذا ما نصه: قلت: أخرجه البيهقي في سننه عن الأجلح عن الشعبي قال: جيء بشراحة الهمدانية إلى علي ﵁، إلى آخر ما ذكرنا عن البيهقي باللفظ الذي سقناه به. والعجب من صاحب نصب الراية حيث اقتصر
стр. 3706
على رواية البيهقي للأثر المذكور من طريق الأجلح عن الشعبي؛ ولم يشر إلى الرواية الأولى التي سقناها التي الراوي فيها عن الشعبي أبو حصين، فاقتصاره على رواي الأجلح من الشعبي وتركه للرواية التي ذكرنا أولًا لا وجه له. والأجلح المذكور في الإِسناد المذكور: هو ابن عبد الله بن حجية بالمهملة والجيم مصغرًا. ويقال: ابن معاوية، يكنى أبا حجية الكندي، ويقال اسمه: يحيى. قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق شيعي. وقال عنه في تهذيب التهذيب. قال القطان: في نفسي منه شيء. وقال أيضًا: ما كان يفصل بين الحسين بن علي وعلي بن الحسين. وقال أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث. وقد روى الأجلح غير حديث منكر. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة. وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك، وكان له رأي سوء، وقال الجوزجاني: مفتر. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ويروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أر حديثًا منكرًا مجاوزًا للحد لا إسنادًا ولا متنًا إلَّا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق. وقال شريك عن الأجلح: سمعنا أنه ما يسب أبا بكر وعمر أحد إلَّا مات قتلًا أو فقيرًا. وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة وخمس وأربعين في أول السنة، وهو رجل من بجيلة مستقيم الحديث صدوق.
قلت: ليس هو من بجيلة. وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: زكريا أرفع منه بمائة درجة، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا جدًّا. وقال
стр. 3707
العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، حديثه لين. وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. انتهى منه.
وقد رأيت كثرة الاختلاف في الأجلح المذكور إلَّا أن روايته لهذا الأثر عن الشعبي عن علي تعتضد برواية أبي الحصين له عن الشعبي، عن علي. وأبو حصين المذكور، هو بفتح الحاء، وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أخرج له الجميع. وقال فيه في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس. اهـ.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في بداءة الشهود والإِمام بالرجم وما احتج به كل منهم. فاعلم أن أظهر القولين هو قول من قال ببداءة الشهود أو الإِمام كما ذكرنا. وقول الإِمام مالك ﵀: إنه لم يعلم أحدًا من الأئمة فعله يقتضي أنه لم يبلغه أثر علي ﵁ المذكور، ولو بلغه لعمل به. والظاهر أن له حكم الرفع؛ لأنه لا يظهر أنه يقال من جهة الرأي، وإن كان الكلام الذي قدمنا عن صاحب المغني، وصاحب تبيين الحقائق يقتضي أن مثله يقال بطريق الرأي للتعليل الذي عللوا به القول به.
وقال صاحب نصب الراية بعد أن ذكر رواية البيهقي للأثر المذكور عن علي من طريق الأجلح، عن الشعبي ما نصه: ورواه أحمد في مسنده، عن يحيى بن سعيد، عن مجالد عن الشعبي ثم ساق متن رواية الإِمام أحمد بنحو ما قدمنا. ثم قال: ورواه ابن أبي شيعة في مصنفه: حدثنا عبد الله ابن إدريس، عن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليًّا ﵁. ثم ساق الأثر بنحو ما قدمنا. ثم قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن
стр. 3708
الحسن بن سعيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن علي، ثم ساق الأثر المذكور بنحو ما قدمنا. اهـ.
وهذه الروايات يعضد بعضها بعضًا، وهي تدل على أن عليًا كان يقول ببداءة الإِمام في الإِقرار وبداءة الشهود في البينة، وإن كان له حكم الرفع فالأمر واضح، وإن كان له حكم الوقف فهي فتوى وفعل من خليفة راشد، ولم يعلم أن أحدًا أنكر عليه. ولهذا استظهرنا بداءة البينة والإِمام في الرجم. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أن المرجوم إذا هرب في أثناء الرجم عندما وجد ألم الضرب بالحجارة فإن كان زناه ثابتًا ببينة، فلا خلاف في أنهم يتبعونه، حتى يدركوه، فيرجموه؛ لوجوب إقامة الحد عليه الذي هو الرجم بالبينة، وإن كان زناه ثابتًا بإقرار فقد اختلف أهل العلم فيه.
قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المحصن: إذا أقر بالزنا فشرعوا في رجمه، ثم هرب، هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؛ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك، ولا يتبع لكي يقال له بعد ذلك، فإن رجع عن الإِقرار ترك، وإن أعاد رجم.
وقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم. واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي ﷺ قال: "ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ " وفي رواية "هلا تركتموه فلعله يتوب فيتوب الله عليه".
واحتج الآخرون بأن النبي ﷺ لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه هربه. وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح
стр. 3709
بالرجوع. وقد ثبت إقراره فلا يترك حتى يصرح بالرجوع قالوا: وإنما قلنا: لا يتبع في هربه لعله يريد الرجوع. ولم نقل: إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. واللَّه أعلم انتهى منه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنه إن هرب في أثناء الرجم لا يتبع، بل يمهل حتى ينظر في أمره، فإن صرح بالرجوع ترك، وإن تمادى على إقراره رجم. ويدل لهذا ما في رواية أبي داود التي أشار لها النووي. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أن البكر من الرجال والنساء إذا زنا وجب جلده مائة جلدة، كما هو نص الآية الكريمة، ولا خلاف فيه. ولكن العلماء اختلفوا هل يغرب سنة مع جلده مائة، أو لا يغرب؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر يغرب سنة مع الجلد.
قال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور أهل العلم. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وبه قال أبيّ، وابن مسعود، وابن عمر ﵃. وإليه ذهب عطاء، وطاووس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجب التغريب على ذكر ولا أنثى.
وقال النووي في شرح مسلم: قال الشافعي والجماهير: ينفى سنة رجلًا كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب النفي. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي ﵁، إلى أن قال: وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي.
أحدها: يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث. وبهذا قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير.
стр. 3710
والثاني: يغرب نصف سنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وهذا أصح الأقوال عند أصحابنا. وهذه الآية مخصصة لعموم الحديث. والصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب؛ لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى.
والثالث: لا يغرب المملوك أصلًا، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، وأحمد وإسحاق؛ لقوله ﷺ في الأمة إذا زنت: "فليجلدها" ولم يذكر النفي، ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده.
وأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي، والآية ظاهرة في وجوب النفي، فوجب العمل بها، وحمل الحديث على موافقتها. واللَّه أعلم. اهـ كلام النووي، وقوله: إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر فانظره.
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وأن الأئمة الثلاثة: مالكًا، والشافعي، وأحمد متفقون على تغريب الزاني البكر الحر الذكر وإن وقع بينهم خلاف في تغريب الإِناث والعبيد، وعلمت أن أبا حنيفة، ومن ذكرنا معه يقولون بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا أو عبدًا فهذه تفاصيل أدلتهم.
أما الذين قالوا: يغرب البكر الزاني سنة، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد
стр. 3711
عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" الحديث. وفيه التصريح من النبي ﷺ برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله جلدُ ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عامًا. وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره، وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي قدمناه، وفيه: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة. وهو أيضًا نص صحيح عن النبي ﷺ في محل النزاع.
واحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة:
منها: أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والمقرر في أصول الحفنية هو أن الزيادة على النص نسخ له، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخًا للآية فهم يقولون: إن الآية متواترة، وأحاديث التغريب أخبار آحاد. والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم.
أما الأول منهما، وهو أن كل زيادة على النص فهي ناسخة له ليس بصحيح؛ لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق إلَّا إن كانت مثبتة شيئًا قد نفاه النص، أو نافية شيئًا أثبته النص، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه، ولا لإِثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي،
стр. 3712
حتى يرد دليل ناقل عنه، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتًا بدليل شرعي.
وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية.
وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل عَلَى آيات الحج، وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك.
وأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد، فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفًا أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطًا لا شك فيه، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه، ولا منافاة بينهما أصلًا حتى يرجح المتواتر على الآحاد، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين؛ لأن كل منهما حق في وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن، ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة؛ لأَن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك، فأخبرك ذلك الإِنسان بقدومه، وهو صادق، وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين، لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي، ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي؛ فنسخة بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى.
стр. 3713
ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه أن رجلًا أقر عنده ﷺ أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها. وما رواه أبو داود أيضًا عن ابن عباس: أن رجلًا من بكر بن ليث أقر عند النبي ﷺ أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكرًا فجلده النبي ﷺ مائة، وسأله ﷺ البينة على المرأة إذا كذبته، فلم يأت بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة؛ قالوا: ولو كان التغريب واجبًا لما أخل به النبي ﷺ .
ومن أدلتهم أيضًا: الحديث الصحيح "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" الحديث، وهو متفق عليه. ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ. وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه ﷺ أن الجمع بين جلد البكر، ونفيه سنة قضاء منه ﷺ بكتاب الله.
وإيضاح ذلك: أن النبي ﷺ أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: إن النبي ﷺ هو المبين، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله. قال: وخطب بذلك عمر ﵁ على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. اهـ منه.
وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب.
والحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد، وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح
стр. 3714
بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإِقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير أن الإِقسام هو المتقدم، فذلك التصريح بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإِقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل، ولو تكررت الروايات به تكررًا كثيرًا، وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما: أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن، أما كونه في السند: فظاهر، وأما كونه في المتن: فلأن حديث أبي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول. وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب.
وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه؛ لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد، فهي تجلد خمسين ولو محصنة، ولا ترجم، والأحرار بخلاف ذلك، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف.
وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين:
إحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة، فعليها الجلد لا الرجم.
والثانية: أن عليها نصفه، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فتأمل
стр. 3715
قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يظهر لك ما ذكرنا.
ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة؛ لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بالتغريب، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة، فقال جماعة من أهل العلم: تغرب المرأة سنة؛ لعموم أدلة التغريب، وممن قال به: الشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم: لا تغريب على النساء، وممن قال به مالك والأوزاعي، وروي مثله عن علي ﵁.
أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب، وظاهرها شمول الأنثى.
وأما الذين قالوا: لا تغريب على النساء، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم، أو زوج.
وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر. قالوا: لا يجوز سفرها دون محرم، ولا يكلف محرمها بالسفر معها؛ لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه. قالوا: ولأن المرأة عورة، وفي تغربها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولذلك نهيت عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج. قالوا: وغاية ما في الأمر أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج، وهذا لا إشكال فيه.
следующие страницы →