بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإِدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن, وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل.
والمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم، أي: تدارك بمعنى: تكامل، كقوله: ﴿إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.
وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك. قال البغوي أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه. والإِضراب في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ إضراب انتقالي، والظاهر أن من في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمي يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ وقول زهير في معلقته:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ .
ومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ
стр. 4097
مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت أفترت عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاح في سورة مريم.
وقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى بن مريم، وهي: أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم، قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾، وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ .
أعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: إنك لا تسمع الموتى، لا يصح فيه من أقوال العلماء إلَّا تفسيران:
الأول أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار، الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم
стр. 4098
الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع. ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا قال بعده: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.
فاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: الكفار الذين هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول للحق، ما تسمع ذلك الإِسماع إلَّا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإِسماع المثبت فيها لمن يؤمن بآياته فهو مسلم، دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: إنك لا تسمع الموتى بقوله: إن تسمع إلَّا من يؤمن بآياتنا، بل لقابله بما يناسبه، كأن يقال: إن تسمع إلَّا من لم يمت أي: يفارق روحه بدنه كما هو واضح.
وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول.
فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الكفار، ويدل له مقابلة الموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ بالذين يسمعون في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ويوضح ذلك قوله تعالى قبله ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: فافعل، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
стр. 4099
مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآية، وهذا واضح فيما ذكرنا. ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم، كأن يقال: إنما يستجيب الأحياء، أي: الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم، وكقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.
فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: أو من كان ميتًا، أي: كافرا، فأحييناه، أي: بالإِيمان والهدى. وهذا لا نزاع فيه. وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ أي: لا يستوي المؤمنون والكافرون.
ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية. وما في معناها من الآيات كلها تسلية له ﷺ ؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم، كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له ﷺ بين له فيها: أنه لا قدرة له ﷺ على هدي من أضله الله، فإن الهدى والإِضلال بيده جلَّ وعلا وحده، وأوضح له أنه نذير، وقد
стр. 4100
أتى بما عليه، فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم.
ومن الآيات النازلة تسلية له ﷺ قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، يعني ما تسمع إسماع هدى وقبول إلا من هديناهم للإِيمان بآياتنا فهم مسلمون.
والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولو كان معنى الآية، وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له ﷺ كما ترى.
واعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها:
الأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، فيكفي في بيان آية الروم ما ذكرنا في آية النمل.
стр. 4101
والثانية منهما: قوله تعالى في آية فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ وآية فاطر هذه كآية النمل والروم المتقدمتين؛ لأن المراد بقوله فيها: (من في القبور) المِوتى، فلا فرق بين قوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وبين قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ لأن المراد بالموتى ومن في القبور واحد، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ أي يبعث جميع الموتى: من قبر منهم ومن لم يقبر. وقد دلت قرائن قرآنية أيضًا على أن معنى آية فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية؛ لأن معناها: لا ينفع إنذارك إلَّا من هداه الله ووفقه فصار ممن يخشى ربه بالغيب، ويقيم الصلاة، وما أنت بمسمع من في القبور، أي: الموتى، أي: الكفار الذين سبق لهم الشقاء كما تقدم. ومنها قوله تعالى أيضًا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ أي: المؤمن والكافر، وقوله تعالى قبلها: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ أي: المؤمنون والكفار، ومنها قوله تعالى بعده: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ أي: ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلَّا نذير، أي: وقد بلغت.
التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفى في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم
стр. 4102
السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا. وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذا المبحث.
وهذا التفسير الأخير دلت عليه أيضًا آيات من كتاب الله جاء فيها التصريح بالبكم والصمم والعمى مسندًا إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم، دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، وذلك كقوله تعالى في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ فقد قال فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم كما صرح به في قوله تعالى فيهم. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم، وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسنة حداد هم الذين قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وما ذلك إلَّا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما ينتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صموا عنه، فلم يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه، وينطقون به، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وهذا واضح كما ترى.
وقد أوضحنا هذا غاية الإِيضاح مع شواهده العربية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين قوله في المنافقين ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ مع قوله فيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وقوله فيهم:
стр. 4103
﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على السماع الذي لا فائدة فيه، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك.
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة
أعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأن قول عائشة ﵂ ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها ﵂، وممن تبعها.
وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين:
الأولى منها: أن سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثبوتًا لا مطعن فيه. ولم يذكر ﷺ أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.
والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنَّة لشيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة لا يجب الرجوع إليه، لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ بتأول بعض الصحابة بعض الآيات. وسنوضح هنا إن شاء الله صحة المقدمتين المذكورتين. وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ثابت عنه ﷺ من غير معارض صريح علم بذلك رجحان ما ذكرنا أن الدليل يقتضي رجحانه.
أما المقدمة الأولى وهي ثبوت سماع الموتى عن النبي ﷺ ،
стр. 4104
فقد قال البخاري في صحيحه: حدثني عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن طلحة: "أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ﷺ ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال قتادة: أحياهم الله له، حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة، وندمًا. فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي ﷺ : أن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول ﷺ من أولئك الموتى بعد ثلاث. وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصًا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر.
وقال البخاري في صحيحه أيضًا: حدثني عثمان، حدثنا عبدة عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم
стр. 4105
قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية. انتهى من صحيح البخاري. وقد رأيته أخرج عن صحابيين جليلين، هما ابن عمر، وأبو طلحة تصريح النبي ﷺ بأن أولئك الموتى يسمعون ما يقول لهم، ورد عائشة لرواية ابن عمر بما فهمت من القرآن مردود، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أن ردها على ابن عمر أيضًا روايته عن النبي ﷺ أن الميت يعذب ببكاء أهله بما فهمت من الآية مردود أيضًا، وأوضحنا أن الحق مع ابن عمر في روايته، لا معها فيما فهمت من القرآن.
وقال البخاري في صحيحه أيضًا: حدثنا عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد. قال: وقال لي خليفة: حدثنا ابن زريع، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا في الجنة" الحديث. وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح تصريح النبي ﷺ بأن الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا. وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ فيه تخصيصًا.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني إسحاق بن عمر بن سليط الهذلي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: كنت مع عمر (ح) وحدثنا شيبان بن فروخ
стр. 4106
واللفظ له: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال. الحديث. وفيه: فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس. يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله. قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله ﷺ ، فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًا. قال عمر: يا رسول الله ﷺ كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليَّ شيئًا".
حدثنا هداب بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم الله حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا، فسمع عمر قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا. ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر" ثم ذكر مسلم بعد هذا رواية أنس عن أبي طلحة التي ذكرناها عن البخاري. فترى هذه الأحاديث الثابتة في الصحيح عن عمر، وابنه وأنس، وأبي طلحة ﵃ فيها التصريح من النبي ﷺ بأن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله ﷺ ، وقد أقسم ﷺ على ذلك ولم يذكر تخصيصًا.
стр. 4107
وقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال نبي الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه" الحديث. وفيه تصريح النبي ﷺ بسماع الميت في قبره قرع النعال، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى. وظاهره العموم في كل من دفن وتولى عنه قومه، كما ترى.
ومن الأحاديث الدالة على عموم سماع الموتى ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن شريك - وهو ابن أبي نمر - عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ولم يقل قتيبة قوله: وأتاكم ما توعدون. وفي رواية في صحيح مسلم عنها قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله ﷺ قال: قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون".
ثم قال مسلم ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول - في
стр. 4108
رواية أبي بكر - : السلام على أهل الديار، وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". انتهى من صحيح مسلم. وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم" وقوله: "وإنا إن شاء الله بكم" ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم، ولا شك أن ذلك ليس من شأن العقلاء، فمن البعيد جدًّا صدوره منه ﷺ وسيأتي إن شاء الله ذكر حديث عمرو بن العاص الدال على أن الميت في قبره يستأنس بوجود الحي عنده.
وإذا رأيت هذ الأدلة الصحيحة الدالة على سماع الموتى، فاعلم أن الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ لا تخالفها. وقد أوضحنا الصحيح من أوجه تفسيرها، وذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه، وأن استقراء القرآن يدل عليه.
وممن جزم بأن الآيات المذكورة لا تنافي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا أبو العباس بن تيمية ﵀ فقد قال في الجزء الرابع من مجموع الفتاوى من صحيفة خمس وتسعين ومائتين إلى صحيفة تسع وتسعين ومائتين ما نصه: وقد تعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة كما في الحديث الذي صححه ابن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجل يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلَّا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" وفي سنن أبي داود وغيره، عن أوس بن أبي أوس الثقفي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة
стр. 4109
الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار، ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه، مما يبين أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب إذا شاء الله ذلك كما يشاء، وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة أو معذبة، ولذا أمر النبي ﷺ بالسلام على الموتى، كما ثبت في الصحيح والسنن: أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم، ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم، في آثار كثيرة معروفة، ولكن لا يجب أن يكون دائمًا على البدن في كل وقت، بل يجوز أن يكون في حال.
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: "يا أبا جهل بن هشام، يا أمية ابن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة: أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا؟ فإنني وجدت ما وعدني ربي حقًا. فسمع عمر ﵁ قول النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وقد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر" وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر، فقال: "هل وجدتم ما وعدكم
стр. 4110
ربكم حقًا؟ وقال: إنهم ليسمعون الآن ما أقول. فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ : إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت لهم هو الحق، فم قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية".
وأهل العلم بالحديث اتفقوا على صحة ما رواه أنس، وابن عمر وإن كانا لم يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا، كما روى أبو حاتم في صحيحه، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁ "أن النبي ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عرصتهم ثلاث ليال، فلما كان اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها فحركها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نراه ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفاء الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ﷺ ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة، وتنديمًا. وعائشة قالت فيما ذكرته كما تأولت.
والنص الصحيح عن النبي ﷺ مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثل ضربه الله للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع
стр. 4111
سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، بل السماع المعتاد كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به. وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم، إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا، فكيف يرفع ذلك. انتهى محل الغرض من كلام أبي العباس بن تيمية ﵀. وقد تراه صرح فيه بأن تأول عائشة لا يرد به النص الصحيح عنه ﷺ ، وأنه ليس في القرآن ما ينفي السماع الثابت للموتى في الأحاديث الصحيحة.
وإذا علمت به أن القرآن ليس فيه ما ينفي السماع المذكور، علمت أنه ثابت بالنص الصحيح من غير معارض.
والحاصل: أن تأول عائشة ﵂ بعض آيات القرآن لا ترد به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ، ويتأكد ذلك بثلاث أمور:
الأول: هو ما ذكرناه الآن من أن رواية العدل لا ترد بالتأويل.
الثاني: أن عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي ﷺ إنهم ليسمعون الآن ما أقول. قالت: إن الذي قاله ﷺ : إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، فأنكرت السماع ونفته عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صح منه السماع كما نبه عليه بعضهم.
الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها المذكور إلى الروايات الصحيحة.
стр. 4112
قال ابن حجر في فتح الباري: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق - رواية يونس بن بكير - بإسناد جيد، عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وأخرجه أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإِنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. انتهى منه.
واحتمال رجوعها لما ذكر قوي، لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين. قال ابن حجر: إن أحدهما جيد، والآخر حسن، ثم قال ابن حجر: قال الإِسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه، أو استحالته. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر.
وقال ابن القيم في أول كتاب الروح: المسألة الأولى: وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلَّا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" فهذا نص في أنه يعرفه بعينه، ويرد ﵇.
وفي الصحيحين عنه ﷺ من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر، فألقوا في قليب، ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال: والذي بعثني بالحق ما أنتم باسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا" وثبت عنه ﷺ :
стр. 4113
أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد تواترت الآثار عنهم أن الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر له. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في كتاب القبور: "باب في معرفة الموتى بزيارة الأحياء": حدثنا محمد بن عون، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الله بن سمعان، عن زيد بن أسلم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلَّا استأنس به ورد عليه حتى يقوم".
حدثنا محمد بن قدامة الجوهري، حدثنا معن بن عيسى القزاز، أخبرنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "إذا مر الرجل بقبر أخيه يعرفه، فسلم عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇".
وذكر ابن القيم ﵀ في كلام أبي الدنيا وغيره آثارًا تقتضي سماع الموتى، ومعرفتهم لمن يزورهم، وذكر في ذلك مرائي كثيرة جدًّا، ثم قال: وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإِثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها، وأنها لا يحصيها إلَّا الله قد تواطأت على هذا المعنى، وقد قال النبي ﷺ : "أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر" يعني ليلة القدر، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطئ روايتهم له.
ومما قاله ابن القيم ﵀ في كلامه الطويل المذكور: وقد
стр. 4114
ثبت في الصحيح: أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه، فروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياق الموت، فبكى طويلًا وحول وجهه إلى الجدار الحديث. وفيه: فإذا أنا متُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا عليَّ التراب سنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. فدل على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم. اهـ.
ومعلوم أن هذا الحديث له حكم الرفع، لأن استئناس المقبور بوجود الأحياء عند قبره لا مجال للرأي فيه.
ومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل المذكور: ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره. وهذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإن السلام على من لا يشعر، ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي ﷺ أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية" وهذا السلام، والخطاب، والنداء لموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد.
ومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل قوله: وقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلي على هذا فقال: ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن الأحياء، ويعرفون أقوالهم، وأعمالهم ثم قال: ذكر
стр. 4115
أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : "ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلَّا عرفه ورد ﵇".
ويروى من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: "فإن لم يعرفه وسلم عليه رد ﵇" قال: ويروى من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلَّا استأنس به حتى يقوم" واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحد يسلم على إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇" ثم ذكر ابن القيم عن عبد الحق وغيره مرائي، وآثارًا في الموضوع، ثم قال في كلامه الطويل: ويدل على هذا أيضًا ما جرى عليه عمل الناس قديمًا، وإلى الآن من تلقين الميت في قبره، ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة، وكان عبثًا، وقد سئل عنه الإِمام أحمد ﵀ فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل.
ويروى فيه حديث ضعيف: ذكر الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره فيقول: يا فلان ابن فلانة" الحديث. وفيه: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ألا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنك رضيت باللَّه ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا" الحديث.
ثم قال ابن القيم ﵀: فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف في العمل
стр. 4116
به. وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وهي أكمل الأمم عقولًا، وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع، وتستحسن ذلك، لا ينكره منها منكر، بل سنه الأول للآخر، ويقتدى فيه الآخر بالأول، فلولا أن الخطاب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم. وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه.
وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به: "أن النبي ﷺ حضر جنازة رجل فلما دفن قال: سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل"، فأخبر أنه يسأل حينئذ، وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين. وقد صح عن النبي ﷺ أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين. ثم ذكر ابن القيم ﵀ قصة الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، وتنفيذ عوف لوصية الصعب له في المنام بعد موته، وأثنى على عوف بن مالك بالفقه في تنفيذه وصية الصعب بعد موته لما علم صحة ذلك بالقرائن، وكان في الوصية التي نفذها عوف إعطاء عشرة دنانير ليهودي من تركة الصعب كانتا دينًا له عليه، ومات قبل قضائها.
قال ابن القيم: وهذا من فقه عوف بن مالك ﵁، وكان من الصحابة حيث نفذ وصية الصعب بن جثامة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها من أن الدنانير عشرة، وهي في القرن، ثم سأل اليهودي فطابق قوله ما في الرؤيا، فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى اليهودي الدنانير. وهذا فقه إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك، ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقل الدنانير من تركة صعب،
стр. 4117
وهي لأيتامه وورثته إلى يهودي بمنام. ثم ذكر ابن القيم ﵀ تنفيذ خالد وأبي بكر الصديق ﵄ وصية ثابت بن قيس بن شماس ﵁ بعد موته، وفي وصيته المذكورة قضاء دين عينه لرجل في المنام، وعتق بعض رقيقه، وقد وصف للرجل الذي رآه في منامه الموضع الذي جعل فيه درعه الرجل الذي سرقها، فوجدوا الأمر كما قال، وقصته مشهورة.
وإذا كانت وصية الميت بعد موته قد نفذها في بعض الصور أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن ذلك يدل على أنه يدرك ويعقل ويسمع. ثم قال ابن القيم ﵀ في خاتمة كلامه الطويل: والمقصود جواب السائل، وأن الميت إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له، وسلامه عليه، ودعائه له أولى وأحرى. اهـ.
فكلام ابن القيم هذا الطويل الذي ذكرنا بعضه جملة، وبعضه تفصيلًا فيه من الأدلة المقنعة ما يكفي في الدلالة على سماع الأموات، وكذلك الكلام الذي نقلنا عن شيخه أبي العباس بن تيمية رحمهما الله تعالى. وفي كلامهما الذي نقلنا عنهما أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة، ومرائي متواترة وغير ذلك. ومعلوم أن ما ذكرنا في كلام ابن القيم من تلقين الميت بعد الدفن أنكره بعض أهل العلم، وقال: إنه بدعة، وأنه لا دليل عليه، ونقل ذلك عن الإِمام أحمد وأنه لم يعمل به إلَّا أهل الشام. وقد رأيت ابن القيم ﵀ استدل له بأدلة:
منها: أن الإِمام أحمد ﵀ سئل عنه، فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل.
стр. 4118
ومنها: أن عمل المسلمين اتصل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار.
ومنها: أن الميت يسمع قرع نعال الدافنين، إذا ولوا مدبرين. واستدلاله ﵀ بهذا الحديث الصحيح استدلال قوي جدًّا؛ لأنه إذا كان في ذلك الوقت يسمع قرع النعال، فلأن يسمع الكلام الواضح بالتلقين من أصحاب النعال أولى وأحرى. واستدلاله لذلك بحديث أبي داود: "سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل" له وجه من النظر؛ لأنه إذا كان يسمع سؤال السائل فإنه يسمع تلقين الملقن. واللَّه أعلم.
والفرق بين سماعه سؤال الملك وسماعه التلقين من الدافنين محتمل احتمالًا قويًا.
وما ذكره بعضهم من أن التلقين بعد الموت لم يفعله إلَّا أهل الشام، يقال فيه: إنهم هم أول من فعله، ولكن الناس تبعوهم في ذلك كما هو معلوم عند المالكية، والشافعية. قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: وتلقينه الشهادة: وجزم النووي باستحباب التلقين بعد الدفن. وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة والإِرشاد: وقد سئل عنه أبو بكر بن الطلاع من المالكية، فقال: هو الذي نختاره، ونعمل به، وقد روينا فيه حديثًا عن أبي أمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد بالشواهد، وعمل أهل الشام قديمًا إلى أن قال: وقال في المدخل: ينبغي أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه من كان من أهل الفضل والدين، ويقف عند قبره تلقاء وجهه ويلقنه؛ لأن الملكين ﵉ إذ ذاك يسألانه وهو يسمع قرع نعال المنصرفين.
وقد روى أبو داود في سننه عن عثمان ﵁ قال: كان
стр. 4119
رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيب فإنه الآن يسأل" إلى أن قال: وقد كان سيدي أبو حامد بن البقال، وكان من كبار العلماء والصلحاء، إذا حضر جنازة عزى وليها بعد الدفن، وانصرف مع من ينصرف، فيتوارى هنيهة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى القبر، فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين ﵉. انتهى محل الغرض من كلام الحطاب.
وما ذكره من كلام أبي بكر بن الطلاع المالكي له وجه قوي من النظر، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. ثم قال الحطاب: واستحب التلقين بعد الدفن أيضًا القرطبي، والثعالبي وغيرهما، ويظهر من كلام الأبي في أول كتاب الجنائز يعني من صحيح مسلم، وفي حديث عمرو بن العاص في كتاب الإِيمان ميل إليه. انتهى من الحطاب.
وحديث عمرو بن العاص المشار إليه هو الذي ذكرنا محل الغرض منه في كلام ابن القيم الطويل المتقدم.
قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، وأبو معن الرقاشي، وإسحاق بن منصور، كلهم عن أبي عاصم واللفظ لابن المثنى: حدثنا الضحاك، يعني أبا عاصم قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار. الحديث. وقد قدمنا محل الغرض منه بلفظه في كلام ابن القيم المذكور، وقدمنا أن حديث عمرو هذا له حكم الرفع، وأنه دليل صحيح على استئناس الميت بوجود الأحياء عند قبره.
стр. 4120
وقال النووي في روضة الطالبين ما نصه: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن فيقال: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة لَا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنت رضيت باللَّه ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا. ورد به الخبر عن النبي ﷺ .
قلت: هذا التلقين استحبه جماعات من أصحابنا، منهم القاضي حسين، وصاحب التتمة، والشيخ نصر المقدسي في كتابه التهذيب، وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقًا. والحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة، كحديث "اسألوا له التثبيت" ووصية عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم في صحيحه. ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي زمن من يقتدى به. اهـ محل الغرض من كلام النووي.
وبما ذكر العلامة ابن القيم وابن الطلاع، وصاحب المدخل من المالكية، والنووي من الشافعية، كما أوضحنا كلامهم تعلم أن التلقين بعد الدفن له وجه قوي من النظر؛ لأنه جاء فيه حديث ضعيف، واعتضد بشواهد صحيحة، وبعمل أهل الشام قديمًا، ومتابعة غيرهم لهم.
стр. 4121
وبما علم في علم الحديث من التساهل في العمل بالضعيف، في أحاديث الفضائل، ولا سيما المعتضد منها بصحيح. وإيضاح شهادة الشواهد له أن حقيقة التلقين بعد الدفن مركبة من شيئين:
أحدهما: سماع الميت كلام ملقنه بعد دفنه.
والثاني: انتفاعه بذلك التلقين، وكلاهما ثابت في الجملة.
أما سماعه لكلام الملقن فيشهد له سماعه لقرع نعل الملقن الثابت في الصحيحين، وليس سماع كلامه بأبعد من سماع قرع نعله كما ترى. وأما انتفاعه بكلام الملقن فيشهد له انتفاعه بدعاء الحي وقت السؤال في حديث: "سلوا لأخيكم التثبيت فإنه يسأل الآن" واحتمال الفرق (١) بين الدعاء والتلقين قوي جدًّا كما ترى، فإذا كان وقت السؤال ينتفع بكلام الحي الذي هو دعاؤه له، فإن ذلك يشهد لانتفاعه بكلام الحي الذي هو تلقينه إياه، وإرشاده إلى جواب الملكين، فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي، وفي الثاني انتفاع من الميت بكلام الحي وقت السؤال، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين.
وفي ذلك كله: دليل على سماع الميت كلام الحي، ومن أوضح الشواهد للتلقين بعد الدفن السلام عليه، وخطابه خطاب من يسمع، ويعلم عند زيارته كما تقدم إيضاحه، لأن كلًا منهما خطاب له في قبره، وقد انتصر ابن كثير ﵀ في تفسير سورة الروم في
стр. 4122
كلامه على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ لسماع الموتى، وأورد في ذلك كثيرًا من الأدلة التي قدمنا في كلام ابن القيم، وابن أبي الدنيا، وغيرهما وكثيرًا من المرائي الدالة على ذلك. وقد قدمنا الحديث الدال على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجة.
ومما قال في كلامه المذكور: وقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر ﵄ في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام، إلى أن قال: والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر ﵄؛ لما لها من الشواهد على صحتها، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس موفوعًا "ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه" الحديث. وقد قدمناه في هذا المبحث مرارًا.
وبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث في الكلام على آية النمل هذه تعلم أن الذي يرجحه الدليل: أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن الله يرد عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح أيضًا تسمع وترد بعد فناء الأجسام؛ لأنا قد قدمنا أن هذا ينبني على مقدمتين: ثبوت سماع الموتى بالسنَّة الصحيحة, وأن القرآن لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن القرآنية، واستقراء القرآن، وإذا ثبت ذلك بالسنَّة الصحيحة من غير معارض من كتاب، ولا سنَّة ظهر بذلك رجحانه على تأول عائشة ﵂، ومن تبعها بعض آيات القرآن كما تقدم إيضاحه. وفي الأدلة التي ذكرها العلامة ابن القيم في
стр. 4123
كتاب الروح على ذلك مقنع للمنصف. وقد زدنا عليها ما رأيت. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ .
ظاهر هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات الله، ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق، كقوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد أوضحنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في آية النمل هذه في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ ونحوها من الآيات، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ في الحشر العام لجميع الناس للحساب والجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية. في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة، لأجل التوبيخ المنصوص عليه في قوله هنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الآية. وهذا يدل عليه القرآن كما ترى. وقال بعضهم: هذه الأفواج التي تحشر حشرًا خاصًا هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم، وعليه فالآية كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ
стр. 4124
جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ والفوج: الجماعة من الناس. ومنه قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ أي: يرد أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يدفعون جميعًا كما قاله غير واحد.
• قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ .
قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة، أي: يسألون عن اعتقادهم وأعمالهم، ومقصوده بسؤالهم عن اعتقادهم قولهه تعالى: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾؛ لأن التصديق بآيات الله التي هي هذا القرآن من عقائد الإيمان التي لا بد منها، كما هو معلوم في حديث جبريل وغيره، ومقصوده بسؤالهم عن أعمالهم قوله تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ والسؤال المذكور سؤال توبيخ وتقريع، فقد وبخهم تعالى فيه على فساد الاعتقاد، وفساد الأعمال، والتوبيخ عليهما معًا المذكور هنا جاء مثله في قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ كما أشار له ابن كثير ﵀ فقوله تعالى: فلا صدق، وقوله: ولكن كذب توبيخ على فساد الاعتقاد. وقوله: ولا صلى: توبيخ على إضاعة العمل.
• قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ .
الظاهر أن القول الذي وقع عليهم هو كلمة العذاب، كما
стр. 4125
يوضحه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ ظاهره أن الكفار لا ينطقون يوم القيامة، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ الآية، مع أنه بينت آيات أخر من كتاب الله أنهم ينطقون يوم القيامة، ويعتذرون، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى عنهم: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الآية. وقوله تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كلامهم يوم القيامة.
وقد بينا الجواب عن هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة المرسلات في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ وما ذكرنا من الآيات، فذكرنا أن من أوجه الجواب عن ذلك أن القيامة مواطن، ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون، فإثبات النطق لهم ونفيه عنهم كلاهما منزل على حال ووقت غير حال الآخر ووقته. ومنها أن نطقهم المثبت لهم خاص بما لا فائد لهم فيه، والنطق المنفي عنهم خاص بمالهم فيه فائدة. ومنها غير ذلك، وقد ذكرنا شيئًا من أجوبة ذلك في الفرقان، وطه والإسراء.
стр. 4126
• قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ .
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضًا أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على المعنى بكونه هو الغالب في القرآن؛ لأن غلبته فيه تدل على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما معًا آية النمل هذه.
وإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة، أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشًا:
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج
والنوعان المذكوران من أنواع البيان، يبينان عدم صحة هذا القول.
стр. 4127
أما الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته، فهو أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله: ففزع، وذلك المعطوف عليه مرتب بالفاء على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. أي: ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات، وترى الجبال. فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن.
وأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح؛ لأن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.
стр. 4128
• قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ .
اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات:
الأول: حسنة هي فعل خير من أفعال العبد، كالإنفاق في سبيل الله، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات، أن الثواب مضاعف، فهو خير من نفس العمل؛ لأن من أنفق درهمًا واحدًا في سبيل الله، فأعطاه الله ثواب سبعمائة درهم، فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلًا، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد، وهذا لا إشكال فيه كما ترى.
وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ومعلوم أن عشر أمثال الحسنة خير منها، هي وحدها، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ الآية.
وأما النوع الثاني من الحسنة: فكقول من قال من أهل العلم: إن المراد بالحسنة في هذه الآية: لَا إلهَ إلَّا الله، ولا يوجد شيء خير من لَا إلهَ إلَّا الله، بل هي أساس الخير كله. والذي يظهر على هذا المعنى أن لفظة خير ليست صيغة تفضيل، وأن المعنى فله خير عظيم عند الله حاصل له منها: منها أي: من قبلها، ومن أجلها، وعليه
стр. 4129
فلفظة "من" في الآية كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي: من أجل خطيآتهم أغرقوا، فأدخلوا نارًا. وأما على الأول فخير صيغة تفضيل. ويحتمل عندي أن لفظة خير على الوجه الثاني صيغة تفضيل أيضًا، ولا يراد بها تفضيل شيء على لَا إلهَ إلَّا الله، بل المراد أن كلمة لَا إلهَ إلَّا الله تعبد بها العبد في دار الدنيا، وتعبده بها فعله المحض، وقد أثابه الله في الآخرة على تعبده بها، وإثابة الله فعله جلَّ وعلا, ولا شك أن فعل الله خير من فعل عبده. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ .
دلت على معناه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في أمنهم من الفزع: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقوله تعالى في أمنهم: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ قرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بتنوين فزع، وفتح ميم يومئذ، وقرأه الباقون بغير تنوين، بل بالإضافة إلى يومئذ، إلَّا أن نافعًا قرأ بفتح ميم يومئذ مع إضافة فزع إليه، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بإضافة فزع إلى يومئذ، مع كسر ميم يومئذ. وفتح الميم وكسرها من نحو يومئذ قد أوضحناه بلغاته وشواهده العربية مع بيان المختار من اللغات في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآية.
стр. 4130
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ .
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ﵃، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشرك.
وهذه الآية الكريمة تضمنت أمرين:
الأول: أن من جاء ربه يوم القيامة بالسيئة كالشرك يكب وجهه في النار.
والثاني: أن السيئة إنما تجزى بمثلها من غير زيادة، وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأول منهما: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ وكقوله تعالى في الثاني منهما: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾.
وإذا علمت أن السيئات لا تضاعف، فاعلم أن السيئة قد تعظم فيعظم جزاؤها بسبب حرمة المكان، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ أو حرمة الزمان، كقوله تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وقد دلت آيات من كتاب الله أن العذاب يعظم بسبب عظم
стр. 4131
الإنسان المخالف، كقوله تعالى في نبينا ﷺ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ الآية، وكقوله تعالى في أزواجه ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية، وقد قدمنا طرفًا من الكلام على هذا في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ مع تفسير الآية، ومضاعفة السيئة المشار إليها في هاتين الآيتين، إن كانت بسبب عظم الذنب، حتى صار في عظمه كذنبين، فلا إشكال، وإن كانت مضاعفة جزاء السيئة كانت هاتان الآيتان مخصصتين للآيات المصرحة بأن السيئة لا تجزى إلَّا بمثلها، والجميع محتمل. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ .
جاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ .
قد قدمنا الآيات التي فيها زيادة إيضاح لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ في سيرة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ الآية.
стр. 4132
وقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله تعالى هنا: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ .
جاء معناه مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ .
جاء معناه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ .
جاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: عما تعملون بتاء الخطاب، وقرأ الباقون عما يعملون بياء الغيبة.
* * *
стр. 4133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة القصص
стр. 4134
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ .
قد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هو الكلمة في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. ولم يبين هنا السبب الذي جعلهم به أئمة جمع إمام، أي: قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضًا الشيء الذي جعلهم وارثيه، ولكنه تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ فالصبر واليقين، هما السبب في ذلك، وبين الشيء الذي جعلهم له وارثين بقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.
стр. 4135
• قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ .
اعلم أن التحقيق - إن شاء الله - أن اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة، لا المجاز، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته جلَّ وعلا إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون، وقومه بمشيئته جلَّ وعلا إلى التقاطهم موسى؛ ليجعله لهم عدوًا وحزنًا، فكأنه يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا؛ ليكون لهم عدوًا وحزنًا. وهذا معنى واضح، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه: أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه؛ ليجعله عدوًا لهم وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه. انتهى محل الغرض من كلامه. وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كما بينا وجهه آنفًا.
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين، وينشدون له الشواهد من أن اللام في قوله: ليكون: لام العاقبة، والصيرورة خلاف الصواب، وأن ما يقوله البيانيون من أن اللام في قوله: ليكون فيها استعارة تبعية في متعلق معنى الحرف، خلاف الصواب أيضًا.