Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
والمساحقة، وحفظه من الإِبداء للناس والانكشاف لهم. وقد دلت آيات أخري على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلَّا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون، وسأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.
فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والموطوءة بالملك.
وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجبا عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ الفرج عن اللواط، وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وقوله تعالى:
стр. 3852
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة هود، وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة.
واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلَّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. اهـ منه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآيتين.
قال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن، وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها، وقدميها في إحدي الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلَّا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلَّا ما استثنى منه، ويجوز أن يراد مع حفظها من الإِفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإِبداء.
стр. 3853
وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلَّا هذا فإنه أراد به الاستتار. اهـ كلام الزمخشري.
وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر. بل يدخل فيه دخولًا أوليًا حفظه من الزنى واللواط. ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
وقول الزمخشري: إن "من" في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها، وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرًا عمدًا إلى ما لا يحل. وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه.
وقال القرطبي: وقيل: الغض: النقصان. يقال: غض فلان من فلان، أي: وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فَمِنْ صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اهـ منه.
والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدي إليه أيضًا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. ومن أمثلة تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
стр. 3854
وقول عنترة:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
وقول الآخر:
وما كان غض الطرف منا سجية ... ولكننا في مذحج غربان
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخري تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.
وقد قال البخاري ﵀: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن. بقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة.
منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلَّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق
стр. 3855
يا رسول الله ﷺ ؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه.
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: "أردف النبي ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي ﷺ يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها" الحديث.
ومحل الشاهد منه: أنه ﷺ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز. واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه". اهـ. هذا لفظ البخاري. والحديث متفق عليه، وفي بعض رواياته زيادة على ما ذكرنا هنا.
ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : فزنى العين النظر، فإطلاق اسم
стр. 3856
الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه. والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.
ومعلوم أن النظر سبب الزنى فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلًا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ باللَّه، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
كسبت لقلبي نظرة لتسره ... عيني فكانت شقوة ووبالا
ما مر بي شيء أشد من الهوى ... سبحان من خلق الهوى وتعالى
وقال آخر:
ألم تر أن العين للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب آلف
وقال آخر.
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقال أبو الطيب المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ في كتابه ذم الهوى فصولًا جيدة نافعة أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيرًا من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ .
اعلم أولًا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
стр. 3857
الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها.
الثاني: أن الزينة هي ما تتزين به خارجًا عن بدنها.
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن: كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإِزار.
والثاني: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن كما لا يخفي.
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه. ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها
стр. 3858
وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإِسناد قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلَّا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلَّا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلَّا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين. وهذا هو المشهور عند الجمهور. ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه.
حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة ﵂: "أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ ، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا. وأشار إلى وجهه وكفيه" لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂. واللَّه أعلم. اهـ كلام ابن كثير.
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
стр. 3859
واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه، والكفان، والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار، والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا؛ فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليه من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي ﷺ . وذكر آخر عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلَّا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع".
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي ولا تجتهد في الإِخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
قلت: هذا قول حسن إلَّا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما. يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂. ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبًا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
стр. 3860
وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة، والإِكليل والوشاح، والقرط فلا تبديه إلَّا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون، والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها؛ ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة, شاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. إلى آخر كلامه.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال: الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الثياب والجلباب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلَّا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفي فالخلخالان والقرطان والسواران.
стр. 3861
وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: هو خضاب الكف، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: وجهها، وكفاها، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عائشة ﵂: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الوجه وثغرة النحر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكف.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الكفان والوجه.
стр. 3862
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: المسكتان والخاتم والكحل.
قال قتادة: وبلغني أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إلَّا إلى هاهنا ويقبض نصف الذراع".
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل.
وأخرج سعيد، وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الخاتم والمسكة. قال ابن جريج: وقالت عائشة ﵂: القلب، والفتخة. قالت عائشة: دخلت عليَّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزيَّنة، فدخلت على النبي ﷺ ، وأعرض، فقالت عائشة ﵁: إنها ابنة أخي وجارية، فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلَّا وجهها وإلَّا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. اهـ محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور.
وقد رأيت في هذا النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا.
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
стр. 3863
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا، وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضًا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفي.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا،
стр. 3864
توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَي قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء، وهو ليسي من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي
стр. 3865
غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب، كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة, كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود ﵁: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا: إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء. ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها، ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك وغيرها من المواضع بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية الحجاب.
стр. 3866
وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا.
وأعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث عائشة في دخول أسماء على النبي ﷺ في ثياب رقاق، وأنه قال لها: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال. وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة إن شاء الله بيانًا شافيًا مع مناقشة أدلة الجميع في سورة الأحزاب، ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا.
تنبيه
قد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثير من أنواع الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة فأردنا أن نبينها ها هنا تكميلًا للفائدة.
أما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنواع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:
أكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوي القرط طيبة النشر
والخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة بفتحات، وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم، وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم،
стр. 3867
والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج:
واللَّه لا تخدعني بضم ... ولا بتقبيل ولا بشم
إلَّا بزعزاع يسلي همي ... تسقط منه فتخي في كمي
والخلخال، ويقال له: الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومنه قول امرئ القيس:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
والدملج: ويقال له: الدملوج هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:
ما مركب وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال
والسوار حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القلب بضم القاف.
وقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام ﵁:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالًا يجول ولا قلبا
أحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
والمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذبل، والعاج سن الفيل،
стр. 3868
والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة:
ترى العبس الحولي جونا بكوعها ... لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل
قاله الجوهري في صحاحه. والمسك بفتحتين: جمع مسكة.
وقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل. ومقتضي كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة. وقد قدمنا في سورة التوبة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه، عن جده، عند أبي داود والنسائي أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنتها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب. . . الحديث. وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافًا لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة. واللَّه تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ .
لما أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علَّم خلقه ما يتداركون به ما وقع منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي الرجوع عن الذنب والإِنابة إلى الله بالاستغفار منه، وهي ثلاثة أركان:
الأول: الإِقلاع عن الذنب إن كان متلبسًا به.
стр. 3869
والثاني: الندم على ما وقع منه من المعصية.
والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدًا.
والأمر في قوله في هذه الآية: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظاهر أنه للوجوب، وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضًا.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ قد قدمنا مرارًا أن أشهر معاني لعل في القرآن اثنان:
الأول: أنها على بابها من الترجي، أي. توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أمَّا الله جلَّ وعلا فهو عالم بكل شيء، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء. وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ وهو جلَّ وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنه لا يتذكر ولا يخشى. معناه: فقولا قولًا لينًا رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.
والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل لعل في القرآن للتعليل إلَّا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قالوا: فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:
فقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق
أي: كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم.
وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون، لأجل أن تفلحوا، أي: تنالوا الفلاح.
стр. 3870
والفلاح في اللغة العربية يطلق على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ... وقد أفلح من كان عقل
أي: فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.
المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع، وقيل: كعب بن زهير:
لكل هم من الهموم سعه ... والمسا والصبح لا فلاح معه
يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه، وقول لبيد بن ربيعة أيضًا:
لو أن حيًا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح
يعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
وبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإِقامة: حيّ على الفلاح كما هو معروف.
ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضي الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جلَّ وعلا لجميع
стр. 3871
المسلمين بالتوبة مشيرًا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ أوضحه في غير هذا الموضع، وبين أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات أنها التوبة النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيما عند من يقول من أهل العلم: إن عسى من الله واجبة، وله وجه من النظر؛ لأنه جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجوده وكرمه تعالي، وسعة رحمته يجعل ذلك الإِنسان الذي أطمعه ربه في ذلك الفضل يثق بأنه ما أطمعه فيه إلَّا ليتفضل به عليه.
ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فقوله في آية التحريم هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله في آية النور: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقوله في آية التحريم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كقوله في آية النور: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾؛ لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه. وقوله في آية التحريم: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ موضح لقوله في النور: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ونداؤه لهم بوصف الإِيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث على امتثال الأمر؛ لأن الاتصاف بصفة الإِيمان بمعناه الصحيح يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. والرجاء المفهوم من لفظة عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى.
стр. 3872
تنبيهات
الأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة.
وحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسًا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جلَّ وعلا، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدًا.
وأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحًا وكفر الله عنه سيئاته بتلك التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد، خلافًا لمن قال: إن عوده للذنب نقض لتوبته الأولى.
الثاني: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلَّا بالندم على فعل الذنب، والإِقلاع عنه إن كان متلبسًا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف.
وإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلًا، وإنما هو انفعال، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الله لا يكلف أحدًا إلَّا بفعل يقع باختيار المكلف، ولا يكلف أحدًا بشيء إلَّا شيئًا هو في طاقته كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلًا تحت قدرة العبد، فليس بفعل أصلًا، وليس في وسع المكلف فعله،
стр. 3873
والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا بما لا يطلق كما بينا. قال في مراقي السعود:
ولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل
وقال أيضًا:
والعلم والوسع على المعروف ... شرط يعم كل ذي تكليف
واعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه.
أما وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث النبوية وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلًا أو لا؟ أما وقوع التكليف بالمحال عقلًا، أو عادة، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلًا. ومثال المستحيل عقلًا أن يكلف بالجمع بين الضدين كالبياض، والسواد، أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإِنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعًا.
وأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلًا، ولا خلاف في التكليف به، فإيمان أبي لهب مثلًا كان الله عالمًا في الأزل بأنه لا يقع كما قال الله تعالى عنه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ فوقوعه محال عقلًا؛ لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد؛ لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلًا، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلًا، إذ لا يمنع العقل
стр. 3874
إيمان أبي لهب، ولو كان مستحيلًا لما كلفه الله بالإِيمان على لسان نبيه ﷺ ، فالإِمكان عام، والدعوة عامة، والتوفيق خاص.
وإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام:
الأول: الواجب عقلًا.
الثاني: المستحيل عقلًا.
الثالث: الجائز عقلًا.
وبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة أن الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال، وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال، وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معًا. فإن كان العقل يقبل وجوده، دون عدمه فهو الواجب عقلًا، وذلك كوجود الله تعالى متصفًا بصفات الكمال والجلال، فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله، ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلًا. وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلًا، كشريك للَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك للَّه في ملكه، وعبادته، لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ فهو مستحيل عقلًا. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معًا، فهو الجائز العقلي، ويقال له: الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله،
стр. 3875
ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضًا، كما لا يخفى، فهو جائز عقلًا جوازًا ذاتيًا، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي.
وقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب عقلًا، والمستحيل عقلًا. قالوا: والجائز عقلًا لا وجود له أصلًا. وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر إما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه سيوجد فهو واجب الوجود؛ لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده، كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلًا، لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلًا عن ذلك علوًا كبيرًا، وذلك محال. وإما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه لا يوجد، كإيمان أبي لهب، فهو مستحيل عقلًا، إذ لو وجد لانقلب العلمُ جهلًا، عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلَّا أن الله تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده.
والحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده؛ لأنه مستحيل استحالة ذاتية، كالجمع بين النقيضين، لا يقع التكليف به إجماعًا، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى.
أما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعًا، كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلًا، وإن استحال من جهة علم الله بعد وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلًا عرضيًا، ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول: إن الاستحالة بسببها عرضية.
стр. 3876
فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلًا؛ لعلم الله بأنه لا يقع.
أما المستحيل عقلًا لذاته كالجمع بين النقيضين، والمستحيل عادة كمشي المقعد، وطيران الإِنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم".
وإما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلًا، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلًا مع إجماعهم على أنه لا يصح وقوعه بالفعل.
وحجة من يمنعه عقلًا أنه عبث لا فائدة فيه؛ لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزًا محققًا عبث لا فائدة فيه، قالوا: فهو مستحيل؛ لأن الله حكيم خبير.
وحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف، هل يتأسف على عدم القدرة، ويظهر أنه لو كان قادرًا لامتثل، والامتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي: اختباره، هل يمتثل؟، فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم، كما قال تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.
стр. 3877
وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلًا، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله:
وجوز التكليف بالمحال ... في الكل من ثلاثة الأحوال
وقيل بالمنع لما قد امتنع ... لغير علم الله أن ليس يقع
وليس واقعًا إذا استحالا ... لغير علم ربنا تعالى
وقوله: وجوز التكليف يعني الجواز العقلي.
وقوله: وقيل بالمنع، أي: عقلًا. ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلًا وعادة، كالجمع بين النقيضين، وما استحال عادة، كمشي المقعد، وطيران الإِنسان، وإبصار الأعمى، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه.
وإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة، فاعلم أن التوبة تجب كتابًا وسنَّة وإجماعًا من كل ذنب اقترفه الإِنسان فورًا، وأن الندم ركن من أركانها، وركن الواجب واجب، والندم ليس بفعل، وليس في استطاعة المكلف؛ لأنه انفعال، لا فعل، والانفعالات ليست بالاختيار، فما وجه التكليف بالندم، وهو غير فعل للمكلف، ولا مقدور عليه؟
والجواب عن هذا الإِشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل،
стр. 3878
والشراب الذي فيه السم القاتل لا يستلذه عاقل؛ لما يتبع لذته من عظيم الضرر، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشد من السم القاتل، وهو ما تستلزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي، وتعذيبه له أشد العذاب، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه، وينغص عليه لذة الحياة. ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم، أنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها.
فالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم، وأنه إن استعملها حصل له الندم، وبهذا الاعتبار كان مكلفًا بالندم، مع أنه انفعال لا فعل.
ومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير:
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها
ونقل عن سفيان الثوري ﵀ أنه كان كثيرًا ما يتمثل بقود الشاعر:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإِثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار
وأما الإِشكال الذي في الإِقلاع عن الذنب، فحاصله: أن من تاب من الذنب الذي هو متلبس به، مع بقاء فساد ذلك الذنب، أي: أثره السيِّئ هل تكون توبته صحيحة، نظرًا إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه وإن كان الإِقلاع عن الذنب لم يتحقق؛ للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أو لا تكون توبته صحيحة، لأن الإِقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق؟
стр. 3879
ومن أمثلة هذا: من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع المستوجبة للعذاب، إذا بث بدعته، وانتشرت في أقطار الدنيا، ثم تاب من ارتكاب تلك البدعة، فندم على ذلك، ونوى ألا يعود إليه أبدًا، مع أن إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه، لانتشارها في أقطار الدنيا، ولأن من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ففساد بدعته باق.
ومن أمثلته: من غصب أرضًا، ثم سكن في وسطها، ثم تاب من ذلك الغصب نادمًا عليه، ناويًا ألا يعود إليه، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة، وسلك أقرب طريق للخروج منها، فهل تكون توبته صحيحة في وقت سيره في الأرض المغصوبة قبل خروجه منها؛ لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أو لا تكون توبته صحيحة؛ لأن إقلاعه عن الغصب لم يتم ما دام موجودًا في الأرض المغصوبة، ولو كان يسير فيها، ليخرج منها؟
ومن أمثلته: من رمى مسلمًا بسهم، ثم تاب فندم على ذلك، ونوى ألا يعود قبل إصابة السهم للإِنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في طريقه إلى المرمى، هل تكون توبته صحيحة، لأنه فعل ما يقدر عليه، أو لا تكون صحيحة، لأن إقلاعه عن الذنب، لم يتحقق وقت التوبة، لأن سهمه في طريقه إلى إصابة مسلم؟
فجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة صحيحة؛ لأن التوبة واجبة عليه، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه، وما لا قدرة له عليه معذور فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبًا.
стр. 3880
وقال أبو هاشم - وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي على الجبائي -: إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام؛ لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه، إذ لا إقلاع إلَّا حينئذٍ، والإِقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مناف للإِقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضًا؛ لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة. وهذا بناه على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخل بأصل له آخر، وهو منع التكليف بالمحال، فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين كليهما. اهـ قاله في نشر البنود.
وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرًا على مذهب الجمهور بقوله:
من تاب بعد أن تعاطى السببا ... فقد أتى بما عليه وجبا
وإن بقي فساده كمن رجع ... عن بث بدعة عليها يتبع
أو تاب خارجًا مكان الغصب ... أو تاب بعد الرمي قبل الضرب
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
الإِنكاح هنا معناه: التزويج ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ أي: زوجوهم، والأيامى: جمع أيم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المكسورة. والأيم: هو من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء كان قد تزوج قبل ذلك، أو لم يتزوج قط، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم. وقد فسر الشماخ بن
стр. 3881
ضرار في شعره الأيم الأنثى بأنها التي لم تتزوج في حالتها الراهنة، وذلك في قوله:
يقر بعيني أن أنبأ أنها ... وإن لم أنلها أيم لم تزوج
فقوله: لم تزوج تفسير لقوله إنها أيم. ومن إطلاق الأيم على الذكر الذي لا زوج له قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
لله دربني على ... أيم منهم وناكح
ومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر.
أحب الأيامى إذ بثينة أيم ... وأحببت لما أن غنيت الغوانيا
والعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تايم، إذا صار الواحد منهما أيمًا. وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيمًا.
ومثاله في الأول قول الشاعر:
لقد إمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت
ومن الثاني قوله:
فإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتايم
ومن الأول أيضًا قول يزيد بن الحكم الثقفي:
كل امرئ ستئيم منه ... العرس أو منها يئيم
وقول الآخر:
نجوت بقوف نفسك غير أني ... إخال بأن سييتم أو تئيم
يعني: ييتم ابنك وتئيم امرأتك.
فإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ شامل للذكور والإِناث.
стр. 3882
وقوله في هذه الآية ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين. ويفهم من دليل الخطاب، أي: مفهوم المخالفة في قوله: منكم. أن الأيامى من غيركم، أي: من غير المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك.
وهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرحًا به في آيات أخر، كقوله تعالى في أيامى الكفار الذكور: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وقوله في أياماهم الإناث: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقوله فيهما جميعًا: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
وبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقًا، وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافر، إلَّا أن عموم هذه الآيات خصصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فقوله تعالى عاطفًا على ما يحل للمسلمين: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ صريح في إباحة تزوج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهر أنها الحرة العفيفة.
فالحاصل: أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور إلَّا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية. والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يدل على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإِماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ لما تقرر في الأصول - وقد بيناه مرارًا -: من أن صيغة الأمر المجردة عن
стр. 3883
القرائن تقتضي الوجوب، وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها تزويجها إياه، وأنما يقوله بعض أهل العلم من المالكية، ومن وافقهم من أن السيد له منع عبده وأمته من التزويج مطلقًا غير صواب؛ لمخالفته لنص القرآن في هذه الآية الكريمة.
واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: وإمائكم، بينت آية النساء أن الأمة لا تزوج للحر إلَّا بالشروط التي أشارت إليها الآية. فآية النساء المذكورة مخصصة لعموم آية النور هذه بالنسبة إلى الإِماء وآية النساء المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدلت آية النساء هذه على أن الحر لا يجوز له أن يتزوج المملوكة المؤمنة إلَّا إذا كان غيره مستطيع تزويج حرة لعدم الطول عنده، وقد خاف الزنى، فله حينئذٍ تزوج الأمة بإذن أهلها المالكين لها، ويلزمه دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانية ولا متخذات الأخدان، ومع هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من الاضطرار خيرًا له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور من منع تزويج الحرِّ الأمة إلَّا بالشروط المذكورة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: الزنى، إلى آخر ما ذكر في الآية، خلافًا لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقًا إلَّا إذا تزوجها على حرة.
والحاصل: أن قوله تعالى في آية النور هذه: (وإمائكم)
стр. 3884
خصصت عمومه آية النساء كما أوضحناه آنفًا. والعلماء يقولون: إن علة منع تزويج الحر الأمة، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكًا؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فيلزمه ألا يتسبب في رق أولاده ما استطاع. ووجهه ظاهر كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، واللَّه لا يخلف الميعاد، وقد وعد الله أصحاب رسول الله ﷺ الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز لهم ذلك، وذلكم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق عليه رزقه، إلى قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ وهذا الوعد منه جلَّ وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ الآية. ووعد بالرزق أيضًا من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها، وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية. وعلى لسان نبينا صلى الله الله عليه وعليهما جميعًا وسلَّم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 3885
وَالْأَرْضِ﴾ الآية. ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض: النبات مما يأكل الناس والأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي: في الدنيا كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، وكما يدل عليه قوله بعده في جزائه في الآخرة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقد قدمنا أنه جلَّ وعلا وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق.
أما التزويج ففي قوله هنا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وأما الطلاق ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية.
والظاهر أن المتزوج الذي وعده الله بالغنى، هو الذي يريد بتزويجه الإِعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج كما بينه النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" الحديث. وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله، بغض البصر، وحفظ الفرج فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك.
وقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد الله بالرزق من أطاعه، سبحانه جل وعلا ما أكرمه، فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة، وما قاله أهل الظاهر من أن هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله؛ لأن قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يدل على وصف العبيد بالفقر والغنى، ولا يطلق الغنى إلَّا على من يملك المال الذي
стр. 3886
به صار غنيًا. ووجهه قوي. ولا ينافي أن لسيده أن ينتزع منه ذلك المال الذي هو ملك له. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ .
هذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة، هو المذكور في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ قيل: غفور لهن. وقيل: غفور لهم. وقيل: غفور لهن ولهم.
وأظهرها: أن المعنى غفور لهن؛ لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، بل يغفره الله له لعذره بالإِكراه، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية. ويؤيده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. ذكره عنه القرطبي، وذكره الزمخشري عن ابن عباس ﵃ جميعًا.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة شاذة، وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا بها لقراءة سبعية كما هنا، فزيادة لفظة (لهن) في قراءة من ذكرنا استشهاد بقراءة شاذة
стр. 3887
لبيان قراءةٍ غير شاذة، فتبين أن الموعود بالمغفرة والرحمة هو المعذور بالإِكراه دون المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
وقال الزمخشرى في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن؛ لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة.
قلت: لعل الإِكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإِثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. انتهى منه.
والذي يظهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن إسقاط المؤاخذة بالإِكراه يصدق عليه أنه غفران ورحمة من الله بعبده. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ .
ذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيه ﷺ آيات مبينات، ويدخل فيها دخولًا أوليًا الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود. ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة داخلة في قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ الآية.
стр. 3888
وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون، أي: تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها. ويدل لذلك عموم قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على آيات، أي: أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم.
قال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلًا معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم، أي: قصة غريبة من قصصهم، كقصة يوسف، ومريم في براءتهما.
وقال الزمخشري: ومثلًا من أمثال من قبلكم، أي: قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم يعني قصة عائشة ﵂. وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما.
وإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلًا، أي: قصة عجيبة غريبة في هذه السور الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم، أي من جنس قصصهم العجيبة. وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبر عنها بقوله: ومثلًا هي براءة عائشة ﵂ مما رماها به أهل الإِفك، وذلك مذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ
стр. 3889
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل الإِفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به.
وعلى هذا: فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف بأنه أراد بها سوءًا تعني الفاحشة قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ لأنهم سجنوه بضع سنين بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه، بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ قال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ الآية.
فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا؛ لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف؛ لأنه هو وعائشة كلاهما رُمِيا بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدم قريبًا، وبشهادة الشاهد من أهلها ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية.
ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى
стр. 3890
عن قوم مريم من أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج، كقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ يعني فاحشة الزنى، وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون الفاحشة، ثم بين الله تعالى براءتها مما رموها به في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ فكلام عيسى وهو رضيع ببراءتها يدل على أنها بريئة. وقد أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى من غير زوج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ إلى آخر الآيات.
ومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ وقوله تعالى في التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.
فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف
следующие страницы →