← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وقصة هلال بن أمية ﵁ صريحة في أن النبي ﷺ نفى عنه حمل امرأته باللعان، ولم يلزمه بإعادة اللعان بعد الوضع. والرواية التي توهم أن لعانه كان بعد الوضع أوضحنا الجواب عنها فيما تقدم بما أجاب به عنها ابن حجر في الفتح. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية والعشرون: في حكم من قذف امرأته باللواط، وقد أوضحنا في سورة هود في الكلام على قصة قوم لوط أقوال أهل العلم في عقوبة اللائط، وبينا أن أقواها دليلًا قتل الفاعل والمفعول به، وعليه فلا حد بالقذف باللواط، وإنما فيه التعزير، وذكرنا قول من قال من أهل العلم: إن اللواط حكمه حكم الزنى، وعلى هذا القول يلاعن القاذف باللواط، وإن امتنع من اللعان حد. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة والعشرون: في حكم من ولدت امرأته ولدًا لا يمكن أن يكون منه فإن الولد لا يلحقه، ولا يحتاج إلى نفيه بلعان، لأنه معلوم أنَّه ليس منه، كما لو تزوج امرأة فجاءت بولد كامل لأقل من ستة أشهر، لأن أقل أمد الحمل ستة أشهر كما أوضحناه في سورة الرعد، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وككون الزوج صبيًا لا يولد لمثله عادة لصغره ونحو ذلك. واعلم أن الذي يظهر لنا أنَّه هو الصواب أن كل ولد جاءت به امرأة الصغير قبل بلوغه أنَّه لا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان. وبه تعلم أن قول من قال من الحنابلة، ومن وافقهم: إن الزوج إن كان ابن عشر سنين لحقه الولد، وكذلك تسع سنين ونصف، كما قاله

стр. 3817

القاضي من الحنابلة، أنَّه خلاف التحقيق. واستدلالهم على لحوق الولد بالزوج الذي هو ابن عشر سنين بحديث: "واضربوهم على الصلاة لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" ظاهر السقوط وإن اعتمده ابن قدامة مع علمه وغيره من الحنابلة. فالتحقيق إن شاء الله تعالى هو ما قاله أَبو بكر من الحنابلة من أنَّه لا يلحق به الولد حتى يبلغ وهو ظاهر لا يخفى، وكما لو تزوج امرأة في مجلس، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد، أو تزوج مشرقي مغربية، أو عكسه ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه. قال ابن قدامة في المغني: وبذلك قال مالك والشافعي، وقال أَبو حنيفة: يلحقه نسبه؛ لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم: إذا مضى زمان الإِمكان لحق الولد وإن علم أنَّه لم يحصل منه الوطء. انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله عدم لحوق الولد فيما ذكر للعلم بأنه ليس منه ولا حاجة لنفيه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة والعشرون: اعلم أن أظهر الأقوال وأقواها دليلًا أن المتلاعنين يتأبد التحريم بينهما، فلا يجتمعان أبدًا، وقد جاءت بذلك أحاديث: منها: ما رواه أَبو داود من حديث سهل بن سعد، وفيه: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا. انتهى.

стр. 3818

وقال في نيل الأوطار في هذا الحديث: سكت عنه أَبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. ومنها: ما رواه الدارقطني عن سهل أيضًا، وفيه: "فرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: لا يجتمعان أبدًا". انتهى منه، بواسطة نقل المجد في المنتقى. وقال فيه صاحب نيل الأوطار: وفي إسناده عياض بن عبد الله، قال في التقريب: فيه لين، ولكنه قد أخرج له مسلم. اهـ. ومنها: ما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا". انتهى منه بواسطة نقل المجد أيضًا. ومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا، عن علي ﵁ قال: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدًا. وما رواه الدارقطني أيضًا، عن علي، وابن مسعود قالا: مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان. وقال صاحب نيل الأوطار في حديث ابن عباس: أخرج نحوه أَبو داود في قصة طويلة. وفي إسنادها عباد بن منصور، وفيه مقال. وقال في حديث علي وابن مسعود: أخرجهما أيضًا عبد الرزاق وابن أبي شيبة. انتهى منه. وبه تعلم أن تأبيد التحريم أصوب من قول من قال من العلماء: إن أكذب نفسه حد، ولا يتأبد تحريمها عليه، ويكون خاطبًا من الخطاب، وهو مروي عن أبي حنيفة، ومحمد، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبد العزيز بن أبي سلمة.

стр. 3819

والأظهر أنَّه إن أكذب نفسه لحق به الولد وحد خلافًا لعطاء القائل: إنه لا يحد. تنبيه اعلم أن أقوال أهل العلم في فرقة اللعان قدمناها مستوفاة في سورة البقرة في كلامنا الطويل على آية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. وقد قدمنا كلام أهل العلم واختلافهم في لعان الأخرس في سورة مريم. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية، ومن أراد استقصاء مسائل اللعان فلينظر كتب فروع المذاهب الأربعة. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ . بين جلَّ وعلا في هذه الآية أنَّه لولا فضله ورحمته ما زكا أحد من خلقه، ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه. ويفهم من الآية أنَّه لا يمكن أحد أن يزكي نفسه بحال من الأحوال. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾. والزكاة في هذه الآية: هي الطهارة من أنجاس الشرك، والمعاصي. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يطهره من أدناس الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته إلى الإِيمان والتوبة النصوح، والأعمال الصالحة.

стр. 3820

وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات المذكورة لا يعارضه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ ولا قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ على القول بأن معنى تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، لا على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر. ووجه ذلك في قوله: (من زكاها) أنَّه لا يزكيها إلَّا بتوفيق الله وهدايته إياه للعمل الصالح، وقبوله منه. وكذلك الأمر في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ كما لا يخفى. والأظهر أن قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ الآية. جواب لولا التي تليه، خلافًا لمن زعم أنَّه جواب لولا في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ وقد تكرر في الآيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا؛ لدلالة القرائن عليه. • قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ . نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر ﵁، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنة خالة أبي بكر ﵁، وكان أَبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية، وهو ما رموها به من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي ﵁. وقصة الإِفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة، وفي الأحاديث الصحاح، فلما نزلت براءة عائشة

стр. 3821

رضي الله عنها في الآيات المذكورة حلف أَبو بكر ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإِفك ظلمًا وافتراه فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ أي: لا يحلف. فقوله: (يأتل) وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين، تقول العرب: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي إذا حلف. ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون، مضارع آلى يؤلى إذا حلف. ومنه قول امرئ القيس: ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل أي: حلفت حلفة. وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثى زوجها عبد الله بن أبي بكر ﵃: فآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا والألية اليمين، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز: قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت أي: لا يحلف أصحاب الفضل والسعة، أي: الغنى كأبي بكر ﵁ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة. وقوله: أن يؤتوا، أي: لا يحلفوا عن أن يؤتوا، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا. وحذف حر الجر قبل المصدر المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد. وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهيًا عنه.

стр. 3822

ومفعول يؤتوا الثاني محذوف، أي: أن يؤتوا أولي القربى النفقة والإِحسان، كما فعل أَبو بكر ﵁. وقال بعض أهل العلم قوله: ولا يأتل، أي: لا يقصر أصحاب الفضل، والسعة كأبي بكر في إيتاء أولي القربى كمسطح. وعلى هذا فقوله: (يأتل) يفتعل من ألا يألو في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ. ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون في مضرتكم. ومنه بهذا المعنى قول الجعدي: وأشمط عربان يشد كتافه ... يلام على جهد القتال وما ائتلا وقول الآخر: وإن كنائني لنساء صدق ... فما آلى بني ولا أساءوا فقوله: فما آلى بني: يعني ما قصروا، ولا أبطؤا. والأول هو الأصح؛ لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحًا بنافعة، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولي القربى والمساكين والمهاجرين، جاء أيضًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: لا تحلفوا باللَّه عن فعل الخير، فإذا قيل لكم: اتقوا وبروا، وأصلحوا بين الناس قلتم: حلفنا باللَّه لا نفعل ذلك، فتجعلوا الحلف باللَّه سببًا للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية. وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتين على المعنى المذكور، وذكرنا

стр. 3823

ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عنه إساءتهم ويصفحوا. وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته. والمعنى: فليطمسوا آثار الإِساءة بحلمهم وتجاوزهم. والصفح، قال بعض أهل العلم: مشتق من صفحة العنق، أي: أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها. وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾. وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثًا على ذلك. ودلت أيضًا: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثًا عليه. وكقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ وكقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 3824

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أَبو بكر: بلى واللَّه نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإِنفاق على مسطح، ومفعول (أن يغفر الله) محذوف للعلم به، أي: يغفر لكم ذنوبكم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾ أي: أصحاب القرابة. ولفظة أولي اسم جمع لا واحد له من لفظه، يعرب إعراب الجمع المذكر السالم. فائدة في هذه الآية الكريمة دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العمل الصالح؛ لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر، ولم يبطل هجرته؛ لأن الله قال فيه بعد قذفه لها ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة ﵂. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرًا لا يحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مسطحًا بعد قوله بالهجرة والإِيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك باللَّه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. اهـ. وما ذكر من أن في الآية وصف مسطح بالإِيمان لم يظهر من الآية وإن كان معلومًا. وقال القرطبي أيضًا: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في

стр. 3825

كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. ومن آيات الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. انتهى كلام القرطبي. وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله آية الدين، وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله ﵎ فيها الطرق الكفيلة بصيانة الدَّين من الضياع ولو كان الدَّين حقيرًا، كما يدل عليه قوله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ الآية. قالوا: هذا من المحافظة في آية الدين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه ولو قليلًا يدل على العناية التامة بمصالح المسلم. وذلك يدل على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا

стр. 3826

وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾. فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أن الله اصطفاها في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وبين أنهم ثلاثة أقسام: الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضًا فهو الذي قال الله فيه: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. والثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات. والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة. وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق. ثم إنه تعالى بيَّن أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن، وهو لا يخلف الميعاد في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ والواو يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد، والسابق على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين. فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين؛ أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛ ولذا قال بعدها

стр. 3827

متصلًا بها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾. واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم؛ لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات؛ لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. • قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. وبين في غير هذا الموضع أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه يوم القيامة غير اللسان، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.

стр. 3828

• قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ . المراد بالدين هنا الجزاء، ويدل على ذلك قوله: يوفيهم؛ لأن التوفية تدل على الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: دينهم، أي: جزاءهم الذي هو في غاية العدل والإِنصاف. وقال الزمخشري: دينهم الحق، أي: جزاءهم الواجب الذي هم أهله. والأول أصح؛ لأن الله يجازي عباده بإنصاف تام، وعدل كامل، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ومن إتيان الدين بمعنى الجزاء في القرآن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ . اعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك من أجل التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى.

стр. 3829

وقال ابن حجر في الفتح: وحكى الطحاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان. وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى. الوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازمًا للإِذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإِذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف, والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل. وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى بعده: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإِرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإِذن، فوضع موضع الإِذن. الوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا أو علمه. والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنسْ هل ترى أحدًا، واستأنستُ فلم أر

стр. 3830

أحدًا، أي: تعرفت واستعلمت. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: علمتم رشدهم وظهر لكم، وقوله تعالى عن موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَي مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ الآية، فمعنى آنس نارًا: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسَيْفِ الصيقل الفرد فقوله: على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته. ومعنى كونه مستأنسًا أنه يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضًا قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته. آنست نبأة وأفزعها القنا ... ص عصرًا وقد دنا الإِمساء فقوله: آنست نبأة، أي: أحست بصوت خفي. وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم، وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان، أظهر عندي وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول. وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا. وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى تستأذنوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا تستأنسوا غلطًا بدل تستأذنوا لا يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم. ولو فرضنا صحته فهو من

стр. 3831

القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة ﵃ أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا. ومضي على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقال فيه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ الآية. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإِنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول. المسألة الثانية: اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ولا يزد على الثلاث. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه. قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت في مجلس من مجالس

стр. 3832

الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال: واللَّه لتقيمن عليه بينة؛ أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: واللَّه لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك. وقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينة: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت أبا سعيد بهذا. اهـ بلفظه من صحيح البخاري. وهو نص صحيح صريح عن النبي ﷺ أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة رجع. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا واللَّه يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا فلم يرد عليّ فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا عليّ فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال عمر: أقم عليها البينة، وإلَّا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. حدثنا قتيبة بن سعيد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة بهذا

стр. 3833

الإِسناد. وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت. اهـ بلفظه من صحيح مسلم. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد قال: فواللَّه لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فواللَّه لا يقوم معك إلَّا أحدثنا سنًا، قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد فقال: إن كان هذا شيئًا حفظته من رسول الله ﷺ فها، وإلَّا فلأجعلنك عظة. قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: الاستئذان ثلاث. قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع، تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد. وفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا. . . إلى قوله: قال لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن، فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلَّا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصفق في الأسواق. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لتأتيني على هذا وإلَّا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء العشي وجدوه؛ قال: يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم أبي بن كعب ﵁. قال: عدل، يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت

стр. 3834

رسول الله ﷺ يقول ذلك يابن الخطاب، فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت. وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر أنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فلا تكن يابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ . وليس في هذه الرواية قول عمر سبحان الله، وما بعده. فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد، وأبي موسى، وأبي بن كعب ﵃ تدل دلالة صحيحة صريحة على أن الاستئذان ثلاث. وقال النووي في شرح مسلم: وأما قوله: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا، وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله ﷺ . اهـ منه. والظاهر منه كما قال. وهذه الروايات الصحيحة الصريحة تبين أن هذا الاستئذان المعبر عنه في الآية بالاستئناس، والسلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثًا؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه. وبذلك تعلم أنما قاله ابن حجر في فتح الباري من أن المراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الاستئذان بتنحنح، ونحوه عند الجمهور خلاف التحقيق. وما استدل به لذلك من رواية الطبري من طريق مجاهد تفسير الآية بما ذكر إلى آخر ما ذكر من الأدلة لا يعول عليه، وأن الحق هو ما جاءت به الروايات الصحيحة من الاستئذان والتسليم ثلاثًا كما رأيت.

стр. 3835

وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال. الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثًا. . . إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال. الاستئذان ثلاث يؤيدها أنه ﷺ كذلك كان يفعل. قال ابن حجر في الفتح: وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها في الأدب المفرد زيادة مفيدة، وهي أن أبا سعيد، أو أبا مسعود قال لعمر: خرجنا مع النبي ﷺ وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة، فلم يؤذن له. فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع فأذن له سعد. الحديث. فثبت ذلك من قوله ﷺ ومن فعله. وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره. كذا فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد. اهـ محل الغرض منه. وقوله: فثبت ذلك من قوله ﷺ ، ومن فعله يدل على أن قصة استئذانه ﷺ على سعد بن عبادة صحيحة ثابتة. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره "أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يسمعه فرجع النبي ﷺ فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله ﷺ بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلَّا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من

стр. 3836

سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل النبي ﷺ ، فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون" وقد روي أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: "زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعدًا ردًا خفيًا، فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردًا خفيًا. ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ وأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك ردًا خفيًا؛ لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله ﷺ " وذكر ابن كثير القصة إلى آخرها ثم قال: وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي. واللَّه أعلم. وبما ذكرنا تعلم أن الاستئناس في الآية الاستئذان ثلاثًا، وليس المراد به التنحنح ونحوه، كما عزاه في فتح الباري للجمهور. واختلف هل يقدم السلام أو الاستئذان؟ وقال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنَّة وإجماع الأمة، والسنَّة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا فيجمع بين السلام، والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام، والصحيح الذي جاءت به السنَّة. وقاله المحققون: إنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟

стр. 3837

والثاني: يقدم الاستئذان، والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلَّا قدم الاستئذان، وقد صح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام. انتهي محل الغرض منه بلفظه. ولا يخفي أن ما صح فيه حديثان عن النبي ﷺ مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس الذي هو الاستئذان على السلام في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، ونوح قبل نبينا ﷺ ، وهذا معروف، ولا ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مرادًا بها الترتيب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وقد قال ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية "ابدأوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر، وكقول حسان ﵁: هجوت محمدًا وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء على رواية الواو في هذا البيت. وإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلَّا مطلق التشريك بين المعطوف، والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف، كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور؛ لأن جواب الهجاء لا يكون إلَّا بعده، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها

стр. 3838

لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو. وذكر ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية أحاديث عن النبي ﷺ في السنن وغيرها تدل على أن النبي ﷺ تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه، بأن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فانظره. وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان عن النبي ﷺ . والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول المستأذن: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، كما دلت عليه الأدلة. واعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها تغاير؛ لأن في بعضها: أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه، فرده من حينه، وفي بعضها أنه لم يأته إلَّا في اليوم الثاني، وجمع بينها ابن حجر في الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلَّا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال. . . إلى أن قال: ويجمع بينهما: بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني. اهـ منه. والعلم عند الله تعالى. تنبيهات تتعلق بهذه المسألة الأول: اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثالثة؛ لأنهم لما سمعوه، ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإِذن، وقد بينت السنَّة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاثة، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن له أن يزيد على الثلاث مطلقًا،

стр. 3839

وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أو لا، فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه بأنهم سمعوه. التنبيه الثاني: اعلم أن الذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة، أنه إن علم أن أهل البيت لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة، بل ينصرف بعدها؛ لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوه خلافًا لمن قال له: الزيادة، ومن فصل في ذلك. وقال النووي في شرح مسلم: أما إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب، أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان. والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته قوله ﷺ : "فلم يؤذن له فليرجع" ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن. واللَّه أعلم. والصواب إن شاء الله تعالى هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث؛ لأنه ظاهر النصوص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، كما هو مقرر في الأصول. التنبيه الثالث: قال بعض أهل العلم: إن المستأذن ينبغي له ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكنه يقف جاعلًا الباب عن يمينه أو يساره، ويستأذن وهو كذلك. قال ابن كثير: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه، أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن

стр. 3840

بشر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور. انفرد به أبو داود. وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، ح، وثنا أبو بكر بن شيبة، ثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل - قال عثمان: سعد - فوقف على باب النبي ﷺ ، يستأذن فقام على الباب، - قال عثمان: مستقبل الباب - فقال له النبي ﷺ : "هكذا عنك، أو هكذا فإنما الاستئذان من النظر" ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ . رواه أبو داود من حديثه. انتهى من ابن كثير. والحديثان اللذان ذكرهما عن أبي داود نقلناهما من سنن أبي داود؛ لأن نسخة ابن كثير التي عندنا فيها تحريف فيهما. وفيما ذكرنا دلالة على ما ذكرنا من أن المستأذن لا يقف مستقبل الباب خوفًا أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: اعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت، فلا يجوز له أن يقول له: أنا، بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورًا به؛ لأن لفظة: أنا يعبر بها كل أحد عن نفسه، فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وقد ثبت معنى هذا عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه.

стр. 3841

قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: "أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا، كأنه كرهها". انتهى منه. وتكريره ﷺ لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن، فهي جواب له ﷺ بما لا يطابق سؤاله. وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بأنا لا يجوز؛ لكراهة النبي ﷺ لذلك وعدم رضاه به خلافًا لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتيت النبي ﷺ فدعوت فقال النبي ﷺ : من هذا؟ قلت: أنا، فخرج وهو يقول: أنا أنا". حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال: قال يحيى، أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "استأذنت على النبي ﷺ فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : أنا أنا". وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شميل، وأبو عامر العقدي "ح" وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير "ح" وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بهز، كلهم عن شعبة بهذا الإِسناد. وفي حديثهم: كأنه كره ذلك، انتهى منه. وقول جابر:

стр. 3842

"كأنه كره ذلك" فيه أنه لا يخفى من تكريره ﷺ لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه غير الشيخين من باقي الجماعة. المسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له. وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلَّا بإذن. ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال. ما على كل أحيانها تريد أن تراها. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرًا سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري، وقال: تدخل بغير إذن؟، ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري. وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. ويفهم من الحديث الصحيح: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى.

стр. 3843

وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم، أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس, عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. وقال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله ( ﷺ ) إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك الحال، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآية. وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال: ويقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتًا. . . إلى أن قال: والأدب كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبي، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن، قال: فراجعته، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت: نعم، قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليَّ أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك. وقال ابن جريج عن الزهري، سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن على أمهاتكم. اهـ محل الغرض منه. وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلَّا امرأته أن الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله

стр. 3844

تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته. ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما ولو كان أبًا أو أمًا أو ابنًا كما لا يخفي. ويدل له الأثر الذي ذكرناه آنفًا عن موسى بن طلحة أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن. وقال ابن كثير في تفسيره: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلَّا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. ثم نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. قال: وإسناده صحيح. اهـ محل الغرض منه. والأول أظهر، ولا سيما عند من يري إباحة نظر الزوج إلى فرج امرأته كمالك وأصحابه ومن وافقهم. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة: إذا قال أهل المنزل للمستأذن: "ارجع" وجب عليه الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ وكان بعض أهل العلم يتمني إذا استأذن على بعض أصدقائه أن يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ لأن ما قال الله: إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيرًا وأجرًا. والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة: اعلم أن أقوى الأقوال دليلًا وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقأوا عينه التي نظر إليهم بها،

стр. 3845

ليطلع عل عوراتهم أنه لا حرج عليهم في ذلك من إثم، ولا غرم دية العين ولا قصاص. وهذا لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه، ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم؛ لسقوطها عندنا؛ لمعارضتها النص الثابت عنه ﷺ . قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له، ثم ذكر من أحاديث هذه الترجمة. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح". اهـ منه. والجناح الحرج. وقوله ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لم يكن عليك جناح" لفظ جناح فيه نكرة في سياق النفي، فهي تعم رفع كل حرج من إثم ودية وقصاص كما تري. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه. اهـ منه. وهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه ﷺ أنهم يحل لهم أن يفقؤوا عينه. وكون ذلك حلالًا لهم مستلزم أنهم ليس عليهم فيه شيء من إثم، ولا دية، ولا قصاص؛ لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه ﷺ لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة، كما لا يخفي. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه متصلًا بكلامه هذا الذي نقلنا عنه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن

стр. 3846

أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح". اهـ منه. وقد بينا وجه دلالته على أنه لا شيء في عين المذكور، وثبوت هذا عن النبي ﷺ كما رأيت يدل على أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله ﷺ في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم. ويزيد ما ذكرنا توكيدًا وإيضاحًا ما جاء عنه ﷺ من أنه هم أن يفعل ذلك. قال البخاري ﵀ في صحيحه تحت الترجمة المذكورة آنفًا وهي قوله: باب من اطلع بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له: حدثنا أبو اليمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁: أن رجلًا اطلع في بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، وجعل يختله ليطعنه. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإِذن من قبل البصر". اهـ منه. وقد ذكر البخاري هذه الأحاديث التي ذكرناها عنه هنا في كتاب الديات. وقد قال في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان: قال الزهري: حفظته كما أنك هاهنا عن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجر

стр. 3847

النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدرى يحك بها رأسه فقال: "لو أعلم أنك تنتظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر". حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشقص أو بمشاقص، فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه. وهذه النصوص الصحيحة تؤيد ما ذكرنا فلا التفات لمن خالفها من أهل العلم، ومن أولها؛ لأن النص لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه. واعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. وقوله في الحديث المذكور: من جحر في حجر النبي ﷺ . الجحر الأول: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط. والثاني: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة: وهي ناحية البيت. وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو كامل فضيل بن الحسين، وقتيبة بن سعيد، واللفظ ليحيى، وأبي كامل، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيدٍ، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه. وفي لفظ عند مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدري يحك بها رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به

стр. 3848

في عينك، وقال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وفي مسلم روايات أخر بهذا المعنى قد اكتفينا منها بما ذكرنا. وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنَّة؛ ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها، وتكون هدرًا، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الثامنة: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولًا إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا، هل يكون الإِرسال إليه إذنًا؛ لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإِرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا أتي المنزل استئذانًا جديدًا، ولا يكتفي بالإِرسال؟ وكل من القولين قال به بعض أهل العلم. واحتج من قال: إن الإِرسال إليه إذن يكفي عن الاستئذان عند إتيان المنزل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "رسول الرجل إلى الرجل إذنه"، حدثنا حسين بن معاذ، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا. اهـ من أبي داود. قال ابن حجر في فتح الباري: وقد ثبت سماعه منه في

стр. 3849

الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع حدثه. اهـ. ويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقًا: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن. وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: هو إذنه. اهـ. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلَّا ما هو صحيح عنده كما قدمناه مرارًا. وقال ابن حجر في الفتح في حديث كون رسول الرجل إلى الرجل إذنه: له متابع أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وأخرج له شاهدًا موقوفًا على ابن مسعود قال: "إذا دعي الرجل فهو إذنه" وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعًا الآية. انتهى محل الغرض منه. فهذه جملة أدلة من قالوا بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم. وأما الذين قالوا: يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل، ولا يكتفي بإرسال الرسول، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدح فقال: "أبا هرير الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا". اهـ منه. قال: هذا الحديث الصحيح صريح في أنه ﷺ أرسل أبا هريرة لأهل الصفة، ولم يكتفوا بالإِرسال عن الاستئذان، ولو كان يكفي عنه لبينه ﷺ ؛ لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.

стр. 3850

ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية؛ لأن ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره. وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة القولين. قال ابن حجر في فتح الباري: وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإِذن في العادة، وإلَّا لم يحتج إلى استئناف إذن. وقال ابن التين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط. وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول، ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان. وبهذا جمع الطحاوي، واحتج بقوله في الحديث: فأقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم، وإلَّا لقال: فأقبلنا. كذا قال. اهـ كلام ابن حجر. وأقربها عندي الجمع الأخير، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود المتقدم: فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ . أمر الله جلَّ وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج: حفظه من الزنى، واللواط،

стр. 3851

والمساحقة، وحفظه من الإِبداء للناس والانكشاف لهم. وقد دلت آيات أخري على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلَّا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون، وسأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾. فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والموطوءة بالملك. وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجبا عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ الفرج عن اللواط، وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وقوله تعالى:

стр. 3852

﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة هود، وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة. واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلَّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. اهـ منه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآيتين. قال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن، وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها، وقدميها في إحدي الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلَّا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلَّا ما استثنى منه، ويجوز أن يراد مع حفظها من الإِفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإِبداء.

стр. 3853

وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلَّا هذا فإنه أراد به الاستتار. اهـ كلام الزمخشري. وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر. بل يدخل فيه دخولًا أوليًا حفظه من الزنى واللواط. ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب. وقول الزمخشري: إن "من" في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها، وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرًا عمدًا إلى ما لا يحل. وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه. وقال القرطبي: وقيل: الغض: النقصان. يقال: غض فلان من فلان، أي: وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فَمِنْ صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اهـ منه. والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدي إليه أيضًا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. ومن أمثلة تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير: فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا

стр. 3854

وقول عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها وقول الآخر: وما كان غض الطرف منا سجية ... ولكننا في مذحج غربان لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف. ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخري تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾. وقد قال البخاري ﵀: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن. بقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه. اهـ محل الغرض منه بلفظه. وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة. منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلَّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق

стр. 3855

يا رسول الله ﷺ ؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه. ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: "أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي ﷺ يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها" الحديث. ومحل الشاهد منه: أنه ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز. واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب. ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه". اهـ. هذا لفظ البخاري. والحديث متفق عليه، وفي بعض رواياته زيادة على ما ذكرنا هنا. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : فزنى العين النظر، فإطلاق اسم
следующие страницы →