Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام" الحديث. وفيه التصريح من النبي ﷺ برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله جلدُ ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عامًا. وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره، وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي قدمناه، وفيه: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة. وهو أيضًا نص صحيح عن النبي ﷺ في محل النزاع.
واحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة:
منها: أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والمقرر في أصول الحفنية هو أن الزيادة على النص نسخ له، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخًا للآية فهم يقولون: إن الآية متواترة، وأحاديث التغريب أخبار آحاد. والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم.
أما الأول منهما، وهو أن كل زيادة على النص فهي ناسخة له ليس بصحيح؛ لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق إلَّا إن كانت مثبتة شيئًا قد نفاه النص، أو نافية شيئًا أثبته النص، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه، ولا لإِثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي،
стр. 3712
حتى يرد دليل ناقل عنه، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتًا بدليل شرعي.
وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية.
وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل عَلَى آيات الحج، وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك.
وأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد، فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفًا أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطًا لا شك فيه، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه، ولا منافاة بينهما أصلًا حتى يرجح المتواتر على الآحاد، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين؛ لأن كل منهما حق في وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن، ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة؛ لأَن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك، فأخبرك ذلك الإِنسان بقدومه، وهو صادق، وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين، لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي، ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي؛ فنسخة بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى.
стр. 3713
ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه أن رجلًا أقر عنده ﷺ أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها. وما رواه أبو داود أيضًا عن ابن عباس: أن رجلًا من بكر بن ليث أقر عند النبي ﷺ أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكرًا فجلده النبي ﷺ مائة، وسأله ﷺ البينة على المرأة إذا كذبته، فلم يأت بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة؛ قالوا: ولو كان التغريب واجبًا لما أخل به النبي ﷺ .
ومن أدلتهم أيضًا: الحديث الصحيح "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" الحديث، وهو متفق عليه. ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ. وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه ﷺ أن الجمع بين جلد البكر، ونفيه سنة قضاء منه ﷺ بكتاب الله.
وإيضاح ذلك: أن النبي ﷺ أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: إن النبي ﷺ هو المبين، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله. قال: وخطب بذلك عمر ﵁ على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. اهـ منه.
وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب.
والحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد، وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح
стр. 3714
بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإِقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير أن الإِقسام هو المتقدم، فذلك التصريح بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإِقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل، ولو تكررت الروايات به تكررًا كثيرًا، وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما: أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن، أما كونه في السند: فظاهر، وأما كونه في المتن: فلأن حديث أبي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول. وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب.
وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه؛ لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد، فهي تجلد خمسين ولو محصنة، ولا ترجم، والأحرار بخلاف ذلك، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف.
وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين:
إحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة، فعليها الجلد لا الرجم.
والثانية: أن عليها نصفه، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فتأمل
стр. 3715
قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يظهر لك ما ذكرنا.
ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة؛ لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك. والعلم عند الله تعالى.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بالتغريب، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة، فقال جماعة من أهل العلم: تغرب المرأة سنة؛ لعموم أدلة التغريب، وممن قال به: الشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم: لا تغريب على النساء، وممن قال به مالك والأوزاعي، وروي مثله عن علي ﵁.
أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب، وظاهرها شمول الأنثى.
وأما الذين قالوا: لا تغريب على النساء، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم، أو زوج.
وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر. قالوا: لا يجوز سفرها دون محرم، ولا يكلف محرمها بالسفر معها؛ لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه. قالوا: ولأن المرأة عورة، وفي تغربها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولذلك نهيت عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج. قالوا: وغاية ما في الأمر أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج، وهذا لا إشكال فيه.
стр. 3716
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة، مع تبرع المحرم المذكور بالوجوع معها إلى محلها بعد انتهاء السنة، فإنها تغرب، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة. وأما إن لم تجد محرمًا متبرعًا بالسفر معها، فلا يجبر، لأنه لا ذنب له، ولا تكلف هي السفر بدون محرم، لنهيه ﷺ عن ذلك.
وقد قدمنا مرارًا أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذا التفصيل الذي استظهرنا لم نعلم أحدًا ذهب إليه، ولكنه هو الظاهر من الأدلة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك.
وأظهر أقوالهم عندنا: أن المملوك لا يغرب؛ لأنه مال، وفي تغريبه إضرار بمالكه، وهو لا ذنب له، ويستأنس له بأنه لا يرجم ولو كان محصنًا؛ لأن إهلاكه بالوجم إضرار بمالكه. ويؤيده قوله ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" الحديث. ولم يذكر تغريبًا. وقد فهم البخاري ﵀ عدم نفي الأمة من الحديث المذكور. ولذا قال في ترجمته: باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى.
وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع؛ لأنهم من جملة المكلفين، أو لا يدخلون في عموم النصوص إلَّا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص، كما تقدم إيضاحه.
стр. 3717
وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلَّا ما أخرجهم منه دليل، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله:
والعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر
وإخراجهم هنا من نصوص التغريب؛ لأنه ﷺ أمر بجلد الأمة الزانية وبيعها، ولم يذكر تغريبها؛ ولأنهم مال، وفي تغريبهم إضرار بالمالك. وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار" والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
أظهو القولين عندي: أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد الذي زنى فيه.
وأظهر القولين أيضًا عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه؛ لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب، فتحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها. والعلم عند الله تعالى. والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي.
المسألة السادسة: اعلم أن من أقر بأنه أصاب أحدًا، ولم يعين ذلك الحد، فإنه لا يجب عليه الحد، لعدم التعيين، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: "كنت عند النبي ﷺ ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلَّى مع النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم فيّ كتاب الله، قال: أليس صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك" هذا لفظ البخاري في صحيحه. والحديث متفق عليه. ولمسلم
стр. 3718
وأحمد من حديث أبي أمامة نحوه. وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه لا حد عليه كما ترى. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة: في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى، أو رجوع البينة قبل إتمام إقامة الحد عليه.
أما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره سقط عنه الحد ولو رجع في أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم. هذا هو الظاهر.
قال ابن قدامة: وبه قال عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقد حكى ابن قدامة خلاف هذا عن جماعة، وروايته عن مالك ضعيفة.
والظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره ولو في أثناء إقامة الحد، لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي ﷺ قال لهم لما تبعوا ماعزًا بعد هربه: "ألا تركتموه؟ " وفي رواية "هلا تركتموه؟ فلعله يتوب فيتوب الله عليه" وفي ذلك دليل على قبول رجوعه، وعليه أكثر أهل العلم، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصًا من كتاب ولا سنَّة، والعلماء مختلفون فيه.
واعلم أن له حالتين:
إحداهما: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني بشهادتهم.
والثانية: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحد عليه، والحد المذكور قد يكون جلدًا، وقد يكون رجمًا، فإذا رجعوا
стр. 3719
كلهم، أو واحد منهم قبل إقامة الحد، فقد قال في ذلك ابن قدامة في المغني: فإن رجعوا عن الشهادة، أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين، وهو قول أبي حنيفة. والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع، وهو اختيار أبي بكر، وابن حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله، فسقط عنه الحد؛ ولأن في درء الحد عنه تمكينًا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه. وفي إيجاب الحد زجر له عن الرجوع خوفًا من الحد، فتفوت تلك المصلحة، وتحقق المفسدة، فناسب ذلك نفي الحد عنه. وقال الشافعي: يحد الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه. وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع، ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفًا فلم يحد، كما لو لم يرجع.
ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد، فلزمهم الحد، كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة. وقولهم: وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم، وبالراجع وحده، فإن الحد وجب، ثم سقط، ووجب الحد عليهم بسقوطه، ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه، وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف، فعلى غيره أولى. انتهى من المغني.
وحاصله: أنهم إن رجعوا كلهم حدوا كلهم، وإن رجع بعضهم، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: يحدون كلهم.
والثاني: يحد من لم يرجع دون من رجع.
стр. 3720
والثالث: عكسه كما هو واضح من كلامه.
والأظهر: أنهم إن رجعوا بعد الحكم عليه بالرجم أو الجلد بشهادتهم أنه لا يقام عليه الحد، لرجوع الشهود أو بعضهم.
وقول بعض المالكية: إن الحكم ينفذ عليه ولو رجعوا كلهم أو بعضهم قبل التنفيذ خلاف التحقيق، وإن كان المعروف في مذهب مالك أن الحكم إذا نفذ بشهادة البينة أنه لا ينقض برجوعهم، وإنما ينقض بظهور كذبهم؛ لأن هذا لم يعمموه في الشهادة المفضية إلى القتل لعظم شأنه. والأظهر أنه لا يقتل بشهادة بينة كذبت أنفسها فيما شهدت عليه به كما لا يخفى. وأما إن كان رجوع البينة بعد إقامة الحد، فالأظهر أنه إن لم يظهر تعمدهم الكذب لزمتهم دية المرجوم، وإن ظهر أنهم تعمدوا الكذب فقال بعض أهل العلم: تلزم الدية أيضًا. وقال بعضهم بالقصاص، وهو قول أشهب من أصحاب مالك، وله وجه من النظر؛ لأنهم تسببوا في قتله بشهادة زور، فقتلهم به له وجه. والعلم عند الله تعالى.
وإن كان رجوعهم أو رجوع بعضهم بعد جلد المشهود عليه بالزنى بشهادتهم، فإن لم يظهر تعمدهم الكذب، فالظاهر أنهم لا شيء عليهم؛ لأنهم لم يقصدوا سوءًا، وإن ظهر تعمدهم الكذب وجب تعزيرهم بقدر ما يراه الإِمام رادعًا لهم ولأمثالهم؛ لأنهم فعلوا معصيتين عظيمتين:
الأولى: تعمدهم شهادة الزور.
والثانية: إضرارهم بالمشهود عليه بالجلد، وهو أذى عظيم أوقعوه به بشهادة زور. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3721
تنبيه
اعلم أنا قدمنا من زنى ببهيمة في سورة الإِسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقدمنا حكم اللواط وأقوال أهل العلم وأدلتهم في ذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وقد قدمنا الكلام أيضًا على أن من زنى مرات متعددة قبل أن يقام عليه الحد، يكفي لجميع ذلك حد واحد في الكلام على آيات الحج.
وقد أوضحنا أن الأمة تجلد خمسين، سواء كانت محصنة أو غير محصنة؛ لأن جلدها خمسين مع الإِحصان منصوص في القرآن كما تقدم إيضاحه، وجلدها مع عدم الإِحصان ثابت في الصحيح.
وأظهر الأقوال عندنا أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين، وألحق أكثر أهل العلم العبد بالأمة.
والأظهر عندنا: أنه يجلد خمسين مطلقًا أحصن أم لا. وقد تركنا الأقوال المخالفة لما ذكرنا؛ لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية، ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه الآية التي نحن بصددها.
وعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون مسائل ذلك الباب، والمهم منه، ونبيِّن أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها، ولا نستقصي جميع ما في الباب؛ لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3722
• قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ .
قد قدمنا مرارًا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة.
وإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح. قالوا: فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء، في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية؛ لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء الذي هو الزنى، لا عقد النكاح، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة. والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك منسوخ ظاهر السقوط؛ لأن سورة النور مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل
стр. 3723
بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه.
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة
اعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه ومن وافقهم. واحتج أهل هذا القول بأدلة.
منها: عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضًا والعفيفة.
ومن أدلتهم على ذلك: حديث ابن عباس ﵄ "أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي لا تردّ يد لامس. قال: غربها. قال: أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: فاستمتع بها".
قال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄ بلفظ قال: "طلقها، قال: لا أصبر عنها، قال: فأمسكها". اهـ. من بلوغ المرام. وفيه تصريح ابن حجر بأن رجاله ثقات. وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره في الموضوعات مرسلًا عن أبي الزبير قال: "أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن امرأتي". الحديث؛ ورواه أيضًا مرسلًا عن عبيد بن عمير، وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله ﷺ ، ثم قال: وقد حمله أبو بكر الخلال على الفجور، ولا يجوز هذا، وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث.
стр. 3724
قال أحمد بن حنبل: هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ليس له أصل. انتهى من موضوعات ابن الجوزي. وكثرة اختلاف العلماء في تصحيح الحديث المذكور وتضعيفه معروفة.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا ريب أن العرب تكني بمثل هذه العبارة عن عدم العفة عن الزنى. يعني بالعبارة المذكورة قول الرجل: إن امرأتي لا تردّ يد لامس. اهـ. وما قاله الشوكاني وغيره هو الظاهر؛ لأن لفظ لا تردّ يد لامس أظهر في عدم الامتناع ممن أراد منها ما لا يحل كما لا يخفى، فحمله على تفريطها في المال غير ظاهر؛ لأن إطلاق لفظ اللامس على أخذ المال ليس بظاهر كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور في المرأة التي ظهر عدم عفتها، وهي تحت زوج. وكلامنا الآن في ابتداء النكاح لا في الدوام عليه، وبين المسألتين فرق كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى.
ثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن الاستدلال بالآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية من وجهين.
الأول: أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه، قالوا: والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدة التنفير منه؛ لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلَّا التي هي في غاية الخسة لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنى، أو زانية فاجرة خبيثة.
وعلى هذا القول، فالإِشارة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى
стр. 3725
الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه، كعكسه. وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك.
الوجه الثاني: هو قولهم: إن المراد بالنكاح في الآية التزويج، إلَّا أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، وممن ذهب إلى نسخها بها: سعيد بن المسيب، والشافعي.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلَّا زانية، أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مرأده من الزنا إلَّا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا ينكحها إلَّا زان، أي: عاص بزناه، أو مشرك لا يعتقد تحريمه.
قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزنى بها إلَّا زان أو مشرك. وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا، وقد روي عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك. انتهى محل الغرض منه بلفظة.
فتراه صدر بأن المراد بالنكاح في الآية: الجماع، لا التزويج. وذكر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه تأويل القرآن. وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين. وابن عباس
стр. 3726
رضي الله عنهما من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية.
فقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدل على أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح. فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية، وأنه قبيح يرده قول البحر ابن عباس كما ترى.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وقد روي عن ابن عباس، وأصحابه أن النكاح في هذه الآية: الوطء.
واعلم أن إنكار الزجاج لهذا القول في هذه الآية، أعني القول بأن النكاح فيها الجماع. وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن إلَّا بمعنى التزويج مردود من وجهين.
الأول: أن القرآن جاء في النكاح بمعنى الوط، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقد صح عن النبي ﷺ أنه فسر قوله: (حتى تنكح زوجًا غيره) بأن معنى نكاحها له مجامعته لها حيث قال: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ومراده بذوق العسيلة: الجماع، كما هو معلوم.
الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون النكاح على الوطء. والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء.
قال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد. اهـ. وإنما سموا عقد التزويج نكاحًا؛ لأنه سبب النكاح، أي: الوطء، وإطلاق المسبب وإرادة سببه معروف في القرآن، وفي كلام العرب، وهو مما يسميه القائلون بالمجاز المجاز المرسل، كما
стр. 3727
هو معلوم عندهم في محله. ومن إطلاق العرب النكاح على الوطء قول الفرزدق:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق
لأن الإِنكاح في البيت ليس المراد به: عقد التزويج، إذ لا يعقد على المسبيات، وإنَّما المراد به الوطء بملك اليمين، والمسبي مع الكفر. ومنه قوله أيضًا:
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنان وعامله
فالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد كما صرح بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلَّا السنان وعامله.
وقوله:
إذا سقى الله قومًا صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا
ومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج.
قالوا: ومما يدل على أن النكاح في الآية غير التزويج، أنَّه لو كان معنى النكاح فيها التزويج لوجب حد المتزوج بزانية؛ لأنه زان، والزاني يجب حده. وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانية لا يحد حد الزنى، ولو كان زانيًا لحد حد الزنى فافهم.
وهذا هو حاصل حجج من قالوا: إن النكاح في الآية الوطء، وأن تزويج العفيف الزانية ليس بحرام كعكسه.
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزاني لعفيفة، ولا عكسه، وهو مذهب الإِمام أحمد، وقد
стр. 3728
روي عن الحسن وقَتَادة. واستدل أهل هذا القول بآيات وأحاديث.
فمن الآيات التي استدلوا بها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية: التزويج، وقد نص الله على تحريمه في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمَنِينَ (٣)﴾ قالوا: والإِشارة بقوله: (ذلك) راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية، أو المشركة، وهو نص قرآني في تحريم نكاح الزاني العفيفة كعكسه.
ومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ قالوا: فقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: أعفاء غير زناة. ويفهم من مفهوم مُخَالَفَةُ الآية: أنَّه لا يجوز نكاح المسافح الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفائف غير زانيات. ويفهم من مفهوم مُخَالَفَةُ الآية، أنهن لو كن مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن.
ومن أدلة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية. كلها في عقد النكاح، وليس واحد منها في الوطء، والمقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول. وأنه قد جاء في السنَّة ما يؤيد صحة ما قالوا في الآية، من أن النكاح فيها التزويج، وأن الزاني لا يتزوج إلَّا زانية
стр. 3729
مثله، فقد روى أَبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله".
وقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا: رواه أحمد، وأَبو داود، ورجاله ثقات.
وأما الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية:
فمنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستاذن النبي ﷺ أو ذكر له أمرها فقرأ عليه نبي الله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ رواه أحمد.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لهذا الحديث: وقد عزاه صاحب المنتقى لأحمد وحده، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات.
ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكانت بمكة بغي يقال لها: عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي، وقال: "لا تنكحها" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي.
قال الشوكاني في نيل الأوطار في كلامه على حديث عمرو بن شعيب هذا الذي ذكره صاحب المنتقى، وعزاه لأبي داود، والنسائي والترمذي: وحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي.
стр. 3730
وساق ابن كثير في تفسير هذه الآية الأحاديث التي ذكرنا بأسانيدها، وقال في حديث عمرو بن شعيب هذا: قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقد رواه أَبو داود، والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به.
قالوا: فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن النكاح في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أنَّه التزويج لا الوطء، وصورة النزول قطعية الدخول، كما تقرر في الأصول. قالوا: وعلى أن المراد به التزويج، فتحريم نكاح الزانية والزاني منصوص في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.
وقال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: وأما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ ولا يخفى أن دعوة النسخ للآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يَزْنِي إلَّا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها إلَّا زان أو مشرك، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا.
وكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة، في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف، وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإِماء
стр. 3731
بشرط الإِحصان، وهو العفة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه في أصل التحريم. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم.
وهذه الأدلة التي ذكرنا هي حجج القائلين بمنع تزويج الزاني العفيفة كعكسه، وإذا عرفت أقوال أهل العلم، وأدلتهم في مسألة نكاح الزانية والزاني فهذه مناقشة أدلتهم.
أما قول ابن القيم ﵀: إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله، فيرده أن ابن عباس وهو هو في المعرفة باللغة العربية، وبمعاني القرآن، صح عنه حمل الزنى في الآية على الوطء، ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به ولم يخف عليه أنَّه ينبغي أن يصان عن مثله.
وقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزنى في الآية بالوطء: هو معنى صحيح. انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه.
وقول ابن القيم في كلامه هذا الذي ذكرنا عنه: "فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك" يقال فيه: نعم هو مشرك، ولكن المشرك لا يجوز له نكاح الزانية المسلمة، وظاهر كلامك جواز ذلك، وهو ليس بجائز، فيبقى إشكال ذكر المشرك والمشركة واردًا على القول بأن النكاح في الآية التزويج كما ترى.
стр. 3732
وقول ابن القيم ﵀ في كلامه هذا: "وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه في أصل التحريم" يقال فيه: إن تزويج الزانية وردت نصوص عامة تقتضي جوازه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكمُ مَا وَرَاءِ ذَلِكُمْ﴾ وهو شامل بعمومه للزانية والعفيفة والزاني والعفيف، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فهو أيضًا شامل بعمومه لجميع من ذكر، ولذا قال سعيد بن المسيب: إن آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية. وقال الشافعي: القول في ذلك كما قال سعيد من نسخها بها.
وبما ذكرنا يتضح أن دلالة قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ على المقصود من البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه قريبًا؛ لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلَّا بدليل منطوقًا كان أو مفهومًا كما تقدم إيضاحه.
وأما قول سعيد بن المسيب والشافعي بأن آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فهو مستبعد؛ لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنَّه لا يصح نسخ الخاص بالعام، وأن الخاص يقضي على العام مطلقًا، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر، ومعلوم أن آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، أعم مطلقًا من آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين، وإنَّما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة ﵀، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام.
وقد يجاب عن قول سعيد، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من
стр. 3733
قرينة في الآية، وهي أنَّه لم يقيد الأيامى الأحرار بالصلاح، وإنَّما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء، ولذا قال بعد الآية: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا، لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإِشكال في هذه الآية إلَّا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أَبو العباس بن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة، وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج خلافًا لمن زعم أنَّه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع العسف الذي أشرنا له. والعلم عند الله تعالى.
وأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية، والمانعون لذلك أقل، وقد عرفت أدلة الجميع.
стр. 3734
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة، ثم زنت وهي في عصمته أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرقًا بين الدوام على نكاحها، وبين ابتدائه. واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنَّه شهد حجة الوداع مع رسول للَّه ﷺ ، فحمد الله، وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلَّا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا".
قال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجة، والترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور: وحديثه في الخطبة صحيح. اهـ. وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله: فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف.
ومن الأدلة على هذا الحديث المتقدم قريبًا الذي فيه: أن الرجل قال للنبي ﷺ : إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: "طلقها، فقال: نفسي تتبعها فقال: أمسكها" وبينا الكلام في سنده، وأنه في الدوام على النكاح، لا في ابتداء النكاح، وأن بينهما فرقًا. وبه تعلم أن قول من قال: إن من زنت زوجته فسخ نكاحها، وحرمت عليه، خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3735
الفرع الثاني: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أنَّه لا يجوز نكاح المرأة الحامل من الزنا قبل وضع حملها، بل لا يجوز نكاحها، حتَّى تضع حملها، خلافًا لجماعة من أهل العلم. قالوا: يجوز نكاحها وهي حامل، وهو مروي عن الشافعي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن نكاح الرجل امرأة حاملًا من غيره فيه سقي الزرع بماء الغير، وهو لا يجوز، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولا يخرج من عموم هذه الآية إلَّا ما أخرجه دليل يجب الرجوع إليه، فلا يجوز نكاح حامل حتَّى ينتهي أجل عدتها، وقد صرح الله بأن الحوامل أجلهن أن يضعن حملهن، فيجب استصحاب هذا العموم، ولا يخرج منه إلَّا ما أخرجه دليل من كتاب أو سنَّة.
الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية والزاني إن تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونويا أن لا يعودا إلى الذنب، فإن نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما، ويجوز نكاح غيرهما لهما بعد التوبة؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ فقد صرح جلَّ وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر معهم إن تابوا وآمنوا، وعملوا عملًا صالحًا يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو يدل على أن التوبة من الزنا تذهب أثره. فالذين قالوا: إن من زنا بامرأة لا تحل له مطلقًا ولو تابا وأصلحا
стр. 3736
فقولهم خلاف التحقيق. وقد وردت آثار عن الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا. وضرب له بعض الصحابة مثلًا برجل سرق شيئًا من بستان رجل آخر، ثم بعد ذلك اشترى البستان، فالذي سرقه منه حرام عليه، والذي اشتراه منه حلال له، فكذلك ما نال من المرأة حرامًا فهو حرام عليه، وما نال منها بعد التوبة، والتزويج حلال له. والعلم عند الله تعالى.
واعلم أن قول من رد الاستدلال بآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. قائلًا: إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين، يرد قوله أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أوضحنا أدلته من السنَّة الصحيحة مرارًا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: اعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزانية، لا يلزم من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثًا؛ لأنه إنما يتزوجها ليحفظها، ويحرسها ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعًا باتًا بأن يراقبها دائمًا، وإذا خرج ترك الأَبواب مقفلة دونها، وأوصى بها من يحرسها بعده، فهو يستمتع بها، مع شدة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة، وإن جرى منها شيء لا علم له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شيء عليه فيه، ولا يكون ديوثًا كما هو معلوم.
وقد علمت مما مر أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف الزانية كعكسه، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك.
والأظهر لنا في هذه المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلَّا عفيفة صينة؛ للآيات التي ذكرنا، والأحاديث. ويؤيده حديث "فاظفر بذات الدين تربت يداك" والعلم عند الله تعالى.
стр. 3737
• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ .
قوله تعالى في هذه الآية: (يرمون) معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحًا، أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه؛ لأنه إن كان من غير أبيه كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى فيه ثلاثة أحكام:
الأول: جلد القاذف ثمانين جلدة.
والثاني: عدم قبول شهادته.
والثالث: الحكم عليه بالفسق.
فإن قيل: أين الدليل من القرآن على أن معنى (يرمون المحصنات) في هذه الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب؟
فالجواب: أنَّه دلت عليه قرينتان من القرآن.
الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بعد قوله: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ومعلوم أنَّه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلَّا الزنى. ومن قال: إن اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.
وقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود، كما أشرنا له غير بعيد.
القرينة الثانية: هي: ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله
стр. 3738
تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني يدل على إحصانهن، أي: عفتهن عن الزنى، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى. وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في القرآن، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات، كقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: العفائف، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير:
فلا تأمنن الحي قيسا فإنهم ... بنو محصنات لم تدنس حجورها
وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطويّ رماني
فقوله: رماني بأمر: يعني أنَّه رماه بالكلام القبيح.
وفي شعر امرئ القيس أو غيره:
• وجرح اللسان كجرح اليد *
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله: (يرمون المحصنات)، هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب، كما أوضحناه قريبًا.
الجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج
стр. 3739
المرأة إذا رماها بالزنى، ولكن الله جلَّ وعلا بين أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت بالشهداء تلاعنا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية.
ومضمونها: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، والمعنى أنَّه لم يقدر على الإِتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به، فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحد منها: أشهد باللَّه إني لصادق فيما رميتها به من الزنى، ثم يقول في الخامسة: عليَّ لعنة الله إن كنت كاذبًا عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد، وعدم قبول الشهادة، والفسق، بهذه الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات باللَّه تقول في كل واحد منها: أشهد باللَّه إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليّ إن كان صادقًا فيما رماني به من الزنى، كما هو واضح من نص الآية.
الجهة الثالثة: أن الله بين هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ولم يبين ما أعد له في الآخرة، ولكنه بين في هذه السورة الكريمة ما أعدَّ له في الدنيا والآخرة من عذاب الله، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإِيضاح صفاتهن الكريمة.
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن؛ لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن
стр. 3740
لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدها. وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًا، ومنه قول حسان ﵁:
نفخ الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الإِقسام
وقول الآخر:
ولقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها
وقول الآخر:
عهدت بها هندًا وهند غريرة ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤوم
ردح الضحى ميالة بحترية ... لها منطق يصبي الحليم رخيم
والظاهر أن قوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن تابوا وأصلحوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد. ويدل له قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.
وعمومات نصوص الكتاب والسنَّة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة نصوحًا تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين: إن آية ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ التي جعل الله فيها التوبة بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عامة، وأن آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية. خاصة بالذين رموا عائشة ﵂ أو غيرها من خصوص أزواجه ﷺ ، وأن من رماهن لا توبة له، خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3741
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإِناث خاصة؛ لأن ذلك هو صريح قوله: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإِناث للإِناث، أو الإِناث الذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية من قذف الذكور للإِناث، للجزم بنفي الفارق بين الجميع.
وقد قدمنا إيضاح هذا، وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.
المسألة الثانية: اعلم أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنَّه يرجع لجميعها إلَّا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
وكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلًّا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع ... والحق الافتراق دون الجمع
ولذا لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين، وبني زُهرة، وبني تميم، إلَّا الفاسق منهم، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع؛ برجوع الاستثناء للجميع، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوعه للأخيرة، فلا يخرج عنده إلَّا فاسق الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية إلَّا للجملة الأخيرة التي هي ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فقد
стр. 3742
زال عنهم الفسق. ولا يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلَّا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: إن شهادة القاذف لا تقبل أبدًا، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة.
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته إلَّا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير.
وقال جمهور أهل العلمِ منهما الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع أيضًا لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته.
أما قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ فلا يرجع له الاستثناء؛ لأن القاذف إذا تاب وأصلح لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة.
فتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ يرجع لها الاستثناء بلا خلاف، وأن الجملة الأولى التي هي ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لا يرجع لها الاستثناء في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف إلَّا من شذ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات
стр. 3743
هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلَّا بدليل.
وإنَّما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.
وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالًا على ما ذكرنا أنَّه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى، وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئًا مطردًا.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعًا، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.
ومن أمثلة ذلك آية النور هذه؛ لأن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ كما ذكرناه آنفًا.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ لا يرجع إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وهذا لا خلاف فيه، بل الاستثناء راجع إلى الجملتين
стр. 3744
الأوليين، أعني قوله تعالى: ﴿فَحُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي: فخذوهم بالأسر، واقتلوهم، إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم، كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﷺ ؛ لأن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر.
وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز، تبين أنَّه لم يلزم رجوعه للجميع، ولا إلى الأخيرة، وأن الأَظهر الوقف حتَّى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل، ولا يبعد أنَّه إن تجرد من القرائن والأدلة، كان ظاهرًا في رجوعه للجميع.
وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ولذلك اختصرناه هنا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: اعلم أن من قذف إنسانًا بغير الزنى أو نفي النسب، كأن يقول له: يا فاسق، أو يا آكل الرِّبَا، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير، وذلك بما يراه الإِمام رادعًا له، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع.
وقال بعض أهل العلم: لا يبلغ بالتعزير قدر الحد، وقال بعض العلماء: إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعًا مطلقًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حرًا يجلد أربعين؛ لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى.
стр. 3745
قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة بن ذؤيب: يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد عبدًا قذف حرًا ثمانين، وبه قال الأوزاعي. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى للَّه، وأنه ربما كان أخف فيمن قَلَّتْ نعم الله عليه، وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه.
وأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية، وربما قالوا: لو كان يختلف لذكر كما في الزنى.
قال ابن المنذر: والذي عليه علماء الأمصار القول الأول. وبه أقول. انتهى كلام القرطبي.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا: أن العبد إذا قذف حرًّا جلد ثمانين لا أربعين، وإن كان هذا مخالفًا لجمهور أهل العلم، وإنَّما استظهرنا جلده ثمانين، لأن العبد داخل في عموم ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ولا يمكن إخراجه من هذا العموم إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخرج العبد من هذا العموم، لا من كتاب ولا من سنَّة، ولا من قياس، وإنَّما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى، وألحق العلماء بها العبد بجامع الرق، والزنى غير القذف.
أما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه.
وأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق، لأن القذف جناية على عرض إنسان معين، والردع عن الأعراض حق للآدمي، فيردع العبد كما يردع الحر. والعلم عند الله تعالى.
стр. 3746
تنبيه
قد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. أن الو إذا قذف عبدًا لا يحد به، وذلك ثابت في الصحيحين عنه ﷺ أنَّه قال: "من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلَّا أن يكون كما قال". اهـ. وقوله ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "أقيم عليه الحد يوم القيامة" يدل على أنَّه لا يقام عليه الحد في الدنيا، وهو كذلك، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتد به من أهل العلم.
قال القرطبي: قال العلماء: وإنَّما كان ذلك في الآخرة؛ لارتفاع الملك، واستواء الشريف والوضيع، والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلَّا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص لكل واحد من صاحبه إلَّا أن يعفو المظلوم. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.
المسألة الخامسة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أنَّه إذا صرح في قذفه له بالزنى كان قذفًا ورميًا موجبًا للحد، وأما إن عرَّض ولم يصرح القذف، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنَّه يقصد قذفه، كقوله: أما أنا فلست بزان، ولا أمي بزانية، أو ما أنت بزان، ما يعرفك الناس بالزنى، أو يا حلال بن الحلال، أو نحو ذلك.
فقد اختلف أهل العلم: هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف وإن لم يصرح، أو لا يحد حتَّى يصرح بالقذف تصريحًا واضحًا لا احتمال فيه؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد ولو فهم منه إرادة القذف إلَّا أن يقر أنَّه أراد به القذف.
стр. 3747
قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول هو رواية حنبل عن الإِمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، وقَتَادة، والثوري، والشافعي، وأَبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
واحتج أهل هذا القول بكتاب وسنَّة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة، والتعريض، قالوا: ولم يفرق الله بينهما في كتابه إلَّا لأن بينهما فرقًا، ولو كانا سواء لم يفرق بينهما في كتابه.
وأما السنَّة: فالحديث المتفق عليه الذي قدمناه مرارًا في الرجل الذي جاء النبي ﷺ وقال له: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" وهو تعريض بنفيه، ولم يجعل النبي ﷺ هذا قذفًا، ولم يدعهما للعان، بل قال للرجل: ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: ومن أين جاءها ذلك؟ قال: لعل عرقًا نزعه، قال: وهذا الغلام الأسود لعل عرقًا نزعه. قالوا: ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفًا.
هذا هو حاصل حجة من قالوا بأن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وإنَّما يجب الحد بالتصريح بالقذف.
وذهبت جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقال ابن قدامة في المغني: وروى الأثرم وغيره عن الإِمام أحمد أن عليه الحد. يعني
стр. 3748
المعرض بالقذف. قال: وروي ذلك عن عمر ﵁. وبه قال إسحاق. . . إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. أهـ.
واحتج أهل هذا القول بأدلة:
منها: ما ذكره القرطبي قال: والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإِزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفًا، كالتصريح، والمعول على الفهم، وقد قال تعالى: مخبرًا عن قوم شعيب أنهم قالوا له: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ أي: السفيه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود. وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ وقال تعالى في الذين قذفوا مريم أنهم قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء، أي: الزنى، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: كفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، أي: ما كان أَبوك امرأ سوء، ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ وما كانت أمك بغيا، أي: أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن رسول الله ﷺ على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه. اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإِيضاح المراد.
стр. 3749
وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحًا تلحقه بالتعريض له بالقذف، ولذلك يلزم استواؤهما، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم، والتعريض يفهم منه القذف، فيلزم أن يكون كالصريح.
ومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين.
قال ابن قدامة في المغني: لأن عمر ﵁ حين شاورهم في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية. فقالوا: قد مدح أباه، وأمه. فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. وروى الأثرم أن عثمان ﵁ جلد رجلًا قال لآخر: يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه. والوذر: غدر اللحم، يعرض له بكمر الرجال. وانظر أسانيد هذه الآثار.
ومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالصريح الذي لا يحتمل إلَّا ذلك المعنى، ولذلك وقع الطلاق بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف، فلا شك في أنَّه لا يكون قذفًا. انتهى من المغني.
ثم قال صاحب المغني: وذكر أَبو بكر عبد العزيز: أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض. يعني بأبي عبد الله الإِمام أحمد ﵀.
стр. 3750
وقال القرطبي ﵀: وقد حبس عمر ﵁ الحطيئة لما قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. ومثل هذا كثير، ومنه قول الحطيئة أو النجاشي:
قبيلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
فإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح، وقال: ليت آل الخطاب كانوا كذلك، ولما قال الشاعر بعد ذلك:
ولا يردون الماء إلَّا عشية ... إذا صدر الوُرَّاد عن كل منهل
قال عمر أيضًا: ليت آل الخطاب كانوا كذلك. فظاهر هذا الشعر يشبه المدح، ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته، لأنه عنده مدح، وصاحبه يريد الذم بلا نزاع. ويدل على ذلك أول شعره وآخره، لأن أول الأبيات قوله:
إذا الله عادى أهل لؤم وذلة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
• قبيلة لا يخفرون. . . * البيت
وفي آخر شعره:
وما سمي العجلان إلَّا لقوله ... خذا لقعب واحلب أيها العبد واعجل
وكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه.
وقول الحطيئة:
• دع المكارم لا ترحل لبغيتها *
следующие страницы →