Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية. والضمير في سلكناه قيل: للقرآن، وهو الأظهر، وقيل: للتكذيب والكفر المذكور في قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ وهؤلاء الكفار الذين ذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم: هم الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنهم أشقياء، كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ وقد أوضحنا شدة تعنت هؤلاء، وأنهم لا يؤمنون بالآيات، في سورة الفرقان، وفي سورة بني إسرائيل وغيرهما.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: كذلك السلك أي: الإدخال. سلكناه، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين. وإيضاحه على أَنه القرآن: أن الله أنزله على رجل عربي فصيح بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه لأنه بلغتهم، ودخلت معانيه في قلوبهم، ولكنهم لم يؤمنوا به؛ لأن كلمة العذاب حقت عليهم. وعلى أن الضمير في سلكناه للكفر والتكذيب فقوله عنهم: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ يدل على إدخال الكفر والتكذيب في قلوبهم، أي: كذلك السلك سلكناه. . . إلخ.
• قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ .
لفظة هل هنا يراد بها التمني، والآية تدل على أنهم تمنوا التأخير والإِنظار، أي: الإِمهال. وقد دلت آيات أخر على طلبهم ذلك صريحًا، وأنهم لم يجابوا إلى ما طلبوا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ
стр. 4062
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وأوضح أنهم لا ينظرون في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا منه في سورة (يونس) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾.
• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ .
قد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾ .
قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾ .
قد قدمنا الآيات الدالة عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
стр. 4063
يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿ذِكْرَى﴾ أعربه بعضهم مرفوعًا، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه ذكرى، وأعربه بعضهم منصوبًا. وفي إعرابه على أنه منصوب أوجه.
منها: أنه ما ناب عن المطلق من قوله: منذرون؛ لأن أنذر وذكر متقاربان.
ومنها: أنه مفعول من أجله، أي: منذرون من أجل الذكرى بمعنى التذكرة.
ومنها: أنها حال من الضمير في منذرون، أي: ينذرونهم في حال كونهم ذوي تذكرة.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ .
قد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ بالدليل القرآني أن النبي ﷺ يخاطب بمثل هذا الخطاب، والمراد التشريع لأمته مع بعض الشواهد العربية.
стр. 4064
وقوله هنا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. جاء معناه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ .
هذا الأمر في هذه الآية الكريمة بإنذاره خصوص عشيرته الأقربين لا ينافي الأمر بالإِنذار العام، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
• قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقد وعدنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بأنا نوضح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة الشعراء في هذا الموضع، وهذا وفاؤنا بذلك الوعد، ويكفينا في الوفاء به أن ننقل كلامنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإِعجاز.
стр. 4065
فقد قلنا فيها ما نصه: والجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾ أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإِنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ والخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض حناجيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف. ومنه قول الشاعر:
وأنت الشهير بخفض الجنا ... ح فلا تك في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذل، فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير؛ لأن الإِضافة فيه كالإِضافة في قولك: حاتم الجود.
فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر.
وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإِناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما. وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته، كحاتم الجود، ونظيره
стр. 4066
في القرآن الإِضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه. والمسوغ لإِضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإِنسان، لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كني به عن ذل الإِنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب، والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ وكإسناد الخشوع، والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وفي كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدل عليه كلام السلف من المفسرين.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في الصواعق: إن معنى إضافة الجناح إلى الذل أن للذل جناحًا معنويًا يناسبه، لا جناح ريش. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح.
والتحقيق: أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.
وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول، فما قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾؟
قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإِيمان مؤمنين، لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق واتبع رسول الله ﷺ فيما جاء به، وصنف
стр. 4067
لم يوجد منهم إلَّا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح.
والمعنى: من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، أي: أنذر قومك فإن اتبعوك، وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك باللَّه وغيره. انتهى منه.
والأظهر عندي في قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ أنه نوع من التوكيد يكثر مثله في القرآن العظيم، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. ومعلوم أنهم إنما يقولون بأفواههم، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ .
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ قال فيه بعض أهل العلم: المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين، أي: المؤمنين باللَّه كآدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل.
стр. 4068
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وممن روي عنه هذا القول ابن عباس نقلا عنه القرطبي. وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترنًا به ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا، وأول الآية مرتبط بآخرها، أي: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك، ومجلسك ويرى تقلُّبك في السَّاجدين، أي: المصلين، على أظهر الأقوال؛ لأنه ﷺ يتقلب في المصلين قائمًا، وساجدًا، وراكعًا. وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم، أي: إلى الصلاة وحدك، وتقلبك في الساجدين، أي: المصلين إذا صليت بالناس.
وقوله هنا: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ الآية. يدل على الاعتناء به ﷺ ، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ الآية.
وقوله: (وتوكل) قرأه عامة السبعة غير نافع وابن عامر: وتوكل بالواو، وقرأه نافع وابن عامر فتوكل بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو، وبعضها فيها الفاء.
وقوله هنا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وبسطنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع بيان معنى التوكل في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.
стр. 4069
• قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ .
الشعراء: جمع شاعر كجاهل وجهلاء، وعالم وعلماء.
والغاوون: جمع غاو، وهو الضال.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ يدل على أن أتباع الشعراء من أتباع الشيطان، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ وقرأ هذا الحرف نافع وحده: يتبعهم بسكون التاء المثناة، وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون يتبعهم بتشديد المثناة، وكسر الموحدة. ومعناهما واحد.
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ يدل على تكذيب الكفار في دعواهم أن النبي ﷺ شاعر؛ لأن الذين يتبعهم الغاوون لا يمكن أن يكون النبي ﷺ منهم.
ويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبينًا أنهم ادعوا عليه ﷺ أنه شاعر، وتكذيب الله لهم في ذلك. أما دعواهم أنه ﷺ شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقّ﴾ الآية. تكذيب لهم في قولهم: إنه شاعر مجنون.
стр. 4070
مسألتان تتعلقان بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: "لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا" رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁. وقوله في الحديث: يريه بفتح المثناة التحتية وكسر الراء بعدها ياء مضارع ورى القيح جوفه، يريه، وريا إذا أكله وأفسده. والأظهر أن أصل وراه أصاب رئته بالإِفساد.
واعلم أن التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
ومن الأدلة القرآنية على ذلك أنه تعالى لما ذم الشعراء بقوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ استثنى من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية.
وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر القبيح المتضمن للكذب، والباطل، كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيات ونحو ذلك.
المسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في الشاعر إذا اعترف في شعره بما يستوجب حدًا، هل يقام عليه الحد؟ على قولين:
أحدهما: أنه يقام عليه؛ لأنه أقر به والإِقرار تثبت به الحدود.
والثاني: أنه لا يحد بإقراره في الشعر؛ لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف معتاد واقع لا نزاع فيه.
стр. 4071
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي: أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد لا يقام عليه الحد؛ لأن الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد، ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد به، كما ذكره جماعة من أهل الأخبار في قصة عمر بن الخطاب ﵁ المشهورة مع النعمان بن عدي بن نضلة.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر فقال:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يُسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قال: إي واللَّه إنه ليسوءني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ أما بعد: فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وايم الله إنه ليسوءني، وقد عزلتك، فلما قدم على عمر بكته
стр. 4072
بهذا الشعر، فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذلك الشعر إلَّا شيء طفح على لساني، فقال عمر: أظن ذلك، ولكن واللَّه لا تعمل لي عملًا أبدًا، وقد قلت ما قلت، فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير. وهذه القصة يستأنس بها لما ذكرنا.
وقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن سليمان بن عبد الملك لما سمع قول الفرزذق:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام
قال له: قد وجب عليك الحد، فقال الفرزدق: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ فلم يحده مع إقراره بموجب الحد.
• قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ .
هذا الذي ذكره هنا عن الشعراء من أنهم يقولون ما لا يفعلون، بين في آية أخرى أنه من أسباب المقت عنده جلَّ وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ والمقت في لغة العرب: البغض الشديد، فقول الإِنسان ما لا يفعل كما ذكر عن الشعراء يبغضه الله وإن كان قوله ما لا يفعل فيه تفاوت. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام
стр. 4073
على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ الآية. مع شواهده العربية.
• قوله تعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
أثنى الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات بذكرهم الله كثيرًا. وهذا الذي أثنى عليهم به هنا من كثرة ذكر الله أمر به في آيات أخر، وبين جزاءه قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ .
المنقلب هنا المرجع والمصير. والأظهر أنه هنا مصدر ميمي، وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف كان كل من مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه على صيغة المفعول.
стр. 4074
والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا أي مرجع يرجعون. وأي مصير يصيرون. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الظالمين سيعلمون يوم القيامة المرجع الذي يرجعون، أي: يعلمون العاقبة السيئة التي هي مآلهم، ومصيرهم ومرجعهم جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ ووقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.
وقوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ وليس مفعولًا به لقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾.
قال القرطبي ﵀: وأي منصوب بينقلبون؛ وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بسيعلم؛ لأن أيًا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكره النحويون. قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض. انتهى منه. والعلم عند الله تعالى.
* * *
стр. 4075
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة النمل
стр. 4076
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ .
تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾
• قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ .
إلى آخر القصة تقدم إيضاحه في مريم وطه والأعراف.
• قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ .
قد قدمنا أنها وراثة علم ودين، لا وراثة مال في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآية. وبينا هناك الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال.
• قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ .
تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.
стр. 4077
وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الآية. كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ قال بعض أهل العلم: الخبأ في السموات: المطر، والخبأ في الأرض: النبات، والمعادن، والكنوز، وهذا المعنى ملائم لقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ وقال بعض أهل العلم: الخبأ: السر والغيب، أي: يعلم ما غاب في السموات والأرض، كما يدل عليه قوله بعده: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ وكقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ كما أوضحناه في سورة هود.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير الكسائي: ألا يَسجدوا للَّه بتشديد اللام في لفظة ألا، ولا خلاف على هذه القراءة أن يسجدوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظة لا، فالفعل المضارع على هذه القراءة، وأن المصدرية المدغمة في لا ينسبك منهما مصدر في محل نصب على الأظهر، وقيل: في محل جر. وفي إعرابه أوجه.
الأول: أنه منصوب على أنه مفعول من أجله، أي: وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل ألا يسجدوا للَّه، أي: من أجل عدم سجودهم للَّه، أو فصدهم عن السبيل لأجل ألا يسجدوا للَّه، وبالأول قال الأخفش، وبالثاني قال الكسائي. وقال اليزيدي وغيره: هو منصوب على أنه بدل من أعمالهم، أي: وزين لهم الشيطان
стр. 4078
أعمالهم، ألا يسجدوا، أي: عدم سجودهم. وعلى هذا فأعمالهم هي عدم سجودهم للَّه. وهذا الإِعراب يدل على أن الترك عمل كما أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾.
وقال بعضهم: إن المصدر المذكور في محل خفض على أنه بدل من السبيل، أو على أن العامل فيه فهم لا يهتدون، وعلى هذين الوجهين فلفظة لا صلة، فعلى الأول منهما فالمعنى: فصدهم عن السبيل سجودهم للَّه، وعلى هذا فسبيل الحق الذي صدوا عنه هو السجود للَّه، ولا زائدة للتوكيد. وعلى الثاني فالمعنى: فهم لا يهتدون لأن يسجدوا للَّه، أي: للسجود له، ولا زائدة أيضًا للتوكيد. ومعلوم في علم العربية أن المصدر المنسبك من فعل، وموصول حرفي إن كان الفعل فيه منفيًا ذكرت لفظة عدم قبل المصدر؛ ليؤدى بها معنى النفي الداخل على الفعل، فقولك مثلًا: عجبت من أن لا تقوم. إذا سبكت مصدره لزم أن تقول: عجبت من عدم قيامك، وإذا كان الفعل مثبتًا لم تذكر مع المصدر لفظة عدم، فلو قلت: عجبتُ من أن تقوم، فإنك تقول في سبك مصدره: عجبت من قيامك، كما لا يخفى. وعليه فالمصدر المنسبك من قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ يلزم أن يقال فيه: عدم السجود، إلَّا إذا اعتبرت لفظة "لا" زائدة. وقد أشرنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ إلى أنا أوضحنا الكلام على زيادة لا لتوكيد الكلام في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في أول سورة البلد في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ وسنذكر طرفًا من كلامنا فيه هنا.
стр. 4079
فقد قلنا فيه: الأول وعليه الجمهور؛ أن لا هنا صلة على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة لا، من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ يعني: أن تتبعني، وقوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله تعالى في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، أي: فوربك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: والسيئة، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ على أحد القولين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ على أحد القولين، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ الآية, على أحد الأقوال الماضية، وكقول أبي النجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا
يعني أن تسخر، وقول الآخر:
وتلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل
يعني أن أحبه، ولا زائدة، وقول الآخر:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
يعني أبى جوده البخل، ولا زائدة - على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير - ولا سيما على رواية البخل بالجر؛ لأن لا عليها مضاف بمعنى لفظة لا، فليست زائدة على رواية الجر، وقول امرئ القيس:
فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
стр. 4080
يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر:
ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر
يعني وعمر، ولا صلة. وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج:
في بئر لا حور سرى وما شعر ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر
والحور الهلكة، يعني في بئر هلكة، ولا صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي.
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب
ويروي أفمنك، وتشيمه، بدل أفعنك وتسنمه، يعني أفعنك برق، ولا صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع
يعني كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ:
أعائش ما لقومك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
فغلط منه؛ لأن لا في بيت الشماخ هذا نافية، لا زائدة، ومقصوده أنها تنهاه عن حفظ ماله، مع أن أهلها يحفظون مالهم، أي: لا أرى قومك يضيعون مالهم، وأنت تعاتبينني في حفظ مالى. وما ذكره الفراء من أن لفظة لا، لا تكون صلة إلَّا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبي لا يصح على الإِطلاق، بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية، على ألقول بأن لا فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي. وما ذكره الزمخشري من زيادة لا في
стр. 4081
أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. انتهى محل الغرض من كتابنا: [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].
وقرأ هذا الحرف الكسائي وحده من السبعة: ألا يسجدوا بتخفيف اللام من قوله ألا، وعلى قراءة الكسائي هذه، فلفظة ألا حرف استفتاح، وتنبيه، ويا حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، واسجدوا فعل أمر. ومعلوم في علم القراءات أنك إذا قيل لك. قف على كل كلمة بانفرادها في قراءة الكسائي أنك تقف في قوله: ألا يسجدوا ثلاث وقفات الأولى: أن تقف على ألا، والثانية: أن تقف على يا، والثالثة: أن تقف على اسجدوا. وهذا الوقف وقف اختبار، لا وقف اختيار. وأما على قراءة الجمهور، فإنك تقف وقفتين فقط. الأولى: على ألا، ولا تقف على أن لأنها مدغمة في لا، والثانية: أنك تقف على يسجدوا.
واعلم أنه على قراءة الكسائي قد حذف في الخط ألفان، الأولى: الألف المتصلة بياء النداء، والثانية: ألف الوصل في قوله: اسجدوا. ووجه بعض أهل العلم إسقاطهما في الخط بأنهما لما سقطتا في اللفظ، سقطتا في الكتابة قالوا: ومثل ذلك في القرآن كثير.
واعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ألا للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء، حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر، قالوا: وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل:
ألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر
стр. 4082
وقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ... ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
فقوله له في البيتين ألا يا أسلمى، أي: يا هذه اسلمي، وقول الآخر.
• ألا يا أسلمي ذات الدماليج والعقد *
وقول الشماخ:
ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجالي ... وقبل منايا قد حضرن وآجالي
يعني ألا يا صحبي اصبحاني، ونظيره قول الآخر:
• ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر *
ومنه قول الآخر:
فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي
يعني ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته قول الشاعر:
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار
بضم التاء من قوله: لعنة الله، ثم قال: فيا لغير اللعنة. يعني أن المراد: يا قوم لعنة الله إلى آخره. وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدًا لقراءة الكسائي المذكورة قول الشاعر:
يا قاتل الله صبيانًا تجيء بهم ... أم الهنينين من زند لها وأري
ثم قال: كأنه أراد يا قوم قاتل الله صبيانًا، وقول الآخر:
يا من رأى بارقًا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد
стр. 4083
ثم قال: كأنه دعا يا قوم، يا إخوتي، فلما أقبلوا عليه قال: من رأى. وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته قول عنترة في معلقته:
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
قالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص.
واعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا، ويا: حرف تنبيه، كرر للتوكيد. وممن روي عنه هذا القول أبو الحسن بن عصفور. وهذا القول اختاره أبو حيان في البحر المحيط. قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء، وحذف المنادى؛ لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه؛ لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلقه، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالًا كبيرًا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلًا على العامل فيه جملة النداء، وليس حرف النداء حرف جواب، كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهن؛ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين، ولقصد المبالغة في التوكيد. وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله:
• فأصبحن لا يسألنني عن بما به *
стр. 4084
والمتفقي اللفظ العاملين في قوله:
• ولا للما بهم أبدا في واء *
وجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة، أو قليلًا فاجتماع غير العالمين، وهما مختلفا اللفظ يكون جائزًا، وليس يا في قوله:
• يا لعنة الله والأقوام كلهم *
حرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما له وجه من النظر عندي في قراءة الكسائي أن يكون قوله: يا اسجدوا فعل مضارع حذفت منه نون الرفع، بلا ناصب، ولا جازم، ولا نون توكيد، ولا نون وقاية.
وقد قال بعض أهل العلم: إن حذفها لا لموجب مما ذكر لغة صحيحة.
قال النووي في شرح مسلم في الجزء السابع عشر في صفحة ٢٠٧ ما نصه: قوله: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا. كذا هو في عامة النسخ، كيف يسمعوا، وأني يجيبوا من غير نون، وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وسبق بيانها مرات. ومنها الحديث السابق في كتاب الإِيمان "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا" انتهى منه. وعلى أن حذف نون الرفع لغة صحيحة فلا مانع من أن يكون قوله تعالى: ﴿يَسْجُدُوا﴾ في قراءة الكسائي فعل مضارع، ولا شك أن هذا له وجه من النظر، وقد اقتصرنا في
стр. 4085
سورة الحجر على أن حذفها مقصور على السماع، وذكرنا بعض شواهده. والعلم عند الله تعالى.
تنبيهان
الأول: اعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه محل سجدة على كلتا القراءتين؛ لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود، وتوبيخه. وبه تعلم أن قول الزجاج، ومن وافقه: إنها ليست محل سجدة على قراءة الجمهور، وإنما هي محل سجود على قراءة الكسائي خلاف التحقيق، وقد نبه على هذا الزمخشري وغيره.
التنبيه الثاني: اعلم أنه على قراءة الجمهور لا يحسن الوقف على قوله: لا يهتدون، وعلى قراءة الكسائي يحسن الوقف عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ قرأه حفص والكسائي بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأه الباقون: يخفون، ويعلنون بالتحتية على الغيبة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ .
جاء معناه موضحًا في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 4086
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ .
جاء معناه موضحًا أيضًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ .
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أرسل نبيه صالحًا إلى ثمود، فإذا هم فريقان يختصمون، ولم يبين هنا خصومة الفريقين، ولكنه بين ذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة الخصومة في الكفر والإِيمان.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.
стр. 4087
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ .
قوله اطيرنا بك، أي: تشاءمنا بك. وكان قوم صالح إذا نزل بهم قحط أو بلاء أو مصائب قالوا: ما جاءنا هذا إلَّا من شؤم صالح، ومن آمن به والتطير: التشاؤم، وأصل اشتقاقه من التشاؤم بزجر الطير.
وقد بينا كيفية التشاؤم والتيامن بالطير في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال بعض أهل العلم: أي: سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، فالشر الذي أصابكم بذنوبكم، لا بشؤم صالح، ومن آمن به من قومه.
وقد قدمنا معنى طائر الإِنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تشاؤم الكفار بصالح، ومن معه من المؤمنين جاء مثله موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في تشاؤم فرعون وقومه بموسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾، وقوله تعالى في تطير كفار قريش بنبينا ﷺ : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ والحسنة في الآيتين النعمة كالرزق والخصب، والعافية. والسيئة المصيبة بالجدب والقحط، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات،
стр. 4088
وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: بليتكم جاءتكم من ذنوبكم، وكفركم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ قال بعض العلماء: تختبرون. وقال بعضهم: تعذبون، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقد قدمنا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار؛ ليختبر بالسبك أزائف هو أم خالص؟ وأنها أطلقت في القرآن على أربعة معان:
الأول: إطلاقها على الإِحراق بالنار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: حرقوهم بنار الأخدود على أحد التفسيرين. وقد اختاره بعض المحققين.
المعنى الثاني: إطلاق الفتنة على الاختبار, وهذا هو أكثرها استعمالًا، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
الثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الكفر والضلال، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك. وهذا التفسير الصحيح دل عليه الكتاب والسنَّة.
أما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإنه يوضح أن
стр. 4089
معنى: لا تكون فتنة، أي: لا يبقى مشرك؛ لأن الدين لا يكون كله للَّه ما دام في الأرض مشرك كما ترى.
وأما السنَّة ففي قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله" الحديث. فقد جعل ﷺ الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس هي شهادة ألا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ . وهو وأضح في أن معنى: لا تكون فتنة: لا يبقى شرك، فالآية والحديث كلاهما دال على أن الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في الأرض شرك، إلَّا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقد عبر ﷺ بقوله: "حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله" فالغاية في الآية والحديث واحدة في المعنى، كما ترى.
الرابع: هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم، كما قاله غير واحد. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ .
قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نفعه الله بنصرة وليه، أي: أوليائه؛ لأنه مضاف إلى معرفة، ووجه نصرتهم له أن التسعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا﴾ أي: تحالفوا باللَّه (لنبيتنه) أي: لنباغتنه بياتًا، أي: ليلًا فنقتله ونقتل أهله معه ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: أوليائه وعصبته ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: ولا مهلكه هو. وهذا يدل على أنهم
стр. 4090
لا يقدرون أن يقتلوه علنًا، لنصرة أوليائه له، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه. والظاهر أن هذه النصرة عصبية نسبية، لا تمت إلى الدين بصلة، وأن أولياءه ليسوا مسلمين.
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الآية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وقوله تعالى في هذه الآية: تقاسموا. التحقيق أنه فعل أمر محكي بالقول. وأجاز الزمخشري، وابن عطية أن يكون ماضيًا في موضع الحال. والأول هو الصواب إن شاء الله. ونسبه أبو حيان للجمهور.
وقوله في هذه الآية: وإنا لصادقون. التحقيق فيه أنهم كاذبون في قولهم: وإنا لصادقون كما لا يخفى، وبه تعلم أن ما تكلفه الزمخشري في الكشاف من كونهم صادقين لا وجه له، كما نبه عليه أبو حيان وأوضحه.
وقرأ عامة السبعة غير حمزة والكسائي لنبيتنه بالنون المضمومة بعد اللام، وفتح الفوقية المثناة التي بعد التحتية المثناة، وقرأ حمزة والكسائي: لتبيتنه بالتاء الفوقية المضمومة بعد اللام، وضم التاء الفوقية التي بعد الياء التحتية، وقرأ عامة السبعة أيضًا غير حمزة والكسائي: ثم لنقولن بالنون المفتوحة موضع التاء، وفتح اللام الثانية، وقرأ حمزة والكسائي ثم لتقولن بفتح التاء الفوقية بعد اللام الأولى، وضم اللام الثانية، وقرأ عاصم: مهلك أهله بفتح الميم، والباقون بضمها، وقرأ حفص عن عاصم: مهلك بكسر اللام والباقون بفتحها.
стр. 4091
فتحصل أن حفصًا عن عاصم قرأ مهلك بفتح الميم وكسر اللام، وأن أبا بكر أعني شعبة قرأ عن عاصم: مهلك بفتح الميم واللام، وأن غير عاصم قرأ مهلك أهله بضم الميم وفتح اللام، فعلى قراءة من قرأ مهلك بفتح الميم، فهو مصدر ميمي من هلك الثلاثي، ويحتمل أن يكون اسم زمان أو مكان. وعلى قراءة من قرأ مهلك بضم الميم، فهو مصدر ميمي من أهلك الرباعي، ويحتمل أن يكون أيضًا اسم مكان أو زمان.
• قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ .
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآيات الكريمة ثلاثة أمور:
الأول: أنه دمر جميع قوم صالح، ومن جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وذلك في قوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ أي: وهم قوم صالح ثمود ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: خالية من السكان؛ لهلاك جميع أهلها ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: بسبب ظلمهم الذي هو كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي جعلها آية لهم. وقال بعضهم: خاوية: أي: ساقطًا أعلاها على أسفلها.
الثاني: أنه جلَّ وعلا جعل إهلاكه قوم صالح آية، أي: عبرة يتعظ بها من بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به
стр. 4092
ما نزل بهم من التدمير. وذلك في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾.
الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، وهم نبي الله صالح ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ وهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها جل وعلا هنا جاءت موضحة في آيات أخر.
أما إنجاؤه نبيه صالحًا، ومن آمن به وإهلاكه ثمود، فقد أوضحه جلَّ وعلا في مواضع من كتابه، كقوله في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ وآية هود هذه قد بينت أيضًا التدمير المجمل في آية النمل هذه فالتدمير المذكور في قوله تعالى: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾، بينت آية هود أنه الإهلاك بالصيحة في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ أي: وهم موتى.
وأما كونه جعل إهلاكه إياهم آية، فقد أوضحه أيضًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى فيهم: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ
стр. 4093
أَجْمَعِينَ (٥١)﴾. قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. وابن عامر: إنا دمرناهم بكسر همزة إنا على الاستئناف، وقرأه الكوفيون وهم: عاصم وحمزة والكسائي: أنا دمرناهم بفتح همزة أنا. وفي إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها على قراءة الكوفيين أوجه: منها: أنه بدل من عاقبة مكرهم، ومنها: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره هي، أي: عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم.
وهذان الوجهان هما أقرب الأوجه عندي للصواب، ولذا تركنا غيرهما من الأوجه. والضمير في قوله: مكرهم، وفي قوله: دمرناهم راجع إلى التسعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿خَاوِيَةٌ﴾ حال من بيوتهم، والعامل فيه الإِشارة الكامنة في معنى تلك.
• قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.
قد قدمنا الآيات التي فيها إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود في الكلام على قصة لوط وقومه، وبينا هناك كلام أهل العلم ومناقشة أدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط، وذكرنا الآيات المبينة لها أيضًا في سورة الحجر في الكلام على قصة لوط وقومه، وذكرنا بعض ذلك في سورة الفرقان.
• قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ .
стр. 4094
• وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ الآيات.
قد أوضحنا ما تضمنته من البراهين على البعث في أول سورة البقرة، وأول سورة النحل.
• قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وفي مواضع أخر.
• قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ .
أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى: بل إدراك علمهم، أي: تكامل علمهم في الآخرة، حين يعاينونها، أي: يعلمون في الآخرة علما كاملًا ما كانوا يجهلونه في الدنيا.
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ أي: في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل يعلمونه في الآخرة علمًا كاملًا لا يخالجه شك عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء.
وإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية لأن القرآن دل عليه دلالة واضحة في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ فقوله:
стр. 4095
أسمع بهم، وأبصر يوم يأتوننا بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا، أي: يوم القيامة. وهذا يوضح معنى قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تكامل فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإبصاره في ذلك الوقت. وقوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ يوضح معنى قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾؛ لأن ضلالهم المبين اليوم، أي: في دار الدنيا، هو شكهم في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ أي: علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل حديد، أي: قوي كامل.
وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة الشورى في الجواب عما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: كمال العلم وقوة المعرفة. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ فقوله: إنا موقنون، أي: يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ فعرضهم على ربهم صفًا يتدارك به علمهم لما كانوا ينكرونه. وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء، كما ترى إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم أن قوله: بل ادارك فيه اثنتا عشرة قراءة، اثنتان منها فقط سبعيتان، فقد قرأه عامة السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو: بل ادارك
стр. 4096
بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإِدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن, وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل.
والمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم، أي: تدارك بمعنى: تكامل، كقوله: ﴿إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.
وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك. قال البغوي أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه. والإِضراب في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ إضراب انتقالي، والظاهر أن من في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمي يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ وقول زهير في معلقته:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ .
ومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ
стр. 4097
مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت أفترت عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاح في سورة مريم.
وقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى بن مريم، وهي: أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم، قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾، وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ .
أعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: إنك لا تسمع الموتى، لا يصح فيه من أقوال العلماء إلَّا تفسيران:
الأول أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار، الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم
стр. 4098
الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع. ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا قال بعده: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.
فاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: الكفار الذين هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول للحق، ما تسمع ذلك الإِسماع إلَّا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإِسماع المثبت فيها لمن يؤمن بآياته فهو مسلم، دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: إنك لا تسمع الموتى بقوله: إن تسمع إلَّا من يؤمن بآياتنا، بل لقابله بما يناسبه، كأن يقال: إن تسمع إلَّا من لم يمت أي: يفارق روحه بدنه كما هو واضح.
وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول.
فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الكفار، ويدل له مقابلة الموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ بالذين يسمعون في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ويوضح ذلك قوله تعالى قبله ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: فافعل، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
стр. 4099
مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآية، وهذا واضح فيما ذكرنا. ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم، كأن يقال: إنما يستجيب الأحياء، أي: الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم، وكقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.
فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: أو من كان ميتًا، أي: كافرا، فأحييناه، أي: بالإِيمان والهدى. وهذا لا نزاع فيه. وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ أي: لا يستوي المؤمنون والكافرون.
ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية. وما في معناها من الآيات كلها تسلية له ﷺ ؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم، كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له ﷺ بين له فيها: أنه لا قدرة له ﷺ على هدي من أضله الله، فإن الهدى والإِضلال بيده جلَّ وعلا وحده، وأوضح له أنه نذير، وقد
стр. 4100
أتى بما عليه، فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم.
ومن الآيات النازلة تسلية له ﷺ قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، يعني ما تسمع إسماع هدى وقبول إلا من هديناهم للإِيمان بآياتنا فهم مسلمون.
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولو كان معنى الآية، وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له ﷺ كما ترى.
واعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها:
الأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، فيكفي في بيان آية الروم ما ذكرنا في آية النمل.
следующие страницы →